التقادم المسقط في مجال روابط القانون العام – أحكام واجتهادات القضاء المصري

الطعن 29199 لسنة 54 ق جلسة 1 / 3 / 2014 مكتب فني 59 ج 1 توحيد المبادئ ق 4 ص 59

برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ فريد نزيه حكيم تناغو رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ يحيى أحمد راغب دكروري, ومحمد عبد العظيم محمود سليمان, وفايز شكري حنين, ود.عبد الفتاح صبري أبو الليل, ومحمد عبد الحميد عبد اللطيف إبراهيم, ود. عبد الله إبراهيم فرج ناصف, ولبيب حليم لبيب, ومحمود محمد صبحي العطار, وحسن كمال محمد أبو زيد شلال, وأحمد عبد الحميد حسن عبود. نواب رئيس مجلس الدولة

—————-
– 1 دستور
المحكمة الدستورية العليا – آثار الأحكام الصادرة في الدعاوى الدستورية – الأصل أنه لا يجوز تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته من اليوم التالي لنشر الحكم، ليس في المستقبل فحسب، بل بالنسبة إلى الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص – إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي فإن جميع الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص تعد كأن لم تكن، ولو كانت أحكاما باتة – يستثنى من هذا الأثر الرجعي للحكم الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي، أو بانقضاء مدة التقادم – استحدث المشرع أمرين كلاهما يعد كذلك استثناء من هذا الأثر الرجعي: (أولهما) أنه ترك للمحكمة أن تحدد في حكمها تاريخا آخر لبدء إعمال أثر حكمها، و(الثاني) حدده قصرا في النصوص الضريبية، فلم يجعل للأحكام المتعلقة بعدم دستورية نص ضريبي إلا أثرا مباشرا في جميع الأحوال.
– المادة رقم (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا، الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، معدلة بموجب القرار بقانون رقم 168 لسنة 1998.

– 2 تأميم
أثر حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القرار بقانون رقم (134) لسنة 1964 بتعويض أصحاب أسهم ورؤوس أموال الشركات والمنشآت التي آلت ملكيتها إلى الدولة على وفق أحكام القوانين أرقام (117) و(118) و(119) لسنة 1991 والقوانين التالية لها تعويضا إجماليا – إعمالا لقاعدة الأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية العليا، فإن من شأن هذا الحكم النظر في أمر الحقوق محل النزاع لبيان ما إذا كان قد انقضى ميعاد التقادم في شأنها من عدمه، وذلك بإعمال أحكام المادتين (374) و(381) من القانون المدني.
– المادتان رقما (374) و(381) من القانون المدني.
– حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 1 لسنة 1ق. دستورية بجلسة 2/3/1985 بعدم دستورية القرار بقانون رقم 134 لسنة 1964 بتعويض أصحاب أسهم ورؤوس أموال الشركات والمنشآت التي آلت ملكيتها إلى الدولة على وفق أحكام القوانين أرقام 117 و 118 و 119 لسنة 1961 والقوانين التالية لها تعويضا إجماليا.

– 3 مجلس الدولة
الاختصاص القضائي – نطاق تطبيق قواعد القانون المدني – قواعد القانون المدني وضعت أصلا لتحكم روابط القانون الخاص – للقضاء الإداري أن يطبق من تلك القواعد ما يتلاءم مع روابط القانون العام، إلا إذا وجد النص التشريعي الخاص لمسألة معينة، فعندئذ يجب التزام النص(1).
– 4 تقادم
أساس فكرة التقادم المسقط في مجال روابط القانون العام (2) – وضعت قواعد القانون المدني أصلا لتحكم روابط القانون الخاص – للقضاء الإداري أن يطبق من تلك القواعد ما يتلاءم مع روابط القانون العام، إلا إذا وجد النص التشريعي الخاص بمسألة معينة فيجب التزامه – قوانين مجلس الدولة المتعاقبة خلت من تحديد مواعيد معينة لرفع الدعاوى في المنازعات الإدارية التي يختص بنظرها إلا ما تعلق منها بطلبات الإلغاء – بالنسبة لغير تلك الطلبات يجوز لذي الشأن رفع الدعوى متى كان الحق المطالب به لم يسقط بالتقادم طبقا لقواعد القانون المدني – فكرة التقادم المسقط لا تتعارض في طبيعتها ومفهومها مع روابط القانون العام – إذا كان للتقادم المسقط في مجال المطالبة بالحقوق في نطاق روابط القانون الخاص حكمته التشريعية المتعلقة باستقرار الحقوق، فإن حكمته في مجال روابط القانون العام تجد تبريرها في استقرار الأوضاع الإدارية والمراكز القانونية لعمال المرافق العامة استقرارا تمليه المصلحة العامة وحسن سير المرفق.
– 5 تقادم
التقادم المسقط – الأصل العام في التقادم المسقط هو انقضاء خمس عشرة سنة، تبدأ من اليوم الذي يصبح فيه الدين مستحق الأداء – لا يتحول التقادم من هذا الأصل إلى غيره إلا في الحالات التي يحدد فيها القانون مدة أخرى، وفي هذه الحالة يجب تفسير النصوص تفسيرا ضيقا لا يسري إلا على الحالات التي تضمنتها.
– 6 مجلس الدولة
دائرة توحيد المبادئ- اختصاص هذه الدائرة ينحصر في ترجيح أحد الاتجاهات التي اعتنقتها دوائر المحكمة الإدارية العليا عند مخالفة بعضها بعضا؛ حسما لهذا الخلاف، أو العدول عن مبدأ أو مبادئ قانونية قررتها أحكام سابقة لدوائر المحكمة- إذا انتهت هذه الدائرة إلى مخالفة الاتجاهات التي اعتنقتها دوائر المحكمة الإدارية العليا للتطبيق السليم للقانون أو لما استقرت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا، فإنها لا ترى ترجيح أي منها، وتمارس ولايتها في العدول عن كل منها، وإرساء مبدأ جديد.
– المادة رقم (54 مكررا) من قانون مجلس الدولة، الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972.

– 7 تقادم
تحديد تاريخ بدء سريان ميعاد التقادم عند إعمال حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بعدم دستورية نص قانوني – يبدأ حساب مدة التقادم المسقط للحق (وهي خمس عشرة سنة) من تاريخ نشوء الحق المطالب به، وتنقطع هذه المدة باللجوء إلى القضاء – كلا اتجاهي المحكمة الإدارية العليا سواء الذي عول على تاريخ اكتمال تنظيم الإجراءات الخاصة بإقامة دعوى الدستورية بصدور قانون الإجراءات أمام المحكمة العليا في 27/8/1970، أو ذاك الذي عول على تاريخ نشر الحكم الصادر بعدم الدستورية، يتعارض مع أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تواترت على استثناء المراكز التي استقرت بحكم حاز حجية الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم من الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم دستورية نص قانوني – اللجوء إلى القاضي الطبيعي من الحقوق التي كفلتها الدساتير المصرية المتعاقبة، فإذا نشط أحد الأفراد ولجأ إلى القضاء واستصدر حكما بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة فلا ينبغي المساواة بينه وبين من آثر عدم اللجوء إلى القضاء تاركا حقه للسقوط بمضي المدة.
———–
الوقائع
بتاريخ 15/6/2008 أودع وكيل الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الأولى) بجلسة 8/5/2008 في الدعوى رقم 5013 لسنة 61 ق، الذي قضى بسقوط الحق في المطالبة بالتقادم الطويل وإلزام المدعين المصروفات. وطلب الطاعن في ختام تقرير الطعن – وللأسباب المبينة تفصيلا في تقرير الطعن – القضاء بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا (أصليا) بإلزام المطعون ضده بصفته أن يؤدي إليهم مبلغ تعويض يعادل قيمة الأرض الحالية على أساس عشرين ألف جنيه للمتر المربع والفوائد القانونية من تاريخ إقامة الدعوى الأصلية في 11/5/1999 وحتى تمام السداد.
و(احتياطيا) بندب مكتب خبراء وزارة العدل ليندب بدوره لجنة من خبرائه المختصين تكون مهمتها تحديد قيمة العقار الحالية.
وقد جرى إعلان تقرير الطعن إلى المطعون ضده بصفته على النحو الثابت بالأوراق، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بتأييد قضاء المحكمة الإدارية العليا في الطعنين رقمي 6377 و6817 لسنة 53 ق. عليا بجلسة 26/6/2010، القاضي بحساب مدة التقادم اعتبارا من تاريخ نشر الحكم بعدم دستورية نص القانون الذي كان حائلا دون الاستجابة لطلب صاحب الشأن في التعويض.
ونظر الموضوع أمام دائرة فحص الطعون بجلسة 17/10/2011 وما تلاها من جلسات على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، وبجلسة 18/6/2012 قررت دائرة فحص الطعون إحالته إلى محکمة الموضوع لنظره بجلسة 13/10/2012، حيث تدوول الطعن أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 23/3/2013 أحالته إلى دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا لترجيح أي من الاتجاهين المذكورين برول الجلسة.
وقد عينت لنظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ جلسة 4/5/2013، حيث جرى تداوله على النحو المبين بمحاضر الجلسات، حيث أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا رجحت فيه حساب مدة التقادم اعتبارا من تاريخ نشر الحكم بعدم الدستورية، وبجلسة 7/12/2011 قررت الدائرة إصدار الحكم فيه بجلسة اليوم، حيث صدر الحكم وأودعت مسودته مشتملة على أسبابه عند النطق به.

—————
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة قانونا.
وحيث إن عناصر المنازعة تخلص – على وفق ما هو ثابت بالأوراق – في أنه بتاريخ 11/5/1999 أقيمت الدعوى رقم 5013 لسنة 61 ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية (الدائرة الأولى)، وطلب المدعون فيها الحكم بقبول الدعوى شكلا، وبإلزام وزير المالية (بصفته) أن يؤدي لهم مبلغا مقداره ثلاثة وسبعون مليونا وست مئة ألف جنيه، تعويضا لهم عن الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بهم ومورثهم من قرار تأميم مشروع مضارب أرز …… بالإسكندرية، وكذا الفوائد القانونية عن هذا المبلغ، وما يترتب على ذلك من آثار.
وذكروا شرحا للدعوى أن مورثيهم كانوا يمتلكون مشروع مضارب أرز …..، وقد تم تأميمه بالقرار بقانون رقم 42 لسنة 1962، وأن مورثيهم لم يتقدموا لصرف التعويض في ذلك الوقت؛ لأن القانون رقم 134 لسنة 1964 كان يقضي بأن يكون تعويض أصحاب الشركات المؤممة لا يتجاوز خمسة عشر ألف جنيه، وأضافوا أنهم فوجئوا بقيام الشركة القابضة للمضارب والمطاحن بالإعلان عن بيع بالمزاد العلني لأرض المضرب المذكور بما يفيد تخليها عن الانتفاع بالمضرب، ومن ثم يحق لهم استرداده، وأضافوا أن قرار التأميم كان مانعا قانونيا يحول دون المطالبة باسترداد العقار، كما أن المحكمة الدستورية العليا قد قضت بجلسة 2/3/1985 بعدم دستورية القانون رقم 134 لسنة 1964 الذي كان يعتبر مانعا قانونيا يحول بينهم وبين المطالبة بحقوقهم، ومن ثم فإن حقهم مازال قائما، كما أن من حقهم المطالبة بالتعويض في حالة استحالة استرداد العقار، ويشمل هذا التعويض ثمن العقار وما عليه من منشآت ومعدات وأدوات، بالإضافة إلى التعويض الأدبي عن المعاناة التي لاقوها هم ومورثوهم جراء حرمانهم من ملكيتهم الخاصة.
وبجلسة 8/5/2008 قضت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية في الدعوى المبينة سالفا بسقوط الحق في المطالبة بالتقادم الطويل، وألزمت المدعين المصروفات.
وشيدت قضاءها على أن الثابت من الأوراق أن إجراءات التأميم كانت خلال عامي 1962 و1963، في حين أن المدعين أقاموا دعواهم بطلب التعويض عن المضرب المذكور عام 1999، أي بعد انقضاء ما يقارب 36 سنة، الأمر الذي يتعين معه القضاء بسقوط حقهم في المطالبة بالتعويض بالتقادم الطويل.
ولا يغير من ذلك حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 2/3/1985 الذي قضى بعدم دستورية القانون رقم 134 لسنة 1964 فيما تضمنه من تقرير حد أقصى مقداره خمسة عشر ألف جنيه لتعويض أصحاب المشروعات المؤممة، وما استند إليه المدعون من أن حقهم في التعويض نشأ اعتبارا من تاريخ صدور ذلك الحكم؛ بحسبان أن القانون المذكور لا ينطبق على الحالة المعروضة بالنظر إلى ما انتهت إليه لجنة التقييم من أن خصوم المصنع كانت تزيد على أصوله في تاريخ التأميم، فضلا عن أن قضاء المحكمة الإدارية العليا قد استقر على أن ميعاد التقادم في مثل هذه الحالة يبدأ من تاريخ اكتمال تنظيم الإجراءات أمام المحكمة المختصة بالفصل في دستورية القانون، وهو في الحالة المعروضة 27/8/1970 (تاريخ صدور القانون رقم 66 لسنة 1970 بشأن الإجراءات أمام المحكمة العليا) باعتبار أنه بصدور هذا القانون أصبح القضاء الدستوري متاحا، ولم يعد ثمة مانع يحول دون رفع الدعوى بعدم الدستورية.
وإذ لم يرتض الطاعنون هذا القضاء أقاموا الطعن الماثل ناعين على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وتأويله والفساد في الاستدلال؛ ذلك لأن ديون المضرب التي كانت قائمة وقت التأميم قد قام مورثهم بسدادها وقت التأميم، وبالتالي كان يتعين أخذ ذلك في الاعتبار عند تقييم المضرب، كما أن الحكم المطعون فيه خالف المبادئ الدستورية المستقرة التي تعتبر أحكام المحكمة الدستورية العليا في حكم التشريع وتسري في مواجهة الجميع من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية، وقد استقرت كذلك الأحكام على دوام حق الملكية وعدم زواله عند التراخي في استعماله.
وطلب الطاعنون في ختام صحيفة الطعن الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا (أصليا) بإلزام المطعون ضده أن يؤدي لهم مبلغ التعويض المعادل لقيمة الأرض على أساس عشرين ألف جنيه للمتر المربع الواحد، مع الفوائد القانونية من تاريخ إقامة الدعوى الأصلية في 11/5/1999 حتى تمام السداد. و(احتياطيا) بندب مكتب خبراء وزارة العدل ليندب بدوره لجنة من خبرائه المختصين تكون مهمتها تحديد قيمة العقار الحالية.
ومن حيث إن المسألة المطروحة على هذه الدائرة تدور حول تحديد تاريخ بدء سريان ميعاد التقادم عند إعمال حكم المحكمة الدستورية الصادر بعدم دستورية نص قانوني، وما إذا كان يبدأ من تاريخ اكتمال تنظيم الإجراءات الخاصة بإقامة دعوى الدستورية بصدور القانون رقم 81 لسنة 1969 بإنشاء المحكمة العليا وقانون الإجراءات الخاص بها رقم 66 لسنة 1970، أم يبدأ من تاريخ نشر الحكم الصادر بعدم دستورية النص في الجريدة الرسمية، حيث صدر عن المحكمة الإدارية العليا بعض الأحكام التي تُعول على تاريخ اكتمال الإجراءات الخاصة بإقامة دعوى الدستورية (بصدور قانون الإجراءات الخاصة بالمحكمة العليا في 27/8/1970) عند حساب مدة التقادم.
(حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 7950 لسنة 45 ق. عليا جلسة 25/6/2005)
في حين أن المحكمة ذاتها عادت وعولت على تاريخ نشر الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية النص في الجريدة الرسمية عند حساب مدة التقادم.
(حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعنين رقمي 6377 و6817 لسنة 53 ق. عليا جلسة 26/6/2010)
ومن حيث إن المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، والمعدل بالقانون رقم 168 لسنة 1998 تنص على أن: “أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة … ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم ما لم يحدد الحكم لذلك تاريخا آخر.
على أن الحكم بعدم دستورية نص ضريبي لا يكون له في جميع الأحوال إلا أثر مباشر، وذلك دون إخلال باستفادة المدعي من الحكم الصادر بعدم دستورية هذا النص. فإذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص كأن لم تكن، ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء مقتضاه”.
ومن حيث إن مفاد ما تقدم – وعلى ما قضت به المحكمة الدستورية العليا – أنه لما كان النص في المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا قبل تعديلها بالقانون رقم 168 لسنة 1998 على عدم جواز تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته من اليوم التالي لنشر الحكم بعدم الدستورية هو خطاب تشريعي موجه لجميع سلطات الدولة وللجميع للعمل بمقتضاه، وكان قاضي الموضوع هو من بين المخاطبين بهذا النص التشريعي، فإنه يكون متعينا عليه عملا به ألا ينزل حكم القانون المقضي بعدم دستوريته على المنازعات المطروحة عليه، وذلك يؤكد قصد المشرع في تقرير الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية، ويؤيد انسحابه على ما سبقه من علاقات وأوضاع نشأت في ظل القانون الذي قضى بعدم دستوريته.
وقد أعملت المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا هذه الرجعية على إطلاقها بالنسبة للنصوص الجنائية إلى حد إسقاط حجية الأمر المقضي به لتعلقها بالإدانة في أمور تمس الحرية الشخصية، أما في المسائل الأخرى (غير الجنائية) فيسري عليها كذلك الأثر الرجعي للحكم بعدم الدستورية ما لم يكن للعلاقات والأوضاع السابقة أساس قانوني آخر ترتكن إليه وتحد من إطلاق الرجعية عليها، وهو ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا في تعليقها على نص المادة 49 منه، حيث ورد بها أن القانون تناول أثر الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة فنص على عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم، وهو نص ورد في بعض القوانين المقارنة واستقر الفقه والقضاء على أن مؤداه هو عدم تطبيق النص ليس في المستقبل فحسب، وإنما بالنسبة إلى الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم دستورية النص، على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعي الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم، أما إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي فإن جميع الأحكام التي صدرت بالإدانة استنادا إلى ذلك النص تعتبر كأن لم تكن، ولو كانت أحكاما باتة.
ثم رأى المشرع أن يتدخل بتعديل نص الفقرة الثالثة من المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 49 لسنة 1979، بما يكفل – حسبما جاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا التعديل – تخويل المحكمة سلطة تقرير أثر رجعي لحكمها على ضوء الظروف التي تتصل ببعض الدعاوى الدستورية التي تنظرها، وتخويلها تقرير أثر مباشر للحكم إذا كان متعلقا بعدم دستورية نص ضريبي، فصدر بذلك القانون رقم 169 لسنة 1998.
ومؤدى ذلك أن المشرع أكد – من ناحية – المفهوم الصحيح لأثر الحكم بعدم الدستورية والذي سبق أن استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا، وهو الأثر الرجعي بالمفهوم السابق إيضاحه، و- من ناحية أخرى – استحدث أمرين كلاهما يعتبر استثناء من الأصل، وهو الأثر الرجعي حيث ترك للمحكمة أن تحدد في حكمها تاريخا آخر لبدء إعمال أثر حكمها، والثاني حدده قصرا في النصوص الضريبية فلم يجعل لها إلا أثرا مباشرا في جميع الأحوال.
(حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 78 لسنة 25 ق. دستورية الصادر بجلسة 13/1/2008، وحكمها في القضية رقم 37 لسنة 9 ق. دستورية بجلسة 19/5/1990، وحكمها في القضية رقم 48 لسنة 3 ق دستورية بجلسة 11/6/1983، وحكمها في القضية رقم 16 لسنة 3 ق. دستورية بجلسة 5/6/1982).
ومن حيث إن البين من قضاء المحكمة الدستورية العليا الذي تواتر على أن قضاءها بعدم دستورية النص لا ينصرف إلى المستقبل فحسب وإنما ينصرف إلى الوقائع والعلاقات السابقة على صدور الحكم بعدم الدستورية، على أن يستثنى من هذا الأثر الرجعي الحقوق والمراكز التي استقرت عند صدوره بحكم حاز قوة الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم، وإعمالا لإلزامية أحكام المحكمة الدستورية العليا للجميع – بمن فيهم القضاة – يتعين على المحاكم باختلاف درجاتها الالتزام بهذا القضاء، بما مؤداه ضرورة استثناء الحقوق والمراكز القانونية التي استقرت بأحكام حازت قوة الشيء المقضي أو بانقضاء مدة التقادم عند صدور حكم المحكمة الدستورية العليا، وذلك من الأثر الرجعي لهذا الحكم.
– وحيث إن المحكمة الدستورية العليا أصدرت حكمها في القضية رقم 1 لسنة 1 ق. دستورية بجلسة 2/3/1985 بعدم دستورية القرار بقانون رقم 134 لسنة 1964 بتعويض أصحاب أسهم ورؤوس أموال الشركات والمنشآت التي آلت ملكيتها إلى الدولة وفقا لأحكام القوانين أرقام 117 و118 و119 لسنة 1991 والقوانين التالية لها تعويضا إجماليا، فإنه إعمالا لما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من سريان أحكامها بأثر رجعي فيما عدا الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت بحكم قضائي حاز قوة الشيء المقضي أو بانقضاء مدة التقادم، فإن من شأن الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 134 لسنة 1964 النظر في أمر الحقوق محل النزاع لبيان ما إذا كان قد انقضى ميعاد التقادم في شأنها من عدمه إعمالا للأثر الرجعي للحكم، وذلك بإعمال أحكام المادة 374 من القانون المدني ونصها: “يتقادم الالتزام بانقضاء خمس عشرة سنة فيما عدا الحالات التي ورد عنها نص خاص في القانون، وفيما عدا الاستثناءات التالية …”.
– وكذلك بإعمال حكم المادة 381 من هذا القانون التي تنص على أنه: “لا يبدأ سريان التقادم فيما لم يرد فيه نص خاص إلا من اليوم الذي يصبح فيه الدين مستحق الأداء …”؛ ذلك أن قواعد القانون المدني وضعت أصلا لتحكم روابط القانون الخاص، وللقضاء الإداري أن يطبق من تلك القواعد ما يتلاءم مع روابط القانون العام، إلا إذا وجد النص التشريعي الخاص لمسألة معنية فعندئذ يجب التزام النص.
وقد خلت قوانين مجلس الدولة المتعاقبة – وآخرها القانون رقم 47 لسنة 1972 – من تحديد مواعيد معينة لرفع الدعاوى في المنازعات الإدارية التي يختص بنظرها هيئة قضاء إداري إلا ما تعلق منها بطلبات الإلغاء، ومؤدى ذلك أنه بالنسبة لغير تلك الطلبات يجوز لذي الشأن رفع الدعوى متى كان الحق المطالب به لم يسقط بالتقادم طبقا لقواعد القانون المدني، وأساس ذلك أن فكرة التقادم المسقط الذي هو طريق لانقضاء الديون التي لم تنقض بأي طريق آخر لا تتعارض في طبيعتها ومفهومها مع روابط القانون العام، وإذا كان للتقادم المسقط للمطالبة بالحقوق في نطاق روابط القانون الخاص حكمته التشريعية المتعلقة باستقرار الحقوق، فإن حكمته في مجال روابط القانون العام تجد تبريرها في استقرار الأوضاع الإدارية والمراكز القانونية لعمال المرافق العامة استقرارا تمليه المصلحة العامة وحسن سير المرافق. (حكم دائرة توحيد المبادئ – الطعنان رقما 567 لسنة 29 ق. عليا و55 لسنة 12 ق. عليا جلسة 15من ديسمبر سنة 1985).
ومؤدى ذلك أن الأصل العام في التقادم المسقط هو انقضاء خمس عشرة سنة، تبدأ من اليوم الذي يصبح فيه الدين مستحق الأداء، ولا يتحول التقادم من هذا الأصل إلى غيره إلا في الحالات التي يحدد فيها القانون مدة أخرى. وفي هذه الحالة يجب تفسيرها تفسيرا ضيقا لا يسري إلا على الحالات التي تضمنتها.
وحيث إن كلا الاتجاهين للمحكمة الإدارية العليا سواء هذا الذي عول على تاريخ اكتمال تنظيم الإجراءات الخاصة بإقامة دعوى الدستورية بصدور قانون الإجراءات أمام المحكمة العليا في 27/8/1970، أو ذلك الذي عول على تاريخ نشر الحكم الصادر بعدم الدستورية، يتعارض مع أحكام المحكمة الدستورية العليا التي تواترت على استثناء المراكز التي استقرت بحكم حاز حجية الأمر المقضي أو بانقضاء مدة التقادم من الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم دستورية نص قانوني، كما يتعارض مع ما ورد بالمذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة الدستورية العليا من إعمال الأحكام الصادرة بعدم الدستورية بأثر رجعي، وألا يستثنى من هذه الرجعية إلا الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدور الحكم بانقضاء مدة التقادم على ما سلف بيانه، ويؤكد ذلك أن اللجوء إلى القاضي الطبيعي من الحقوق التي كفلتها الدساتير المصرية المتعاقبة، فإن نشط أحد الأفراد ولجأ إلى القضاء واستصدر حكما بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة فلا ينبغي المساواة بينه وبين من آثر عدم اللجوء إلى القضاء تاركا حقه للسقوط بمضي المدة.
ومن حيث إن اختصاص هذه الدائرة طبقا للمادة (54 مكررا) من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972 ينحصر في إما ترجيح أحد الاتجاهات التي اعتنقتها دوائر المحكمة الإدارية العليا عند مخالفة بعضها بعضا حسما لهذا الخلاف، أو العدول عن مبدأ أو مبادئ قانونية قررتها أحكام سابقة لدوائر المحكمة، وإذ انتهت هذه الدائرة – على وفق ما سبق بيانه – إلى مخالفة كل من الاتجاهين اللذين اعتنقتهما دوائر المحكمة الإدارية العليا للتطبيق السليم لقانون المحكمة الدستورية العليا ولما استقرت عليه أحكام هذه المحكمة، فإن هذه الدائرة لا ترى ترجيح أي من الاتجاهين السابقين، وتمارس ولايتها في العدول عن كل من الاتجاهين وإرساء مبدأ جديد، وهو حساب مدة التقادم المسقط للحق (وهي خمس عشرة سنة) من تاريخ نشوء الحق المطالب به، وتنقطع هذه المدة باللجوء إلى القضاء.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
(أولا) أن الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم دستورية نص قانوني يستثنى منه الحقوق والمراكز التي تكون قد استقرت عند صدوره بانقضاء مدة التقادم.
(ثانيا) أن مدة التقادم المسقط يبدأ حسابها من تاريخ نشوء الحق المدعى به.
(ثالثا) إعادة الطعن إلى الدائرة المختصة بالمحكمة الإدارية العليا للفصل في موضوعها في ضوء ما تقدم.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

تكلم هذا المقال عن : التقادم المسقط في مجال روابط القانون العام – أحكام واجتهادات القضاء المصري