دراسة وبحث قانوني هام عن السلطة التشريعية في الجزائر

مقدمة

يناط بالسلطة التشريعية في دساتير الدول المختلفة وظيفة التشريع، أي إصدار التشريعات المنظمة لحياة المجتمع في شتى جوانبها. ويمارس السلطة التشريعية، كأصل عام، برلمان قد يتكون من غرفة (مجلس)، أو من غرفتين (مجلسين). ويتم إختيار أعضاء الغرفتين في أغلبهم عن طريق الإنتخاب، ولكن قد يضاف إليهم في بعض الأحيان، أعضاء عن طريق التعيين من قبل الحاكم، مما يعد أحيانا نوع من الإعتداء على التمثيل الشعبي وممارسة السيادة من قبل الشعب.
ويشارك في الإنتخاب، كل مواطن، يتمتع بجنسية الدولة، بلغ سنا معينة، دون أن يشترط فيه، أن يكون لديه قسطا من الثروة، أو حاصلا على مؤهل دراسي معين، أو إبنا لطبقة معينة. وهذا ما يعرفه الفقه الدستوري، باسم “مبدأ الإقتراع العام”.
وإذا كانت لنا كلمة في هذا المجال، فإننا نقول، بأنّ عدم تقييد الإقتراع العام، قد يؤدي بنا إلى وجود برلمانا يتكون، أغلبية أعضاءه، من أشخاص تفوقوا في الإنتخابات، لا لكفاءتهم ونزاهتهم وتفانيهم لخدمة الأمة، ولكن نتيجة أغراض حزبية أو جهوية.

ولكن بمفهوم القانون العام، الدولي منه أو الداخلي، فيبقى مبدأ الإقتراع العام، الإجراء الكفيل، الذي يحقق المبادئ الأساسية التي تستند إليها الديمقراطية، والمتمثلة، في السيادة الشعبية، وأن الشعب، هو المصدر النهائي للسلطات. وهو ما يؤدي إلى الإعتقاد، بأنّ للسلطة التشريعية، مكانة خاصة ومتميزة، بالنسبة إلى السلطتين التنفيذية والقضائية. وهذا ما يجعلها تحتل مركز الصدارة في النظام السياسي، متى كان مستندا إلى الأساس الديمقراطي.

أما في النظم الديكتاتورية، “حيث تصبح الإدارة الفردية بمثابة القوة المهيمنة على النظام السياسي، والمصدر الأول للسلطة فيه، فإن دور السلطة التشريعية ينكمش إلى الحد الذي ينتهي بتلاشيها كلية، أو مجرد هيكل صوري، لا يمارس دورا أكثر، من إضفاء نوع من الشرعية الزائفة، على القرارات التي تنبع من إرادة الفرد الحاكم”

وبناء على ذلك، فسنحاول دراسة موضوع السلطة التشريعية في الجزائر، من خلال دساتيرها المختلفة، وتطورها من اعتبارها وظيفة في دستور 1976، إلى اعتبارها سلطة بموجب دستور 1989، قبل تعديله، وبعد تعديله في عام 1996، متسائلين هل للسلطة التشريعية في الجزائر مجسدة في البرلمان المشكل بغرفة واحدة قبل 1996، وهي المجلس الوطني (دستور 1963)، أو المجلس الشعبي الوطني (دستور 1976، 1989)، أو بغرفتين بعد إضافة مجلس الأمة بموجب التعديلات الدستورية التي أجريت في 1996، تملك لوحدها وظيفة التشريع، أم تقاسمها في ذلك سلطة أخرى، هي السلطة التنفيذية، وذلك عن طريق ما أصبح يعرف بالتشريع عن طريق الأوامر، الذي هو حق لرئيس الجمهورية، والذي هو حاليا الوسيلة المعتادة لسن التشريعات في بلادنا.

وعلى هذا سنقسم هذه الدراسة إلى قسمين؛ نخصص الأول منه، إلى تنظيم السلطة التشريعية في الجزائر منذ الإستقلال، وكيفية ممارستها لوظيفة التشريع.
أمّا القسم الثاني، فسيخصص لأسلوب التشريع عن طريق الأوامر، وأثره على استقلال البرلمان.

أولا: السلطة التشريعية في الجزائر
المتعارف عليه، في النظم الديمقراطية الحديثة، أن الشعب هو الذي يملك سلطة التشريع، إمّا مباشرة في حالة الديمقراطية المباشرة، وإما بواسطة نواب عنه، إذا أخذت الدولة بصورة الديمقراطية النيابية، وإما بالطريقتين معا، في حالة الديمقراطية شبه المباشرة. ومن ثم، فإن السلطة التشريعية، في مختلف صورها، قوامها الشعب، أو البرلمان أو هما معا.
ففي ظل دستور 1963، خصّص المؤسس الدستوري الجزائري اثنا عشر (12) مادة، تحت عنوان ممارسة السيادة –المجلس الوطني- فنصت المادة 27 منه: “السيادة الوطنية ملك للشعب، يمارسها بواسطة ممثلين له في مجلس وطني، ترشحهم جبهة التحرير الوطني، وينتخبون بإقتراع عام مباشر وسري لمدة خمس سنوات” .
وهنا ينبغي الإشارة، إلى أن الدستور الجزائري لم يعمر طويلا، فبعد أن جمده الرئيس أحمد بن بلة أياما بعد صدوره، علق العمل به في 10 جويلية 1965 من طرف الرئيس الراحل هواري بومدين.

فلقد صادق المجلس الوطني على هذا الدستور في 28 أوت 1963، ووافق عليه الشعب في استفتاء 08 سبتمبر 1963، وجمده رئيس الجمهورية في 09 أكتوبر 1963، تطبيقا للمادة 59 منه، والتي تنص، على أنه في حالة الخطر الوشيك الوقوع يمكن لرئيس الجمهورية، اتخاذ تدابير استثنائية لحماية إستقلال الأمة ومؤسسات الجمهورية.

وعلى هذا، ونظرا لقصر عمر دستور 1963، فإنه لم تصدر قوانين عن السلطة التشريعية، ممثلة في المجلس الوطني، على الرغم من أن هذا المجلس، حسب المادة 28 من دستور 1963، فإنه يعبر عن الإرادة الشعبية، ويتولى التصويت على القوانين ويراقب الحكومة، فهو الذي يتلقى اقتراحات القوانين من طرف رئيس الجمهورية والنواب، إذ هما فقط، لهما حق المبادرة بتقديم القوانين التي تودع مشاريعها، على مكتب المجلس، الذي يحيلها، إلى اللجان لدراستها، ولأعضاء الحكومة حق حضور جلسات المجلس الوطني، والمشاركة في مناقشة اللجان.

وعن علاقة المجلس الوطني بالحكومة، فإن الدستور أعطى للمجلس سلطة مراقبة النشاط الحكومي، إذ وحسب المادة 38، فإنه يراقب النشاط الحكومي، بواسطة الإستماع إلى الوزراء داخل اللجان، وكذلك بواسطة الأسئلة التي توجه للوزراء كتابة أو شفاهة.

وفي ذلك توفر المادة 132، الفقرة الرابعة لأعضاء المجلس الوطني الحماية إذ نصت على أنه: “لا يجوز متابعة أي عضو من أعضاء المجلس الوطني أو إيقافه، أو حبسه أو محاكمته بسبب ما يدلي به من آراء أو تصويت خلال ممارسة نيابته”.
إلا أنه، وحسب الأستاذ محفوظ لعشب، فإن ما ورد في المادة 24 بشأن رقابة جبهة التحرير الوطني على عمل المجلس والحكومة، يمكن أن يمتد إلى أعضاء المجلس وأعضاء الحكومة، لعدم وجود أي نص ينفي ذلك، باعتبار الجبهة هي صاحبة الكلمة الأخيرة في ممارسة الرقابة، إذ نصت المادة 30 من الدستور: “لا يمكن للمجلس الوطني الإعلان عن إسقاط النائب، إلا بأغلبية ثلثي أعضاءه، وبإقرار عن الهيئة العليا لجبهة التحرير الوطني”.

وفي 19 جوان 1965، عزل الرئيس أحمد بن بلة، وحل المجلس الوطني، وحل محل الشرعية الدستورية الشرعية الثورية. وكان ذلك بموجب الأمر الصادر في 10 جويلية 1965، والذي أنشأ مجلس الثورة. فلقد كان هذا المجلس يتكون من 26 عضوا، أسندت له اختصاصات واسعة.

ففي المجال التشريعي، الذي يعنينا في هذا الصدد، فإنه يعتبر الهيئة التشريعية التي حلت محل المجلس الوطني، لذلك اصدر عدة قوانين بأوامر تشريعية بناء على التفويض الصادر بموجب الأمر الصادر في 10 جويلية 1965، ومنها القانون البلدي وقانون الإجراءات المدنية، وقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية وقانون الوظيف العمومي …ألخ
وفي هذه الفترة، نستطيع القول بأن مفهوم نظرية وحدة السلطة قد تجسد مبدئيا في شخص الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي كان يرأس في آن واحد مجلس الثورة ومجلس الوزراء.

أما على ضوء دستور 1976، فلم تعد تسمية السلطة التشريعية، بل استبدلت بعبارة “وظيفة”. فوردت الوظيفة التشريعية في الفصل الثالث من الباب الثاني من الدستور. فبالنسبة لحق المبادرة باقتراح القوانين، فتكون اقتراحات القوانين قابلة للنقاش إذا قدّمها عشرون نائبا. وأجازت المادة 150 للمجالس المحلية المنتخبة (البلدية والولائية)، أن ترفع إلتماسا إلى الحكومة التي يعود إليها النظر لصياغته في مشروع قانون، في حين أدرجت المادة 151 ستة وعشرون فقرة، تمثل كل فقرة منها موضوعا للتدخل التشريعي. ومما يلفت الإنتباه، أن مجال التشريع غير محدد على سبيل الحصر، وهذا ما نستنتجه من عبارة “تدخل كذلك في مجال التشريع”.

إن ما نسجله عن هذه المرحلة، أن مبادرة المجالس المنتخبة في الحياة التشريعية لم تجسد على أرض الواقع، حيث لم تطبق المادة 150 ولو مرة واحدة. فلم يحدث أن رفعت هذه المجالس إلتماسا رسميا للحكومة لتعيد النظر في صياغة مشروع قانون. كما نسجل كذلك، انه على ضوء المادة 169، لا يخضع القاضي إلا للقانون. وهذا ما يسمى بإحترام مبدأ المشروعية، أو مبدأ سيادة حكم القانون. ولكن إلى جانب المادة 169، هناك مواد أخرى مثل، المواد 166 و170، والتي تدعو القضاء للدفاع عن مكاسب الثورة الإشتراكية. بمعنى أن القاضي، يمكنه من الناحية النظرية أن يتجاوز القوانين (أي مبدأ المشروعية)، ليدافع عن مكاسب الثورة الإشتراكية، تحت غطاء ما يسمى بالمشروعية الثورية أو الإشتراكية. ولكن تتبعنا لأحكام المحاكم وقرارات المجلس الأعلى (المحكمة العليا حاليا)، والمجالس القضائية، لا نعثر على أي تطبيق عملي، لما يسمى بالمشروعية الإشتراكية.

وعن علاقة أعضاء الحكومة بالمجلس الشعبي الوطني، دائما على ضوء دستور 1976، فتتمثل في إمكانية إستجواب أعضاء الحكومة حول قضايا الساعة والإستماع لهم، أو مساءلتهم بالطريقة الكتابية دون سواها، على أن يجيب هذا العضو، هو الآخر بنفس الشروط التي يخضع لها نشر مناقشات نص الأسئلة والأجوبة ضمن نفس الشروط التي يخضع لها نشر مناقشات المجلس الشعبي الوطني (المادتان 161 و162). ولم يرتب دستور 1976، أية نتيجة للمساءلة. وهذا يحد من التشجيع على المساءلة ويضعف من المركز القانوني للمجلس الشعبي الوطني.

أما عن دور السلطة التشريعية في ظل دستور 1989، فإن تشكيلة المجلس الشعبي الوطني تغيرت، بعد أن أقر الدستور التعددية الحزبية، إذ نصّت المادة 40 على أنّ: “حق انشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به. ولا يمكن التذرع بهذا الحق لضرب الحريات الأساسية، والوحدة الوطنية، والسلامة الترابية، وإستقلال البلاد، وسيادة الشعب”.
وعلى ذلك، فبعد أن كان نواب المجلس الشعبي الوطني، ينتخبون من طرف الشعب، بناء على قائمة يقترحها حزب جبهة التحرير الوطني، عدل قانون الإنتخابات، بناء على نص المادة 97 من الدستور التي تنص على أن:”يحدد القانون كيفيات انتخاب النواب، لا سيما عددهم، وشروط قابليتهم للإنتخاب، وحالات التنافي مع العضوية في المجلس”.
وهكذا أصبح نواب المجلس الشعبي الوطني، يمكن أن يكونوا من كل القوائم المقدمة من طرف الأحزاب المعتمدة، أو أحرار في قوائم خاصة.

فعن المجال التشريعي، بقيت الإختصاصات الواردة في دستور 1976، كما هي، ما عدا التوسع في البعض الآخر, فالمادة 158 من الدستور قد ورد موضوعها في المادة 122، مع نوع من التفصيل، والتي تنص على أنه: “يصادق رئيس الجمهورية على إتفاقيات الهدنة ومعاهدات السلم والتحالف والإتحاد، والمعاهدات المتعلقة بحدود الدولة، والمعاهدات المتعلقة بقانون الأشخاص، والمعاهدات التي تترتب عليها نفقات غير واردة في ميزانية الدولة، بعد أن يوافق عليها المجلس الشعبي الوطني صراحة”.

كما نصت المادة 123 على مبدأ سمو المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية على القانون.
كما أضيفت إمكانية المسائلة الشفوية لأعضاء الحكومة، والإجابة عليها في جلسات المجلس. فنصت المادة 124: “يمكن أعضاء المجلس الشعبي الوطني إستجواب الحكومة في إحدى قضايا الساعة.

يمكن لجان المجلس الشعبي الوطني أن يوجهوا أي سؤال شفوي أو كتابي إلى أي عضو في الحكومة.

ويكون الجواب عن السؤال الكتابي كتابيا، خلال أجل أقصاه ثلاثون يوما. وتتم الإجابة عن الأسئلة الشفوية في جلسات المجلس.
إذا رأى المجلس الشعبي الوطني أن جواب عضو الحكومة شفويا كان أو كتابيا يبرر إجراء مناقشة، تجري المناقشة حسب الشروط التي ينص عليها النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني.
تنشر الأسئلة والأجوبة طبقا للشروط التي يخضع لها نشر محاضر مناقشات المجلس الشعبي الوطني”.
وتنص المادة 126: “يمكن المجلس الشعبي الوطني لدى مناقشته بيان السياسة العامة، أن يصوت على ملتمس رقابة ينصب على مسؤولية الحكومة.

ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه سبع (1/7) النواب على الأقل.

وتنص المادة 127: “تتم الموافقة على ملتمس الرقابة بتصويت أغلبية ثلث النواب .
و لا يتم التصويت إلا بعد ثلاثة أيام من تاريخ ايداع ملتمس الرقابة”و أخيرا تنص المادة 128:” إذا صادق المجلس الشعبي الوطني على ملتمس الرقابة، يقدم رئيس الحكومة استقالة حكومته إلى رئيس الجمهورية”
– وعن السلطة التشريعية،بعد التعديلات الدستورية لسنة 1996،فلقد أقر مبدأ البرلمانية الثنائية،أي بإحداث غرفة ثانية تسمى مجلس الأمة.فنصت المادة 98: ” يمارس السلطة التشريعية برلمان يتكون من غرفتين، وهما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.

و له السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه ” و يمارس البرلمان صلاحياته التشريعية في الميادين المنصوص عليها في المادة 122، حيث تتكون هذه المادة من ثلاثون فقرة. و إضافة إلى تلك المجالات المخصصة للقوانين العضوية، وحسب ما تنص عليه المادة 123، والتي تتكون من سبع فقرات. وحسب نفس المادة ، تتم المصادقة على القانون العضوي بالأغلبية المطلقة للنواب، وبأغلبية ثلاثة أرباع (¾ ) أعضاء مجلس الأمة. ويخضع القانون العضوي لمراقبة مطابقة النص مع الدستور من طرف المجلس الدستور قبل صدوره.

وتطبيقا للأحكام الإنتقالية الواردة في المادة 179، فقد صدرت القوانين العضوية التالية:
– الأمر 79-07 المؤرخ في 6 مارس 1997 يتضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الإنتخابات
– الأمر رقم 97- 08 المؤرخ في 6 مارس 1997 ، يحدد الدوائر الإنتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في انتخابات البرلمان.
-الأمر رقم 97-09 المؤرخ في 6 مارس 1997 ، يتضمن القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية .
كما نشير إلى أن في حالة حدوث خلاف بين الغرفتين، تجتمع بطلب من رئيس الحكومة لجنة متساوية الأعضاء، تتكون من أعضاء كلتا الغرفتين، من أجل اقتراح نص يتعلق بالأحكام محل الخلاف. وتعرض الحكومة هذا النص على الغرفتين للمصادقة عليه, ولا يمكن إدخال أي تعديل عليه، إلا بموافقة الحكومة.وفي حالة استمرار الخلاف يسحب النص .

ثانيا:التشريع عن طريق الأوامر و أثره على استقلال البرلمان
تنص المادة 124 من دستور 1996: “لرئيس الجمهورية أن يشرع بأوامر في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو بين دورتي البرلمان.
و يعرض رئيس الجمهورية النصوص التي اتخذها على كل غرفة من البرلمان في أول دورة له لتوافق عليها.
تعد لاغية الأوامر التي لا يوافق عليها البرلمان.
يمكن رئيس الجمهورية أن يشرع بأوامر, في الحالة الإستثنائية المذكورة في المادة 93 من الدستور.
تتخذ الأوامر في مجلس الوزراء”.

و هكذا قيدت المادة 124 من التعديل الدستوري، إمكانية تشريع رئيس الجمهورية بأوامر،و حصرتها في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني،أو بين دورتي البرلمان،مع امكانية التشريع بأوامر في الحالة الإستئنائية المنصوص عليها في المادة 93 من التعديل الدستوري.

و يتصور شغور المجلس الشعبي الوطني في الحالات الآتية:
-عدم موافقته على برنامج الحكومة للمرة الثانية.
-بسبب استعمال رئيس الجمهورية لحقه في حل المجلس الشعبي الوطني.
-أو بفعل اجراء انتخابات تشريعية مسبقة.

وهنا نلاحظ أن المجال الزمني الذي يشرع فيه رئيس الجمهورية بأوامر في هذه الحالة (أي الشغور)، لا يمكن أن تتجاوز مدة ثلاثة أشهر، وهو الأجل الذي يجب أن تجري فيه الإنتخابات التشريعية،سواء في حالة الحل الوجوبي، أو في حالة الحل الإرادي، أو عند اجراء انتخابات تشريعية مسبقة.أما فيما يخص التشريع بأوامر فيما بين الدورتين،فالمجال الزمني له يساوي الشهرين على الأكثر،وهو الأجل الفاصل بين دورة و أخرى، والذي يمكن تقليصه بمدة الدورة غير العادية.

و يبدو أن الوضع بعد سنة 1996 “أفضل مما كان عليه في دستور 1989،حيث كان الرئيس يتقاسم السنة مناصفة مع المجلس الشعبي الوطني،باعتبار أن زمن كل دورة هو ثلاثة أشهر”.
-و يجب أن نشير في هذا الصدد،أنه يتم اتخاذ الأوامر في مجلس الوزراء، كما هو الشأن بالنسبة لمشاريع القوانين،مع استبعاد أخذ رأي مجلس الدولة.ويلزم رئيس الجمهورية،أن يعرض الأوامر التي اتخذها على البرلمان، في أول دورة تلي إتخاذها. ولنا نتساءل، إن كان بإمكان البرلمان الموافقة على بعض أحكام الأمر، دون الأحكام الأخرى؟

نظريا من يملك الكل يملك الجزء،فإنه يجوز للبرلمان أن يوافق على بعض أجزاء الأمر، ويعترض على أجزاء أخرى من نفس الأمر.

ولكن البرلمان يمكنه إما الموافقة أو الرفض، دون مناقشة الأوامر التي تعرض عليه. فالمادة38 من القانون العضوي 99/ 02, المؤرخ في 8 مارس 1999، الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما، وكذا العلاقات الوظيفية بينهما و بين الحكومة, تنص على عرض نص الأمر بكامله للتصويت و المصادقة عليه ، دون مناقشة ولا تعديل. وتعد لاغية الأوامر التي لا تحوز موافقة البرلمان عليها، أي كأنها لم توجد أصلا، وإن كان مستعبد وقوف البرلمان الحالي في وجه رئيس الجمهورية، و الذي يملك تجاهه حق الحل وحق اللجوء للإستفتاء.

– وأخيرا، وعن الطبيعة القانونية للتشريع بأوامر، فإننا نرى أن الأوامر أعمالا تشريعية، ليس منذ لحظة موافقة البرلمان عليها،و لكن من تاريخ اتخاذها. وذلك للإعتبارات التالية:

– ورد التشريع عن طريق الأوامر في المادة 124 الخاصة بالفصل الثاني من الدستور المخصص للسلطة التشريعية . فمن الناصية الشكلية, فالأوامر تشريعية.
– رئيس الجمهورية لا يستمد سلطة التشريع بأوامر من البرلمان عبر اجراء التفويض،كما كان عليه الحال في دستور 1963 ( المادة59)،بل يقرها له الدستور مباشرة.
– البرلمان الجزائري بغرفتيه المجلس الشعبي الوطني أو مجلس الأمة، ليس له أن يراقب الأوامر، فهو إما أن يوافق أو يرفض، و لا يمكنه أن يناقش أو يعدل.
و هذا ما أدى بالبعض إلى القول أن السلطة التشريعية في الجزائر مكونة من ثلاثة غرف هي المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ورئيس الجمهورية .
– والخلاصة, فإنه من استدراج التجربة الدستورية في الجزائر، أن ممارسة حق التشريع عن طريق الأوامر مرتبطة كثيرا بشخص رئيس الجمهورية. فصلابة الرئيس الراحل هواري بومدين، مكنته من استخدام الألية، كإجراء عادي في تسيير شؤون الحكم، بينما الرئيس ليامين زروال مثلا، لم يستخدم هذا الحق. أما في عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، فعرف نظام التشريع عن طريق الأوامر انتعاشا, إذ أصبح الوسيلة المعتادة لصدور التشريع في بلادنا.