الاختصاص بالنظر في العمل المادي التنفيذي – حكم محكمة النقض المصرية

الطعن 1128 لسنة 57 ق جلسة 27 / 9 / 2014 مكتب فني 59 ج 1 توحيد المبادئ ق 7 ص 95

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ يحيى أحمد راغب دكروري نائب رئيس مجلس الدولة
وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ عبد الله عامر إبراهيم سليمان, ومحمد عبد العظيم محمود سليمان, وفايز شكري حنين, ود. عبد الفتاح صبري أبو الليل, ومحمد عبد الحميد عبد اللطيف إبراهيم, وربيع عبد المعطي أحمد الشبراوي, ولبيب حليم لبيب, ومحمود محمد صبحي العطار, وحسن كمال محمد أبو زيد شلال, وأحمد عبد الحميد حسن عبود. نواب رئيس مجلس الدولة

——-
– 1 اختصاص
الجهة المختصة بالنظر في العمل المادي التنفيذي – العمل المادي التنفيذي الذي تلتزم الإدارة بالقيام به إنفاذا لإرادة المشرع أو لإرادة الجهة الإدارية ذاتها لا يمكن القول بإطلاق بدخوله أو بعدم دخوله في عداد المنازعات الإدارية التي يختص مجلس الدولة بالفصل فيها – يتوقف الأمر على مدى تعلق العمل بمسألة من مسائل القانون العام أو تعلقه بمسألة من مسائل القانون الخاص، ومن ثم ما يحكم إلزامية القيام به من أحكام أي من هذين القانونين – العمل الذي تقوم به الإدارة بمنأى عما تتمتع به من سلطة عامة على وفق حكم القانون، أو يكون متعلقا بما ينتظمه القانون الخاص من شئون، لا يصدق عليه وصف القرار الإداري بالمعنى الدقيق، أيا كان مصدره، وتدخل المنازعة فيه في اختصاص القضاء العادي.
– 2 اختصاص
ما يخرج عن الاختصاص الولائي لمحاكم مجلس الدولة – المنازعات المتعلقة بإيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، التي يكون أحد أطرافها شخصا اعتباريا عاما، ولو نشأت هذه المنازعات عن تدخلات من جهة الإدارة في صورة قرارات اكتملت لها مقومات القرارات الإدارية – العلاقة بين طرفي هذه المنازعات علاقة عقدية تحكمها قوانين إيجار الأماكن النافذة، وهي علاقة خاصة تخرج عن مظلة أحكام القانون العام وتندرج بحسب طبيعتها ضمن مسائل القانون الخاص، ولا يكون من شأن أي قرار أن يغير من حقيقتها – لا تختص محاكم مجلس الدولة بنظر المنازعة في امتناع الجهات الإدارية عن إخلاء الوحدات التي تشغلها الأجهزة الحكومية على وفق قرار مجلس الوزراء الصادر في 2/4/1997 المتضمن إخلاءها خلال خمس سنوات.
– القانون رقم (49) لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر (المعدل بالقانون رقم 136 لسنة 1981).
– حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 55 لسنة 31 القضائية (تنازع)، وفي القضية رقم 4 لسنة 32 القضائية (تنازع) بجلسة 4/7/2010، وأحكامها في القضايا أرقام 23 و25 و27 و28 لسنة 33 القضائية (تنازع) بجلسة 6/5/2012.

—————-
الوقائع
بتاريخ 30/10/2010 أودع وكيل الطاعنين قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريرا بالطعن في الحكم الصادر عن محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة الأولى) بجلسة 23/9/2010 في الدعوى رقم 8611 لسنة 63 ق، الذي قضى بعدم قبول الدعوى، وإلزام المدعين المصروفات.
وطلب الطاعنون – للأسباب المبينة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن تنفيذ القرار الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 2/4/1997، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها رد وتسليم العين المؤجرة محل التداعي الموضحة بعقدي الإيجار المؤرخين في 11/9/1977 و 28/5/1979 للطاعنين سليمة وخالية من الأشخاص والأشياء، مع إلزام المطعون ضدهم بصفاتهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقد جرى إعلان تقرير الطعن إلى المطعون ضدهم بصفاتهم على النحو الثابت بالأوراق، وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا بالرأي القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ولائيا بنظر الدعوى، وإحالتها بحالتها إلى محكمة الجيزة الابتدائية للاختصاص، وإبقاء الفصل في المصروفات.
وعينت لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 24/9/2011 وما تلاها من جلسات على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، حيث قدم الحاضر عن هيئة قضايا الدولة بجلسة 3/12/2012 مذکرة دفاع طلب في ختامها الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء مجددا (أصليا): بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى وإحالتها بحالتها إلى محكمة الجيزة الابتدائية، و(احتياطيا): بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير ذي صفة بالنسبة للمطعون ضده الأول (وزير المالية بصفته)، وبجلسة 15/4/2013 قررت دائرة فحص الطعون إحالة الطعن إلى الدائرة الأولى عليا (موضوع) لنظره بجلسة 1/6/2013، حيث نظرته المحكمة بتلك الجلسة على النحو الثابت بمحضر الجلسات، وفيها قدم الحاضر عن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مذكرة دفاع طلب في نهايتها الحكم (أصليا): برفض الطعن، و(احتياطيا): بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ولائيا بنظر الدعوى، وبجلسة 23/11/2013 قررت المحكمة إحالة الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا لترجيح أي من الاتجاهين المذكورين برول الجلسة.
وقد عينت لنظر الطعن أمام دائرة توحيد المبادئ جلسة 1/3/2014، وجرى تداوله أمامها على النحو الثابت بمحاضر الجلسات، حيث أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرا ارتأت فيه تأييد الاتجاه الأول بعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيا بنظر المنازعات المتعلقة بإخلاء الوحدات التي تشغلها الأجهزة الحكومية والصادر بشأنها قرار رئيس مجلس الوزراء في 2/4/1997، وبجلسة 7/6/2014 قررت الدائرة إصدار الحكم في الطعن بجلسة 27/9/2014 مع التصريح بمذكرات خلال شهر، وخلال هذا الأجل أودع وكيل الطاعنين مذكرة دفاع التمس فيها الحكم باختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيا بنظر المنازعات المتعلقة بقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 2/4/1997، وبجلسة اليوم صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

————–
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
وحيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 4/12/2008 أقام الطاعنون الدعوى رقم 8611 لسنة 63 ق بإيداع صحيفتها قلم كتاب محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة الأولى)، وطلبوا في ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن رد العين المؤجرة محل التداعي لهم سليمة وخالية من الأشخاص والأشياء، وإلزام المدعى عليهم المصروفات، وذلك على سند من أنه بموجب عقدي إيجار مؤرخين في 11/9/1977 و 28/5/1979 استأجرت الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية من مورثيهم الأدوار من الأول علوي حتى الخامس بالعقار رقم (1) بميدان شلتوت بالطالبية بقسم العمرانية بمحافظة الجيزة، وذلك لاستخدامها مقرا لمكاتب الهيئة، وقد طالبوا الجهة الإدارية المذكورة بإخلاء العين المشار إليها استنادا لقرار رئيس مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 2/4/1997، إلا أنها لم تحرك ساكنا مما حداهم على إقامة دعواهم.
وبجلسة 23/9/2010 صدر الحكم بعدم قبول الدعوى وإلزام المدعين المصروفات، وشيدت المحكمة قضاءها على أسباب حاصلها أن قرار مجلس الوزراء الصادر بجلسته المنعقدة بتاريخ 2/4/1997 لا يعدو أن يكون مجرد توجيهات وتوصيات من مجلس الوزراء إلى الجهات الحكومية والهيئات التابعة لها بإعادة الوحدات التي تستأجرها إلى أصحابها في الحالات وبالشروط المبينة بالقرار، فهي لا تمس العلاقة التعاقدية الخاصة التي تنشأ بين المؤجرين من الأفراد وشخص من أشخاص القانون العام، ولا تنشئ لأي منهم مركزا قانونيا عاما أو ذاتيا في فسخ العقد أو إلغائه، فهذا القرار يعد بمثابة نداء من مجلس الوزراء إلى جميع الجهات الحكومية بأن تبدأ بنفسها في تصحيح الأوضاع الخاطئة المتعلقة بقوانين إيجار الأماكن، ولا يرقى إلى مصاف القواعد القانونية الملزمة للجهات الإدارية بحيث إذا امتنعت عن تنفيذها شكل هذا الامتناع قرارا إداريا سلبيا مخالفا للقانون، خاصة أن هذه الجهات وهي تقوم بممارسة نشاطها المتعلق بتسيير المرافق العامة تضع في اعتبارها ما يحقق المصلحة العامة، وتقيم موازنة بين إمكان تنفيذ هذه التوجيهات وضرورات الواقع العملي، ومن ثم فإن امتناع جهة الإدارة المدعى عليها عن إعمال مقتضى التوجيه المتقدم بيانه لا يشكل قرارا إداريا يجوز الطعن فيه، الأمر الذي يتعين معه والحالة هذه القضاء بعدم قبول الدعوى لانتفاء القرار الإداري.
وإذ لم يرتض الطاعنون هذا القضاء فقد أقاموا الطعن الماثل ناعين على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله، تأسيسا من الطاعنين على أن قرار مجلس الوزراء المشار إليه هو في حقيقته قاعدة قانونية ملزمة لجميع الجهات الإدارية؛ لأنه لم يرد بالقوانين الاستثنائية لإيجار الأماكن أي نص يتضمن سريان أحكام الامتداد القانوني على عقود الأماكن المؤجرة لأجهزة الدولة، وأن ذلك القرار صدر لوجود فراغ تشريعي بخصوص تلك العقود من حيث امتدادها وانتهائها، وأن المشرع في القانون رقم 6 لسنة 1997 بتعديل الفقرة الثانية من المادة (29) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر تجاهل وضع الأماكن المؤجرة لأجهزة الدولة المختلفة، وترك تحديد تلك الأوضاع لمجلس الوزراء الذي عرض عليه الموضوع بجلسته المنعقدة بتاريخ 2/4/1997 فأصدر قراره المشار إليه، الذي يعد ملزما لجميع الجهات الإدارية، وأنه من المقرر أن عقود إيجار الأماكن المؤجرة للمصالح الحكومية لا تخضع للامتداد القانوني منذ العمل بالقانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه، وأن القول بغير ذلك يجعل وضع يد الجهات الحكومية على تلك الأماكن وضع يد أبدي، ويمثل اعتداء صارخا على حق الملكية الخاصة.
ومن حيث إن المسألة المعروضة على هذه الدائرة قد حددتها الدائرة الأولى (موضوع) بالمحكمة الإدارية العليا بجلستها المنعقدة في 23/11/2013، وتدور حول مدى اختصاص محاكم مجلس الدولة بالفصل في المنازعات المتعلقة بإيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر التي يكون أحد أطرافها شخصا اعتباريا عاما، وذلك في ضوء قرار مجلس الوزراء الصادر في 2/4/1997 المتضمن إخلاء الوحدات التي تشغلها الأجهزة الحكومية خلال خمس سنوات وردها إلى أصحابها، وما قد يثيره الامتناع عن الرد من توفر قرار سلبي يدخل في اختصاص مجلس الدولة رقابة مشروعيته. وحيث إنه يبين من استقراء أحكام المحكمة الإدارية العليا أن هناك اتجاهين يتنازعان المسألة المثارة، ذهب (أولهما) إلى عدم اختصاص محاكم مجلس الدولة ولائيا بالفصل في المنازعات المشار إليها، وإحالتها بحالتها إلى المحكمة الابتدائية المختصة للفصل فيها، وذلك على سند من تعلقها بمسألة من مسائل القانون الخاص وافتقادها للعناصر التي يلزم أن تستجمعها المنازعة الإدارية.
(أحكام محكمة الإدارية العليا في الطعون أرقام 29310 لسنة 54 ق . ع بجلسة 13/5/2008 و3975 لسنة 53 ق. ع بجلسة 8/1/2011 و12506 لسنة 53 ق. ع بجلسة 11/2/2012 و27886 لسنة 55 ق .ع بجلسة 17/3/2012 و25915 لسنة 53 ق.ع بجلسة 5/1/2013 و16395 لسنة 57 ق. ع بجلسة 20/4/2013).
بينما ذهب (الاتجاه الثاني) إلى اختصاص مجلس الدولة بالفصل في تلك المنازعات، والقضاء بانتهاء عقد الإيجار وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إخلاء الوحدة المؤجرة وتسليمها إلى مالكها (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 27601 لسنة 56 ق. ع بجلسة 6/4/2013).
ومن حيث إنه بادئ ذي بدء يتعين إيضاح أنه ليس ثمة اختلاف حقيقي بين الاتجاهين السابقين بشأن اختصاص مجلس الدولة بالفصل في المنازعات المشار إليها؛ إذ الثابت من الحكم الصادر في الطعن رقم 27601 لسنة 56 ق. ع بجلسة 6/4/2013 (الذي يمثل الاتجاه الثاني) أن المنازعة أقيمت ابتداء أمام جهة القضاء العادي، ثم أحيلت إلى محكمة القضاء الإداري، ومن ثم التزمت المحكمة بالفصل فيها إعمالا لمقتضى صريح نص الفقرة الثانية من المادة (110) من قانون المرافعات، الأمر الذي أظهر على غير الحقيقة وجود اتجاهين متعارضين في أحكام المحكمة الإدارية العليا يتطلب حسمه بمعرفة دائرة توحيد المبادئ.
وحيث إن البين جليا من واقعات المنازعات المشار إليها أن ثمة علاقة إيجارية قائمة بين الجهات الإدارية والأفراد بموجب عقود إيجار، وهذه العقود تسري بشأنها أحكام قوانين الإيجار المتعاقبة، وآخرها القانون رقم (49) لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر (المعدل بالقانون رقم 136 لسنة 1981) بما تضمنه من حكم خاص بالامتداد القانوني لعقود إيجار المساكن وعدم جواز المطالبة بإخلائها إلا للأسباب المحددة حصرا فيها، وإذ انتهى مجلس الوزراء بجلسته في 2/4/1997 إلى أن تعيد الجهات والأجهزة الحكومية والهيئات التابعة لها الوحدات التي تشغلها إلى أصحابها، ومع هذا لم تقم الجهات الإدارية المستأجرة بإعادة العقارات التي تستأجرها إلى مالكيها، فقد أثير النزاع حول إلزام تلك الجهات إخلاء العقارات محل التداعي وتسليمها خالية طبقا لقرار مجلس الوزراء المشار إليه.
وحيث إن المستقر عليه في قضاء المحكمة الإدارية العليا أن توزيع ولاية القضاء بين جهتيه (الإداري والعادي) من المسائل وثيقة الصلة بأسس النظام القضائي الذي بسطت قواعدُه وشرعت مواده ابتغاء تحقيق أغراض ومصالح عامة، وهو ما أضحت معه قواعد الاختصاص المحددة لولاية جهتي القضاء من النظام العام.
وحيث إن المادة (5) من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليه تنص على أن: “تختص المحاكم العادية دون غيرها بالفصل في المنازعات التي تنشأ عن تطبيق أحكام هذا القانون”.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن مجرد صدور قرار عن جهة إدارية لا يخلع عليه في كل الأحوال وبحكم اللزوم وصف القرار الإداري، وإنما يتعين حتى يتحقق له هذا الوصف أن يكون كذلك بحسب موضوعه أو محتواه، فإذا ما دار القرار حول مسألة من مسائل القانون الخاص خرج عن عداد القرارات الإدارية بالمعنى الدقيق أيا كان مصدره، ومهما كان موقعه من مدارج السلم الإداري. (القضية رقم 7 لسنة 22 ق. تنازع بجلسة 5/5/2001، والقضية رقم 98 لسنة 26 ق. دستورية بجلسة 8/7/2008)
كما تواتر قضاء المحكمة الإدارية العليا على أن العمل المادي التنفيذي الذي تلتزم الإدارة بالقيام به إنفاذا لإرادة المشرع أو لإرادة الجهة الإدارية ذاتها لا يمكن القول بإطلاق بدخوله أو بعدم دخوله في عداد المنازعات الإدارية التي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل فيها على وفق صريح نص البند (رابع عشر) من المادة (10) من قانون مجلس الدولة (الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1972)؛ إذ يتوقف الأمر على مدى تعلق العمل بمسألة من مسائل القانون العام أو تعلقه بمسألة من مسائل القانون الخاص، ومن ثم ما يحكم إلزامية القيام به من أحكام أي من هذين القانونين، فإن كانت الأولى استوى ما يثار بشأن إلزام الإدارة القيام بذلك العمل منازعة إدارية؛ بحسبان أن المطالبة بإلزامها القيام به ما هو إلا مطالبة بتنفيذ إرادة المشرع مباشرة، أو إرادة الجهة الإدارية التي تكون قد أفصحت عنها بقرار مستوف مقوماته وأركانه، وكان جميع ذلك في نطاق ما تتمتع به من سلطة عامة بشأن متعلق حقا بما ينتظمه القانون العام، وكان لذلك مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري هو صاحب الولاية بنظر هذه المنازعة دون غيره.
وإن كانت الثانية غدت المطالبة بإلزام الإدارة بذلك العمل منازعة عادية، ولو كان مصدره إرادة المشرع أو إرادة الجهة الإدارية، متى افتقد عنصرا من العناصر التي يلزم أن تستجمعها المنازعة الإدارية، كأن يكون العمل إنما تقوم به بمنأى عما تتمتع به من سلطة عامة على وفق حكم القانون، أو يكون متعلقا بما ينتظمه القانون الخاص من شئون، وأضحى لذلك القضاء العادي صاحب الولاية بالفصل في مثل هذا النزاع. (في هذا الشأن أحكام المحكمة المشار إليها عند عرض الاتجاه الأول).
وحيث إنه ترتيبا على ما تقدم، ولما كان الثابت أن العلاقة بين طرفي المنازعات المشار إليها هي علاقة عقدية تحكمها قوانين إيجار الأماكن السارية، وآخرها القانون رقم 49 لسنة 1977، والقانون رقم 136 لسنة 1981 المذکوران سالفا، وهي بلا ريب علاقة خاصة تخرج عن مظلة أحكام القانون العام، وتندرج بحسب طبيعتها ضمن مسائل القانون الخاص، ولا يكون من شأن أي قرار – أيا كانت طبيعته – أن يغير من حقيقة هذه العلاقة أو يزايل عنها وصفها الحق، ومن ثم يكون كل ما يثار بشأنها من نزاع مندرجا في عداد المنازعات العادية، وتكون جهة القضاء العادي هي صاحبة الولاية بنظر هذه المنازعات عملا بحكم المادة (5) من القانون رقم 49 لسنة 1977 المذكورة سالفا.
وقد أخذت المحكمة الدستورية العليا بهذه الوجهة من النظر، إذ قضت في الدعويين رقمي 55 لسنة 31 و4 لسنة 32 ق. (تنازع) بجلسة 4/7/2010 والدعاوى أرقام 23 و25 و27 و28 لسنة 33 ق. (تنازع) بجلسة 6/5/2012 بأن المنازعات المتعلقة بإيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، وعلى ما نصت عليه المادة (5) من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، تختص بها المحاكم العادية دون غيرها؛ بالنظر إلى أن هذه المنازعات تتعلق بجوهر حق الملكية، وهي بهذه المثابة تدخل في اختصاص القضاء العادي صاحب الولاية العامة في المنازعات الناشئة عن روابط القانون الخاص طبقا لأحكام المادة (15) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972، حتى لو نشأت هذه المنازعات عن تدخلات من جهة الإدارة في صورة قرارات اكتملت لها مقومات القرارات الإدارية، وانتهت المحكمة بحكمها في الدعاوى المشار إليها إلى الاعتداد في مجال التنفيذ بالأحكام الصادرة عن جهة القضاء العادي دون الأحكام الصادرة عن جهة القضاء الإداري.
ومن حيث إنه في ضوء ما تقدم جميعه فإنه يكون متعينا ترجيح الاتجاه السائد في أحكام المحكمة الإدارية العليا بعدم اختصاص محاكم مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ولائيا بنظر المنازعات المتعلقة بإيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، الصادر بشأنها قرار مجلس الوزراء في 2/4/1997.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بترجيح الاتجاه السائد في أحكام المحكمة الإدارية العليا الذي من مقتضاه عدم اختصاص محاكم مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري ولائيا بنظر المنازعات المتعلقة بإيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، الصادر بشأنها قرار مجلس الوزراء في 2/4/1997، وأمرت بإعادة الطعن إلى الدائرة المختصة بالمحكمة الإدارية العليا للفصل فيه على هدي ما تقدم.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : الاختصاص بالنظر في العمل المادي التنفيذي – حكم محكمة النقض المصرية