اضاءات قانونية حول الصعوبات العملية في اثبات الوقائع السلبية

مواجهة الصعوبات العملية في إثبات الواقعة السلبية:

إلا أننا إذا ما خلصنا إلى أن من يدعي واقعة سلبية يجب عليه إثباتها بحكم كونه مدعيا, لا نلبث أن نجد أنفسنا إزاء الصعوبات العملية التي يجدها مدعي الواقعة السلبية في إثباتها, لذلك فإن الشراح ينصحون القضاة عندئذ بأن يتلطفوا معه في شأنها, وألا يكلفوه من أمره عسراً([21]). أي أن منطق الأمور والحال كذلك أن يقنع القضاة في هذا المجال من المدعي بالتبعيض في الإثبات وأن يسبغوا له استبدال محل الإثبات بإثبات واقعة مقاربة للواقعة المدعاة دون الواقعة المدعاة نفسها, وأن يلجئوا إلى طريق الموازنة والترجيح, ويقفوا عند حد الاحتمال القوي أو الظن الغالب.
لذلك وإزاء صعوبة إثبات الواقعة السلبية, فإن قضاة الموضوع عادة ما يكونون أكثر تساهلاً مع المدعي, فيكتفون بما لهم من سلطة في تقدير الدليل بما يقدمه هذا الأخير بما يجعل ادعاءه بالواقعة السلبية قريب الاحتمال لينقلوا على عاتق الطرف الآخر عبء إثبات العكس.([22])

التمسك بالوضع العادي للأمور واشتباهه بالواقعة السلبية:

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

ثمة حالات قد يتوهم الباحث إزاءها أن المدعي يتحدى بواقعة سلبية مما يقتضي تكليفه بإثباتها, مع أننا لو تأملنا هذه الحالات لوجدنا أن المدعي يتمسك فيها بالوضع المعمول به في توزيع عبء الإثبات أو ما يسميه بعض الشراح “القرينة الطبيعية”.
لذلك فإذا رفع المدعي دعواه بالاستناد إلى تلك “القرينة الطبيعية” فإنه فيُعفى من الإثبات, بل يكلف بذلك خصمه إذا نازعه في دعواه, مع أن مركز ذلك الخصم في الدعوى هو مركز المدعي عليه. فإذا كان ثمة وضع طبيعي يتمسك به المدعي ويرفع دعواه بطلب تقرير حق له على أساس قيام ذلك الوضع, والمُفترض بقاء ما كان على ما كان. فإذا نازع المدعى عليه في ذلك لزمه إثبات ما يدعيه: لأنه – وإن كان مدعى عليه في القضية – إلا أنه من وجهة الإثبات يعتبر مدعياً لأمر مخالف للأصل.([23])
ومن أمثلة اشتباه التمسك بالوضع الثابت أصلا بالوقائع السلبية ما يحدث عادة في مجال الجزاءات المطبقة في عقود العمل والجزاءات الإدارية من اعتبار ادعاء العامل أو الموظف بعدم ارتكابه خطأ من قبيل الوقائع السلبية التي يقع عليه عبء إثباتها, بينما أن حقيقة الأمر أن العامل أو الموظف الإداري, وبحسب الأصل, يفترض في شأنه عدم ارتكاب الخطأ واستصحاب سلامة الأداء..

أ- حالة انعدام المبرر في فسخ عقد العمل:

في حالة العامل الذي يرفع دعوى علي صاحب العمل طالباً التعويض عن فسخ عقده على أساس أن هذا الفصل لم يكن له مبرر, لذلك فقد يذهب البعض إلى القول بأن الإدعاء بانعدام المبرر هو إدعاء بواقعة سلبية! فإن صح هذا كان الواجب تحميل العامل بإثباتها لأنه هو المدعي.
لكن الواقع وصحيح القانون على خلاف التصور السابق: ذلك أن الأصل والوضع الطبيعي للأمور هو انعدام الخطأ في جانب أي شخص: فإذا رفع العامل دعواه مستنداً إلى هذه القرينة الطبيعية, وهي عدم وجود خطأ من جانبه فإنه لا يكون مكلفاً بالإثبات, لا على أساس أن الواقعة التي يدعيها واقعة سلبية, وإنما على أساس أنه يتمسك بالوضع الطبيعي, وهو الأصل. فإذا نازعه خصمه في ذلك فمعني هذا أنه يدعي أن هذا الأصل قد جدت واقعة على خلافه, وحينئذ ينقلب المدعي عليه (في الدعوى) مدعياً (للواقعة) التي تخالف الأصل, ويترتب على ذلك أن يكون هو المكلف بإثباتها.([24])

ب ـ حالة الجزاءات الإدارية:

كذلك من الحالات التي يختلط فيها الأمر بشأن تحديد محدودية الواقعة وبين ما إذا كانت ممكنة الإثبات من عدمه بالنظر إلى كونها واقعة سلبية “حالة الجزاءات الإدارية”.([25])
والأمر في شأن الجزاءات الإدارية يتعلق بتلك الجزاءات التي يخول القانون للإدارة توقيعها دونما حاجة إلى اللجوء إلى القضاء. ويؤدي ذلك إلي جعل من وقع عليه الجزاء في موقف المدعي دائماً إذا ما تظلم, وبالتالي فهو المكلف بإثبات أنه لم يرتكب ما يستوجب الجزاء, وهذا من قبيل الواقعة السلبية.
وقد دعا ذلك بعض الشراح إلى استنكار هذا الوضع بالنظر إلى أن هذا تكليف للمدعي بإثبات أمر سلبي, وهو ما لا يجوز.
والواقع أن هذه الحجة غير صحيحة طبقاً لما أسلفناه, ذلك لأنه لو كان المتظلم مدعياً بواقعة سلبية لما كان هناك ثمة ما يمنع من تكليفه بإثباتها, بل لوجب ذلك. والحقيقة أنه يتمسك بالأصل وبالقرينة الطبيعية والتي تقول بأن الأصل هو عدم نسبة الخطأ للإنسان. وبالتالي فإذا كانت جهة الإدارة هي التي تدعي خلافاً للأصل (بتوقيعها الجزاء عليه), فإن عليها أن تثبت ذلك.
والقول بغير ذلك مؤداه الانحدار إلى قبول أن الأصل في الإنسان الخطأ, أي أن تصبح القرينة الأصلية هي قرينة الإجرام وانشغال الذمة, لا قرينة البراءة وبراءة الذمة, وهو ما لا يستسيغه منطق: لأن الأصول يجب أن تطابق المعقول, ولولا ذلك لما اعتبرت أصولا.
وقد تواتر قضاء محكمة النقض على أنه:
“تنص المادة الأولى من قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 على أنه على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه، فالأصل هو براءة الذمة وانشغالها عارض ويقع عبء الإثبات على عاتق من يدعى خلاف الثابت أصلاً مدعياً كان أو مدعى عليه”.
(نقض مدني في الطعن رقم 916 لسنة 48 قضائية، جلسة 26/12/1983، مجموعة المكتب الفني، السنة 34، صـ 1098، فقرة 3).
هذا، والله أعلى وأعلم،،،

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : اضاءات قانونية حول الصعوبات العملية في اثبات الوقائع السلبية