** في جريمة التربح **

ـــــــــــــــــــــ

تعليقاً على نص المادة / 115 عقوبات مصرى ، يورد الاستاذ العميد الدكتور / محمود مصطفى فى كتابه القسم الخاص – أن هذه المادة كانت المادة / 117 القديمة قانون العقوبات المصرى ، وكانت تقضى بعقاب كل من كلف نفسه من غير مأمورية بشراء أو صنعها على ذمه الحكومه أو أشترك مع بائع الأشياء المذكورة أو المكلف بصنعها … ألخ وقد أشارت المذكرة الايضاحية للنص الحالى ( 115 ع ) الى المادة / 117 عقوبات فرنسى ، وصحتها 175 وهذه المادة الفرنسية تعاقب الموظف اذا كان له مصلحة فى اعمال مناقصات أو مزايدات أو مقاولات خاضعة لاشرافه ويقابلها الماده / 324عقوبات ايطالى .

( يراجع الدكتور محمود محمود مصطفى ، القسم الخاص . ط 8 – 1984 – ص 90 – 95– بحث ضاف فى جريمة التربح )

والفكرة الاساسية من التجريم فى كل هذه النصوص ، ومنها النص الحالى فى قانون العقوبات المصرى ، هى الا يجمع الموظف بين صفه : الحكم ” وصفه ” الخصم ” فى مثل هذه الأعمال التى تحتمل الترخيص او التساهل ، أو المجاملة لصالح الخصم على حساب جهى العمل ، سواء كانت فى صوره قبول أعمال دون المستوى ، أو اكساب الخصم أكثر من حقه ، أو تحقيق الموظف تربحاً لنفسه عن طريق الاتجار بالمهمة الأشرافية الموكوله اليه على هذه الأعمال .. يقول جارسون فى تعليقهعلى الماده / 175 عقوبات فرنسى ،

”لا يجوز أن يلعب الموظف فى نفس الوقت دورين متعارضين ، دور المراقب والمشرف ودور الخاضع للمراقبه والاشراف .”

ويقول الأستاذ الدكتور محمود مصطفى ( ! )

” ولا نزاع فى أن المشرع لم يكتف بأن يتخذ الموظف صالحاً شخصياً فى أى عمل من أعمال الآدارة التى يتبعها اذا لم يكلف بأداء هذا العمل ، أو الأشراف عليه ، ما تكتفى به المادة / 324 من قانون العقوبات الإيطالى ومن ثم لا يجوز فى تفسير الماده / 115 من القانون المصرى الأسترشاد بالقانون الايطالى وانما بالمادة / 175 من قانون العقوبات الفرنسى التى نصت صراحه فى فقرتها الأولى على كلمتى الادارة والاشراف (2 ) فهذا التكليف يعبر عن الخاصية المميزة للجريمة ، ذلك أن المشرع أراد أن يمنع الموظف من القيام بدورين متعارضين ، دور المشرف ودور الخاضع للأشراف “.

(1 ) المرجع السابق – القسم الخاص
– ط 1984 – رقم 157 ، ص 92 /93

(2) يلاحظ ان المذكرة الايضاحية للنص المصرى اشارت
صراحة الى النص الفرنسى المستوحى منه النص المصرى

وفى مذكره ضافية لشيخنا – الأستاذ محمد عبدالله محمد ، عمدة فقهاء القانون الجنائى فى مصر ، وصاحب الكتاب الشهير ” فى جرائم النشر ” عمدة المراجع فى بابه حتى الأن ،فى مذكرته التى قضى على مقتضاها ، يقول :-

”كانت الماده 117 القديمة من قانون العقوبات المصرى تقضى بعقاب كل من كلف نفسه من غير مأمورية بشراء أشياء أو صنعها على ذمه الحكومه أو أشترك مع بائع الأشياء المذكورة او المكلف بصنعها … ألخ ” وكانت المادة 175 من قانون العقوبات الفرنسى ولا تزال – تنص على عقاب الموظف اذا كان له أيه مصلحة فى أعمال أو مناقصات أو مزايدات أو مقاولات خاضعة لأشرافه..

كذلك نصت الماده 324 من قانون العقوبات الايطالى الصادر فيه سنه 1930 على عقاب كل موظف جعل لنفسه بالذات او بالوساطة او عن طريق التستر بعقود صورية – مصلحة خاصه فى عمل من أعمال الجهة الادارية التى يباشر لجيها وظيفته .

”ومجال هذه النصوص كلها – هو الأشغال الماليه والتجارية التى يعبر عنها بالفرنسية بكلمة affaires وبالإيطاليه بكلمة Offori وبالأنجليزية بكلمةBusiness وفى هذا المعنى يقول جارسون – ج 1 شرحاً على الماده 175 عقوبات فرنسى – بند 25 ” والشارع قد حظر على الموظفين ان يكون لهم مصلحة شخصية فى الأشغال التجارية المنوطين بالاشراف عليها بقصد تفادى شرور ومساوىء اظهرها العمل من قديم ” ، وأشار جارسون الى أن جارو قد أضاف عله أخرى للعقاب هى ان اقبال الموظف على الاعمال التجارية واهتمامه بها يصرفه عن الالتفات لعمله الرسمى ويعرض كرامه الوظيفة ومنزلتها للهبوط بطمعه فى الربح الشخصى ، وهو طمع يغتفر من التاجر ، ولا يغتفر من الموظف .

”والفكره الأساسيه هى أنه لا يصح أن يجمع الموظف بين صفه الحكم ، والخصم أو كما قال جارسون – لا يجوز ان يلعب الموظف فى نفس الوقت دورين متعارضين دور المراقب والمشرف ، ودور الخاضع للمراقبة والأشراف ”( جارسون على المادة 175 فرنسى – بند 9 )

وقد نبه ما نسينى فى كتابه المطول ( شرح قانون العقوبات الايطالى – ج 5 – ص 227 ، 228 ، 229 ) الى أن المقصود بالحماية هو أستقامه الادارة العمومية التى تتطلب الا يكون للموظف مصلحة شخصية فى العمل الحكومى الذى يقوم به تتعارض معه ومنع الموظفين من الأنغماس فى الأشغال التجارية بغض النظر عن ترتيب الضرر أو عدم ترتبه ( ص 227 ) ، والى أن الاساءه فيها لا تكون بالاستيلاء على مال للغير او للحصول على ارباح بغير حق عن طريق الابتزاز – أو الأكراه أو الرشوه ، وأنما يكون فيها الأساءه من طريق استغلال الجانى لصفته الشخصية مع وظيفته فى التدخل الخاص فى الأشغال المتعلقه بوظيفته بحيث يصبح أو يصير له فيها مصلحة خاصه ( ص 228 ولا يلزم ان يكون الغرض الذى يتوخاه الموظف متعارضا مع مصلحة الدوله او جهة الإدارة – بل يكفى التعارض من الوجهة الوظيفية لأن الجمع بين الصالح العام ،

والصالح فى شخص الموظف حتى برغم كونه غير ضار فى خصوصيته الواقعه – هو جوهر هذه الجريمة .. بل يمكن ان يكون فعل الموظف مفيداً للحكومه من الناحية الإقتصادية او المالية ، وتبقى الجريمة قائمة فى حقه ، ولذلك لا يهم ان تكون مصلحة الموظف الخاصه التى يحاول يحققها مشروعة فى ذاتها – مادام من غير المشروع ان يجمع بينها وبين العمل الرسمى المكلف به ( ص 229)..

( بهذا المعنى الدكتور / عمر السعيد رمان – شرح القسم الخاص طبعه 1969 ص 87 ، 88 والدكتور عبد المهيمن بكر – الجرائم المضره بالمصلحة العامه طبعة 1970 ص 425 ) والمصلحة هنا – مصلحة مادية شخصية ، وليست الا مصلحة مادية شخصيه .. لأن الاتجار او التدخل فى التجارة لا يكون الا لصاحب مصلحة مادية شخصية ( بهذا المعنى الدكتور / عبد المهيمن بكر –ص 429 ) . ومن أجل مصلحة مادية شخصية – فالموظف اذا كان له مصلحة غير مادية كزماله او قرابه – أو أشتراك فى مذهب – او حزب – لا يوصف بأنه صاحب مصلحة فى العلملية .

وهذه المصلحة المادية يجب كما قضى ان تكون – شخصية وهنا يجب الالتفات الى الفارق بين المصلحة الشخصية التى تكون للموظف فى العملية ، وبين عائد هذه المصلحة والى مثل هذا المعنى اشار ما نسينى بقوله ” وتتحق الجريمة اذا جعل الموظف لنفسه مصلحة خاصة – سواء أكان عائد يعود عليه هو – أم على غيره ( ص 228 )

والموظف يكون صاحب مصلحة شخصية فى العملية بهذا المعنى إذا ساهم فيها مساهمه شخصيةمأجورة بعمل او مشورة او برأس مال … مما يباح للفرد العادى ، ومما كان لا يعاقب عليه الموظف جنائياً – لو لا اتصال وظيفته بالأشراف على العملية ،

”اما الى من يؤول أجر – أو ربح مساهمة الموظف فى العملية فهذا أمر متروك لمشيئته ، فقد يرى هو أن يأخذ هو عائد او ربح أو أجر هذه المساهمه .. وقد يوجه هذا العائد او الريح او الأجر الى شخص أخر يهمه أمره – كزوجة او قريب أو صديق .. ويعتبر الوفاء به لهذا الشخص الأخر وفاء للموظف – عملا بالماده 332 مدنى مصرى .

”فالمساهمة فى العملية يجب ان تكون شخصية من الموظف يقوم بها الموظف شخصياً ويجب ان تعطية حقا فى أجر أو ربح مادى – ولكن المنتفع بعائد هذا الحق قد يكون شخص اخر يختارةالموظف – فيكون الوفاء له وفاء للموظف .

· ” وواضح بكافه التعديلات التى أدخلت على قانون العقوبات المصرى – الحقائق الأتية :

· 1 ) انه لا عمل لهذه المادة مالم يتوافر ذلك التعارض الوظيفى بمحاوله بين المصلحة الفردية الشخصيه المشار اليها فى جمله المقاولة او التوريد . مع مصلحة الوظيفة فى شخص الموظف .

· 2) انه لا عقاب بهذه الماده على تسبب الموظف فى حصول الغير على ربح او على تمكين الغير من الحصول على ربح لأن الماده لم تكتف بمجرد التسبب او التمكين من جانب الموظف وانما أشترطت ان يقوم هو بحصوله او بمحاوله الحصول على الربح .

” وربح المقاولات والتوريدات والاشغال التجارية والمالية التى تنعقد بين المقاولين والموردين ، وبين الدولة ملك لاصحابه، وليس ملكاً للدوله – فلا يمكن ان يعتبر التسبب فى حصول الغير عليه – او تمكين الغير فى الحصول عليه جريمة .

”ولو جرمت المواد مجرد تسبب الموظف فى حصول الغير على ربح او تمكين الغير من الحصول على ربح من المقاولات والتوريدات والأشغال .. لوقف دولاب الأعمال مع جميع مصالح الحكومه ، والهيئات العامه ، وجميع القطاع العام – لأن مادة التجريم لا تشترط ربحاً حراماً – أو غير مشروع – فهى تنطبق على الربح المشروع الحلال اذا كان الموظف هو الذى قام بالحصول عليه ( يراجع جارسون – المرجع السابق – بند 9 – 11 ، 12 ، 14 ، 15 ، 18 وجارو – عقوبات – ص 365 ، والدكتور / أحمد فتحى سرور – القسم الخاص – ط 3 – 1985 ص 282 ، ومانسينى ص 229 ).

”وبديهى أن كل من يتقدم لمقاولة .. أو توريد .. أو غير ذلك من الأشغال المتعلقه بالدوله – أو الهيئات المذكورة فى مواد التجريم ينشد الكسب و الربح ، وكل موظف يشترك فى إرساء العملية او مراقبة تنفيذها ، وأتمامها – يتسبب فى حصول المقاول على ربح او على الاقل يمكنه من فرصه الحصول عليه – فلو كان هذان الفعلان داخلين فى نطاق مواد التحريم لتوقف جميع المقاولين والموردين ، وجميع من يشرف عليهم من الموظفين ، ولما نجا موظف من العقاب “.( إنتهى ما نقلناه عن الأستاذ الدكتور / محمد عبدالله محمد )

هذا ، وفضلاً عما تقدم ، فأنه يشترط لتجريم تربح الغير بسبب الموظف ، أن يكون بغير حق ، وقد عبرت المذكرة الإيضاحية للقانون ( المصرى ) 63/1975 عن هذا التمييز بقولها :-

”وقد روعى فى صياغة النص أن يكون تربح الموظف مؤثماً على أطلاقه ، وأن يكون تظفير غيره بالربح محل عقاب ان كان قد حدث بدون حق ” وتفسير ذلك يسير ، فمن الطبيعى أن يتربح الغير من الأشغال العامه التى يتلقونها من الجهات العامه ، ولا يؤثم تربيح الموظف لهم الا اذا كان بغير حق ، وإلا توقف دولاب العمل ، وفى ذلك يقول الدكتور محمود نجيب حسنى ( المرجع السابق رقم / 185 ص 129 ) .

”أما اذا مكن الموظف ” الغير ” من الحصول على منفعه أو ربح ، دون أن ينطوى ذلك على وجه لعدم المشروعية ، – أى كان حصول الغير على ذلك بالحق ، فلا جريمة فى ذلك، لن من طبيعة الأدوار أن من يتعامل مع الدولة كمقاول او مورد او مشتر إنما يهدف الى الحصول على ربح ، وإلا ما سعى الى التعامل معها “.

وفى وسيط الأستاذ الدكتور أحمد فتحى سرور ، – القسم الخاص – ط 3 – 1985 – ص 272 وما بعدها ، – أنه يشترط لجريمة التربح إستغلال الموظف العام لوظيفته العامه لتحقيق مصلحة مادية خاصه من ورائها ، فهناك تعارض ولا شك فيه بين المصلحة المادية الخاصة التى يستهدفها الموظف لنفسه او لغيره ، وبين المصلحة العامه المكلف بالسهر عليها ، وأنه يتعين لذلك أن يضع نفسه فى موضع الخاضع للإشراف بينما هو المكلف القائم بالإشراف ، وذلك كمن يرسو عليه مزاد أرض مكلف بإدارتها ، – والقاضى التجارى الذى يعقد لحساب شركة كلف بالإشراف على تصفيتها بإعتباره مأموراً للتفليسه والطبيب الذى يشترك مع المتعهد فى عملية توريد أدوية لمستشفى يديرها ،

والمحضر الذى يتفق مع أخر على دخول مزاد بيع محجوزات يتولاه ( سرور ص 276 والأحكام التى أشار إليها ) وأنه لا يكفى لقيام الجريمة أن يكون عمل الموظف مشوباً بخطأ إدارى أو بالتجاوز فى إستعمال السلطه ، وإنما يتعين ان يكون مقروناً بالسعى نحو الحصول على الربح أو المنفعه لنفسه او للغير بغير حق ، وهو ما يفترض فى أغلب الأحوال – فيما يقول الدكتور سرور – وجود إشتراك بين الجانى وهذا الغير ، ويضيف الدكتور سرور أنه يتعين فى المصلحة الخاصه للموظف أن تكون مصلحة مادية ، فإذا كانت المصلحة غير مادية مجردة كزمانه أو قرابه فلا يوصف بأنه صاحب مصلحة خاصة يقوم بها التجريم فى التربح ،- وقد جرت الأحكام على أن سعى الغير للتربح من تعاقداته مع الجهات العامه هى سعى غير مؤثم فى ذاته وإلا وقف دولاب الأعمال تماماً .

الدكتور أحمد فتحى سرور – القسم الخاص – ط 3 – 1985 ص
272 – 282

والقصد الجنائى اللازم لقيام هذه الجريمة – فيما يقول أستاذنا الدكتور / محمد عبدالله محمد ، هو القصد المطلوب للماده / 117 عقوبات مصرى قديمة ، والقصد المطلوب فى المادتين الفرنسية والإيطالية ، وهذا القصد ودليله مختلطان – فهو يتحقق مع تحقيق الركن المادى بوجود مصلحة مادية شخصية للموظف فى العملية ، وعلم الموظف بوجودها – فإذا لم توجد المصلحة الشخصية المادية ، إنهار الركنان المادى والمعنوى للجريمة ( جارو – ج 4 – بند 514 – جارسون – التعليق على الماده /175 فرنسى – بند 16) .

ولا يغنى عن توافر حصول الإنجاز الشخصى والمصلحة المادية الشخصية – لا يغنى عن ذلك إتجاه ارادة الموظف – جدلاً – إلى محاباه المقاول أو المورد أو مساعدته ، وأنما لا بد لقيام هذه الجريمة من ان تكون للموظف مصلحة مادية وشخصية .

أيضاً الدكتور سرور – المرجع السابق – ص 273 ، 278 *

ذلك لأن التجريم لا يعاقب الموظف على محاباه الموردين والمقاولين ، وأنما يعاقب الموظف على الدخول فى غمار المقاولين والموردين ، وصيرورته طرفاً خاصاً فى عقود المقاوله أو التوريد بينما هو مكلف بتمثيل الطرف الأخر العام – الذى هو الدولة أو الوزارات أو المؤسسات العامة – أو ما فى حكمها – فى الإشراف على عملية المقاولة أو التوريد ………. إلخ .

*****