الإلتزام بالإعلام في عقد العلاج الطبي

شهد العالم الطبي،ومافتئ،يشهد انتصارات باهرة في خلق مستجدات علمية طبية حديثة تساير التطور العلمي الملحوظ الذي وضع بصماته على الإنسانية جمعاء،ولطالما،ما أجاد العلماء في الاختصاص الطبي في طرق علاجية كانت من قبل محتاجة إلى تفسير علمي و حلول مثلى يستفيد منها للمريض و يتخذها وسيلة ابتغاء شفائه أو التخفيف بها من حدة الآلام التي يقايسها ولقد تمرس ذوو الاختصاص،وهم يضعون بين دفتي المجال الطبي الطرق العلمية المتداولة و المتناقلة من بعضهم البعض عبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها و الندوات العلمية وما يماثلها من ذلك،لاسيما أن القرن الحالي هو قرن الإعلام الطبي،فلا يمكن للطبيب أن يحيد عنه ولئن ظهرت هذه الوسائل العلمية الجديدة،فان الخبرة الفنية صارت تكتسي طابعا هاما ذات محور أساسي مضمونها حق السلامة الجسدية للمريض الذي من حقه أن يتلقاها ويلتمسها مرة بعد أخرى،لأن هذا الحق ضروري بخصوص ما يتمخض عن العمل الطبي من أضرار فهذا الحق لا يستخف به،بل للمريض أن يتبوأه ويتخذه منزلة عظيمة،حتى يكون الغرض واضحا وبارزا من خلال ما يقوم به الطبيب،وهو يطبب مريضه،.إن حاجة الإنسان في التعرف على الأمور التي تخص حالته الصحية،فيستخلص لنفسه الحالة الصائبة من غير غموض أو لبس،يجعله في جهالة من أمره مما يستثر عليه الحق في الاستيبانة من حقائق فنية تهمه وتساعده في اتخاذ موقف حسن بأمر صحته لكيلا يكون الغموض مجسدا لحمل ثقيل يصعب استدراكه فيما بعد.فالكيان الجسدي حقه يعلوا ويحتل الصدارة في الحماية من كل سوء يصيبه وهذه الحماية من الأمور التي تسهر عليها التشريعات الحديثة و تؤكد ضرورتها سواء من خلال النصوص القانونية أو من خلال الاجتهادات القضائية حتى لايعبث بجسم الإنسان وحرصت أشد الحرص على ضمان السلامة الجسدية،ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالعمل الطبي،إذ أولته اهتماما بالغا حيث فرضت الحق ومنحته للمريض في أن يشارك في العلاج الطبي،فلا يرغم على ذلك إلا بعد موافقته موافقة صحيحة قبل أي تدخل طبي أو جراحي،ومن هنا يظهر جليا،أن التطيب لا ينعقد له انعقاد ما لم يصدر الرضاء السليم من المريض نفسه أو ممن يقوم مقامه في ذلك إذا كان في حالة لا تسمحه بإبداء رغبته منه تتحقق الثقة بين طرفي العلاج بين محترف وشخص عادي ضعيف إذ من حقه أن يستعلم حقيقة مايدور حول صحته ليكون عن بينة من أمره وهذا لا يتأتى ما لم يحط المريض من غير جهالة بكل المعلومات الفنية الواجب الإفضاء بها فتثقيف المريض عن مرضه خصوصا وعن صحته عموما وكيفية حفظه ووقايته من الأمراض بالطرق المناسبة و الفعالة أو استخدام الوسائل الفعالة الأخرى فيعلم بالحالة المرضية و أسبابها و مضاعفاتها وفائدة الإجراءات التشخيصية و العلاجية بأسلوب واضح،لأن من بين الالتزامات القانونية التي أفرزها التطور القانوني في المجال الطبي،التزام الطبيب بتبصير المريض ومن هنا ينشأ واجب هام،وهو الالتزام بالإعلام الذي إذا نظرنا إلى نشأته فهو حديث النشأة مقارنة مع الالتزام الأصلي إذ كان إلى وقت قريب يكفى فقط بموافقة المريض دون أن يكون الطبيب قبل مريضه فبات من الضروري أن ينور المريض بكل معلومة تخصه وهذا هو الرضا المتبصر أو المستنير le consentement informé ou éclairé .

إن نجاح العلاج الطبي بين الطبيب و المريض يتوقف على قدرة التكيف مع الظروف المحيطة بحالة الإنسان المريض،فلا يمكن للمعالج أن يقف موقفا سلبيا اتجاه المعالج لأن أمر الإرادة السليمة المتبصرة يتعدى إلى الحق في الإعلام من كل ناحية طبية حتى يمكن القول أن الرضا هو سليم.

ويحكم الالتزام بالإعلام في المجال الطبي أطر قانونية فالنصوص القانونية والاجتهادات القضائية وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان﴿ ﴾كلها تصب في مصب واحد الهدف منها إحقاق هذا الالتزام لأنه وسيلة لمعرفة الحقائق الطبية،تمكن من تقريب المريض من الطبيب وتجعل القواعد الفنية الطبية معروفة غير خفيّة ملتبسة وبه يخلق التكافؤ بين مركزين مركز قوي ومركز ضعيف وبالتالي تكون تلك المعلومات في متناول المريض ليتفحص منها ما يتفحص ويمحصها حتى يستبعد عن نفسه ما من شأنه أن يضر سلامة جسده،ويكوّن قناعته الشخصية في اتخاذ قرار نهائي بين قبول العلاج أو رفضه.

 

 

 

للحصول على استشارة مجانية

تفضل الى رقم مكافحة الابتزاز

 

 

لقد اعتبر الالتزام بالإعلام منذ أمد بعيد التزاما قانونيا توجبه المادة21 من قانون13 جويلية 1930 الخاص بالتأمين والمواد1641 الى1648 مدني فرنسي المتعلق بالعيوب الخفية في البيوع،غير أنه توسع وتنوع بالنظر إلى عمل المتعاقدين و العادات المتبعة كما تزايدت أهميته بالنسبة إلى عنصر حسن النية الذي يعد عاملا أساسيا في العقود الرضائية.

ولقد كان للقضاء الفرنسي دوره في تأسيس هذا الالتزام و توضيح طبيعته وحدوده وكان له فضل في خلقه مستندا إلى بعض النصوص العامة الواردة في القانون المدني الفرنسي،كما أن الفقه،ومع ظهور قيام النزاع بعدم غش أحد المتعاقدين للمتعاقد الأخر الذي هو التزام يقوم على الأمانة وضمانها فانه أخذ به ضمانا لسلامة رضاء المتعاقد.ومن هذا المنظور يتجسد أن الالتزام بالإعلام كان يخص بعض العقود القليلة كعقد التأمين وعقد البيع الذي يوجب هذا الأخير على البائع التزاما خاصا هو إعلام المشتري وإرشاده لذا كان مكملا لواجب البائع بالتسليم.

إلا أن مع ظهور عقد الاستهلاك﴿ ﴾بيّن إطاره القانوني وحدوده حيث جعل الالتزام بالإعلام التزاما قائما بنفسه يمتثل إليه المحترف ويذعن إليه،ومادام موضوعنا يخص العلاج الطبي،فان الخدمات الطبية المقدمة من الطبيب المحترف لمستهلك هذه الخدمات وجب فيها أن يراعى واجب المحترف اتجاه المريض بإعلامه،ومن هذا الصدد صار هذا الالتزام القانوني العام موضوعا قائما بذاته وباتت قواعده واضحة المعالم في المجال الطبي وما نتج عنه من واجب اتجاه تلك الخدمات المقدمة من القطاع الصحي،لأن الأساليب العلاجية الحديثة تتضمن كثيرا من المخاطر التي قد تصيب المرضى فهذا سبب عجّل بظهور هذا الالتزام،وكذلك تطور العلوم الطبية وما صاحبها من نشوء نظرة جديدة على العلاقة بين الطبيب و المريض وكذا خلق أجهزة طبية حديثة في المجال الخدمات الطبية كل هذه المبررات أدت إلى تجسيد واجب الإعلام، ولا يخفى علينا أن حجم النزاعات تتزايد تكرارا ومرارا ويدور فحواها حول المسؤولية المدنية الطبية،الأمر الذي جعل القضاء الفرنسي يتدخل في تنظيم الممارسة الطبية وتأكيده من جديد على مراعاة الإطار السليم لواجب الالتزام بالإعلام في العلاج الطبي بما يتكفل الاستقرار و الطمأنينة للمرضى،ولم يتوان لحظة في مسايرته ومراقبته للحد من المشاكل المرتبة للأخطاء الطبية.وإذا كانت التشريعات المتقدمة كما هو الحال في فرنسا قد نظرت في المسؤولية الطبية نظرة موسعة ونظمت مجالها حق تنظيم فان التشريعات العربية قد أهملت حقوق المرضى إزاء التخلف المستمر لطرق العلاج الحديثة،فكان تنظيمها لهذه المسألة غير كامل وغير كاف لمشاكل إدارية والظروف التي تعيشها المرافق الاستشفائية،ومن جهة أخرى التكاليف الباهظة التي تقود إلى صعوبة العلاج و الحصول عليه في حد ذاته وما يكون للمريض من غرض سوى التخلص من مرضه دونما أن يهتم بطرق العلاج وتناسبها.

الأمر الذي دفعني إلى اختيار هذا الموضوع العام إذ تظهر غايته الأكيدة في الحرص على تنوير السبيل للمريض بخصوص العلاج الطبي فهذا الموضوع يشكل حجر الزاوية لاسيما في عصر التقدم العلمي الهائل الذي يسوق الطبيب إلى أن يراعى التزامه حق الرعاية لاستبعاد المخاطر أو الأضرار التي يتحملها المريض ومن تمت يكابد مغبة عدم تنفيذه لالتزامه ولقد أهمني هذا الموضوع نظرا لمرونته وموضوعية قواعده كيف لا،وأن الحرص عليه أشد الحرص،يجعل المريض في منأى عن التمسك بالمسؤولية المدنية في حق المسؤول ولا تتجنب المسؤولية إلا إذا كان المريض عن بينة واضحة بما يحوط صحته من حالة.

لهذا سأحاول قدر المستطاع أن أعالجه من نواحيه القانونية، منتهجا في ذلك دراسة مقارنة بين ما توصل إليه القضاء الفرنسي من مستجدات قانونية ونظرة المشرع الجزائري منه، لتكون هذه الدراسة دليلا بينا بخصوص مفهوم و أحكام وقواعد الالتزام بالإعلام.

وعلى هذا الأساس، حاولت أن أجيب عن سؤالين هامين عريضين،فالأول مفاده ما هو الالتزام بالإعلام وما هو نظامه القانوني في العلاج الطبي؟
والحاجة هنا تستدعي إشكاليات متفرعة، ابتغيت تقسيمها إلى عدة محاور أساسية تظهر في أولها مفهوم الالتزام بالإعلام الطبي، وأهميته، والأساس القانوني له؟
وفي ثانيها:ما هو نطاق الالتزام بالإعلام من حيث خصائصه و عناصره التي تحكمه؟وكذا توضيح موقف المشرع الجزائري من نطاق الالتزام بالإعلام في العلاج الطبي؟
وفي ثالثها:يطرح الإشكال حول الشروط الواجبة في الالتزام و من هو الشخص المكلف بهذا الالتزام؟ومن هو الشخص الملقي له؟
أما السؤال العريض الثاني متعلق بالآثار المترتبة عن الالتزام بالإعلام؟من إثباته وفق التشريع و القضاء الفرنسي من جهة ووفق القانون الجزائري من جهة أخرى، وأخيرا الجزاء المترتب عن إخلال الطبيب بواجب التزامه بإعلام مريضه وما هي المسؤولية المنجرة عنه؟
إذن فكل هذه الإشكاليات حاولت أن أوضحها من خلال إشكاليات متفرعة بعضها البعض، سأعتمد إلى الإجابة عنها معتمدا في ذلك على خطة ذو فصلين يتكون كل واحد منهما من ثلاثة مباحث.

الــــــفـــــــــصـــــل الأول: الالـتـزام بالإعـلام ونـظامـه الـقـانـونـي فـي الـعـلاج الـطبـي

إن المسؤولية الطبية أثارت كثيرا من التساؤلات و الإشكاليات العميقة ولاسيما في هذا العصر،لما صار العلم الحديث محققا انتصارات كبيرة من خلال المستجدات الطبية الحديثة

وإذا كان هذا الموضوع الحساس يحتل مكان الصدارة في القضاء الفرنسي،الذي لطالما يجتهد بخلق أحكام قضائية تساير التطور العلمي،وتحقيقا منه لمصلحة المريض،واستبعادا لقيام المسؤولية المدنية في حق الطبيب،فان القانون في ظل هذه المعطيات يوجب على الطبيب مجموعة من الالتزامات القانونية يجعلها ملقاة على عاتقه حرصا منه على إحقاق التكافؤ والمشاركة الفعالة بينه وبين المريض حتى يكوّن هذا الأخير قراره حول قبول العلاج أو رفضه.
ومن هنا سأحاول أن أبين في هذا الفصل التزاما هاما مثيرا للجدل فيما توصل إليه القضاء والفقه الفرنسيين وما توصلت إليه التشريعات الأخرى وخصوصا المشرع الجزائري ونظرته في هذا الإطار وخلال ذلك سأوضح مفهوم الالتزام بالإعلام وأساسه القانوني ،ومدى نطاقه في العلاج الطبي وشروطه.

الــمــبــحــث الأول: مــفــهــوم الالــتــزام بـالإعــلام

لقد ظهرت الحاجة الملحة في حماية الأشخاص ضد الطرق العلاجية الخطيرة والتي تسبب ضررا للمرضى لذا جعلت قواعد وقائية تفرض نفسها حتى تصون سلامة المريض سواء عليه في جسمه أم عقله ولقد وضع المشرع الجزائري على غرار التشريع الفرنسي قواعد أخلاقيات الطب ومنح سلطات المراقبة لمجالس أخلاقيات الطب التي يتجلى دورها في استبعاد كل شخص لا يحترم القواعد الأخلاقية﴿ ﴾ومن بين القواعد المحددة هو الالتزام بالإعلام.

الـمـطـلـب الأول: تـعـريـف الالـتـزام بـالإعـلام:

بماأن العمل الطبي يمر بثلاثة مراحل أساسية تتمثل في:

1. المرحلة التشخيصية والتي هي مرحلة أولوية يحدد الطبيب السبيل الذي ينتهجه وبها يختار العلاج الملائم لحالة كل مريض.
2. مرحلة فعل التشخيص وهي المرحلة على جانب كبير من الدقة حيث يحاول الطبيب معرفة المرض ودرجة خطورته وما يحيطه من ضرورة مراقبة المريض وحالته الصحية والتأثيرات الجانبية التي قد تترتب عنه.
3. مرحلة اختيار العلاج وهي مرحلة تجعل الطبيب يختار العلاج المناسب من بين عدة طرق علاجية وينحصر دوره إما بتحرير الوصفة الطبية للمريض أو يرى من مصلحته أن يكون العمل الطبي جراحيا إذا استدعى الأمر ذلك.

بناء على ذلك فان الالتزام بالإعلام يسبق كل مرحلة من المراحل السابقة الذكر فهو التزام سابق عن التعاقد بين الأشخاص يفرضه على المتعاقد إما القانون صراحة أو العقد المراد إبرامه أو المبادئ العامة في القانون كمبدأ حسن النية قبل التعاقد.
إذ نظرا لما يتطلبه العمل الطبي من خصوصية تتعلق بحالة المريض الصحية،وما يؤدي ذلك إلى نتائج تقيم المسؤولية الطبية على الطبيب المسؤول فلا بد أن يكون الرضا سابقا على أي تدخل طبي﴿ ﴾.
ومن هنا يظهر الأمر جليا أن يسبق الحصول على الرضا الالتزام بالإعلام ومعناه تزويد المتعاقد الضعيف عادة بالمعلومات الضرورية التي تسمح له باتخاذ القرار النهائي بالموافقة على الإقدام على العلاج الطبي أو رفضه وذلك بإرادة حرة ومستنيرة.
فتنبيه المريض أو ذويه بحسب الأحوال إلى ضرورة التقيد بالأسلوب الذي حدده الطبيب للعلاج والى الآثار الجانبية المهمة و المتوقعة من ذلك العلاج الطبي أو الجراحي رصد المضاعفات الناجمة عنه.
فالطبيب عليه وجوبا أن يحيط المريض علما بطبيعة العلاج ومخاطر العملية الجراحية فإذا استخدم مثلا مادة معينة لعلاج عين المريض رغم مابها من حساسية خاصة يمكن أن تتعارض مع استخدام هذه المادة الفعالة فيترتب على ذلك فقد المريض لعينه يعتبر مسؤولا،رغم فعالية المادة المستخدمة وعدم ارتكابه أي خطأ أو إهمال في العمل العلاجي،لأنه لم يحط المريض علما بمدى الخطورة المحتملة لاستخدام المادة المذكورة حتى يكون على بينة بذلك،ويقرر بحرية قبول العلاج من عدمه، فطريقة العلاج قد تكون واحدة ولكن النتائج تختلف من مريض إلى أخر،وذلك بحسب﴿ ﴾الحالة النفسية والجسمية لكل مريض،ومدى ردود الفعل المنتظرة من جسم المريض لذا ينبغي بل من حق الطبيب وواجبه أن يحيطه ويبصره بكل المعلومات الضرورية التي تخص حالته الصحية﴿ ﴾.
وإذا كان الطبيب ملزما بتزويد المريض بكل المعلومات الضرورية بشأن العمل العلاجي أو العمل الجراحي،فانه يقع عليه التزام بتبصيره بكل معلومة تخص الدواء الذي وصف عن طريق تحرير الوصفة الطبية فينبهه عن كيفية استعماله وأوقات تناوله،وعن المضاعفات و الآثار الجانبية وعن كل ضرر قد يتولد منه جراء تناوله،غير أن هذا الواجب الملقى على الطبيب يلتقي معه شخص محترف في مجال الصحة وهو الصيدلي الذي يعتبره القانون منفذا لوصفة الطبية ومراقبتها،فيلتزم بصرف الأدوية المحررة في هذه الوصفة دون أن يتجاوزها أو يخل بها أو يستبدل دواء بدواء أخر ليس مدونا بها فيقع عليه كذلك واجب الالتزام بإعلام المريض،ولا يكتفي فقط بإعلام الطبيب لمريضه وإلا ّيكون مسؤولا إذا أخل بالتزامه،فعليه أن يراعي حالة المريض ويعلمه بالدواء حق العلم من حيث استعماله والوقاية منه وما ماثل ذلك من معلومات لأن الصيدلي وان كان يتمتع باستقلالية فنية في مجال عمله إلا أنه يلتقي مع الطبيب في العلاج الطبي من خلال ما يبديه من إعلام يفيد المريض فخطأه يشكل خطأ فنيا مهنيا إذا هو اخل بواجبه﴿ ﴾.

الـمـطـلـب الـثـانـي:أهـمـيـة الالـتـزام بـالإعـلام:

يعد رضا المريض شرطا هاما وضروريا يجب الحصول عليه قبل لأي تدخل طبي لما يكتسبه الجسم الإنساني من أهمية بالغة هذه الأهمية مضمونها السلامة الجسدية.إن القانون نص سواء في نصوص دستورية أم في نصوص عقابية مقررا بها الحرمة الجسمية للإنسان.وقد تضمنت معظم التشريعات العقابية حماية جنائية لجسم الإنسان، فلا يجوز المساس به بدون موافقة المريض.وبهذا فلا يكون العمل الطبي مباحا ما لم يرض به المريض،وما دام القانون يرخص لفئة معينة حق ممارسة الطب،وهم الأطباء المحتكرون لهذه المهنة فلا يجوز بذلك إرغام أحد على العلاج وهذا مانصت عليه المادة154 من قانون الصحة الجزائري بقولها:”يقدم العلاج الطبي بموافقة المريض أو ممن يخولهم القانون إعطاء موافقتهم على ذلك”،كما نصت المادة44 من مدونة أخلاقيات الطب على مايلي:”يخضع كل عمل طبي يكون فيه خطر جدي على المريض لموافقة حرة و متبصرة أو لموافقة الأشخاص المخولين منه أو من القانون،وعلى الطبيب أو الجراح الأسنان أن يقدم العلاج الضروري إذا كان في خطر أو غير قادر على الإدلاء بموافقته”،فرضا المريض هو شرط جوهري وجب مراعاته ولاحق لمن يتجاوزه أو يغفله.

إن العلاقة بين الطبيب و المريض جوهرها ثقة الثاني في الأول وهذه الثقة التي تفرض نفسها توجب قبول المريض للعلاج أو رفضه﴿ ﴾غير أن الحصول على رضاه الذي يبيح العمل الطبي،لابد أن يسبقه شيء مهم وهو تنوير المريض وتبصيره بكل المعلومات الضرورية التي تجعله على دراية بحالته الصحية فيبصر بطبيعة مرضه ودرجة خطورته وما يتطلب من علاج،وتبصيره بالبدائل العلاجية وهذا لا يكون إلا بالالتزام بالإعلام ليكون الرضاء متبصرا وعليه فان الالتزام بالإعلام هو مهم للغاية فهو يشمل جميع العقود التي ليس فيها تكافؤ بين أطرافها ولاسيما في عقد العلاج الطبي الذي يقتصر على علاج جسم الفرد الذي له حصانة شخصية تمتد لكل مظاهرها سواء النفسية أو العقلية أو الجسمية.كما أن أهميته تتجلى في التنوير و التبصير،وغايته التعاون على تنفيذ العقد وتمكينه من استيعاب الأمور الفنية على أكمل وجه وعن بينة واضحة كذلك من أهميته فنه يحول دون وصول الخطر الكامن في طبيعة العلاج إلى المريض والمساس بشخصه أو الإضرار بماله فهو انعكاس حقيقي وتطبيق واقعي لفكرة ضمان السلامة.
ومن جهة أخرى يعطي للمريض الحرية الكاملة في تقدير الإقدام على العلاج أو الإحجام عنه،إذ يساعده على اتخاذ القرار النهائي في مصير حالته الصحية حسبما يراه محققا لمصلحته واحتراما لحق الذاتية له﴿ ﴾،فالتطورات العلمية،الفكرية،والاجتماعية جعلت من المستحيل في ظل عالم يشهد وسائل طبية حديثة وطرق علاجية متطورة أن يكون المريض جاهلا لحالته الصحية فعصر الوصاية الأبوية الطبية التي كانت في القديم الزمان تتيح للطبيب أن يتصرف في مريضه بما شاء من دون أن يراعي شرط الرضا بل أكثر من ذلك فان المريض كان حقلا للتجارب الطبية،ضف إلى ذلك أن من الناس من يفضل ألام المرض على إصابته بعاهة مستديمة من جراء مباشرة العلاج﴿ ﴾.

وبناء على ذلك فلا يسوغ للطبيب إرغام المريض على العلاج، وما يكون له سوى تسهيل السبيل له بتزويده بالمعلومات الفنية الخاصة به، ثم يترك له سلطة و الحرية في اتخاذ القرار النهائي بشأن حالته الصحية.لهذا فان أغلب الدول وأكثر التشريعات الحديثة ترتكز على هذا وتحث عليه حتى تستبعد المسؤولية المدنية ويستبعد الخطأ الطبي وفي كل مصلحة سواء بالنسبة للمريض الذي يتلقى رعاية صحية حسنة﴿ ﴾أم بالنسبة للطبيب المعالج كيف لا وأن مصلحة هذا الأخير تظهر في ممارسة مهنته الطبية من غير أن يخشى مسؤولية تنهض في حقه إذا ما أخل بهذا الالتزام،وكخلاصة لما سبق فالفقه و القضاء على غرار التشريعات الأخرى يحضان على ضرورة التزام الطبيب بإعلام المريض﴿ ﴾.

الـمـطـلـب الـثـالـث:الـتـأسـيـس الـقـانـونـي للالتـزام الـطبيـب بإعـلام مريـضـه:

في هذا المطلب سأحاول توضيح الأساس القانوني لالتزام الطبيب بإعلام مريضه فإلى أي أساس قانوني يجد هذا الالتزام مصدره؟
يرى بعض الفقه الفرنسي و على رأسهم رينيه سافتي أن هذا الالتزام يجد نفسه في مصدرين المصدر الأول النصوص التشريعية و المصدر الثاني عقد العلاج الطبي ذاته.

أولا: النصوص التشريعية و التنظيمية:

القانون المدني الفرنسي المعدل في سنة 1994 في المادة16/03 على أنه يجب الحصول على رضا المريض قبل مباشرة أي عمل طبي على جسم المريض و هو ما يوجب بالضرورة إلزام الطبيب بإعلام مريضه حتى يكون رضاؤه معبرا عن إرادته الحقيقية.
كما نصت المادة.2.1114 من قانون الصحة الفرنسي المعدل بقانون 04 مارس2002 على ضرورة حصول الطبيب على الرضا المستنير للمريض قبل كل تدخل طبي و ذلك بعد إفادته بالمعلومات الضرورية( ﴾ لكن تقنين أخلاقيات الطب الفرنسي كان أكثر وضوحا إذ أوجب على الطبيب إعلاما صادقا Loyal- واضحا Clair– و مناسبا Appropriée لصالح المريض و هو سابق على الحصول على رضا المريض بشأن قبول أو رفض العلاج( ﴾.
المشرع الجزائري لم يتوان عما جاء به التشريع الفرنسي فجعل أساس هذا الالتزام في نصوص قانونية سواء عليه أدرج ذلك في قانون الصحة الجزائري أم في مدونة أخلاقيات الطب و كل هذه النصوص توحي بعضها البعض على التزام الطبيب بإعلام مريضه.

حيث تنص المادة 154 من قانون الصحة 85ـ05 المعدل و المتمم بالقانون 08/13﴿ ﴾ على مايلي “يقدم العلاج الطبي بموافقة المريض أو ممن يخولهم القانون إعطاء موافقتهم على ذلك.يقدم الطبيب العلاج الطبي تحت مسؤوليته الخاصة,إذا تطلب الأمر تقديم علاج مستعجل لإنقاذ حياة أحد القصر أو أحد الأشخاص العاجزين عن التمييز أو اللذين يستحيل عليهم التعبير عن إرادتهم و يتعذر الحصول على رضا الأشخاص المخولين أو موافقتهم في
الوقت المناسب” كما تنص المادة 162 من ذات القانون على أنه:”لا يجوز انتزاع الأنسجة أو الأعضاء البشرية من أشخاص أحياء إلا إذا لم تعرض هذه العملية حياة المتبرع للخطر و تشترط الموافقة الكتابية على المتبرع بأحد الأعضاء و تحرر هذه الموافقة بحضور شاهدين اثنين و تودع لدى مدير المؤسسة و الطبيب رئيس المصلحة”.
ولا يجوز للمتبرع أن يعبر عن موافقته إلا بعد أن يخبره الطبيب بالأخطار الطبية المحتملة التي قد تتسبب فيها الانتزاع،و يستطيع المتبرع في أي وقت كان أن يتراجع عن موافقته السابقة.كذلك المادة168 مكرر02 من نفس القانون بشأن التجارب الطبية نصت على أنه:”….يخضع التجريب للموافقة الحرة و المنيرة للشخص موضوع التجريب أو عند عدمه لممثله الشرعي تكون هذه الموافقة ضرورية في كل لحظة”.
أما أخلاقيات الطب الجزائري( )فقد نصت صراحة على التزام الطبيب بالحصول على رضا مريضه بعد إعلامه فالمادة43 منها تنص على أنه:”يجب على الطبيب أو جراح الأسنان أن يجتهد لإفادة مريضه بمعلومات واضحة و صادقة بشأن أسباب كل عمل طبي”.
وتنص المادة 44 من ذات المدونة على أنه:”يخضع كل عمل طبي فيه خطر جدي على المريض لموافقة حرة و متبصرة أو لموافقة الأشخاص المخولين منه أو من القانون و على الطبيب أو جراح الأسنان أن يقدم العلاج الضروري إذا كان المريض في خطر أو غير قادر على الإدلاء بموافقته”.
أما المادة45 من ذات المدونة تنص على أنه:”يلتزم الطبيب أو جراح الأسنان بمجرد موافقته على أي طلب معالجة بضمان تقديم علاج لمرضاه يتسم بالإخلاص و التفاني و المطابقة لمعطيات العلم الحديثة و الإستيعانة عند الضرورة بالزملاء المختصين و المؤهلين”كذلك لو تمعنا في نص المادة47 من ذات المدونة لتحسسنا أن هناك التزاما بالإعلام فيما يخص تمكين الطبيب من تزويد المريض بالمعلومات التي تخص الوصفة الطبية و تمكينه من فهمها فهما صحيحا و لا يكون ذلك إلا بعد إعلامه فتنص على أنه:”يجب على الطبيب أن يحرر وصفاته بكل وضوح و أن يجتهد للحصول على أحسن تنفيذ العلاج”

ثانيا: العقد الطبي ذاته:

إن جانبا من الفقه الفرنسي يرى أن أساس الالتزام الطبيب بإعلام مريضه هو العقد الطبي ذاته﴿ ﴾لكن الإشكال الذي يثور هنا حول التسليم بالطبيعة قبل التعاقد و الطبيعة التعاقدية المتولدة عن العقد نفسه.إن إعلام المريض التزام ينشأ قبل إبرام العقد فهذا لا يغير من طبيعته التعاقدية﴿ ﴾وإذا أخل الطبيب بالتزامه هذا فانه يكون قد أخل بالتزامه التعاقدي و يسأل على أساس المسؤولية التقصيرية﴿ ﴾إذا لم يبرم العقد.
غير أن هذا الرأي أنتقد في أمرين:
الأمر الأول: إن التزام الطبيب بإعلام مريضه هو التزام سابق على العقد فلا ينبغي القول أن هذا متولد عن العقد الطبي إذ لا يمكن أن ينشأ الالتزام قبل نشأة مصدره،و بالتالي لا يمكن الخلط بين مرحلتين مختلفتين المرحلة ما قبل العقدية و الأخرى التعاقدية لأن لكل منهما طبيعة قانونية و أثار متميزة.
الأمر الثاني: إذا أمكن القول أن إخلال الطبيب بالتزامه حالة إبرام العقد يرتب المسؤولية العقدية،و بدونه يرتب المسؤولية التقصيرية عن هذا الإخلال﴿ ﴾هو قول مردود،لأن الإخلال بالإعلام قد يتم في حالتين في مرحلة واحدة،أي قبل مباشرة الطبيب تدخله العلاجي و بالتالي فذلك يؤدي إلى قيام المسؤولية التقصيرية سواء أبرم العقد أو لم يبرم﴿ ﴾.ولكن قد تقوم المسؤولية العقدية إذا تبين من عقد العلاج الطبي ما يقر الالتزام بالإعلام في مسائل معينة و هنا يكون للمريض حق الخيار إما أن يتمسك بالمسؤولية العقدية على أساس أن الإخلال تعلق بأمور أوجب عقد العلاج الطبي الإعلام بها إما يتمسك بالمسؤولية التقصيرية على أساس أن هناك التزام قانوني سابق على إبرام العقد الطبي و منفصل عنه هو إعلام المريض بحالته الصحية قبل أي تدخل علاجي٬ أو جراحي.

من هنا نستخلص أن الالتزام بإعلام المريض يظهر جليا في نصوص قانونية تؤكد ضرورته و ترسخ مبادئه و حتى العقد الطبي يجد فيه هذا الالتزام أساسه،إذ في كل يستند من حيث أساسه إلى المصدرين اللذين سبق الإشارة إليهما.

الـمـبـحـث الـثـانــي: نـطـاق الالـتـزام بـالإعـلام فـي الـعـلاج الـطـبــي

تطرقت سلفا أن الالتزام بالإعلام في العلاج الطبي هو التزام قانوني سابق قبل أي تدخل علاجي أو جراحي،إذ لا بد للطبيب أن يراعيه حتى يساعد المريض في اتخاذ القرار النهائي.
و القانون اهتم بذلك اهتماما بالغا،و جعل نطاقه نطاقا شاملا لمجموعة من الخصائص الخاصة به،و كذا مدى مراعاة العناصر التي يجب الإفضاء بها تحقيقا لمصلحة المريض و تقريرا لعدم المساس بجسده،إلا بإذنه و الذي لا يمكن أن يصدر قرارا متبصرا بشأن العلاج المقترح عليه إلا إذا أحيط بالمعلومات التي تمكنه من ذلك.
وأن كل إخلال بهذا الالتزام يرتب المسؤولية في حق الطبيب المسؤول.
لذا سأحاول أن أستفيض بصدد هذا المبحث حول الخصائص و العناصر الواجب الإفضاء بها للمريض لإعلامه، لأخلص بموقف المشرع الجزائري من نطاق الالتزام بالإعلام.

الـمـطـلـب الأول:خـصـائـص الالـتـزام بـالإعـلام:

إن الالتزام بالإعلام يشمل مجموعة من الخصائص يلتزم بها الطبيب قبل أن يباشر عمله الفني الذي يكتسي مصطلحات طبية لا يفهمها سوى ذوي الاختصاص من أهل الطب.فالخاصية الأولى تظهر في أن يوجه الإعلام إلى شخص المريض نفسه لتكون الثقة قائمة بين طرفي العلاج،و بالتالي يكون رضاؤه سليما على ما يقدم عليه من علاج غير أن هذا الأمر قد يحول دون تحقيقه،خاصة إذا كان المريض في حالة لا تسمح له بتقدير ذلك كأن يكون مغمى عليه،أو بالأحرى في غيبوبة تامة أو كان ناقص الأهلية أو عديمها مما يكون توجيه الإعلام واجبا إلى الشخص الذي يقوم مقامه في اتخاذ القرار العلاجي،كما أن حالة الضرورة قد تكون سببا يجعل الحصول على موافقة المريض أو من ممثله أمرا متعذرا كأن تكون حالة المريض تتطلب تدخلا سريعا لإنقاذ حياته،و لقد راعت مدونة أخلاقيات الطب الجزائري فنصت المادة52الفقرة02 على أنه:”يجب على الطبيب أو جراح الأسنان في حالة الاستعجال،أو تعذر الاتصال بهم أن يقدم العلاج الضروري للمريض،و على الطبيب أو جراح الأسنان أن يأخذ في حدود الإمكان رأي العاجز البالغ بعين الاعتبار.إذ كان قادرا على إبداء الرأي.”﴿ ﴾.
كما نصت المادة154الفقرة02 من قانون الصحة على أنه:”يقدم الطبيب العلاج الطبي،تحت مسؤوليته الخاصة إذا تطلب الأمر تقديم علاج مستعجل لإنقاذ حياة أحد القصر،أو أحد الأشخاص العاجزين عن التمييز،أو الذين يستحيل عليهم التعبير عن إرادتهم،و يتعذر الحصول على رضا الأشخاص المخولين أو موافقتهم في الوقت المناسب”﴿ ﴾،لهذا فان حالة الضرورة﴿ ﴾ تصعب من إمكانية توجيه الإعلام إلى المريض نفسه،أو حتى ممثله،الأمر الذي يجعل الطبيب يتجاوز هذا الشرط تحقيقا لمصلحة المريض،ولكن في الحدود التي تخص الحالة الصحية له.أما الخاصية الثانية تتجلى في أن المعلومات التي وجب تقديمها للمريض،أن تكون دقيقة و كافية،حتى يكون ملما بها علما كافيا نافيا للجهالة التي تقوده إلى اتخاذ قرار معيب و هذه المعلومات لا تكون دقيقة و كافية إلا إذا جاءت خالية من المصطلحات الطبية المعقدة،و التي تتعلق أساسا بالعمل الطبي الذي قد يتشكل عنه خطأ يتمثل إما في تخلف الإعلام كلية أو عدم كفايته،أو يكون الإعلام خاطئا،أو كما يسمى بالإعلام الخاطئ erronée ويمكن أن يندرج غالباـ في ايطار الحوادث الطبية غير العمدية،أو كما يسميه البعض الخطأ الطبي الإنساني Une faute contre l’humanisme médicale﴿ ﴾.
و الخاصية الثالثة تتجلى في ألا تقل هذه المعلومات عن المعلومات التي يقدمها طبيب مماثل في ظروف مماثلة بحسب ما استقر عليه العلم الطبي،و ما كان متعارفا عليه بين أهل الطب و في نفس التخصص.و إذا حاولت أن أتفحص هذه الخاصية لأمكن القول أن الطبيب الذي يراعى في تصرفه بتصرف طبيب مماثل له،إنما هذا معيار الرجل العادي الذي يقاس به التصرف الفني الطبي،فيجب أن يكون من طبقته أو من طائفته أو من جنسه،فالطبيب العادي هو الذي لا ينحرف عن سلوك أمثاله من الأطباء العاديين الذين لا يعتبرون من النابغين الممتازين و لا من الخاملين المهملين﴿ ﴾.

الـمـطـلـب الـثـانـي:الـعنـاصر الـواجب الإفضـاء بها للـمـريض فـي إطار الالـتـزام بـالإعـلام:

على الطبيب أن يحترم إرادة المريض،و عدم المساس بجسده إلا بعد الحصول على رضائه بالعمل الطبي و ذلك يفترض قيام الطبيب بإعلامه بحالته المرضية و بالعلاج الذي ينوي تطبيقه و ما يتضمنه من مخاطر حتى يكون قبوله بالعمل الطبي عن بينة بحقيقة حالته المرضية،و بالعلاج المقترح له لهذا سأحاول أن أبين العناصر الواجب الإفضاء بها للمريض سواء في مرحلة التشخيص أو في مرحلة العلاج و ما بعدها أو في عملية الجراحية التجميلية.

ـ مرحلة التشخيص:إن أدوات الطب تطورت تطورا كبيرا،و هذا التطور تولدت عنه مخاطر قد تلحق المريض جراء استخدام هذه الأساليب،الأمر الذي يوجب على الطبيب أن يعلم المريض في هذه المرحلة التمهيدية بالتدخل الطبي الذي سيعتمد عليه،و طريقة العلاج التي سيباشرها قبل مريضه ليكون هذا الأخير على بينة في التمييز بين نوعي التدخل الطبي،أي التدخل الذي يهدف إلى العلاج،و التدخل الذي يهدف فقط إلى التشخيص.كما أنه يتطلب في هذه المرحلة أعمالا طبية تفيد و تسهل عملية التشخيص كاللجوء إلى التحاليل الطبية﴿ ﴾ أو استعمال الأشعة و ذلك قبل التأكد من المرض لذا واجب على الطبيب إعلام المريض بطبيعة العلاج و كذا المخاطر المتعلقة سواء بالمرض ذاته أو بالعلاج الطبي و طبيعته أو من خلال استعمال الأدوات و الأجهزة﴿ ﴾.
ـ مرحلة العلاج وما بعدها: إذا توصل الطبيب إلى تحديد العلة التي يعاني منها المريض ينتقل إلى مرحلة العلاج فيلتزم بإعلامه بكل ما يتعلق بالعلاج الذي يقترحه،و بطبيعته،أو العملية الجراحية و إعلامه بالنتائج الايجابية المنتظر تحقيقها من العلاج،أو العملية الجراحية لأن التدخل الطبي في هذه المرحلة إما أن يكون تدخلا علاجيا مقتصرا على العلاج الكيميائي و إما يتطلب تدخلا جراحيا و عادة يقترح الطبيب على المريض العلاج الذي يراه مناسبا مما يعني أن البدائل العلاجية الأخرى أقل فاعلية من وجهته و لكن تبقى القرارات الطبية لا تخضع في عمومها إلى اعتبارات طبية فقط،بل لا بد من احترام إرادة المريض وما يختاره من علاج فقد يفضل العلاج الكيميائي على العلاج الجراحي،ولو كان ذلك يتطلب وقتا كبيرا.
لذا يجب على الطبيب أن يبصر المريض بالعلاج المقترح و بالبدائل العلاجية الأخرى و جميع المخاطر التي تترتب عن ذلك و يبين نجاح تلك البدائل العلاجية،و مدتها و درجة خطورتها،و نسبة نجاحها تم يترك الأمر بعد ذلك للمريض حتى يختار بإرادة متبصرة أي العمل العلاجي الذي ينتهجه فيقارن بين كل ما اقترح وما تبين له من الطبيب المعالج حتى يتخذ القرار النهائي وهذا القرار يتجلى في أمرين اثنين إما يقبل بالعلاج و يرضى بالطريقة التي يراها مناسبة له و إما يرفضه تماما بعد إفادته بكل هذه المعلومات و القانون يعطي له الحرية في ذلك و يوجب على الطبيب أن يحترم إرادة المريض الذي رفض العلاج إذ لا يجوز له أن يرغمه عليه و إلا تحمل مسؤولية ذلك.
و لقد اعترف القانون الفرنسي بحق المريض في رفض العلاج فنصت المادة36الفقرة02 من مدونة أخلاقيات الطب الفرنسي على مايلي:
«lorsque le malade en l’état d’exprimer sa volonté refuse les investigations après avoir eu le traitement proposé, le médecin doit respecter ce refus informé le malade de ses conséquences».
في قضية وقعت في 18/01/2000 عرضت على مستوى القضاء الفرنسي حيث تتلخص وقائعها في مايلي:
في أن مريضا تطلبت حالته عملية جراحية على مستوى عينيه و بعد أن أعلم بطبيعة التدخل الجراحي من الطبيب و بّين له مداه،رفض التخدير الشامل “L’anesthésie générale” الذي عرض عليه من الجراح فالتمس أن يكون التخديرLoco régionale ،وبعد حقن المريض به ترتب عنه نزيف دموي مما أدى إلى فقد عينه فطعنت محكمة النقض الفرنسية في القرار الصادر عن محكمة الاستئناف Lyon التي دفعت المسؤولية عن الطبيب المختص في أمراض العيون و الذي أجرى العملية الجراحية للمريض بحجة أنه قد أعلمه بمخاطر ذلك التخدير الذي التمسه المريض و أقرت محكمة النقض الفرنسية أن الطبيب مسؤول عن ذلك بحجة أنه لم يكن له دليل على هذا الرفض و بالتالي يتحمل المسؤولية.﴿ ﴾.
إن القانون الجزائري قد اعترف هو الآخر على غرار القانون الفرنسي و التشريعات الأخرى بحق المريض في رفض العلاج فنص في المادة49 من مدونة أخلاقيات مهنة الطب الجزائري على انه:”يشترط من المريض إذا رفض العلاج الطبي أن يقدم تصريحا كتابيا في هذا الشأن” فباستقراء هذه المادة يظهر جليا أن المريض له الحق في رفض العلاج و لكن حتى لا تثور مسؤولية الطبيب اشترط الدليل الكتابي عليه،حتى يتمسك به الطبيب لتندفع عنه المسؤولية الطبية و إذا كان في مرحلة العلاج، من واجب الطبيب أن يفضي للمريض بكل المعلومات المتعلقة بمدى النجاح أو الفشل الذي يتحقق عن العلاج الكيميائي أو العلاج الجراحي فان صفة المعلومات التي يفضي بها للمريض وجبت أن تكون بسيطة صادقة و تقريبية﴿ ﴾ سواء أكان العلاج بالأدوية أم بعملية الجراحية،فقد ذهب الفقه في هذا الصدد إلى قصر التزام الطبيب بإعلام مريضه على المخاطر المتوقعةLes risques normalement prévisible.
بمعنى عدم التزامه بالإعلام بخصوص المخاطر الاستثنائية نادرة الحدوث و يبرر الفقه ذلك بعنصر الاحتمال الذي قد يتضمنه العمل الطبي، فإذا كان الإعلام بكل ما هو متوقع أو غير متوقع من المخاطر لأدى إلى عرقلة أداء مهنة الطب، بالإضافة إلى أن ذلك قد يكون ضارا بمصلحة المريض إذ لو كان الطبيب ملزما بإعلامه بكل المخاطر الاستثنائية لتولد الفزع لديه، و يدفعه إلى رفض العلاج، و انصراف المرضى عنه فيفضلون الآلام على العلاج المترتب عنه مخاطر أخرى، كذلك بالنسبة للطبيب لو ألزم بتوريد المريض بكل صغيرة و كبيرة عن حالته الضحية لقلت الفائدة المرجوة من التدخل الطبي، ولا نصرف المعالج عن أداء مهنته غير أن صدور قرارات محكمة النقض الفرنسية المتوالية قد ألزمت الإفضاء بالمخاطر الاستثنائية حفاظا على مصلحة المريض.
و عليه سأحاول أن أبين تطورها بشأن الإفضاء بمخاطر العمل الطبي.ـ في سنة 1961 تعرضت محكمة النقض الفرنسية لطبيعة الالتزام بالإعلام، فأوجبت أن يكون الإعلام بسيطا Simple مفهومها Intelligible تقريباapproximative و صادقاloyal﴿ ﴾.في سنة 1981 أشارت محكمة النقض الفرنسية في قرارين لها إلى وجوب التنبيه إلى المخاطر الحقيقية و استثنت المخاطر الاستثنائية، و حددت الخطر الاستثنائي بالخطر الذي تقل نسبة تحققه عن 2%﴿ ﴾، و في سنة 1997 أوجبت محكمة النقض الفرنسية أن تكون المعلومات صادقةLoyales واضحة Claires و مناسبة approprié ﴿ ﴾ و استثنت كذلك الإعلام بالمخاطر الاستثنائية.
ثم المرحلة ما بعد1998 في هذه المرحلة بدأ القضاء الفرنسي يوسع من نطاق الإعلام الواجب للمريض حيث أوجب في قراره المؤرخ في07أكتوبر 1998 أن يتم تنبيه المريض إلى المخاطر الاستثنائية أيضا﴿ ﴾ و في هذه القضية أعلنت المحكمة عن اتجاه جديد و قررت أنه:” في غير حالات الاستعجال و الحالات التي يستحيل فيها إعلام المريض أو رفضه لذلك يلتزم الطبيب بتوفير معلومات صادقة و واضحة،و مناسبة للمريض حول كل مخاطر التشخيص و العلاج و أنه غير معفى من هذا الالتزام لمجرد أن هذه الأخطار لا تتحقق إلا بصفة استثنائية”﴿ ﴾.
هكذا إذن شهد القضاء الفرنسي تحولا هاما فيما يتعلق بمخاطر العمل الطبي الذي يوجب على الطبيب إعلام المريض بها،وكان ذلك بمقتضى قرارين أصدرتهما محكمة النقض بتاريخ07أكتوبر1998 وهو ما سبق الإشارة إليهما أعلاه.فكان هذا القرار يتعلق بسيدة خضعت لعملية جراحية بالعمود الفقري نتج عنها فقد إبصار العين اليسرى ولم يكن الطبيب قد أحاط المريضة علما بهذا الخطر قبل إجراء العملية.رفضت محكمة الاستئناف دعوى تعويض التي رفعتها المريضة استنادا إلى أن الخطر الذي تحقق نادر الحدوث و لم يكن الطبيب بالتالي ملزما بإخبارها به غير أن محكمة النقض ألغت حكم الاستئناف وأصدرت حكمها المذكور.
إذا كانت محكمة النقض قد حددت بقضائها الجديد نطاق التزام الطبيب بإعلام المريض بجميع المخاطر الجسيمة ولو كانت استثنائية فان ذلك أيضا ما فعله مجلس الدولة الفرنسي بقراريه اللذّين أصدرهما في 05جانفي 2000 حيث قرر فيهما أن تحقق المخاطر بصفة استثنائية لا تعفى الأطباء من التزامهم و على ذلك تكون محكمة الاستئناف باريس الإدارية قد أصابت صحيح القانون بقضائها أن خطر الإصابة بالشلل الذي تضمنته العملية الجراحية و لو كان استثنائي الحدوث إلا أنه بالنظر لجسامته من المتعين على الأطباء إعلام المريض به.إن القانون الفرنسي لم يقف عند الإعلام الواجب بالمخاطر الاستثنائية بل أصدرقانون4مارس2002 بشأن العلاج فنصت المادة4ـ1111 منه إلى وجوب الإعلام بالمخاطر الكثيرة الوقوعLes risques fréquents، في حين عبرت محكمة النقض الفرنسية عن المخاطر الواجب الإعلام بها بالمخاطر المحتملة و الاستثنائيةRisques exceptionnelles.
و من القرارات التي صدرت بعد دخول هذا القانون حيز التنفيذ القرار الصادر بتاريخ 02/10/2002 و الذي أكدت فيه أنه يجب أن تكون الأخطار معروفة لدى الطبيب عند مباشرة العمل الطبي.و لقد جاء هذا القانون الجديد بتمديده لواجب الإعلام إلى ما بعد مرحلة العلاج إذا ما اكتشف الطبيب خطرا جديدا فيجب أن يعلم به المريض إلا إذا استحال الاتصال به أو صعب العثور عليه و لكن هذا يعني أن الطبيب عليه أن يتخذ الاحتياطات اللازمة للاتصال بمريضه و متابعته بخصوص الالتزام بالإعلام في مرحلة ما بعد العلاج.
ـ إن التطور العلمي في المجال الطبي أدى إلى ظهور نوع جديد من الجراحة عرف إقبال كبير من طرف الأشخاص مهما كان سنهم أو جنسهم والتي وبسببها أصبحت النزاعات في المجال الطبي أكثر طرحا وتعقيدا على القضاء وبسبب أهمية هذه الجراحة وما لها تأثير على المظهر الخارجي و الجمالي للإنسان ارتأيت ذكرها كمثال وتوضيح مفهومها و العناصر الواجبة للطبيب إفضائها للمريض.

أولا:مفهوم الجراحة التجميلية وأنواعها:

هناك بعض الأعمال الطبية لا تكون عن علة أو مرض ظاهرين بل المقصود منها تصليح بعض العيوب و التشوهات التي قد يولد الإنسان بها كمن يولد عنده أصبع زائدة أو يحدث للإنسان أثناء حياته بعض التشوهات نتيجة الحوادث التي يتعرض إليها كالحروق مثلا.فالتقدم العلمي الطبي أظهر انتصارا كبيرا في الجراحات التجميلية و هذا النوع من الجراحة ليس وليد اليوم،بل هو معروف منذ أمد بعيدا إلا أن القضاء في فرنسا كان ينظر إليه نظرة مسيئة و نظرة كراهية مستندا إلى أن التدخل الطبي في الجراحة التجميلية إنما غرضه يقتصر على إصلاح العيب لا خطر فيه على جسم المريض،و بالتالي يكون التدخل الجراحي هذا غير مبرر و كان يعتبر أن الطبيب بمجرد أن يجري عملية تجميلية على مريض يعد خطأ في حد ذاته يتحمل فاعله المسؤولية الكاملة على فعله و من الأحكام الشهيرة التي تصدت لعمليات التجميل ما أصدرته محكمة استئناف باريس22/01/1913 إذ قالت:”مجرد الإقدام على علاج لا يقصد به إلا تجميل من أجري له،خطأ في ذاته يتحمل الطبيب بسببه كل الأضرار التي تنشأ عن العلاج،ولو كان العلاج قد أجري طبقا لقواعد العلم،و الفن الصحيحين”﴿ ﴾.و لكن مع التطور العلمي،وظهرت غاية الإنسان،وحاجته في الاهتمام بالمظهر،و الجمال و صار هذا يكتسي طابعا هاما عند الإنسانية،خاصة و أن بعض الحالات لا تعالج إلا بالجراحة التجميلية مما أدى ذلك إلى الاعتراف بهذا العمل الطبي،و صار أمرا مقبولا قانونا،حتى دفع ذلك الأطباء إلى التفتق بفن الجراحة التجميلية. فالجراحة التجميلية تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول:تدعوا إليه الضرورة و الغرض منه تصحيح و تعويض في البدن، كالحوادث التي ينتج عنها بتر عضو،أو الحرائق التي تصيب جسم الإنسان.
النوع الثاني:هذا النوع تتطلبه حاجة الإنسان في إصلاح العيوب التي قد يولد بها فتسبب له حالة نفسية مقلقة و مثال ذلك التئام الشفتين.
النوع الثالث:هذا النوع من الجراحة التجميلية ما يكون الغرض منها سوى الغلو في مقاييس الخلق.

ثانيا: موقف القضاء في عناصر التي يجب الإفضاء بها في العملية التجميلية:

مع التقدم العلمي صارت جراحة التجميل تخضع للمبادئ العامة للمسؤولية الطبية لكن و نظرا لخصوصية هذا العمل الجراحي تشدد القضاء في أحكامه لمالها من أثار و أخطار معتبرة،و يظهر التشدد في تقدير المحاكم لفكرة خطأ الجراح المختص في التجميل فوسع من نطاق تحديد الخطأ الفني و اشترط أن يكون الطبيب على دراية كبيرة في التخصص و أن يستخدم طريقة علاجية متفقا عليها و ليست محلا للتجارب﴿ ﴾.
كما أن بعض المحاكم ذهبت إلى أن النتيجة هي التي تبرر التدخل الجراحي بهدف التجميل،وبما أن هذه الجراحة لا تستلزمها صحة المريض فان الطبيب له أن يمتنع عنها إذا ظهر له أن نسبة نجاحها ضئيلة،فعلى الطبيب أن يكون واثقا من نجاح تلك العملية و بالتالي عليه أن يوازن بين الغاية المرجوة منها و المخاطر المحتملة و المترتبة من ورائها﴿ ﴾، و عليه فان الإعلام يجب أن يكون في الجراحة التجميلية دقيقا فقررت محكمة النقض الفرنسية في قرارها المؤرخ في 17 فبراير 1998 على وجوب التنبيه ليس فقط إلى جميع المخاطر الجسيمة المرتبطة بالعملية بل أيضا إلى كل أثر سلبي أو غير ملائم يمكن تحققه les risques graves،وفي هذا التشدد حول العناصر الواجب الإعلام بها فكل خطر و لو كان ضئيلاInconvénients لدى المريض في الجراحة التجميلية إذ هو يرغب فقط في وجب التنبيه به لأن الغرض واضح الحصول على نتيجة يبتغيها ولولاها ما يقدم على هذا العمل الطبي ومن جهة أخرى فعلى الطبيب أن يقارن كما أسلفنا الذكر بين المخاطر المترتبة عن العمل الجراحي التجميلي و النتائج أو الايجابيات المنتظرة و المتوقعة﴿ ﴾ ففي قضية عرضت على المحكمة الفرنسية سنة 1993 حيث تتلخص وقائعها في أن مريضة أجرى عليها جراح مختص في العمليات الجراحية التجميلية من أجل أن يعالجها على مستوى جفونهاLes paupières عن طريق استخدام Lifting فكانت النتيجة غير مقبولة من قبل المريضة إذ العملية لم تنجح ، الأمر الذي أدى بها إلى رفع دعوى قضائية على الجراح، فأقرت المحكمة الفرنسية بمسؤوليته بحجة أنه لم يوازن و يقارن بين المخاطر و الايجابيات المنتظرة بالنسبة للعملية الجراحية و لم يقم بإعلامها بجميع المخاطر المجهولة التي قد تترتب عنها و بالتالي يتحمل كل المسؤولية عن خطئه﴿ ﴾.
إذا كان القانون و القضاء قد أقرّا الجراحة التجميلية،إلا أن التزام الطبيب الجراح في هذا المجال قد ذهب فيه البعض إلى أن مثل هذه العمليات لا تفرضها ضرورة علاجية و لذلك يقع على عاتق جراح التجميل التزام بتحقيق نتيجة بحيث يصبح مسؤولا عن فشل العملية أي عدم تحقق النتيجة المنتظرة مالم يثبت السبب الأجنبي الذي حال بينه و بين تحقق هذه النتيجة.
وبالرغم من ذلك فلا زال الاتجاه الغالب ينظر إلى أن جراحة التجميل كغيرها من الجراحات تتضمن أيضا عنصر الاحتمال،و لكن الملاحظ أن القضاء يظهر تشددا،هذا التشدد يتجلى فيما أبدته محكمة النقض المصرية في هذا المجال فرغم تقريرها في حكم لها بتاريخ26/09/1969:”بأن التزام جراح التجميل هو التزام ببذل عناية،إن العناية المطلوبة منه أكثر منها في أحوال الجراحة الأخرى اعتبارا بأن جراحة التجميل لا يقصد بها شفاء المريض من علة في جسمه و إنما إصلاح تشويه لا يعرض حياته لأي خطر”.
و الواقع فانه يمكن وصف التزام جراح التجميل في ضوء هذا القضاء، بأنه التزام ببذل عناية متشددةobligation de moyens renforcée بحيث يكفي إثبات إخلال المدين به مجرد إقامة الدليل على واقعة ترجح إهماله لينقل عبء الإثبات إلى الطبيب﴿ ﴾.

الـمـطـلـب الثـالـث:مـوقـف المشـرع الـجـزائـري من نطـاق الالـتـزام بالإعـلام:

إذا حاولت التمعن ّفي موقف المشرع من نطاق الالتزام بالأعلام والمعيار الذي اعتمده لاتضح جليا أنه لم يفصل إلى حد الآن في هذه المسألة،خاصة وأن الأحكام القضائية التي تخص المسؤولية الطبية وما يترتب عنها من إشكاليات وثغرات قانونية تكاد تكون شبه منعدمة على مستوى القضاء الجزائري،ولعل السبب يرجع إما إلى عزوف المرضى عن اللجوء إلى لقضاء ملتمسين تقرير المسؤولية في حق الطبيب المسؤول وإما إلى نقص الاجتهادات القضائية في هذا المجال وحتى إن القاضي لما تعرض عليه قضية بهذا الشأن غالبا ما يستعين بالخبرة الطبية التي يتولى أمرها طبيب الذي لطالما مايكون تمت تضامن فيما بين الأطباء،إذ الخبير قد لا يعترف بالخطأ الطبي اتجاه زميل له و إن أقربه،كان تقريره ناصا لا يثبت حقيقة ودرجة الخطأ الفني وبالتالي يكابد المريض مغبة التقصير أو الإهمال المرتكب من قبل الطبيب.
غير أنه بالرجوع إلى نص المادة367مكرر03 من قانون حماية الصحة وترقيتها التي تنص على أنه:”يمكن للعدالة أن تلتمس المجلس الوطني و المجالس الجهوية للآداب الطبية كلما رفعت دعوى بمسؤولية أحد أعضاء الهيئة الطبية قصد توضيح الصعوبات المرتبطة بتقدير الخطأ الطبي”.
فعند استقراء هذه المادة يتبين أن القاضي يجوز له لما تعرض عليه دعوى ضد أحد أعضاء الهيئة الطبية أن يستعين بالمجلس الوطني و المجالس الجهوية للآداب الطبية ويلتمس الاستشارة بخصوص تقدير الخطأ الطبي ومن باب أولى يتضمن ذلك مدى التزام الطبيب بإعلام مريضه فهذه المجالس تقرر مدى قيام الطبيب بواجبه هذا اتجاه مريضه من عدمه و تمحص المعلومات التي وجب الإفضاء بها من التي لا ضرورة في الإعلام بها.
وفي سياق الحديث يظهر أن المعيار الذي أخذ به المشرع الجزائري حسبما هو وارد في المادة المذكورة أنفا هو المعيار المهني أو الطبي وبالتالي استبعد معيار المريض المحتاط الذي وسع من واجب الالتزام بالإعلام وجعل منه إعلاما شاملا يقتضي تزويد المريض بكل المعلومات،ولكن معيار المريض المحتاط و إن كان يحمي مصلحة المريض فقد يصعب عمليا،ويتجلى ذلك في الدول الغربية التي أخذت به لجملة من الأسباب فمن جهة يرجع الأمر إلى تعذر المريض من فهم كل المعلومات الفنية الطبية ومن جهة أخرى قد لا يريد المريض مجابهته بالحقيقة حول حالته الصحية.
وبقياس ذلك على مستوى المجال الطبي بالجزائر،لأمكن القول أن تطبيقه عسير كيف لا،وأن القطاع الصحي بالجزائر يتخبط في مشاكل عويصة،منها نقص الإمكانيات المادية و البشرية بهذا القطاع،فالطبيب لا سيما في المستشفيات العامة التي يقبل إليها عدد معتبر من المرضى قد لا يستطيع الالتزام بواجب الإعلام كما هو مبين في هذا المعيار بل يحاول التخلص من هذا العدد من المرضى،الأمر الذي لا يترك له المجال في تزويد المريض بإعلام شامل بشأن الحالة الصحية له كذلك الوضعية الاجتماعية و الثقافية التي يعيشها المواطن الجزائري وخاصة المريض الذي وضعيته المالية لا تسمح له بعلاج سليم وكامل ومناسب،بل نجده دائما يلجأ إلى المرافق العمومية مبتغيا في ذلك العلاج المجاني،ومريدا التخلص من الآلام،أو التخفيف منها بكل وسيلة،فكيف به يبالي بحقه في الالتزام بالإعلام إذ غايته المهمة لديه هو
العلاج أكثر مما يهمه حقه في الإعلام والواقع أثبت ذلك فقد ينتظر المريض مدة طويلة من الزمن من أجل أن يأتي دوره في إجراء العملبة الجراحية بالمستشفى العام الأمر الذي يرجحه على فكرة هذا الواجب.
ومن حيثية أخرى أن كثيرا من المرضى لا يريدون تفهم حالتهم الصحية عن بينة واضحة،والمخاطر التي تترتب عن التدخل الطبي،إذ لو يواجهون بالحقيقة ليقضى الأمر بعزوفهم عن العلاج وتكون حاجتهم تفضيل المرض على إصابتهم بتلك المخاطر.
لذا فان المعيار المهني أو الطبي هو الأصلح بالإتباع في الجزائر،ولقد أخذ بها المشرع الجزائري أسوة بالقضاء الفرنسي،وإن كان هذا الأخير مرة بعد مرة يوسع من نطاقه مراعيا بذلك مصلحة المريض كما أنه قام بقلب عبء الإثبات وجعله على عاتق الطبيب الذي يلتزم بإثبات أنه قام بواجبه بعد أن كان يتحمله المريض ،قرار محكمة النقض الفرنسية في 25/02/1997.

ولكن القضاء الفرنسي تشدد خاصة في موقفه القضائي الحديث إذ فرض على أن يعلم المريض بكل المخاطر، ففضلا عن المخاطر المحتملة فهو ملزم قانونا بالإفضاء بالمخاطر الاستثنائية، وبالتالي يكون قد وسع من نطاق الالتزام بالإعلام.
وبهذا الاتجاه، يجل المعيار المهني أو الطبي أقرب من الناحية العملية إلى معيار المريض المحتاط.

وفي قرارت مجلس الدولة الفرنسي لسنة 2000 قد حدد معيار الإعلام الطبي بالمخاطر المعروفة للوفاة أو العجز وقت العلاج les risques de décès ou d’invalidité au moment des soins.في حين ذهبت بعض الجهات القضائية الأدنى درجة إلى القول بإعلام كامل﴿ ﴾ une information complète وكذلك بإعلام يتناول مع جسامة المخاطر ومدى حدوثها l’exigence d’une information à la fois sur la gravité et sur la fréquence des risques encourus، كما أن العلم يجب أن يقع على العلاج ومدى فائدته و الفحوصات ومخاطر العملية الجراحية ونتائجها الممكنة و المتوقعة وجميع المخاطر الممكنة﴿ ﴾.

الــمــبــحــث الــثــالــث: شروط الالـتـزام بالإعـلام و أطـرافـه فـي عقد الـعـلاج الـطبـي

مما لا شك فيه أن الإعلام الذي يكون بعد التدخل الطبي يكون عديم الفائدة بالنسبة للمريض،إذ هذا الأخير حاجته تظهر في فهم حالته الصحية فهما صحيحا وحتى عما يدور حولها من مخاطر ليكوّن ذلك القرار النهائي عن وعي و إدراك وعن تجلية لمآل العلاج و عواقبه.لذا يجب في هذا المقام أن أحاول تبيان شروط الإعلام الملتزم به من قبل الطبيب اتجاه مريضه،والأطراف المكونة و المنتجة في عقد العلاج الطبي.

الـمطلـب الأول:الشـروط الواجـبة فـي الالـتـزام بالإعـلام:

أولا: أن يكون الإعلام بسيطا،ومفهوما لدى المريض:

إن الفائدة المرجوة من العمل الطبي،أن يكون المريض عن بينة بطبيعة العلاج المقترح عليه وما يحف حوله من مخاطر و أضرار،وحتى لا يقدم عليه بقرار معيب خاطئ إذ لو أرشد عليه إرشادا سليما و واعيا لرفضه و لأحجم عن إصدار رضائه المعيب.
لهذا يجب على الطبيب أن يفهم مريضه بلغة بسيطة،ميسورة الفهم،وواضحة الدلالة في بيان حالة التشخيص و العلاج و المخاطر المترتبة عن ذلك وهو ما لا يتأتى بداهة إلا إذا جاء ذلك خاليا من المصطلحات الفنية المعقدة التي قد تنغلق على الفهم وبلغة يسهل على المريض استيعابها حتى يتمكن من معرفة مدى ما يتعرض له من أخطار إذا لم يتبع التعليمات و الإرشادات الواردة به.
ذلك إن مبدأ حسن النية الذي يهيمن على قانون العقود،والثقة التي يوليها العملاء للشخص المهني يوجب على هذا الأخير أن يكون أمينا في لفت انتباههم إلى جميع المخاطر التي تحدق بهم وأن ينظر إليهم من منظور إنساني و أخلاقي،لا من منظور أخر،وبهذه الثقة أو بذاك المبدأ كان عليه أن يتحمل عبئ الأضرار التي تترتب على ذلك﴿ ﴾،بالإضافة إلى ذلك يلتزم الطبيب بمراعاة الظروف الشخصية للمريض عند إعلامه مثل مستوى ثقافته ومعدل عمره،جنسه،ودرجة خطورة مرضه،فما يقدّمه الطبيب من معلومات لشخص في مقتبل العمر،يختلف عمّا يقدّمه لشخص طاعن في السن،إذ هذا الأخير قد يتقبل حالته الصحية وبالنسبة له هو أمر بديهي لما بلغه من سن،عكس الشاب الذي يتأثر لحالته،ولا يتقبلها بسهولة رغم أنهما يشكوان من نفس المرض.
لذا من واجب الطبيب أن يراعي ذلك بما يتناسب مع مستوى فهم المريض،ولقد أكد القضاء في فرنسا في كثير من أحكامه،لأنه يجب على الطبيب أن يلتزم بإعلام مريضه بعلم بسيط،مفهوم،وصادق﴿ ﴾.
وما يمكن الإشارة إليه، أن من أهم المؤهلات و الصفات التي يجب أن يتحلى بها الطبيب عند إعلامه لمرضاه، هما الفطنة و الذكاء اللّذين يساعدانه على جعل إعلامه إعلاما منسجما و متناسبا مع ظروف كل مريض على حدة.

ثانيا:أن يكون الإعلام كافيا وكاملا، نافيا للجهالة:

لقد حددت محكمة النقض الفرنسية، أن تكون المعلومات التي يدلي بها الطبيب لمريضه بسيطة simpleيمكن استيعابها intelligible، صادقة loyal، وتقريبية approximative، مما يعني ذلك وجوب أن تكون تلك المعلومات كاملة.
لكن ليس ما يمنع الطبيب من استخدام مصطلحات فنية في سبيل إعلام المريض لكن يتعين عليه الحذر من ذلك، إذ أن استخدام مصطلحات فنية خاصة يحول دون استيعابها من قبل المريض، وتتساوى بالتالي مع عدم إعلامه﴿ ﴾ولقد نصت المادة34 من تقنين أخلاقيات المهنة بفرنسا،والتي حددتها بأن تكون “أمينة،واضحة،وملائمة”.
وما يمكن التنبيه إليه أن الفقه و القضاء و أهل الطب مازالوا متذبذبين حول كمية المعلومات التي يلتزم بها الطبيب تجاه مريضه،فتارة تقول محكمة النقض الفرنسية إعلاما تقريبيا،وتارة أخرى،إعلاما مناسبا،وتارة استعملت مصطلح “الإعلام الكافي information suffisante “،مما يوحي بصعوبة تحديد كمية المعلومات التي يجب إفادة المريض بها.
أما فيما يخص الإعلام بالمخاطر المترتبة عن العمل الطبي، فوفقا لموقف محكمة النقض الفرنسية،أنها أقرت في الإعلام ـ أن يكون شاملا،وكان ذلك بمناسبة قرار 07 أكتوبر1998،حيث أكدت على وجوب الإعلام بشأن المخاطر الاستثنائية،ويلاحظ في هذا الصدد أن يلتزم الطبيب بإعلام المريض إعلاما كاملا بشأن المخاطر النادرة و الاستثنائية وهذا يتعلق بالجراحة التجميلية حيث يكون على عاتق جراح التجميل هنا إخبار المريض بكافة المخاطر الملازمة لمثل هذه العمليات أيا كان معدل حدوثها إذ تنعقد مسؤوليته في حالة عدم إعلامه على ها النحو.
وهناك حالات أخرى تستدعي ضرورة الإعلام الكامل و التفصيلي، وذلك في حالات نقل الأعضاء البشرية و الإجهاض أو ما يعرف بالوقف الإرادي للحمل و الأبحاث الطبية.
ويضيف الفقه إلى الحالات المتقدمة حالات أخرى يتعين فيها أن يكون الإعلام كاملا،كحالة الأمراض التناسلية و أيضا الحالات التي يلجأ فيها الطبيب إلى إتباع أساليب علاجية غير متداولة على نطاق واسع.وعليه فإن الطبيب يقع عليه هذا الالتزام فيعلم المريض عن كل المخاطر المحتملة للعلاج،أو الجراحة حتى ولو كانت تلك المخاطر ضئيلة،حيث من حق المريض أن يعلم بإعلام كامل حتى يتسنى له التعبير عن رضائه﴿ ﴾،غير أنه تصعب بعض الحالات على الطبيب أن ينفي بالتزامه بإعلام المريض كحالة الضرورة،حيث يكون المريض في حالة لا تسمح له بإعلامه بالعلاج و طرقه﴿ ﴾.
وصفوة القول أن الإعلام الناقص لا يحقق رغبة المريض في الإعلام،وتنعدم الفائدة المرجوة من التدخل الطبي،وبالتالي يكون رضاؤه صادرا عنه عن بينة ناقصة قد تقوده إلى تحمل نتائج ضارة به،لهذا يجب أن يكون الإعلام كافيا،وكاملا،نافيا للجهالة الفاحشة،وذلك في جميع التدخلات الطبية،وإن كان القضاء و الفقه يؤكدان ضرورة الإعلام حتى بالمخاطر النادرة،وما تبين من الحالات الاستثنائية﴿ ﴾،كالجراحة التجميلية،والوقف الإرادي للحمل﴿الإجهاض﴾وأخيرا قد أكد مشروع توصية لجنة وزراء المجلس الأوربي بشأن الواجبات القانونية الملقاة على عاتق الأطباء تجاه مرضاهم أنه يجب على الطبيب أن يزود الشخص المطلوب موافقته لإجراء أي تدخل طبي عليه بالمعلومات الكافية و بالقدر الذي يسمح له بالموافقة وهو على بينة من أمره.
«le médecin doit donner à la personne le consentement et requis une information suffisante qui lui permet de consentir en pleine connaissance de cause».

ثالثا:أن يكون الإعلام دقيقا و صادقا:

رأينا فيما تقدم أنه إذا كانت مشروعية العمل الطبي مشروطة برضا المريض فإنها من ناحية أخرى مشروطة بأن تكون الغاية من هذا العمل هو غاية علاجية إذ يقع على عاتق الطبيب أن يقدم العلاج لمن هو في حاجة إليه.
غير أن هذا العلاج المقدم قد يمس بحماية أقرها القانون وصانها من البث بها وهذه الحماية تتجلى في سلامة المريض وحقه في اختيار الطريق العلاجي من عدمه بعد أن يبصر بالمعلومات الفنية الطبية بإعلام واضح كامل وكاف.وفضلا عن ذلك يجب أن يكون إعلاما دقيقا و صادقا،فالطبيب هو يشخّص الحالة المعروضة عليه و يختار العلاج وبدائله بشأن وضعه موضع تطبيق عليه أن يشير و يعرب لمريضه عن تلك المعلومات بدقة وصدق و أمانة ويعرض بناء على ذلك المزايا المنتظرة من التدخل الطبي و المساوئ التي قد تترتب عنه ليساعده ويشاركه في اختيار الطريق السليم.،لأن الإعلام الناقص الملتبس الذي يكون عن كذب ودون مراعاة الدقة في ذلك من شانه أن يرتب آثارا سلبية على جسم المريض ومن تم يتحمل الطبيب مسؤولية مغبة تقصيره لأنه يكون بذلك قد أخل بواجب هام هو الصدق و الأمانة وبالتالي يؤدي ذلك إلى الإخلال بالثقة التي تحتل الصدارة في العلاج الطبي ومن منظور أخر يجب على الطبيب أن يراعي قدرا من التناسب بين المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المريض من جرّاء هذا العمل و المزايا المنتظرة وهذا ما يعرف بقاعدة التناسب la règle de la raison proportionnée بين مخاطر العمل الطبي أيا كانت طبيعته وبين النتائج المأمول تحقيقها من ورائه وقد تضمنت القاعدة الأساسية المادة40 من أخلاقيات المهنة في فرنسا حيث تنص على أنه:
«le médecin doit s’interdire dans les vestigations et interventions qu’il pratique comme dans les thérapeutiques, qu’il prescrit de faire courir au patient un risque injustifié.»

وبتحليل هذا النص يتضح أن الطبيب عليه أن يمتنع فيما يقوم به من فحوصات أو تدخلات أو من علاجات من أن لا يعرض مريضه لخطر لا مبرر له،ويقابل هذا النص المادة17 من مدونة أخلاقيات مهنة الطب الجزائري التي تنص على أنه:”يجب أن يمتنع الطبيب أو جراح الأسنان عن تعريض المريض لخطر لامبرر له خلال فحوصه الطبية أو علاجه”،ولقد أكدت
محكمة النقض الفرنسية على التزام الطبيب بأن يعلم المريض بصدق وأمانة عن لزوم العملية الجراحية من عدمها وعن إمكانية الاستغناء عنها بالعلاج الطويل﴿ ﴾وأكدت كذلك على وجوب إعطاء فكرة صحيحة ودقيقة عن حالة المريض الصحية حتى يقدّرها وبالتالي يقرر العلاج المقترح عليه أو رفضه﴿ ﴾.

لكن أحيانا قد تستدعي الضرورة أن يغفل الطبيب التزامه بتنوير المريض بالمعلومات بصدق ودقة تحقيقا لمصلحة إما قد يكون في حالة نفسية سيئة فخشية تفاقمها قد يضطر الطبيب إلى الكذب،وإما أن مصارحته بحقيقة مرضه قد يزيد حالته سواء وضررا أكيدا ففي هذه الحالة ذهب القضاء في فرنسا إلى إخفاء حقيقة المرض عليه طالما أن ذلك يلعب دورا حاسما في حالته النفسية وبالتالي الجسدية وأن ذكر الحقيقة لن يكون له أي أثر إيجابي يل يكون سلبيا واضحا﴿ ﴾،وفي هذا المقام هناك اتجاه فقهي فرنسي يفرّق في إطار الكذب بين نوعين من الكذب،الكذب المتشائم le mensonge pessimiste،وهو الكذب الذي يبديه الطبيب على مريضه وفيه إخفاء معلومات إيجابية أو نتائج حسنة بشأن حالته الصحية،وحمله على الاعتقاد أن هناك عواقب خطيرة منتظرة مما أظهرته الفحوص و التحاليل الطبية وهذا الكذب مرفوض وممنوع في ميدان الطب.
أما الكذب المتفائل le mensonge optimiste هذا الكذب يهدف إلى تحقيق مصلحة المريض،ويعود عليه بالنفع بشأن تحسن حالته الصحية و مؤدى ذلك هو إخفاء حقيقة المرض وعواقبه عن المريض طالما أن ذكر الحقيقة من شأنه أن يضعف الحالة النفسية له و بالتالي لا تتحقق الغاية من شفائه،وهذا الكذب مسموح به﴿ ﴾.

المطلـب الثانـي:الطـرف الدائـن والطـرف المدين فـي الالتزام بالإعـلام فـي الـعلاج الطبـي:

أولا:المدين الملتزم بإعلام المريض:

إن الطبيب المعالج للمريض يلتزم بتبصيره بحالته الصحية،فهو المسؤول عن ذلك خاصة إذا كان هو المسؤول عن الدور الإعلامي لكن قد يحدث أن يشارك عدد من الأطباء في علاج المريض، فمنهم من يتدخل من البداية حتى النهاية،ومنهم من يعالج الحالة الصحية في مرحلة معينة من مراحل العلاج،لهذا سأحدد من هو الملتزم بالإعلام عند التدخل الطبي الفردي،والتدخل الطبي الجماعي في عنصرين مستقلين.

العنصر الأول:الملتزم بالإعلام عند التدخل الطبي الجماعي:

نظرا لدقة التخصصات الطبية أصبح العمل الطبي يتّم بالطابع الجماعي حيث يشترك أكثر من طبيب في معالجة المريض ويجب عدم الخلط بين الفريق الطبي﴿ ﴾ l’équipe médicale و الطب الجماعي le médecin de groupe،ففي الحالة الأولى يشترك أكثر من طبيب في نفس التخصص في علاج الحالة وهنا يشترك الجميع في تحمل نفس المسؤولية أما الحالة الثانية فيوجد أكثر من طبيب في نفس الموقع يؤدي كل منهم خدمة مختلفة عن الأخر وهنا يظل كل منهم مسؤولا عن نتائج تدخله.
فالمشاركة في الطب الجماعي قد يكون ضروريا فنجد في الجراحة مثلا مشاركة كل من طبيب التخدير وأخر بالجراحة وكل منهم يتطلب إعلام المريض من كلا التخصصين فينبغي على طبيب التخدير أن يحيط المريض علما بطبيعة التخدير هل هو تخدير عام أم تخدير محلي مع توضيح جميع الآثار و المخاطر المترتبة عن التخدير وقد رأى القضاء الفرنسي أن الطبيب المخدر يلتزم بمراقبة المريض سواء خلال إجراء عملية الجراحية أو بعدها إذ قد حكم بمسؤولية الطبيب المخدر نتيجة وفاة مريض مباشرة بعد تخديره وبيّنت الخبرة الطبية أن سبب الوفاة كانت جّراء عدم مراقبة الطبيب المخدر له إذ خرج بعد ذلك من قاعة الجراحة تاركا إياه بدون مراقبة وبالتالي يشكل هذا خطأ منه مرتب للمسؤولية﴿ ﴾.
كما يجب على الجراح أن يقوم بدوره الإعلامي بخصوص الجراحة، وما ينطوي عليها من مخاطر وإذا تعدد الملتزمون بأداء الدور الإعلامي وكانوا من تخصص واحد فيكفي أن يقوم أحدهم بهذا الدور.لكن قد يتدخل أحد الأطباء فجأة في العملية الجراحية وهنا نفرق ما إذا كان هذا التدخل من أجل أن يجري عملية جراحية تستدعي ذلك ففي هذه الحالة يلتزم بإعلام أقارب المريض الذي هو تحت التخدير أما إذا كان تدخله على سبيل الاستشارة فلا يلتزم بإعلامه إذ تدخله لا يكون مهما.
وهناك مسألة أخرى مثيرة للجدل وتتجلى في تفويض الطبيب لغيره في إعلام المريض فالأصل أن الالتزام بالإعلام الملقى على عاتق الطبيب هو التزام شخصي لا يمكن تفويضه لغيره من الأطباء إلا إذا وافق المريض صراحة على ذلك أو أن الضرورة قد أملت ذلك كحالة استعجال وإذا حدث هذا التفويض فيها،فإن الطبيب المعالج غير مسؤول عن خطأ من فوضّه ما لم يرتكب خطأ في اختياره أو في التعليمات التي أصدرها إليه،أما الحالات التي لا يكون فيها الطبيب مرخصا له بالتفويض فانه يكون مسؤولا عن جميع أخطاء من فوضّه كذلك تمت إشكال أخر حول مدى جواز تفويض الطبيب أمر إعلام المريض إلى مساعديه أو أمين عيادته فالجراح يعد رئيسا للفريق فهو الذي يدير وينسق كل أنشطة مساعديه إذ في أغلب الأحوال لا يعرف المريض سواه وبالتالي يكون ملزما بإعلامه نظرا لما يعلمه من علم تجاه حالة المريض الصحية،وفي هذا الصدد لا يجوز إنابة الطبيب للممرض أو غيره ممن يساعدونه بشأن الإعلام وفي حالة قيامه بذلك يسال الطبيب مسؤولية كاملة على تقصيره كما لو كانت صادرة منه شخصيا.
أما في القانون الجزائري فليس هناك ما يفيد صراحة بإمكانية تفويض الطبيب غيره من الأشخاص للقيام بمهمة الإعلام بل يحمل القانون الجزائري الطبيب المسؤولية الشخصية بشان واجباته المهنية تجاه المريض ومن باب أولى الالتزام بالإعلام ويحمّله كذلك مسؤولية الأعمال التي يقوم بها مساعدوه من اللذين اختارهم بنفسه،فتنص المادة73 على أنه:”عندما يتعاون عدد من الزملاء على فحص مريض بعينه أو معالجته فإن كلا منهم يتحمل المسؤولية الشخصية أما المساعدون اللذين يختارهم الطبيب أو جراح الأسنان فإنهم يعملون تحت مراقبته وتحت مسؤولته”.

العنصر الثاني:المدين الملتزم بالإعلام عند التدخل الطبي الفردي:

في هذه الحالة لا يثير الأمر أيّ صعوبة أو غموض إذ يكون تدخل الطبيب شخصيا لا يفترض مشاركة من الأطباء ضف إلى ذلك أنه يكون المعالج الوحيد للمريض فهذا الذي يشخّص المرض ويعالجه وعليه يكون ملزما دون غيره بإعلامه إعلاما كافيا،دقيقا،صادقا وإذا أخل بواجبه يتحمل المسؤولية الشخصية عن أعماله،وقد يجري الطبيب نفسه عملية جراحية دون تدخل طبيب أخر،وهذا فيما يخص الجراحة الصغيرة حيث يقوم بتخدير المريض تخديرا محليا ثم يشرع في العملية،وهنا يكون ملزما شخصيا بالإعلام بكل مخاطرها و الأضرار المتوقعة و المترتبة عنها.

ثانيا:الدائن المتلقي لحق الالتزام بالإعلام:

العنصر الأول:إعلام المريض نفسه:

لا يكون العمل الطبي مباحا إلا إذا رضي به المريض،فالقانون يرخص للأطباء علاج المرضى وبرضاء منهم،ولكنه لا يخولهم الحق في إخضاعهم للعلاج على الرغم منهم وكأصل عام لا يمكن تصور مباشرة العلاج أو الجراحة قبل إعلام المريض إعلاما كافيا،فالمبدأ هو الحصول على رضاء حر متبصر يفترض أن تكون المعلومات صادقة بشأن العلاج المقترح،وما عدا بعض الحالات الخاصة بالواجبات الصحية كالتلقيح الإجباري أو الكشف على الحالات الصحية للمريض عندما يتعلق الأمر بالجرائم الجنسية﴿الأخلاقية﴾ أو الحالة الخاصة بمكافحة المنشطات التي يتناولها الرياضيون،فهذه الحالات التي هي على سبيل المثال قد يرغم عليها المريض من غير الحصول على رضائه وحتى من غير الالتزام بإعلامه﴿ ﴾وعليه فإن الطبيب يلتزم بإعلام المريض نفسه باعتباره دائنا بحق الالتزام بالإعلام،ولكن هذا لا يمنع من تقديم تلك المعلومات إلى أشخاص آخرين تربطهم بالمريض روابط القرابة أو الزواج فقد جرت العادة أن يعلما الطبيب أهل المريض وأقاربه بحالته،وما يلزمها من علاج نظرا لما قد يترتب على العلاج أو الجراحة من أثار و انعكاسات خطيرة على حالة المريض الصحية.
كذلك قد لا ينحصر واجب الإعلام بالنسبة للمريض فقط بل يتوسع كذلك،ويمتد إلى أفراد العائلة ويصير حقا مشتركا بينهم،ومثال ذلك إذا كان للزوج حق معرفة كل ما يتصل بصحة زوجه الأخر فإن هذا الحق يصبح ذا أهمية خاصة في المسائل العلاجية التي لها أثر كبير على الحياة الزوجية كالإجهاض و التعقيم وغيرها إذ هذا التدخل الطبي يهم الزوجين معا وبالتالي يجب الإعلام أن يمتد إليهما معا،ولكن إذا كان التعقيم أو الإجهاض طبيا محضا كأن يشكل المرض الذي يصيب الجهاز التناسلي أو الحمل تهديدا على حياة الزوجة فلا أهمية لموافقة الزوج على ذلك بشرط أن تكون الزوجة واعية ومدركة لحالتها الصحية.
ويتجه القانون الفرنسي أن الطبيب الذي يلتزم بإعلام المريض نفسه فإنه يلتزم بهذا الواجب و يضمن كل المعلومات داخل المستشفى﴿ ﴾ومعنى هذا أن المريض الذي يدخل المستشفى سواء كان عاما أو خاصا فإن المعلومات التي تكون على عاتق الأطباء تكون مضمونه للمريض،وفضلا عن ذلك يجبر القانون الفرنسي على كل مؤسسة إستشفائية أن تفتح ملفا طبيا لكل مريض حتى تكون المراقبة الطبية متواصلة ويتضمن هذا الملف كل يتعلق بالحالة الصحية له.

العنصر الثاني:إعلام الشخص الذي يقوم مقام المريض في هذا الحق:

إن الرضا لا يعتد به إذا كان صادرا من المريض لا يكون أهلا للتعبير عن إرادته،أو كان في ظروف يعتذر فيها الحصول على هذا الرضاء وفي الحالة الأولى يكون المريض غير مميز،أو مجنونا،أو سفيها،وهنا يعتد برضاء ممثله القانوني كالولي و الوصي والقيّم لمباشرة الأعمال الطبية عليه﴿ ﴾.
وفي الحالة الثانية كأن يحضر المريض للمستشفى إثر إصابته في حادث وتستلزم حالته سرعة إسعافه وتعذر الحصول على رضائه لوجوده في حالة غيبوبة،فهنا يستطيع الطبيب أن يعلم أيّ شخص يكون معه إن وجد حيث يقوم دوره مقام رضائه بمباشرة العمل الطبي كما يستطيع الطبيب أن يقدم العلاج على مسؤوليته في حالة الاستعجال من أجل إنقاذ حياته وهذا ما أكدته المادة09 من مدونة أخلاقيات الطب:”يجب على الطبيب أن يسعف مريض يواجه خطرا وشيكا أو أن يتأكد من تقديم العلاج الضروري له”،وتجدر الإشارة في هذا المقام أنه إذا كان أحد الأقارب مع المريض فاقد الوعي فهذا الشخص هو الذي يقوم مقامه في حق الأعلام إذ يعلمه بالحالة الصحية لقريبه المريض وما يلزمها من علاج.
وصفوة القول أن الشخص الذي يكون في حالة لا تسمح له بإعلامه وإبداء أرادته فإن واجب الإعلام يكون على عاتق الطبيب تجاه قريبه الذي يعتد برضائه أو أي شخص يصاحبه أما المريض غير المتمتع بالأهلية القانونية كأن يكون عديم الأهلية أو ناقصها فإن الإعلام يكون لممثليه القانونيين كالولي والوصي والقيم﴿ ﴾ويرى بعض الفقه﴿ ﴾في هذا الصدد بشأن القاصر حيث ميز بين القاصر المأذون له بالإدارة و القاصر غير المأذون له بها ،فالقاصر المأذون له وهو القاصر الذي بلغ سن التمييز يمكنه التعبير عن إرادته بخصوص عقد العلاج،ومن ثم له الحق في الإعلام بشأن حالته الصحية،والعلاج المقترح عليه وما يكون لدور الولي سوى أن يبدي موافقته على العقد ويظهر نصيحته من حيث جوانبه المالية أما القاصر غير المأذون له فلا يكون رضاؤه على العلاج صحيحا وبالتالي يعتد بموافقة وليه الذي يقوم مقامه في حق الإعلام.
أما في القانون الجزائري فلا يوجد في النصوص القانونية ما يفيد التمييز بين القاصر المأذون له والقاصر غير المأذون له بشأن التدخلات الطبية ومدى موافقته على العلاج الطبي وبالتالي فإن الأمر هذا يخص به وليه الذي يعلم بالحالة الصحية للمريض القاصر وبالتالي يقرر قبول العلاج من عدمه.

المـطلـب الثالـث:المعـايير الضابطـة للالـتـزام الطبـيب بإعـلام مريضـه:

بعد أن أوضحت جميع الشروط اللازمة والعناصر الواجب إفضاء بها يتعين في هذا المقام توضيح المعايير التي حاول القضاء أن يعتمد عليها بغرض التأكد من مدى تنفيذ الطبيب لالتزامه تجاه مريضه،ولقد اختلف القضاء بشأن هذه المعايير فمنه من أخذ بالمعيار المهني كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا وبريطانيا ومنه من جمع بين المعيار المهني ومعيار المريض المحتاط كما فعل القضاء الأمريكي﴿ ﴾.

وعليه سأحاول تبيان ذلك كما يلي:

1. معيار المريض المحتاط: إن القضاء الأمريكي كان يأخذ في بداية مراحله بالمعيار المهني،إلى أن عرضت عليه قضية “cantebury”سنة1972 وخلالها تقرر أن طبيعة المعلومات الواجب الإدلاء بها ومقدارها ليست من صلاحيات الطبيب وإنما هي من صلاحيات المحكمة بصفة خاصة والقضاء بصفة عامة.
ومن جهة أخرى تقرر وجوب تزويد المريض بكل معلومة فنية تخص حالته الصحية وتنويره بطبيعة العلاج،وكذا المخاطر الحقيقية التي تترتب عن العمل الطبي وكل ذلك ملزم قانونا،لاستطيع التقصير أو الإخلال به،هذه المخاطر الحقيقية،استند القضاء في تحديدها إلى معيار المريض المحتاط ورأى في ذلك تدعيما للثقة بين الطبيب ومريضه،لأن إخفاء الحقيقة عنه أو الكذب أو الغش من شأنه أن يخرب تلك العلاقة ويفسد بالتالي الالتزامات المتقابلة بين طرفي العلاج.كما أنه يمكن الاعتذار بعدم قدرة المريض على استيعاب المصطلحات الفنية الطبية،بل الواجب هنا يتجلى في أن يقوم الطبيب بتبسيطها حتى تصير واضحة،بسيطة في متناول المريض،بعيدة عن استعمال المصطلحات الصعبة التي لا يفهمها إلا ذوو الاختصاص.كذلك لا يجوز التمسك و الاعتذار تنصلا من واجب الالتزام بالإعلام بالحالات الخاصة التي تجعل المريض في حالة لا تسمح له باستيعاب تلك الأمور إما يرجع ذلك إلى صغر سنه أو ضعف مستواه الثقافي، وإما تكون هناك حالة الضرورة﴿ ﴾والاستعجال،تجعل الطبيب يتدخل بعلاجه على وجه السرعة مخافة هلاكه،أو تفاقم مرضه لأنه وان تحققت تلك الحالات،فيمكن الرجوع فيها إلى ذوي الشأن من الأهل و الأقارب.وبناء على ذلك ما يمكن قوله في هذا المعيار أن الطبيب إذا ما التزم بهذا المضمون فانه يعفى من المسؤولية حالة تحقق الخطر،وما لم يصدر منه تقصير أو إهمال وهو يؤدي مهنته﴿ ﴾.

2. المعيار المهني أو الطبي: تبين سلفا أن القضاء في فرنسا قد اعتمد على المعيار المهني أو الطبي،فهذا المعيار هو نسبي غير مطلق،إذ يمنح الطبيب السلطة التقديرية في تحديد المعلومات الفنية،ويختار ما يمكن الإعلام به للمريض حسبما تقتضيه الضرورة لذلك،ولكن يكون بحرص وعناية في كل المراحل التي يسير عليها العمل الطبي.ولقد انتهج القضاء البريطاني في مجال التنبيه إلى المخاطر إذ أوجب الإعلام بكل المخاطر التي استقر عليها أهل الطب ووضعها موضع الالتزام بها اتجاه المريض.

الـــفـــصــــل الـــثـــانــــي: الآثـار الـمـتـرتـبـة عـن الالـتـزام بـالإعـلام.

من الوضاحة أن الالتزام بالإعلام يشكل حجر الزاوية في مجال الطبي و حتمية أكيدة لابد من أن يلتزم بها الأطباء،ولعل الغرض من ذلك هو تنوير المريض بحالته الصحية توضيحا أمينا،و واضحا،و كافيا من الحصول على رضا متبصر غير أنه و إن كان لازما قبل مباشرة العمل الطبي فان الإخلال به يرتب المسؤولية في حق المخل به الذي يتحمل مغبة تقصيره أمام الواجب الملقى على عاتقه،وما يكون للمريض سوى التمسك يهذه المسؤولية باعتبار أن رضاءه لم يكن على بينة من أمره،مما أقدم على العلاج الطبي جعله يتكبد ضرر ما أقدم عليه و لكن إزاء هذا الوضع فانه من الضروري أن يتمسك المضرور بحقه و لا يأتي ذلك إلا بإثبات هذا التقصير ، إذ الإثبات هو الذي يخول الحق في قيام المسؤولية من عدمها و يمكن تعريفه﴿ ﴾ بأنه:”إقامة الدليل أمام القضاء بطرق المحددة في القانون على واقعة قانونية يترتب على ثبوتها ضرورة الاعتراف بالحق الناشئ عنها”و من هنا يتضح أهمية الإثبات، فالقاضي يطبق هذه القواعد بماله من سلطة تقديرية و لا يستطيع أن يقضي بالحق المدعى به إلا إذ ثبت الدليل الذي رتبه القانون له،كذلك فان الإثبات الذي يقر الحق للمضرور فهو يثير المسؤولية المدنية في إطار العلاج الطبي و التي جزاؤها التعويض.

وبذلك سنتكلم في هذا الفصل عن الآثار المترتبة عن الالتزام بالإعلام من الإثبات، و جزاء إذا ما ترتب عن تقصير للطبيب الذي لم يبصر مريضه ضررا،وبهذا سأحاول معالجة هذه الآثار مبينا من هو المكلف به؟ وماهي الوسائل الممكنة في الإثبات؟و أخيرا الجزاء الناجم عن الإخلال بالالتزام بالإعلام.

الـمـبـحـث الأول: إثـبـات الالـتـزام بـالإعـلام:

المطلب الأول:وقوع عبء إثبات الالتزام بالإعلام على عاتق المريض:

إلى وقت قريب كانت محكمة النقض الفرنسية تجعل عبء إثبات الالتزام بالإعلام على عاتق المريض الذي يلتزم بإثبات ما يدعيه أمام القضاء تطبيقا للقواعد العامة في الإثبات﴿ ﴾ و كان ذلك منذ صدور حكم بتاريخ29ماي 1951 بصدد الطعن في حكم صادر في 04 مارس1948 عن Angers محكمة استئناف حيث ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى جعل الإثبات على عاتق المريض بخلاف ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف،و يتطلب منه إثبات التزام سلبي مفاده عدم صدور رضاء متبصر يمنح الحق في التدخل الطبي باعتباره مدعيا فان هناك صعوبات يواجهها المريض في هذا الصدد فيرى البعض﴿ ﴾ أن تحمل المريض لهذا العبء ظلم له و البعض الأخر يرى أن جهل المريض لمهنة الطب يجعله في ضيق من أمره و لا يستطيع التمسك بحقه اتجاه الطبيب المسؤول و بالتالي يكون ذلك ضياعا لحقوقه و الواقع إذا كان عبء الإثبات في ذاته يمثل مشقة لكل من يتلقى على عاتقه فهو من المؤكد يشكل مشقة زائدة في المجال الطبي،و تعتبر في حالات كثيرة تكليفا شاقا،و ذلك بالنظر لخصوصية العلاقة بين الطبيب و المريض من ناحية و لظروف الممارسة الطبية من ناحية أخرى.
فالعلاقة بين الطبيب و المريض هي في ذاتها علاقة يسودها انعدام المساواة،طرف ضعيف و طرف قوي،فالأول يضع ثقته في الثاني آملا في معاونته على مواجهة ما يعاني منه من مرض ،فهذه الثقة تحول في الواقع دون استعداد المريض لحصوله على دليل يمكنّه من الاستعانة به لإثبات خطأ من وضع ثقته فيه، يضاف لصعوبة الإثبات أيضا بالنسبة للمريض ما يواجهه الطبيب من صمت التزاما بالمحافظة على السر المهني أحيانا و إظهارا للتضامن بين زملاء مهنة واحدة إذ غالبا ما يلجأ إلى رأي خبراء في الطب و هؤلاء دائما يحاولون تغطية أخطاء زملائهم أو تبرير مسلكهم و صفوة القول أن محكمة النقض الفرنسية قد قررت صراحة أن عبء الإثبات يقع على عاتق المريض و ذلك في حكمها الشهير المشار إليه سلفا الصادر في 29/05/1951 في قضية تتلخص وقائعها﴿ ﴾ في أن السيد Bisot أجريت له عملية بتر سلق نتيجة غلط في التشخيص من قبل الجراح و الطبيب المعالج،فرفع المريض دعوى قضائية على الطبيبين مطالبا إياهما بالتعويض استنادا إلى ما ارتكباه من خطأ جسيم في التشخيص و أنهما قاما بإجراء العملية الجراحية دون الحصول على موافقته.ذهبت المحكمة إلى إدانة الجراح باعتباره المسؤول عن العملية و الذي وجب عليه أن يتحقق من رضاء المريض بها،و انتهت المحكمة من ذلك إلى إلزامهما بتعويض الضرر الناتج عن تخلف الرضا.غير أن محكمة النقض الفرنسية ألغت هذا الحكم و قررت أنه إذا كان العقد الذي يبرم بين الجراح و المريض يتضمن من حيث المبدأ التزاما على الطبيب بعدم إجراء العملية الجراحية إلا بعد الحصول مقدما على رضاء المريض بها فانه يقع على عاتق هذا الأخير عبء إثبات إخلال الطبيب بالتزامه المتمثل في عدم إعلامه بطبيعة العمل الجراحي، و عدم الحصول على رضائه،وبهذا يكون الثبات على عاتق المريض كما قررته محكمة النقض الفرنسية وحيث إذا ما نظرنا إلى الفقرة الأولى من المادة1315 من القانون المدني الفرنسي لوجدنا أن الإثبات يقع على المدعي وهو في هذا المجال المريض إذ أنه يدعي عدم تنفيذ الطبيب لالتزامه بالإعلام ومن ثم يكون على الأخير عبء إقامة الدليل على ما يدعيه.
و في هذا المقام إن القضاء الفرنسي قد أجاز للمريض أن يثبت حقه بكافة وسائل الإثبات وما يكون للقاضي سوى سلطته التقديرية في ثبوت التقصير في جانب الطبيب من عدمه.وما يمكن أن نشير إليه في مسألة توزيع عبء الإثبات الالتزامات التعاقدية، و يكون بديهيا أن يقوم المريض بإثبات هل الطبيب نفذ التزامه التعاقدي أم لا؟
أما بشأن إثبات عدم قيام الطبيب بالتزامه الإعلامي هو مسألة تتعلق بإثبات قيام العقد ذاته و ليس إثبات الالتزامات المترتبة عنه و معنى ذلك أن الإثبات في هذه الحالة يتعلق بوجود العقد الطبي من عدمه﴿ ﴾
و كخلاصة لما سبق أن المدعي وهو المريض وهو الذي يلتزم بإثبات أن الطبيب لم يبصره بحالته الصحية و هنا يكون بين أمرين إما أن يقدم الدليل الكافي على ذلك فيقنع به القاضي حتى تقوم المسؤولية في حق الطبيب و إما قد لا يستطيع إثبات حقه فيخسر دعواه وإما أن يقدم دليلا غير كاف فيجعل القاضي في موضع شك و بالتالي فان الشك يفسر لمصلحة المدعى عليه و بالتالي ضد المدعي﴿ ﴾ و هذا ما تؤكده محكمة النقض الفرنسية منذ عام 1962 بقولها أن بقاء حالة عدم التيقن،و الشك﴿ ﴾ رغم ما قدم أدلة الإثبات يقضي بالضرورة أن يفسر لمصلحة المدعى عليه و بالتالي ضد مصلحة المدعي

المطلب الثاني:اتجاه محكمة النقض الفرنسية بشأن عبء إثبات الالتزام بالإعلام:

بعد استقرار دام ما يزيد على نصف قرن، تراجعت محكمة النقض الفرنسية عن قضائها الثابت بإلزام المريض بإثبات أن الطبيب قد قّصر في واجب الإعلام و أرجعته على عاتق الطبيب المدعى عليه.
ولقد كان لهذا نقطة تحول بالنسبة لعبء الإثبات، وكان ذلك بمناسبة حكم hédreul الشهير﴿ ﴾ الذي بمقتضاه لم يعد المريض المدعي مطالبا بإقامة الدليل على ما يدعيه و إنما أصبح الطبيب هو المكلف بذلك،و الذي يتجلى في أنه قام بواجب إعلام المريض.
وتتلخص وقائع الدعوى التي جاء فيها حكم محكمة النقض الفرنسية في 25/02/1997 في أن السيد hédreul كان يعاني من ألام في المعدة و قدّر الطبيب المعالج له ضرورة إجراء عملية جراحية تستدعي استخدام المنظار و بالفعل أجريت هذه العملية غير أن المريض ظل يعاني من ألام شديدة بالمعدة،وبإعادة الكشف عليه تبين إصابته بثقب في الأمعاء و هو خطر حدده تقرير الخبير احتمال حدوثه في مثل هذا النوع من العمليات الجراحية بنسبة3% الأمر الذي جعل المريض يرفع أمره إلى المحكمة ملتمسا تعويضا.
غير أنه عند عرض الأمر على محكمة النقض الفرنسية قررت مبدأ بقولها أن من يقع على عاتقه قانونا أو اتفاقا التزاما خاصا بالإعلام يجب عليه أن يقيم الدليل على قيامه بتنفيذ هذا الالتزام.
ثم طبقت هذا المبدأ على الأطباء مقررة أنه لما كان الطبيب يقع على عاتقه التزام خاص بالإعلام تجاه المريض،فانه يجب عليه أن يثبت أنه نفذ هذا الالتزام وهو ما يتعين معه القول بأن محكمة الاستئناف قد خالفت النص المشار إليه في المادة1315 من القانون المدني الفرنسي.
ما يمكن ملاحظته على هذا الحكم الجديد أن محكمة النقض الفرنسية أضفت حماية للمريض المضرور و ذلك بإعفائه من عبء إثبات الواقعة التي يدعي بها و هي في ذات الوقت جعلت هذا العبء على الطبيب،وبالتالي تكون قد أعفت المريض من عبء إثبات واقعة سلبية.
كما أن هذا القضاء بإلقائه عبء الإثبات على عاتق الأكثر قدرة على النهوض به يندرج ضمن التحولات الهامة التي شهدها القانون الفرنسي في مجال حماية الطرف الضعيف في العلاقة الطبية.
وقد أكد هذا المبدأ العام الذي يسري على كل من يقع على عاتقه الالتزام بالإعلام سواء كان مصدره القانون أو الاتفاق ثم طبقته على الطبيب في علاقته مع المريض، و يرى البعض﴿ ﴾ أن الأساس القانوني لهذا التحول هو الفقرة الثانية من نص المادة1315 من القانون المدني الفرنسي التي تقضي على أنه من يدعي الوفاء بالتزامه أن يثبت ذلك أو يقدم الدليل على الواقعة التي أدت إلى انقضاء التزامه.
لكن إذا كان هذا هو السند القانوني لهذا التحول،فان بعض الفقه يرى أن ما انتهت إليه محكمة النقض في قضائها الجديد يتفق تماما مع نص المادة1315 من القانون المدني الفرنسي حيث أن الفقرة الأولى من هذه المادة لا تفرض على من يطالب بتنفيذ الالتزام إلا إثباته أي لا يقع على عاتقه إثبات عدم التنفيذ بينما الفقرة الثانية من ذات القانون،تقرر بوضوح أنه على من يدعي الوفاء به أن يقيم الدليل على ذلك،كذلك يضيف هذا الفقه﴿ ﴾ أن خصوصية العمل الطبي ذاته لا يبرر التدخل الطبي إلا بالرضا المتبصر للمريض،وبذلك يكون إعلامه شرطا لهذا التدخل وبالتالي يقع على عاتق الطبيب إثبات تحقق هذا الشرط.
هذا إذا كان التحول الذي أظهره القضاء الفرنسي بشأن عبء إثبات الالتزام بالإعلام و صيّره على عاتق الطبيب فانه من ناحية عبء إثباته يتعين التمييز بين الالتزام بنقل المعلومة للمريض وبين فهمها من الذي وجهت إليه.
فمن حيث أن الالتزام بالإعلام يتضمن أولا التزاما بنقل معلومة محددة إلى الدائن بها،وهو المريض،فهذا يكون التزاما بتحقيق نتيجة بحيث يصبح الطبيب مسؤولا إذا لم يثبت أنه قام بنقل هذه المعلومة إلى الدائن بها،ولا يتضمن ذلك تناقضا مع القول بأن الالتزام الأصلي للطبيب هو الالتزام ببذل عناية،فقد أكد الفقه على أنه ليس هناك ما يمنع من أن يتضمن العقد عدة التزامات يختلف مضمونها فقد تكون هذه الالتزامات بتحقيق نتيجة بينما الالتزام الأصلي يكون ببذل عناية فاذاكان الالتزام الأصلي يخص العلاج هو التزام ببذل عناية و في المقابل قد تقوم التزامات أخرى تابعة له التزامات بتحقيق نتيجة و ذلك هو حال الالتزام بالإعلام،أما فيما يخص الشطر الثاني من الالتزام المتمثل في تمكين الدائن و هو المريض من فهم المعلومة المقدمة له من الطبيب فهنا يكون الالتزام ببذل عناية،بمعنى أنه في حالة عدم استيعاب المريض لها فانه يثبت أن المدين قد ارتكب خطأ تمثل في عدم استخدام الوسائل الملائمة و الفعالة لنقلها على نحو يتمكن معه من تفهمها و استيعابها.
وبمعنى أخر فان عبء إثبات عدم تنفيذ الالتزام بالإعلام في جانبه هذا يكون على عاتق الدائن باعتباره الشق الثاني للالتزام بالإعلام وهي من قبيل الالتزامات ببذل عناية التي تخرج من نطاق أحكام الفقرة الثانية من المادة1315 من القانون المدني الفرنسي﴿ ﴾.
ولكن أمام هذا الوضع وان كان قد فرّق بين الالتزام بالإعلام بشأن نقل المعلومة و بين فهمها حيث يترتب على الأولى تحقيق نتيجة،و على الثانية بذل عناية،فان الالتزام سواء في نقل المعلومة أو في فهمها هو التزام بتحقيق نتيجة لأن الطبيب،وان كان ملزما بنقل المعلومة إلى المريض فلا محالة من أن يستخدم الطرق الممكنة في جعل المريض يستوعبها على نحو يحقق الهدف من نقلها.و تأكد ذلك في النصوص القانونية سواء عليه كانت تتعلق بأخلاقيات مهنة الطب في فرنسا التي تؤكد مواصفات الالتزام بالإعلام أن يكون أمينا واضحا و ملائما بخصوص حالة المريض الصحية.أو ما أكده القضاء الفرنسي من وجوب أن تكون المعلومات التي يدلي بها الطبيب للمريض بسيطة و مفهومة و أمينة و ملائمة.
هكذا إذن أن الطبيب باعتباره مدينا في العلاقة الطبية بينه و بين المريض هو المكلف بإثبات أنه قام بواجب الإعلام و هو ما أكدته محكمة النقض الفرنسية،غير أن الحكم لم يكن قاصرا فقط عليها إذ حتى مجلس الدولة الفرنسي قرر بدوره بمقتضى قرارين صادرين عنه بتاريخ05/01/2000 قرر فيهما:
“إن عبء تنفيذ الالتزام بالإعلام يقع على عاتق المستشفى العام الذي يتلقى فيه المريض العلاج.”
وما يمكن الإشارة إليه كذلك و نحن بصدد قرار محكمة النقض الفرنسية المؤرخ في 25/02/1997 أنه ترتبت عليه بعض النتائج تجلت في لجوء الطبيب إلى تدوين إقرار المدين بحصوله على الإعلام قبل مباشرة التدخل الطبي حتى يتجنب ما يثار عليه من مسؤولية و إذا كان هذا يحمي الطبيب فانه يتنافى مبدئيا مع الثقة التي تسود العلاقة الطبية،و أن المطالبة بالدليل الكتابي لا يجزم في الأمر ماله من قوة و حجية في إطار الإثبات لأسباب التالية:

1. الإقرار الكتابي للمريض لا يضمن له الإلمام الحقيقي بكل المعلومات التي تتعلق بحالته الصحية لأنه وجب من جهة مراعاة مستوى ثقافته و سنه و مدى حسن نية الطبيب في ذلك.وقد أثبت الواقع أن مهمة منح الوثيقة للمريض ليمضي عليها ما يكون من عمل الممرضة الأمر الذي يجعلها لا تعلم المريض بحالته الصحية كون فاقد الشيء لايعطيه.
2. الإقرار الكتابي المدون في نموذج لا يفيد مطلقا أن المريض قد أعلم بحالته الصحية كما يتطلبه واجب الإعلام لأن غالبا ما يوقع عليه المريض من غير قراءته أو حتى التنبؤ به لا سيما اذاكان لا يعرف القراءة و يجهلها.
3. إن الإقرار الكتابي لا يضمن الحماية الكاملة للطبيب من تحمل المسؤولية حيث أن المضرور يستطيع مقاضاته إذا ترتب له ضرر بحجة أنه لم يكن على بينة حقيقية بأمر من الأمور التي تدخل في إطار علاجه خاصة إذا ترتب على التدخل الطبي تدخل علاجي أخر لم يتفق عليه مسبقا.

فلقد سكت القرار السابق لمحكمة النقض الفرنسية في القضية الخاصة بالسيدhédreul عن تحديد الوسائل التي يملكها الطبيب من أجل إثبات تنفيذ التزامه بالإعلام لكن ما لبث أن أصدرت محكمة قرارا بتاريخ14 أكتوبر1997 بيّنت فيه أن الطبيب غير ملزم بالدليل الكتابي لإقامة الدليل على تنفيذه لواجب الإعلام و إنما يمكنه استعمال كافة طرق الإثبات﴿ ﴾ وكان ذلك بمناسبة قضية تتلخص وقائعها في وفاة ضحية على اثر عملية جراحية استكشافية coloscopie لجأ إليها طبيب أمراض النساء للتأكد من عدم إصابتها بخلل في الرحم étiologie ovarienne و الكشف عن أسباب عقم الضحية،و أثناء العملية تعرضت إلى انسداد غازي للأوعية،و انتقال الغاز المستعمل إلى أوعية المخ مما أدى إلى وفاتها فاحتج الورثة على أن الطبيب لم يقم بإعلامها قبل مباشرة العلاج بخطر الانسداد الغازي للأوعية،وفي هذا ذهبت محكمة النقض الفرنسية بشأن إثبات تنفيذ الطبيب لواجبه في الإعلام،و أن الأمر يبقى تقديره لسلطة القاضي التقديرية و يمكن للطبيب عند غياب الدليل الكتابي الاستدلال بالقرائن لإثبات حصول المريض على الإعلام اللازم قبل مباشرة التدخل الطبي،وبناء على ذلك أنه يجوز إثبات ذلك بجميع وسائل الإثبات بما فيها القرائن البسيطة،مما يعني معه رفض طلب الإعلام الكتابي.
و تحديدا لتوسيع نطاق المسؤولية الطبية،و منذ صدور قرارات مجلس الدولة الفرنسي في سنة2000 فانه ذهب إلى تحميل المستشفى عبء إثبات تقديم الإعلام المطلوب،وان كان قبل ذلك يتميز اجتهاده بالمرونة من خلال الاكتفاء بتقديم المضرور لبداية ثبوت بالكتابة و قد تبع سبيل الجهات القضائية الإدارية الدنيا و محكمة النقض.وإذا كان هناك ارتباط وثيق بين الالتزام بالإعلام و الالتزام بالحصول على موافقة المريض أو رضائه بالعمل الطبي،فانه وكما بينّا أن يثبت الطبيب بكل وسائل الإثبات أنه قام بواجب الإعلام تجاه مريضه.غير أنه في بعض الحالات قد يتطلب القانون شكلا معينا للقيام ببعض الأعمال الطبية تبين أن المريض قد رضي بما سيقدم عليه من تدخل طبي،وبالتالي تكون هناك حجة من جهة ومن جهة أخرى قد تفيد أن المريض كان على بينة من أمره.من ذلك نجد مجال نقل و زرع الأعضاء فقد اشترط المشرع الفرنسي بمقتضى المادة671. 3/2 من تقنين الصحة العامة أن يتم التعبير عن رضاء المتبرع أمام رئيس المحكمة أو القاضي الذي يعينه رئيس المحكمة لهذا الغرض، و يتم إثبات الرضاء في محرر مكتوب موقع من طرف المتبرع،و القاضي،ويحفظ أصله في أمانة ضبط المحكمة و ترسل صورته إلى المستشفى الذي يتم فيه عملية الاستئصال،أما في حالة الاستعجال فقد أجاز المشرع الحصول على رضا بجميع الطرق بواسطة النائب العام وعليه فان الكتابة في عملية زرع الأعضاء تعد دليلا مهما على حصول الطبيب على موافقة المتبرع،و على هذا الأساس لا يجوز للطبيب مباشرة عملية الاقتطاع إلا بعد الحصول على وثيقة الرضا للمتبرع الذي يدرك خطورة ما هو مقبل عليه،ومن جهة أخرى تتضمن الكتابة عناصر الإعلام التي تحصل عليها المتبرع خاصة ما تعلق منها بمخاطر العملية،وبالتالي يكون الطبيب في مأمن من قيام المسؤولية في حقه و لقد ساير المشرع الجزائري المشرع الفرنسي حيث اشترط الموافقة الكتابية بحضور الشهود إذ تنص المادة162 الفقرة02 من قانون حماية الصحة و ترقيتها على مايلي:”تشترط الموافقة بحضور شاهدين اثنين و تودع لدى مدير المؤسسة و الطبيب رئيس المصلحة”،و أخيرا اشترط المشرع الفرنسي الرضاء المكتوب في حالة الوقف الإرادي للحمل ﴿ ﴾ فقد نصت المادة05.162 من تقنين الصحة العامة على أنه:إذا جددت المرأة طلبها بالإجهاض بعد الاستشارات المبينة بالمواد03.162 و المادة04.162 يتعين على الطبيب أن يطلب منها تأكيد مكتوبا،إن هذه الحالة يكون فيها إثبات الرضا من خلال الشكل الذي حدده القانون و في هذا مصلحة للمريض من ناحية إعفائه من مشقة البحث عن دليل على عدم رضائه بالعمل الطبي،فعدم توافر الرضا في الإطار الشكلي الذي حدده القانون له إنما يعني قيام الطبيب بالعمل الطبي دون الحصول على موافقته،وكذلك من ناحية أخرى فيه مصلحة للطبيب للتخلص من المسؤولية التي قد تلقى على عاتقه.وإذا كان الطبيب يثبت قيامه بواجب الإعلام بجميع الطرق الخاصة بالإثبات،فانه قد لا يستبعد اللجوء إلى دليل الكتابي.

المطلب الثالث:إثبات الالتزام بالإعلام وفق قانون 04مارس2002 بفرنسا:

لقد جاء قانون 04مارس2002 بالجديد في المجال الطبي و السبب الذي أدى إلى ظهور هذا القانون هو قرار perruche﴿ ﴾ بما أحدثه من انقلاب كبير في المفاهيم القانونية و الأخلاقية السائدة في المجال الطبي،فتدخل المشرع الفرنسي بإصداره،و المتضمن الحوادث الطبية،و حقوق المرضى،و الهدف منه هو تحاشي بقاء المرضى ضحايا الحوادث الطبية بدون تعويض و تجنب تحميل الأطباء مسؤولية هذه الحوادث من دون الخطأ،ولقد نصت المادة الأولى من قانون 04 مارس2002 على أنه:”لا يمكن لأي أحد الاستفادة من الضرر الناتج عن ولادته”﴿ ﴾.
Art1/1 de loi du 04 mars 2002:«nul ne peut se prévaloir d’un préjudice du seul fait de sa naissance».

وطبقا لنص نفس المادة في فقرتها الثالثة على أنه يجوز للوالدين طلب التعويض في حالة ثبوت خطأ الطبيب في عدم الكشف عن الأمراض التي يمكن أن تهدد صحة الجنين أثناء الحمل كما هو الحال في قضية Nicolas،وقد تحصلت فعلا عائلة الطفل على التعويض بمقتضى قرار محكمة استئناف باريس بتاريخ 29 مارس 2002 هذا هو سبب صدور قانون 04 مارس 2002 و الذي أتى بحقوق المرضى حتى لا يتحملوا مشقة الضرر الذي يحيق بهم نتيجة خطأ طبي.

أما بخصوص إثبات الالتزام بالإعلام بمقتضى هذا القانون،فالملاحظ أنه لم يغير من شيء من مجال الإعلام الأمر الذي وضعه القضاء الفرنسي يبقى مستقرا كما هو,غير أن هذا القانون أوجب أن يكون التزام الطبيب بإعلام مريضه شفويا غير أنه لا يمنعه ذلك من لجوء الطبيب إلى الكتابة لإثبات موافقة المريض على العلاج.

كما أن قانون 04 مارس2002 لم يغير من كيفية إثبات الالتزام بالإعلام مما يدل ذلك على إمكانية إثباته بكافة وسائل الإثبات طبقا لقرار 14 أكتوبر1997 ،وكخلاصة لما سبق أن القضاء الفرنسي قد تحول تحولا كبيرا بخصوص إثبات الالتزام بالإعلام فبعد أن كان عبء الإثبات يقع على عاتق المريض الذي يلتزم بإتيان الدليل،و إقامته على أن الطبيب لم يقم بإعلامه،وهذا يتطلب جهدا كبيرا باعتبار أن المريض يصعب عليه إثبات الواقعة السلبية تجعله من غير استطاعته أن يقوم بذلك.﴿ ﴾.

لكن و حماية لمصلحة المرضى قد نقل القضاء الفرنسي العبء على عاتق الطبيب ومن النتائج المترتبة على ذلك القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية كان محل تأييد لجانب كبير من الفقه.
وإذا كان حكم hédreul الشهير لم يحدد الوسائل التي يمكن من خلالها الطبيب تحمل عبء إثبات قيامه بتنفيذ التزامه بإعلام المريض فانه يستطيع قيام ذلك بكافة وسائل الإثبات بما فيها القرائن﴿ ﴾.
ومن المعلوم أن الطبيب غير ملزم بالقيام بالتزامه بالإعلام من خلال الكتابة فيما عدا الحالات التي يلزمه المشرع بذلك.وبخصوص قانون 04 مارس2002 المتضمن الحوادث الطبية و حقوق المرضى لم يغير في شيء مما جاء به قرار hédreul.

المبحث الثاني: إثبات الالتزام بالإعلام في القانون الجزائري:

إذا كانت العلاقة القانونية ـ العقد الطبي ـ التي تربط المهني الطبيب ـ بالمستهلك المريض من جهة،فان ذلك يستحق توفير الحماية له منطلقها إعلامه بصفة مستنيرة و واضحة ولا شكا أن حالة الضعف التي يوجد فيها المريض الذي يكون جاهلا لخبايا الطب و تقنياته و يكون مضطرا للعلاج حتى يدفع عن نفسه الآلام و المعاناة قد تدفعه لقبول مخاطر التدخل الطبي،فهنا تقضي الأخلاقيات المهنية و نصوص القانون من الطبيب أن يلتزم بإعلامه.
غير أن الأمر قد تعدى ذلك من حيث مدى إثبات المريض أن الطبيب قد قصّر في واجبه اتجاهه ومن تم تزداد صعوبة الوصول إلى ذلك نظرا لتعقد المجال الطبي من جهة و جهل المريض بأصول المهنة الطبية،إذ كثيرا من المرضى يجدون أنفسهم في حرج من إثبات هذا الحق من عدمه،ولا سيما أن المضرور يلتزم بإقامة الدليل على ما يدعيه و إلا يخسر دعواه.
كذلك لو ثبت إخلال الطبيب بواجب الإعلام فلا شك أن جزاءه يترتب في مساءلته و إلزامه بجبر الضرر الذي أصاب المضرور،و ذلك طبقا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية،وعلى هذا الأساس سوف نحاول توضيح في هذا المبحث عبء إثبات ذلك الإلتزام وفقا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية و وفق قواعد العامة للإثبات في القانون الجزائري.

المطلب الأول:إثبات واجب الإعلام وفق لنظرية عيوب الرضا:

لا يكفي أن يكون رضا المريض بالعلاج قد تم بعد معرفة كاملة بالمخاطر التي من الممكن أن تحدث نتيجة ذلك بل يجب أيضا أن تكون إرادة المريض خاليا تماما من عيوب الإرادة.
ويمكن القول بأن عدم المساواة الفنية الموجودة بين الطبيب و المريض و الخطر المحتمل حدوثه في كل تدخل جراحي أو أي علاج طبي و الحالة النفسية التي يمربها المريض كل هذه العوامل توضح لنا أن الرضاء المعيب من جانب المريض على قيام عقد العلاج يمكن أن تكون له تفسيرات متنوعة،فإذا رجعنا إلى عيوب الإرادة المعروفة في إطار النظرية العامة للالتزام فانه سيلاحظ أن هذه العيوب يمكن أن تظهر لها بعض التطبيقات في مجال عقد العلاج و من المعروف أن الغلط هو أحد العيوب المفسدة لرضا العاقد و قد نظم المشرع الجزائري أحكامه في المواد من 82الى 85 من القانون المدني،فالالتزام بالإعلام الواجب للمريض يتمثل في تزويد هذا الأخير بكل المعلومات التي تخص حالته الصحية،وهذه المعلومات التي وجب فيها الوضوح،و الصدق و الكفاية تحول دون وقوعه في الغلط.
ولكن المريض الذي يخدّع بخصوص طبيعة مرضه أو حول طريقة العلاج المطلوبة لهذا المرض بعد أن قام الطبيب بتوضيح كامل للعلاج المطلوب و الآثار المحتمل حدوثها نتيجة له لا يكون مقبولا منه بعد ذلك أن يطلب من القضاء إبطال العلاج للغلط الذي وقع فيه و هذا الأمر يركّز عليه الفقه بصورة واضحة﴿ ﴾ و لقد نص المشرع الجزائري في المادة 81 من القانون المدني على أنه:”يجوز للمتعاقد الذي وقع في الغلط جوهري وقت إبرام العقد،أن يطلب إبطاله”،ولقد عرّفت المادة82 من ذات القانون الغلط الجوهري بقولها:”يكون الغلط جوهريا إذا بلغ حدا من الجسامة بحيث يمتنع معه المتعاقد عن إبرام العقد لو لم يقع هذا الغلط و يعتبر الغلط جوهريا على الأخص إذا وقع في صفة الشيء يراها المتعاقدان جوهرية و يجب اعتبارها كذلك نظرا لشروط العقد و لحسن النية.
إذا وقع في ذات المتعاقد أو في صفة من صفاته وكانت تلك الذات أو هذه الصفة السبب الرئيسي في التعاقد”.و طبقا لهذا النص فان القانون المدني الجزائري أخد بمعيار ذاتي في الغلط و ترك المعيار المادي الذي كان سائدا لدى الفقه الفرنسي القديم﴿ ﴾ متأثرا فيه برأي الفقيه الفرنسي القديم بوتييه،و عليه فالطبيب الذي يخل بالتزامه المتمثل في إفادة المريض بالمعلومات الضرورية يجوز له طلب إبطال العقد لأن تلك المعلومات جوهرية بالنسبة له إذ لو علم بها علما كافيا نافيا للجهالة لكان يقرر مصيره بقرار سليم و واع بحيث تكون إرادته متبصرة وما دام لم يبصر بها،فانه يكون قد وقع في غلط إذ لولاه ما أقدم على العلاج الطبي.
و عند طلب إبطال العقد يجوز الحكم له لتعويض عن الضرر الحاصل إذا استحال رد الأطراف إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد،إذ الضرر الناتج هو سبب لخطأ المتعاقد الذي أخّل بواجب الإعلام و ترفع دعوى التعويض وفقا لأحكام المسؤولية التقصيرية﴿ ﴾.
و من جهة أخرى يعد التدليس كذلك عيوب الإرادة المفسدة للرضا في القانون الجزائري طبقا لأحكام المواد 86و 87 من القانون المدني الجزائري فتنص المادة 86 من القانون المدني الجزائري على أنه:”يجوز إبطال العقد للتدليس إذا كانت الحيل التي لجأ إليها أحد المتعاقدين أو النائب عنه،من الجسامة بحيث لولاها لما أبرم الطرف الثاني العقد.
ويعتبر تدليسا السكوت عمدا عن واقعة أو ملابسة إذا ثبت أن المدلس عليه ما كان ليبرم العقد لو علم بتلك الواقعة أو هذه الملابسة”.فالتدليس هو استعمال طرق احتيالية من شأنها أن تخدع المدلّس عليه و تدفعه إلى التعاقد فهو إذن يفترض قيام عنصرين،عنصر مادي وهو استعمال الحيل،و عنصر شخصي وهو أن تكون هذه الحيل من الجسامة بحيث لولاها ما أبرم المدلس عليه العقد و الحيل وسائل أو مظاهر خادعة﴿ ﴾ إذ قد يلجأ الطبيب إلى طرق احتيالية لكي يحصل على رضاء المريض و مثال ذلك يستدعي الطبيب المريض إلى عيادته بحجة عمل طبي ولكنه يقوم بإجراء التجارب عليه بهدف التأكد من فاعلية طريقة جديدة للعلاج.
وقد يكون التدليس عملا سلبيا محضا حيث يكفي مجرد الكتمان طريقا احتياليا و إذا كان الأصل هو أن الكتمان لا يعد تدليسا إلا أنه في بعض الأحوال يكون من الضروري بيان أمر من الأمور،ومن تم يلتزم المتعاقد الذي يعلم بهذا الأمر الإفضاء به فإذا لم يقم بذلك كان مرتكبا للتدليس على المتعاقد الأخر﴿ ﴾.
فالالتزام بالإعلام قد يكون مصدره نص القانون و في أحيان أخرى مصدره ذلك الاتفاق الصريح و لكن في أغلب الأحيان يكون مصدره تلك القاعدة القانونية العامة التي تقضي بعدم جواز الغش.وقد استقر القضاء الفرنسي على أن الكتمان يعد عملا تدليسيا في مجال العقد الطبي فالظروف التي يمر بها المتعاقد،وطبيعة العقد نفسه،وما يحيط به من أمور تدفع المريض إلى الاعتقاد بحسن النية الكاملة في حق الطبيب المعالج،وعلى هذا فالطبيب الذي يخفي عنصرا حاسما في العلاج لكي يجعل العقد مقبولا من المريض يكون قد ارتكب تدليسا﴿ ﴾.
وقد ذهبت محكمة باريس إلى أنه فيما عدا حالة الظروف الاستثنائية تماما فان الكذب يشكل أمرا غير مقبول في مجال عقد العلاج،إذا كان من شأنه أن يخفي عنصرا حاسما يدفع المريض إلى الاعتقاد بأن مرضه أكثر خطورة من الحالة الحقيقية﴿ ﴾.
ولقد خول القانون لمن يقع في التدليس ليس فقط إبطال العقد فحسب،بل كذلك المطالبة بالتعويض على أساس أن ممارسة الطرق الاحتيالية يشكل عملا غير مشروع،و خطأ يستوجب المسؤولية،على أن الضرر هو نتيجة خطأ الطبيب المتمثل في استعمال الحيلة بقصد دفع الطرف الأخر،وهو المريض إلى التعاقد سواء كان عن طريق الغش أو الكذب أو الكتمان.وما تجدر الإشارة إليه أنه إذا كانت نظرية عيوب الرضا “الغلط و التدليس” سببا لإبطال التعاقد صالحا عمليا في التعاملات المالية إلا أنها لا تصلح في المجال الطبي

المطلب الثاني: حق الإعلام وفق لقواعد المسؤولية المدنية:

أمام عجز نظرية عيوب الرضا في حماية المريض عند إخلال الطبيب بواجب الإعلام،فان ذلك يكون وفقا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية،ويتجه الفقه و القضاء سواء في فرنسا أو في بعض الدول العربية إلى متابعة الطبيب وفقا للقواعد العامة في المسؤولية المدنية متى توافرت شروطها و عناصرها،إن القضاء الفرنسي قد استند إلى المسؤولية العقدية منذ قرار mercier الشهير،و أسس ذلك على نص المادة1147﴿ ﴾من القانون المدني الفرنسي التي تلزم المدين بالتعويض على عدم التنفيذ أو التأخير في تنفيذ الالتزام إلا إذا ثبت أن مردّه يرجع إلى سبب أجنبي،وقد طبق ذلك في حالة إخلال الطبيب بالتزامه,في حين أسند المسؤولية التقصيرية إلى المواد 1383،1382،1384 وقد طبقها إذا ما أخل الطبيب بالتزامه و يتعلق الأمر بالحالات التالية:
ـ الأعمال الطبية التي تتم بدون اتفاق مسبق بين الطبيب و المريض.
ـ العلاج المقدم إلى القاصر،أو إلى من في حكمه بدون موافقة ممثله القانوني.
ـ الأخطاء الناتجة عن التدخلات الطبية التي ينفذها الطبيب الممارس في القطاع العام.أما في الجزائر،وعلى غرار القضاء المصري فجعل المسؤولية التقصيرية كأصل عام وقد ـكد ذلك القضاء المصري﴿ ﴾بما أصدرته محكمة النقض المصرية على أنه لا يمكن مساءلة الطبيب في المستشفيات إلا على أساس المسؤولية التقصيرية،وذلك لأن المريض لا يختار الطبيب لعلاجه،غير أن المسؤولية الطبية قد تكون عقدية تستند إلى وجود عقد بين الطبيب و المريض إذ هذا الأخير عندما يتجه إلى الطبيب عارضا عليه مصالحه و ملتمسا منه التطبيب فهذا يعني أن هناك تبادلا للرضا قد تم و أن العقد قد انعقد.
فالمسؤولية التعاقدية تقوم بينها و هذه العلاقة التي تنجم عن هذه الحالة ترتب المسؤولية الطبية العقدية،وذلك لأن الطبيب بمجرد فتحه لعيادته و وضعه للوحة اشهارية يبين فيها صفته الطبية و تخصصه و يضع نفسه في موقع الموجب أي من يقدم إيجابا،وبالتالي فان أي مريض يقبل هذا العرض الذي توجه به الطبيب من خلال فتح العيادة،إنما يبرم عقدا معه بصفة طبيعية وتامة و ينعقد هذا العقد إما شفهيا أو ضمنيا.
وقد كرّس القضاء الفرنسي هذا في حكم محكمة النقض الفرنسية الشهير في 20ـ05ـ1936 وقد خلص القضاء إلى أن عقدا حقيقيا يتكون بين الطبيب و مريضه لا يلتزم فيه الطبيب بشفاء المريض حتما و إنما يبذل جهودا صادقة و مخلصة و مصدرها الضمير و مؤداها اليقظة و الانتباه.
أما في الجزائر فان تطبيقات العملية لفكرة المسؤولية التعاقدية عن أخطاء الطبيب المهنية قليلة جدا،ومع ذلك يبقى إبرام عقد العلاج،و تنفيذه من طرف الطبيب من الأمور التي تدخل في نشاطه المعتاد و حرفته لذا ينبغي أن تطبق عليه قواعد الاحتراف التي تتعلق بمهنته،و احتراف الطبيب يجعله يتحمل التزامات تزيد عن تلك التي يتحملها المدين غير المحترف مع الأخذ بعين الاعتبار درجة تخصص الطبيب و أهميته للمصلحة الخاصة بالمحافظة على الجسم الإنساني و مراعاة العادات و الأعراف المتعلقة بهنة الطب.
انطلاقا من القواعد العامة أن الإخلال بالالتزام بالإعلام يعني الانحراف عن مقتضى ما يتطلبه القانون من ضرورة حرص الطبيب على إيصال المعلومات الكافية للمريض حيث تجعله يقرر بقرار حاسم من شأنه أن يحسن حالته الصحية،فالقواعد العامة تعرف الخطأ بأنه إخلال بالتزام سابق يستوي أن يكون قانونا،أو تعاقديا يلحق بالغير ضررا و أن عزوف الطبيب كلية عن الالتزام بالإعلام،أو الالتزام الصمت عنه،أو قام بواجب الإعلام على نحو لا يتطلبه القانون يرتب المسؤولية المدنية في ذمة المدين.ويجب أن نشير إلى أنه وعلى غرار ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في حكم لها في بتاريخ17 نوفمبر 1969﴿ ﴾ أن عدم الإخبار المريض قبل إجراء التدخل الجراحي يمثل خطأ مدنيا une faute civile ومن الصعوبة الوقوف على معيار يحدد فيه خطأ الطبيب في التقصير بالإعلام،وإنما المسلك المستقر لدى القضاء هنا هو مقارنة بين مسلك الطبيب اليقظ،و مسلك فاعل الضرر بل الملاحظ أن اجتهادات القضاء تسير في اتجاه توسيع مظاهر خطأ الأطباء في هذا الشأن.
والسبب في هذا التشدد هو أن التقصير هنا يقع من أشخاص فرضت عليهم واجبات خاصة أثناء ممارسة مهنتهم كون أن هؤلاء يحوزون على معارف كافية لممارسة مهنتهم و أنهم يعملون بيقظة و حكمة بالغة،لهذا السبب تشدّد القضاء في ذلك و جعل المسؤولية المدنية تقوم في حق الطبيب المخل بواجب إعلام مريضه.
ومن الأمثلة على ذلك ما قضت به محكمة النقض الفرنسية بتاريخ27 ـ10 ـ1953﴿ ﴾ بمسؤولية الجراح المدنية بالنظر إلى أنه أخبر المريض بأن التدخل الجراحي المزعم إجراؤه بسيط،بينما العملية بالرغم من عدم ضرورتها أدت إلى عجز كامل لأحد الأعضاء.
إن المسؤولية المدنية التي تترتب في حالة إخلال الطبيب بالتزامه حيث تجعله يلتزم بتعويض المضرور عما لحقه من ضرر نتيجة خطأ ارتكبه الطبيب في حقه،و المسؤولية المدنية قد تكون مسؤولية عقدية تقوم على أساس وجود رابطة عقدية و أن تحققها لا يكون إلا بالإخلال بالالتزامات التي أشتمل عليها عقد صحيح في العلاقة بين الطبيب و المريض.فإذا لم يوجد عقد بينهما و كان العقد باطلا لا تقوم المسؤولية العقدية،ويدق الأمر في هذا الصدد بخصوص ما قد يقع من ضرر للمريض قبل انعقاد العقد،وفي الفترة التي تسبق هذا الانعقاد أو تعاصره.
ولكي تتحقق المسؤولية العقدية عموما يجب أن نكون بصدد إخلال بالالتزام عقدي أي بالتزام ناشئ عن العقد.أما قبل انعقاد العقد فان المسؤولية لا تكون إلا تقصيرية،وهي تلك المسؤولية التي تقوم على الإخلال بالتزام قانوني عام يقضي عدم الإضرار بالغير و يسأل عن تعويض ما قد يقع للمضرور من أضرار.
والالتزام القانوني العام في هذا المجال يعد واجبا يفرضه القانون على كافة الأطباء فإذا وقع إخلال به و أضّر الطبيب بالعميل قم الالتزام بالتعويض،و الإخلال بالالتزام العام هو الذي يعبر عنه بالخطأ.وهو في المسؤولية التقصيرية هو الإخلال بالالتزام القانوني و هذا الالتزام دائما هو التزام ببذل عناية﴿ ﴾ وهو أن يصطنع الشخص في سلوكه اليقظة و التبصر حتى لا يضر بالغير فإذا انحرف عن هذا السلوك الواجب كان هذا الانحراف خطأ يستوجب مسؤوليته التقصيرية لأنها ينشئها القانون،ويحدد مداها ولا دخل لإرادة الأطراف فيها بخلاف المسؤولية العقدية.
والطبيب قد يخطئ فيسبب ضررا للمريض سواء كان يقوم بعملية جراحية أو يقوم بعلاج عادي وفي هذا الشأن إن المسؤولية المدنية الطبية تكون في أكثر الأحوال مسؤولية عقدية،لا تقصيرية لارتباط الطبيب بعقد مع عملائه في تقديم خدمة فنية و هذه الخدمة التي يلتزم بها بمقتضى العقد لا تزيد على أن تكون بذل عناية فنية﴿ ﴾ معينة تقتضيها أصول المهنة التي ينتمي إليها بغض النظر على أن هناك خدمات تقتضي تحقيق نتيجة و قد سبق بيان ذلك.
فالتزام الطبيب ببذل عناية في المسؤولية العقدية يلتقي بمعيار المسؤولية التقصيرية التي تتطلب ببذل عناية فنية التي تقتضيها أصول المهنة،وهذا هو السلوك الفني المألوف من رجل من أوسط الأطباء علما و كفاية و يقظة و الانحراف عن هذا المعيار سواء كانت المسؤولية عقدية أو تقصيرية يعتبر خطأ مهنيا une faute professionnelle.
وإذا رجعنا إلى القواعد العامة في المسؤولية المدنية فلا يمكن مسائلة الطبيب عن الضرر الذي أصاب المريض إلا إذا ثبت الخطأ من جانب الطبيب و ثبت الضرر بالنسبة للمريض و توافرت العلاقة السببية.
وعليه لا يسأل الطبيب عن الإخلال بواجب الإعلام إلا إذا توافرت تلك الأركان الثلاثة للمسؤولية المدنية وهي:
أولا: خطأ الطبيب المتمثل في إخلاله بواجب الإعلام
ثانيا: الضرر المادي أو المعنوي الناتج عن هذا الإخلال.
ثالثا: العلاقة بين خطأ الطبيب و الضرر

أولا خطأ الطبيب المتمثل في إخلاله بواجب الإعلام:

يلتزم الطبيب بإفادة المريض بقدر من المعلومات الضرورية لتمكينه من اتخاذ قرار مستنير بشأن حالته الصحية، ويجب أن تكون المعلومات طبقا لقرارات محكمة النقض الفرنسية صادقة، واضحة و مناسبة.ولما كان الالتزام بالإعلام مصدره القانون و العقد فان المريض يعفى من إثبات وجود هذا الالتزام وله فقط أن يثبت الضرر و العلاقة السببية،ويكون للطبيب أن يقيم الدليل على انه قام بإعلام مريضه فإذا ما فشل وجبت مسؤوليته.ومن الجانب القاضي كثيرا ما يستعين في هذا المجال بالخبرة الطبية كوسيلة للإثبات القضائي،وان كان هذا القرار الصادر عن الخبير غير ملزم له إلا أنها وسيلة هامة في الإثبات،ودليل يستعين به و حتى تتأكد المحكمة من إعلام الطبيب للمريض يجب على الخبير أن يقوم بإعداد تقرير فني حول محتوى و قيمة المعلومات التي تحصل عليها المريض لكن من الناحية العلمية غالبا ما يكون العلاج مبنيا بين الطبيب و المريض على شكل شفوي الأمر الذي يصّعب من مهمة الخبير في التعرف على مدى حصول المريض على الإعلام اللازم،ومن جهة أخرى إذا قدم الطبيب الدليل الكتابي على تنفيذه واجب الإعلام فانه يقع على المريض عبء إثبات عكس ذلك بحكم امتلاك الطبيب لوثيقة الرضا،ورغم الصعوبات التي تعترض التأكد من محتوى و فعالية الإعلام المقدم للمريض الذي يختلف من شخص لأخر من حيث استيعاب تلك المعلومات بسبب حالته النفسية و ظروفه الشخصية كسنه و مستوى ثقافته إلا أن ذلك لا يؤثر على قيمة الخبرة الطبية التي غالبا ما تساعد القاضي على التعرف على الحقيقة و التأكد من أحقية ثبوت الإخلال بواجب الإعلام.ولقد توجه القضاء الفرنسي إلى أن خطأ الطبيب لا يثبت إلا إذا تبين أن الإخلال بالإعلام كان سيغير قرار المريض بالموافقة أول الأمر﴿ ﴾.
أما بخصوص القانون الجزائري فهو غير واضح بشأن مصدر الالتزام بالإعلام
هل سيتبع القاضي الجزائري نظيره الفرنسي في اعتباره متولدا عن العقد و بالتالي تكون المسؤولية المترتبة هي مسؤولية عقدية أم يتبع نظيره المصري الذي يعتبره سابقا عن إبرام العقد فتكون المسؤولية المترتبة عليه هي مسؤولية تقصيرية؟
غير أنه ما يمكن ملاحظته أن المسؤولية سواء كانت عقدية أم تقصيرية فهي عديمة الأثر في القانون الطبي إذ في كلتا الحالتين تؤسس على خطأ الطبيب.
ومن الطبيعي أن الالتزام بالإعلام هو سابق على إبرام العقد و لا ينشأ عنه لأنه من المستحيل أن ينشأ التزام قبل نشوء سببه،وبالتالي فالمسؤولية الناجمة عن مخالفة الالتزام بالإعلام هي مسؤولية تقصيرية مؤسسة على نص المادة124 من القانون المدني الجزائري المعدل و المتمم التي تنص على أنه:”كل عمل أيا كان يرتكبه المرء و يسبب ضررا للغير بخطئه يلتزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض”،أما الأخطاء الأخرى التي تكون متولدة عن العقد الطبي فحتما تؤسس على أساس المسؤولية العقدية.

ثانيا: الضرر الناجم عن إخلال الطبيب بواجب الإعلام:

يقال عادة لا مسؤولية بدون ضرر pas de responsabilité sans préjudice ،فالضرر هو الذي يقدر التعويض بمقداره عادة في المسؤولية التقصيرية أما في المسؤولية العقدية،فهناك من يرى أن مجرد الإخلال بالتزام يرتب التعويض دون البحث عما إذا كان هذا الإخلال قد سبب للدائن ضررا،غير أن الإخلال بالالتزام لابد أن يترتب عليه ضرر.إذن لابد من ثبوت ضرر في المسؤوليتين حتى يستحّق التعويض.
إن الضرر في المفهوم الشائع على نوعين:ضرر مادي و ضرر معنوي، والضرر في المجال الطبي يتمثل في حالة الإصابة الجسدية فتطبق المعايير العامة المتعارف عليها.و القول أن الضرر المادي يتمثل فيما لحق المضرور من خسارة كتكاليف العلاج،وما فاته من كسب كالأجر الذي ضاع عليه خلال فترة العلاج،بينما الضرر الأدبي هو الضرر الذي يلحق المريض في مشاعره و أحاسيسه.
وفي الحقيقة أن هذه المعايير لا تتناول الإصابة الجسدية في ذاتها باعتبارها ضررا محققا،وإنما ترتكز على الآثار التبعية لهذه الإصابة وحدها وبعبارة أخرى فهي لا تتناول الآثار المباشرة للتعدي على جسم الإنسان فحسب،وإنما تتناول الآثار المباشرة على ذمته المالية و على حالته النفسية كذلك.
فالضرر الأصلي هو عين الإصابة الجسدية بصرف النظر عما استّتبعته من تحقيق خسارة أو فقد كسب مادي،أو إيذاء للشعور وإثارة للأحاسيس،كأن يصاب الإنسان في جسده فهذا وحده حرمان من ميزة السلامة الجسدية أو إنقاص لها،وأن يفقد الإنسان قدرته على العمل فهذا وحده أيضا حرمان من ميزة كان يتمتع بها أو إنقاص لها بصرف النظر عما إذا كان الحرمان هذا قد ترتب عليه ضرر في دخله أو مساس في شعوره.
ومن هذا ما قررته محكمة النقض الفرنسية بأن :”التعويض المقضي به للمضرور بسبب عجزه عن الكسب الدائم يجب أن يحّدد بالنظر إلى ما انتّقص من سلامته الجسدية بصرف النظر عن الأثر المباشر على أجره فالضرر محقق بالرغم من استمرار قبض المضرور أجره المعتاد لما ترتب على الاعتداء من خلل في التكامل الجسدي للمضرور”.
والضرر الجسدي بالمعنى المحدد و المشار إليه أعلاه يختلف من إنسان لأخر و لذلك ينبغي أن يقدر بمعيار موضوعي.
و الضرر المادي يكون مرتبطا بالإصابة الجسدية التي قد تؤدي إلى الضرر الأدبي في حين أن الضرر الأدبي لا يقوم إلا بقيام الإصابة الجسدية.
و الأصل في الضرر بشقيه المادي و الأدبي يختلف من إنسان لأخر بحسب مركزه الاجتماعي و مصادر رزقه ومدى رفاهية شعوره وما يتاح له من مناهج الحياة.فالمنطق يقضي بتقديره بمعيار شخصي بحيث يختلف من شخص لأخر تبعا لما تتركه الإصابة الجسدية من أثر مالي عليه وما يتكبده من خسارة مالية وما ضاع عليه من كسب مالي من ناحية،وما خلفته الإصابة على نفسيته من ناحية أخرى.
وعلى هذا النحو يستطيع المريض مطالبة الطبيب المسؤول بحقه عن الأضرار التي لحقت به وإذا كان المريض هو الذي تكون له مصلحة في المطالبة بجبر الضرر،فان الضرر قد يتجاوز ذلك و ينتقل إلى الأشخاص آخرين كما لو توفي المضرور و هذا ما يسمى بالضرر المرتد و الضرر الموروث.
فالضرر الموروث﴿ ﴾،الورثة هم اللذين يطالبون بالتعويض مادام المضرور قد مات وبالتالي يرثون الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي الذي أصاب مورثهم،وتنتقل إليهم تركته مشتملة على هذا الحق،ويقسم عليهم حسب أنصبتهم في الميراث مع ملاحظة القاعدة الشرعية التي تقضي بأن لا تركة إلا بعد سداد الديون،وأما التعويض المعنوي الذي أصاب مورثهم فإما أن يكون المورث قد اتفق به مع المسؤول أو رفع به دعوى أمام القضاء قبل وفاته وهنا لا خلاف في أن الحق في متابعة الدعوى أو في مطالبة المسؤول بالتعويض المتفق عليه ينتقل إلى الورثة.
أما إذا كان المورث قد مات قبل أن يتفق على التعويض أو قبل أن يرفع به دعوى أمام القضاء فان سكوته يعتبر تنازلا عن حقه.
وبهذا أخد القانون المدني المصري في المادة222منه،أما القضاء الفرنسي فقد اعتبر أن السكوت عن المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي لا يعتبر تنازلا مالم يوجد نص يخالف ذلك.
إن المشرع الجزائري لم يجار القوانين العربية الأخرى في هذا الحكم فيرى الدكتور علي علي سليمان﴿ ﴾ لا مانع يمنع من انتقال التعويض عن الضرر المعنوي إلى الورثة ولو كان المورث قد سكت عن المطالبة به.
أما الضرر المرتد فهو ذلك الضرر الذي تنتقل أثاره إلى أشخاص آخرين ومثال ذلك كالضرر الذي يصيب الزوجة،و الأولاد جراء وفاة من كان يعلوهم مما تسببت لهم أضرار مادية و أخرى معنوية،فهؤلاء باعتبارهم خلفا أصيبوا بضرر فلهم الحق في أن يقاضوا المسؤول و يطالبوا بحقوقهم عما أصابهم من ضرر شخصي جراء وفاة مورثهم.
إن الضرر يعد ركنا من أركان المسؤولية و ثبوته يعتبر شرطا لازما لقيامها و بالتالي لا يكون الضرر قابلا للتعويض إلا إذا توافرت فيه الشروط الثلاثة هي:
أولا:يجب أن يكون هناك ضرر:
لكي يكون بالإمكان اعتبار الطبيب مسؤولا يجب على أن يبين أنه تضرر فعلا وإلا انتفت المسؤولية وطبيعي أن عبء الإثبات يقع عليه.
واشتراط وجود الضرر أمر بديهي باعتبار المسؤولية هنا ترتدي طابع التعويض وليس طابع العقوبة،وينبغي على المدعي أن يوضح حقيقة الضرر الذي أصابه و أن يبرره تبريرا حقيقيا وقانونيا.
ثانيا:يجب أن يكون الضرر محققا:
يفهم من الضرر المحقق أن يكون وجوده ثابتا حقيقيا،أي وقع بالفعل،ومثال ذلك وفاة المريض أو إصابته بعاهة أو تشوه اثر مباشرة التدخل الطبي على جسده،ولكن هذا الضرر المحقق لا يعني بالضرورة أن يكون حاليا،وإنما قد يكون الضرر مستقبليا مؤكد الوقوع،ومثاله كأن يصاب المريض بعاهة مستديمة كنتيجة منطقية لتطور الضرر الناتج عن التدخل الطبي كفقد السمع مثلا.
أما إذا كان الضرر محتمل الوقوع في المستقبل بحيث لا يعرف هل سوف يقع أم لا فهذا الضرر المحتمل لا يعوض عنه باعتبار أنه لا يوجد سبب ما يؤكد وقوعه.

ثالثا:يجب أن يكون الضرر مباشرا:يجب أن تكون هناك صلة سببية مباشرة بين خطأ الطبيب و الضرر المشتكى منه وإلا لا تقوم المسؤولية لانتفاء هذا الشرط.
ولقد ورد في نص المادة182 من القانون المدني الجزائري على أنه:”يكون الضرر مباشرا إذا كان نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو التأخر في الوفاء به ويعتبر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول”
إذن معيار الضرر المباشر هو ألاّ يستطيع الدائن أو المضرور أن يتوقاه ببذل العناية التي يبذلها رب الأسرة فإذا كان مثل هذا الرجل العادي يستطيع أن يتوقى الضرر بذل جهد معقول كان الضرر غير مباشر.
وإذا كان الضرر المباشر شرطا هاما في قيام مسؤولية الطبيب فانه يتفرع بدوره إلى ضرر متوقع و ضرر غير متوقع وفق القواعد العامة.
وهنا نبحث في هذا المجال عن العلاقة القانونية التي تربط المريض بطبيبه فإذا كانت العلاقة قائمة على أساس المسؤولية العقدية فان المدين لا يلزم إلا بتعويض الضرر المتوقع دون الضرر غير المتوقع إلا في حالتي الغش و الخطأ الجسيم طبقا لنص المادة182 من القانون المدني الجزائري:”….غير أنة إذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلزم المدين الذي لم يرتكب غشا أو خطأ جسيما إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد”.
أما في المسؤولية التقصيرية فان القانون يوجب مساءلة مرتكب الفعل الضار بالغير عن الضرر المباشر متوقعا كان أم غير متوقع ويبرر هذا التمييز﴿ ﴾ بين المسؤوليتين بأن المدين في المسؤولية العقدية قد انصرفت إرادته عند إبرام العقد على ألا يلتزم إلا بما كان يتوقعه من ضرر عند التعاقد بينما المدين المسؤول في المسؤولية التقصيرية لم تنصرف إرادته إلى الالتزام بالتعويض كيف لا،وأنه لا يعلم الطرف الآخر مسبقا كما هو الحال في المسؤولية العقدية التي تفترض دائنا و مدينا بناء على العقد بحيث يكونان معلومين مسبقا.
ومعيار الضرر المتوقع أو غير المتوقع هو معيار توقع الرجل المعتاد منظورا إليه نظرة مجردة و ينظر إلى عنصر التوقع عند إبرام العقد.وصفوة القول أن الضرر الطبي يخضع في مجمله للقواعد العامة التي تحكمه باعتباره ركنا أساسيا،ومستقلا في المسؤولية الطبية إذ نستبعد الضرر غير المباشر و نكتفي بالضرر المباشر في مجال مسؤوليتها ويبقى تحديد العناصر المكونة للضرر مسالة قانونية تخضع لرقابة المحكمة العليا،وذلك لأن قاضي الموضوع يستقل بالفصل في الوقائع لوحده دون رقابة أحد عليه أما تكييف تلك الوقائع من حيث وجود ركن الضرر من عدمه﴿ ﴾ فهذه مسألة تتعلق بالقانون و يخضع فيها إلى رقابة المحكمة العليا.
إذا كان الضرر الذي يمنح الحق للمضرور في المطالبة بالتعويض أن يكون محققا و مباشرا،وهما شرطان واجبان حتى تتقرر المسؤولية المدنية فضلا عن الخطأ و العلاقة السببية.
ولما كان الضرر المحتمل لا يعوض عنه في الأصل لأن وقوعه غير أكيد فان هناك ما يعرف بنظرية تفويت الفرصة في الشفاء أو البقاء perte de chance de guérison ou de survie،فلقد أقر الفقه و القضاء في فرنسا على جواز التعويض عن الفرصة الضائعة ففوات الفرصة هي تلك الأضرار التي تصيب المريض من جراء خطأ الطبيب فينجم عنه حرمان المريض من فرصة كان محتملا الفوز بها،فمثل هذه الفرصة،وان كان تحققها أمرا محتملا إلا أنه وبسبب الخطأ أصبح تحققها أمرا مستحيلا.فالتعويض عن فوات الفرصة و ضياعها بالنسبة للمريض مسألة وجوبية و إن كان أمرا محتملا فان تفويتها أمر محقق و هذا هو الأساس للتعويض فعدم الحصول على حق استغلالها يمثل في ذاته ضررا يوجب التعويض.ففي المجال الطبي قد اعتنقت محكمة النقض الفرنسية نظرية تفويت الفرصة لأول مرة في حكمها الصادر في سنة1965﴿ ﴾ و التي أعلنت فيه عن وجود قرائن خطيرة بما فيه الكفاية الدقيقة و المنسجمة للدلالة على أن الضرر الذي أصاب المريض كان نتيجة مباشرة لخطأ الطبيب ولو لم تثبت العلاقة السببية بين خطأ الطبيب و الضرر الناتج بصفة مؤكدة،وألزمت القاضي بتقدير التعويض الجزئي المناسب على أساس أن الخطأ قد فّوت على المريض فرصة الشفاء.
وهكذا إذن أن القضاء الفرنسي قد أقر بحق التعويض على فوات الفرصة بعدما كان في القديم لا يعرف هذا الاصطلاح حيث كان يرفض التعويض عنهما باعتبار أن الضرر فيها ليس محققا،لأنه لا يمس حقا ثابتا و إنما هو مجرد أمل خاب تحققه،غير أنه قد اعترف به بعد ذلك بحيث أن المريض الذي لم يكن على بينة من أمره بشأن حالته الصحية،فقد تضيع الفرصة بالنسبة له،وهي فرصة الشفاء إذ كانت هناك طرق علاجية أخرى أكثر نجاعة و لم يبدها له الطبيب الذي يعالجه في حين إذا تعلق الأمر بتخلف الإعلام المرتبط بالمخاطر يكون الضرر متمثلا في تفويت فرصة تجنب هذا الخطر.
فالتعويض﴿ ﴾لا يقدر على أساس النجاح لأنه غير محقق و إنما يقدر على أساس خيبة أمل في النجاح ربما تتحقق،فالقدر المحقق هنا هو فوات الفرصة.
وما تجدر الإشارة إليه أن القضاء الفرنسي قد اعتنق نظرية تفويت الفرصة في كثير من قراراته مقررا التعويض الكامل﴿ ﴾ réparation intégrale،و التعويض الكامل هو التعويض الذي يشمل الضرر الجسدي الذي سببه التدخل الطبي،في حين اكتفي بالتعويض الجزئي في حالات مماثلة،ويشمل التعويض في هذه الحالة على الضرر المعنوي﴿ ﴾.

ومن القرارات القضائية الحديثة التي تناولت هذا الموضوع قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 20 جوان 2000 حيث أوضحت أنه يتعين على المريض الذي يطالب بالتعويض عن الإخلال بالإعلام أن يثبت أنه كان سيتخذ قرار لو تم فعلا إعلامه قبل مباشرة العلاج،وأضافت أنه يتعين على القضاة الأخذ بعين الاعتبار الحالة الصحية للمريض قبل التدخل الطبي.
وفي هذا المجال قد يكون التدخل الطبي ضروريا فهنا يعتقد بحتمية موافقة المريض على هذا التدخل،ولو تم إعلامه بكل مخاطره،وبالتالي لا وجود لأي ضرر سوى الضرر المعنوي الناجم عن عدم الإعلام﴿تفويت فرصة تجنب الخطر﴾ ويستحق هنا تعويض جزئي لأن إخلال الطبيب بإعلام المريض بمخاطر العلاج قد فوت عليه فرصة تجنب الخطر﴿ ﴾.
أما الحالة التي يكون فيها التدخل الطبي غير ضروري بحيث يحرم المريض من كل اختيار نتيجة إخلال الطبيب بواجب الإعلام فهنا يكون التعويض كاملا عن الضرر الذي أصاب المضرور،وقد قررت محكمة النقض الفرنسية:”أن إخلال الطبيب بإعلام المريض بخطر الإصابة بعدوى داخل المستشفى “infection nosocomiale” قد فوّت على المريض فرصة تجنب﴿ ﴾الأضرار الناتجة عنها.

ثالثا:العلاقة السببية بين الخطأ في واجب الإعلام و الضرر:

لا يكفي مجرد وقوع الضرر للمريض،وثبوت الخطأ الطبيب بل يلزم وجود علاقة مباشرة ما بين الخطأ و الضرر،وهذا ما يعرف بركن السببية وهذه الأخيرة في المجال الطبي تعد من الأمور الشاقة و العسيرة نظرا لتعقد الجسم الإنساني و تغير حالاته و خصائصه و عدم وضوح الأسباب للمضاعفات الظاهرة،إذ قد ترجع أسباب الضرر إلى عوامل بعيدة أو خفية ترجع إلى طبيعة تركيب جسم المريض.
إن اشتراط هذه العلاقة مفهوم بداهة لأنه لا يسوغ عقلا ولا منطقا مساءلة الشخص عن واقعة سيئة أعقبت سلوكه إلا إذا كان هذا السلوك سببا في حدوثها.صحيح أن العلاقة السببية ليست بالشيء الذي يرى أو يلمس و إنما هي رابطة يستنتجها القاضي من الظروف التي يستخلص منها القرائن الدالة على توافرها كما أن ركن الرابطة السببية أساسي في المسؤولية الطبية فهي جوهرها.فالطبيب الذي يقع منه الخطأ أو الفعل الضار،ويحدث ضررا للمريض يجب أن يكون بين هذا الخطأ و ذاك الضر رابطة سببية حتى تتحقق مسؤوليته لهذا فإنها ركن مستقل وقائم بذاته إذا انتفى،انتفت معه مسؤولية الطبيب حتى ولو ارتكب هذا الأخير خطأ ما،فقد يخطئ كما لو أهمل واجب الالتزام بالإعلام مما اندفع المريض إلى الإقدام على العلاج و هو جاهل ما يدور حول حالته الصحية.فالضرر الذي قد يصاب به نتيجة تقصير الطبيب في تزويده بالمعلومات الضرورية هو خطأ منه يستوجب مسائلته،ولكن لا بد من وجود علاقة السببية وإذا كان إثباتها يرتب مصاعب على المريض فان إثباتها بشأن إخلال الطبيب بالإعلام و الضرر الناتج عنه أكثر صعوبة حيث يتمثل ذلك في معرفة ما اذاكان الضرر الحاصل هو نتيجة لإخلال الطبيب بالإعلام أم هو خطأ فني ارتكبه هذا الأخير.ولكن غالبا ما يكون ذلك في إطار الخبرة الطبية التي تبين هل أن الطبيب قد قام بواجبه علما كافيا،واضحا،صادقا،ومن تم أن الضرر الذي وقع لا يدخل في مجال الالتزام بالإعلام و بالتالي لا يسأل الطبيب شيئا.
وما يمكن ملاحظته حتى ولو كانت تلك الخبرة التي يطلبها القاضي ليستدل بها،فإنها قد لا توحي بحقيقة الأمر إذ قد يتضامن الخبير مع زميله ولا يقرر الخطأ في حقه.
كل هذا يجعل إثبات العلاقة السببية من الأمور العسيرة و الشاقة على المريض.وتجدر الإشارة إلى أن الطبيب قد ينفي عن نفسه العلاقة السببية إذا كان هناك سبب لأجنبي
une cause étrangère.
و المتمثل في الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة أو خطأ المريض أو خطأ الغير،ويشترط في القوة القاهرة عدم إمكان توقعها و استحالة دفعها أما عن خطأ المريض فانه ينفيها إذا كان هو وحده السبب في إحداث الضرر،أما إذا كان قد ساهم مع خطأ الطبيب في وقوع الضرر فان ذلك يؤدي إلى اقتسام التعويض المحكوم به و كأن المسؤولية تكون مشتركة بينهما.أما فعل الغير فكذلك ينفي العلاقة السببية كون الضرر قد وقع بفعله بشرط أن يكون السبب الوحيد في حدوثه.

المطلب الثالث:وسائل إثبات الالتزام بالإعلام وفق للقواعد العامة في الإثبات:

إن معرفة من هو مطالب بتقديم الدليل أي من يقع عليه عبء الإثبات له أهمية كبيرة في نظام قانوني قائم على حياد القاضي،وبالتالي،إن القاضي ليس له أي اختصاص في جمع الأدلة التي تسعى لإثبات مطالب الخصم،فعلى هذا الأخير أن يتحمل عبء الإثبات و إلا كان طلبه مرفوضا،وعند عجز المدعي عن الإتيان بالدليل فالقاضي يحكم برفض دعواه لعدم تأسيسها.
وبداية أن القانون الجزائري ليس له سوابق قضائية حول إثبات الالتزام بالإعلام غير أنه في الجهة المقابلة يؤكد على ضرورة الحصول على رضا المريض قبل أي تدخل طبي،وجعل هذا الالتزام واجبا هاما في العلاج الطبي بدليل ما أكدته مدونة أخلاقيات الطب الجزائري.
كما أن القاضي الجزائري في حالة النزاع يتأكد من مدى حصول الطبيب على رضا المريض،ولا يتأتى ذلك إلا بإثبات مدى الحصول على الموافقة المتبصرة من عدمها و عليه فان المادة 323 من القانون المدني الجزائري تنص على انه:”على الدائن إثبات الالتزام و على المدين إثبات التخلص منه” فهذا هو المبدأ العام الذي يقرر من هو الشخص الذي يتحمل عبء الإثبات﴿ ﴾ بمعنى أي منهما يكلف بالإثبات دون الأخر،ومن ناحية المبدأ تتقرر القاعدة العامة التي تقضي بمايلي:”البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر”،وبناء على نص المادة323 من القانون المدني السالفة الذكر يتبين أن من يطالب بتنفيذ التزام ما يأتي الدليل ليثبته،وبالعكس فالذي يدعي بأنه تخلص من التزامه عليه أن يثبت الوفاء أو السبب الذي أدى إلى انقضاء الالتزام.
كذلك ووفقا للمبدأ العام فان المدعي هو المكلف بإقامة الدليل بالطرق القانونية على صحة ما يدعيه.
ويمكن القول أن عبء إثبات لا يثقل كاهل أحد الخصمين دون الأخر،بل هو يوزع بينهما،وقد يقع هذا التوزيع بحكم القانون إذ يتكفل القانون هنا بتحليل عناصر الإثبات و توزيعها على الخصمين عن طريق إقامة قرائن قضائية ينقل بها القاضي عبء الإثبات بحسب تقديره من الخصم إلى الخصم الأخر﴿ ﴾،وتطبيقا لهذا المبدأ في المجال الطبي أن المريض هو الدائن بالإعلام في حين يكون الطبيب هو المدين بتزويد المريض به بمعنى أن المريض هو المكلف بإثبات ما يدعيه حيث يقع عليه عبء ذلك أما المدين وهو الطبيب يكلف بإثبات التخلص مما نسب إليه حيث يلتزم بأن يثبت قيامه بإعلام المريض بكل ما يدور حول صحته ولم يقصر في واجبه شيئا.
وتجدر الإشارة أن المبدأ هذا ولو كان واضحا فان تطبيقه قد يؤدي إلى مشاكل لسبب تعقيد المسائل التي تتعلق بالمجال الطبي و التي ليست بسيطة.كما أن اقتناع القاضي يقوم في الحقيقة على كل الوسائل في الإثبات التي يسعى في تقديمها كل من الخصمين و أيا كانت طبيعة المسؤولية الطبية فان ذلك لا يؤثر في تحديد المكلف بعبء إثبات الخطأ الذي أدى إلى قيامها.غير أن طبيعة الالتزام وما إذا كان التزاما ببذل عناية أو التزاما بتحقيق نتيجة،هو الذي يؤثر في تحديد المكلف بالإثبات.
ولما كان التزام الطبيب غالبا ما يكون التزاما ببذل عناية،فانه يقع على المريض إثبات تقصير الطبيب أي إثبات عدم بذله العناية المطلوبة منه،وإقامة الدليل على إهماله وانحرافه عن أصول الفن المستقرة.
أما في حالة التزام الطبيب بتحقيق نتيجة، وهو التزام لا يزال في نظر غالبية الفقه يمثل استثناء في علاقة المريض بالطبيب.

حيث تبين سلفا أن التزام الطبيب بإعلام المريض هو التزام بتحقيق نتيجة فان المريض يكتفي بإثبات وجود التزام الطبيب وعدم تحقيق النتيجة.
ذلك أن عدم تحقيق النتيجة يؤدي إلى انعقاد مسؤولية الطبيب،ولا يمكن التنصل من هذه المسؤولية إلا إذا ثبت وجود السبب الأجنبي.

ـ إن القاضي الجزائري نظرا لقلة تعرضه للقضايا المتعلقة بالمسائل الطبية لا سيما في مجال الأخطاء الطبية،وكذلك نظرا لقلة القرارات القضائية التي تخص هذا الشأن فانه لا شك أنه سيطالب الطبيب بالدليل الكتابي في الحالات التي نص عليها صراحة على وجوب تقديمه كتابيا.ويتعلق الأمر بعمليات نقل و زرع الأعضاء حيث يشترط الكتابة فيها،وذلك أن يعبر المتبرع كتابة رضاه بالاقتطاع من جسده،والتي يجب فيها أن تدل دلالة واضحة على موافقة المتبرع.وهذه الكتابة تعد دليلا مهما على حصول الطبيب على موافقة المتبرع ومن تم فإنها تشكل أداة إثبات الرضا ووسيلة قانونية كاشفة عنه.
وفي غير ذلك من الحالات فالأمر متروك للسلطة التقديرية للقاضي الذي يلتزم الحياد و هذه الصفة تتصل بممارسة وظيفته،ولذا فالقانون هو الذي يحدد و يبين وسائل الإثبات و مدى حجيتها،وما على القاضي إلا أن يؤسس حكمه على المعلومات و الدلائل التي يقدمها الأطراف وفقا للطرق و الإجراءات التي هي محددة بمقتضى القانون﴿ ﴾.
ولقد بين القانون المدني الجزائري هذه الطرق وهي على التوالي:الكتابة،البينة،القرائن،الإقرار و اليمين وعليه فان الطبيب يلجأ إلى هذه الطرق لإثبات حصوله على رضا المريض،كما أن هذا الأخير يمكن أن يثبت بكافة طرق الإثبات أن الطبيب قد قصّر في واجب الالتزام بالإعلام لأنه هو الذي يدعيه.

ويمكن القول أن المشرع الجزائري قد حذا حذوا المشرع الفرنسي الذي أقر إثبات ذلك بكافة وسائل الثبات.

الــمــبــحــث الــثــالــث: الجـزاء المترتـب عـن الإخـلال بالالــتزام بـالإعـلام:

لاشك أن الإخلال بالالتزام بالإعلام يمنع المريض من فرصة حاسمة من خلال القرار الفاصل الذي يمكنّه من اتخاذه لو تم إبلاغه في الوقت المناسب،بالخصائص المتطلبة للأخبار وهذا القرار سواء كان برفضه التدخل الطبي أو بقبوله له كن سيؤدي إلى وضعية أحسن من التي هو عليها الآن.
فهو في قرار الرفض يمكن أن يجنب نفسه أخطارا كبيرة أما في الحالة التي كان يتعين عليه اتخاذ قرار بالقبول فلاشك أنه كان بالإمكان أن يضع حدا لآلامه ومعاناته وعليه فان القرار المعيب الذي يتخذه المريض بعد إعلام طبي ناقص أو غير واضح فانه سيرتب أضرار جسيمة نتيجة ذلك،لذا فان مسؤولية المترتبة يكون جوهرها التعويض الذي مما لاشك فيه أنه يخضع للمبدأ العام للمسؤولية المدنية التي تقضي بإعادة الحالة إلى ماكانت عليه من قبل وهذا هو التعويض العيني،غير أن هذا الأمر في المجال الطبي يكون مستعصيا بعض الشيء،لذا غالبا ما يكون التعويض في إطار المسؤولية الطبية نقديا.
وعلى هذا الحال سأحاول تبيان الجزاء المترتب عن الإخلال بالالتزام بالإعلام مبرزا صور التعويض من تعويض عيني و أخر نقدي و كذلك أركز على التعويض على الحوادث الطبية.

الـمطلـب الأول: التـعـويـض وطـرق تحـديـده:

إذا ما ثبتت مسؤولية الطبيب عما لحق المريض من ضرر جراء الإخلال بالالتزام بالإعلام فانه يتعين إلزام المسؤول بتعويض المضرور،وجبر الضرر الذي لحق به،وذلك طبقا لنص المادة124 من القانون المدني الجزائري المعدل و المتمم والتي سبق ذكرها,
و القاعدة العامة التي تحكم تقدير التعويض عن الضرر تقضي بوجوب أن هذا التعويض على قدر كاف لجبر الضرر، فلا يزيد عنه ولا يقل﴿ ﴾و الأساس في ذلك أن الغرض منه هو إعادة التوازن الذي اختل نتيجة الضرر الناتج بفعل خطأ،ولن يتحقق ذلك إلا بإعادة الحال إلى ما كان عليه من قبل.والتعويض قد يكون إما في صورة عينية أو في صورة نقدية،وهذا ما سيوضح في فرعين مستقلين.

الفرع الأول: التعويض العيني:La réparation en nature:

التعويض العيني هو “إعادة الحال إلى ماكان عليه قبل وقوع الفعل الضار و يزيل الضرر الناشئ عنه”،ويعتبر هذا أفضل طريق للضمان و القاضي ملزم بالحكم بالتعويض العيني متى كان ذلك ممكنا وطلبه الدائن أو تقديم به المدين.
إن المشرع الجزائري ذهب إلى تطبيق التعويض العيني وجعله كأصل إذ نص في المادة164 من القانون المدني على أنه:”يجبر المدين بعد اعذراه طبقا للمادتين 180 و 181 على تنفيذ التزامه تنفيذا عينيا متى كان ذلك ممكنا”،وعليه فلا يجوز للدائن أن يطلب بمقابل إذا كان المدين مستعدا للتنفيذ العيني،وإذا طالب المدين بالتنفيذ بمقابل ولم يكن التنفيذ العيني مرهقا له،فالقاضي يحكم بهذا الأخير.
فالطبيب الذي يخطئ في عدم تبصير المريض بكل ما يدور حول صحته و ينتج عن خطئه ضرر له،فالقاضي هنا يلزم الطبيب بإصلاح التلف وجبر الضرر،وهنا يمكن القول أن التعويض العني يبدوا أمرا عسيرا،لهذا فان الغالب هو أن يكون التعويض بمقابل وبصفة خاصة في صورة نقدية لأن كل ضرر حتى الضرر الأدبي يمكن تقويمه بالنقد.
وحرية القاضي غير مطلقة في الحكم بالتعويض عينا،بل تتقيد ببعض الشروط التي تتعلق بالمجال الطبي،وهي:
1. في بعض حالات الضرر الجسماني و الأدبي يصبح من غير الممكن اللجوء إلى التعويض العيني كحدوث جرح أو قتل بالمريض إذ انتهت التشريعات الحديثة بالنص على وجوب التعويض بمقابل في مثل هذه الحالات﴿ ﴾.
2. يجب للأخذ بالتعويض العيني أن يكون ممكنا فإذا أصبح مستحيلا فانه نكون أمام التعويض النقدي لا التعويض العيني.
3. إذا كان في التعويض العيني إرهاق للمدين و إن كان ممكنا بصورة يتجاوز فيها الضرر اللاحق بالمدين فلا محل لإجبار المدين على تنفيذ ذلك تنفيذا عينيا.
وتجدر الإشارة أن التعويض العيني أكثر ما يقع في الالتزامات العقدية،ويتصور الحكم به في بعض حالات المسؤولية التقصيرية ولكن نطاقه هنا محدود لأنه لا يكون ممكنا إلا حينما يتخذ الخطأ الذي أقدم عليه المدين صورة القيام بعمل يمكن إزالته﴿ ﴾.

الفرع الثاني: التعويض بمقابل la réparation pécuniaire :

التعويض النقدي هو الأعم في المسؤولية المدنية،ويتمثل في المبلغ المالي الذي يقدره القاضي لجبر الضرر الذي لحق المضرور.
والأصل أن يدفع دفعة واحدة كما يجوز أن يدفع على شكل أقساط أو إيراد مرتب لمدة معينة أو لمدى الحياة و يجب أن لا يتجاوز قدر الضرر و أن لا يقل عنه﴿ ﴾،والقاضي يقدر مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المصاب وفقا لأحكام المادة 182 من القانون المدني التي تنص على أنه:”….يشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب…”، وكذلك على القاضي مراعاة الظروف الملابسة للمضرور كجسامة الضرر و صحة المضرور و ظروفه العائلية و المهنية وحالته المالية.
ويمكن القول أن القاضي يقدر قيمة الضرر وقت حدوثه غير أن هذا له أهمية كبيرة فازا كان الحق في التعويض أي الحق في إصلاح الضرر ينشأ منذ استكمال أركان المسؤولية و بصفة خاصة منذ وقوع الضرر إلا أن هذا الحق لا يتحدد إلا بصدور حكم قضائي.
والحكم إن لم يكن مصدر الحق في التعويض إلا أن له أثر محسوسا فيه فهو الذي يحدد عناصره وطبيعته ويجعله مقوما بالنقد.
والضرر الذي يصيب المريض قد يكون متغيرا قد لا يتيسر تعيين مداه تعيينا نهائيا وقت النطق بالحكم،وذلك فمن المقرر قانونا أنه إذا لم يتيسر للقاضي وقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعيينا نهائيا فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب به خلال مدة زمنية معينة لإعادة النظر فيه وهذا ما أكدته المادة 131 من القانون المدني حيث نصت على أنه:”يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المصاب طبقا لأحكام المادة 182 مع مراعاة الظروف الملابسة فان لم يتيسر له وقت الحكم أن يقدر مدى التعويض بصفة نهائية فله أن يحتفظ للمضرور بالحق في أن يطالب به خلال مدة معينة بالنظر من جديد في التقدير”.إن المشرع الجزائري لم يترك للقاضي حرية تقدير التعويض حسب ميوله و أهوائه الشخصية بل حدد له معايير يسير عليها﴿ ﴾ وضوابط تقدير التعويض قد قررته المحكمة العليا ﴿ ﴾ في 07ـ06ـ1987 على “أن قاضي الموضوع تبرير جميع عناصر التعويض المدني التي تخضع لرقابة المحكمة العليا لأن تعيين العناصر المكونة قانونا للضرر تعد من المسائل القانونية والتعويض ينبغي أن لا يتجاوز حدود الضرر بمعنى يشمل ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب”،وفي سياق الحديث يمكن القول أن تقدير التعويض مسألة واقع تخضع لسلطة قاضي الموضوع دون معقب عليه،فيجب إخضاع الضرر الناشئ عن النشاط الطبي،و خصوصا الضرر الذي أصاب المريض نتيجة إخلال الطبيب بواجب إعلام مريضه كركن من أركان المسؤولية المدنية.أما تكييف تلك الوقائع من حيث الأركان كونها محققة أو احتمالية مادية أو أدبية فهذه المسائل تخضع إلى رقابة المحكمة العليا.
أما تكييف الفعل المؤسس عليه طلب التعويض﴿ ﴾ بأنه خطأ أو نفي هذا يعد من المسائل التي يخضع لها القاضي لرقابة المحكمة العليا.لكنه يلتزم بالتحقيق من حدوث الوقائع التي أثبتها المريض المضرور على الطبيب وأن يثبت من انطباق وصف الخطأ على تلك الوقائع وذلك بعرضها على معيار الخطأ لمعرفة ما إذا كان من الممكن استنباط خطأ الطبيب منها،وله السلطة المطلقة في استنباط القرائن القضائية التي يعتمد عليها في تكوين عقيدته و في المجال الطبي غالبا ما يستعين بالخبرة الطبية.

المطلب الثاني: تعويض طبيب المريض عن الضرر اللاحق به:

إذا أخل الطبيب بالتزامه بإعلام المريض،و أصاب هذا الأخير ضرر من جراء ذلك،فان الطبيب ملزم بتعويضه.و الإخلال بالالتزام بالإعلام يكون إما إذا لم ينفذ الطبيب هذا الالتزام كاملا وإما نفذه على نحو غير صحيح.
ونتساءل هنا هل يلتزم الطبيب بالتعويض الجزئي إذا لم يقم بإعلام كامل حول كل المخاطر؟وهل يجوز إعمال المقاصة بين الضرر الذي حدث نتيجة التدخل الطبي، والفائدة التي حققها العلاج الطبي؟
هنا انقسم الفقه إلى اتجاهين:
الاتجاه الأول يرى أن الطبيب إذا لم يعلم المريض إعلاما كاملا بكافة مخاطر التدخل الطبي،ونتج ضرر عن تحقق أحد المخاطر التي لم يعلم المريض بها،فانه يقع على عاتق الطبيب عبء التعويض الكلي للمريض عن الضرر الذي أصابه لأنه لو أعلم على نحو كامل بجميع المخاطر لكان قد رفض العلاج،وبالتالي يمكن القول أن عدم الإعلام بذلك الخطر هو السبب المباشر للضرر الذي لحق المضرور،وهذا ما أقرته محكمة استئناف فرساي Versailles﴿ ﴾ في حكم أصدرته حيث تتلخص وقائعه في أن طبيبا لم يخبر مريضة بخطر حصول شلل في عصب الوجه نتيجة العملية،فيكون بخطئه قد حرم المريضة من إمكانية الاختيار،ويعني ذلك أن هذا الخطأ في عدم إعلامها هو السبب الوحيد للضرر وبالتالي يلتزم المسؤول بالتعويض.أما الاتجاه الثاني و هو الاتجاه الغالب يرى أن الطبيب يلتزم بالتعويض الجزئي على أساس تفويت الفرصة،فعدم إعلام المريض بمخاطر التدخل الطبي قد ضيع عليه فرصة اتخاذ القرار المناسب،ولكن القضاء مازال غير واضح بشأن هذه المسألة﴿ ﴾،وهذا من خلال حكم محكمة النقض الفرنسية في قضية hedreul الصادر في 20جوان 2000 حيث أكدت على أن:المريض الذي يتحصل على التعويض يجب أن يؤكد أنه إذا تم إعلامه بكافة مخاطر العمل الطبي لكان قد اتخذ قرارا مختلفا.

المطلب الثالث:التعويض على الحوادث الطبية:

إن التعويض على الحوادث الطبية هو حديث العهد في فرنسا إذ جاء به قانون 04مارس 2002 حيث وضع نظاما خاصا للتعويض عن تلك الحوادث و يكون ذلك بدون خطأ و لعل الغرض من هذا النظام الخاص يتجلى في حماية المرضى حتى لا يبقوا ضحايا الحوادث الطبية من غير تعويض من جهة و من جهة أخرى أنه من غير العدل أن يتحمل الأطباء مسؤولية هذه الحوادث الطبية،وفي مجال التعويض عن هذه الحوادث،وضع القانون الجديد نظاما للتسوية الودية يتكفل به جهاز حكومي على أساس التضامن الاجتماعي ففي حالة وقوع ضرر للمريض من جراء حادث طبي يتحصل هذا الأخير على تعويض المناسب في إطار التضامن الاجتماعي و عليه لم يعد بالإمكان للجهات القضائية مطالبة الطبيب أو المؤسسات الاستشفائية بالتعويض عن الحوادث الطبية وهذا يعني من جهة أخرى عودة القضاء إلى نظام المسؤولية على أساس الخطأ إذ على الراغب في الحصول على تعويض من الطبيب إثبات خطأ هذا الأخير بالاستناد إلى إهماله و تقصيره في العلاج.
وحتى يتمكن المضرور من الحصول على التعويض المناسب في مثل هذه الحالات وكذا حماية ممارسي المهن الطبية ألزم قانون 04/03/2002 الأطباء و جميع المؤسسات الصحية بالتأمين الإجباري من المسؤولية المدنية و الإدارية﴿ ﴾ مع العلم أن القانون المشار إليه رصد عقوبة الغرامة بمبلغ 45000 أورو مع المنع من الممارسة في حالة عدم الالتزام بالتأمين.

ولقد دخلت هذه القاعدة مجال التطبيق بموجب القانون رقم 2002ـ1577 الصادر بتاريخ 30 ديسمبر 2002 والمتعلق بالتأمين من المسؤولية المدنية الطبية﴿ ﴾الذي حدد الفاتح من جانفي 2004 كتاريخ لبدء المتابعات القضائية للأطباء عن الإخلال بواجب التأمين،وعلى هذا الأساس يستفيد المريض حاليا في فرنسا من نظام مزدوج للتعويض عن الأخطاء الطبية:

ـ التعويض عن طريق المسؤولية المدنية بالنسبة للأضرار الطبية التي يمكن إسنادها إلى خطأ الطبيب.
ـ التعويض عن الحوادث الطبية من الديوان الوطني للتعويض عن الحوادث الطبية في إطار التضامن الاجتماعي.

ويمكن القول أن القضاء الفرنسي قد وجد حلا مناسبا لتعويض ضحايا الحوادث الطبية، فقد ضلت محكمة النقض الفرنسية مترددة طويلة من الزمن بين حماية المرضى من جهة وحماية أهل المهنة من جهة أخرى.
وأخيرا لجأت في السنوات الأخيرة إلى تعويض المرضى ضحايا الحوادث الطبية في غياب الخطأ الفني للأطباء على أساس:

ـ إما الإخلال بواجب الإعلام ﴿défaut d’information﴾،أو الخطأ المقدر﴿faute virtuelle﴾،أو المسؤولية بدون خطأ responsabilité sans faute ، غير أن هذه الحلول لم تكن مناسبة لأنها،وان كانت قد ساعدت المرضى في الحصول على التعويضات اللازمة إلا أنها لن تكون عادلة في جانب الأطباء فإذا كان ليس من العدل ترك ضحايا الحوادث الطبية بدون تعويض فانه من غير العدل تعويض هؤلاء على حساب الأطباء بدون ارتكابهم لأي خطأ فني.
وعلى هذا،وتداركا للأمر،تدخل المشرع الفرنسي بالقانون المتعلق بحقوق المرضى بتاريخ 04 مارس 2002 لأجل تنظيم الكثير من المسائل ومنها تعويض ضحايا الحوادث الطبية،وهكذا إذا،فان قانون 04 مارس 2002 الذي وضعه المشرع الفرنسي هو نظام مفضل وهو يطبق على جميع الأضرار التي إذا لم ترفع على أساس المسؤولية فإنها ترفع على التضامن﴿ ﴾لكن ما يتعلق بالقانون السالف الذكر قد يترتب في الحالات نتائج هامة في تطبيقه.

وما يمكن القول أنه طرحت بعض المشاكل حيث أنه لم يعط أجوبة على جميع الأسئلة التي تطرح في إطار المسؤولية العقدية أو المسؤولية التقصيرية الطبية وإذا كان الوضع في فرنسا قد أعطى حماية للمرضى وذلك بمنحهم التعويض في التضامن الاجتماعي أي تقوم المسؤولية الطبية من دون خطأ وذلك في مجال التعويض على الحوادث الطبية.فان الوضع في الجزائر مازال يشترط على المريض إثبات الخطأ في حق الطبيب حتى يتحصل على التعويض،ويقيم المسؤولية الطبية على أساس الخطأ.

والقضاء الجزائري يشترط أن يكون الخطأ جسيما في حق الطبيب المخطئ،بينما يكفي الخطأ اليسير إذا صدر من عون شبه طبي كالمساعدين الطبيين،وعليه فان التعويض على الحوادث الطبية في الجزائر تقوم على مبادئ عامة من حيث إثبات المسؤولية من الخطأ و الضرر والعلاقة السببية،وتجدر الإشارة أن المشرع الجزائري لأقر إلزامية التأمين عن المسؤولية المدنية في المجال الطبي بموجب المادتين 167 و169 من الأمر 07ـ95 الصادر في 20/01/1995.

لهذا أرى أن المشرع الجزائري بإمكانه رفع المشقة على المريض المضرور جراء حادث طبي وذلك عن طريق إرساء نظام موضوعي للتعويض القائم على المسؤولية غير الخطئية في المجال الطبي عن طريق التأمين و صناديق الضمان وهذا على غرار الأنظمة الأخرى كالتعويض عن حوادث السيارات.

الـــــــــــــــــــخـــــــــــــــــــــاتــــــــــــــــــمـــــــــــــــة

من خلال ما تم تناوله في دراسة هذا الموضوع تبين أنه لا يمكن للطبيب أن يمارس أي علاج أو عملية جراحية إلا إذا قام بإعلام المريض إعلاما كافيا يشمل الداء الذي يعاني منه المريض و العلاج المناسب له،وكذا المخاطر التي يمكن أن تترتب على هذا العلاج،وذلك بأسلوب بسيط و لغة سهلة و متناسبة مع درجة ثقافته،حتى يتمكن المريض من أن يوازن بين الفوائد التي تعود عليه من العلاج الطبي و بين المخاطر التي يتضمنها و هذا للحصول على رضا حرّ و مستنير و هذا الإعلام لا يقتصر على التشخيص أو العلاج فقط بل يمتد إلى المرحلة التي تلي العلاج.
على أن هذه المعلومات المقدمة لا يشترط فيها أن تكون في شكل معين،بل يمكن أن يقدمها الطبيب شفاهة إذ القاعدة العامة في الموافقة على الأعمال الطبية لا شكلا مخصوصا،إلا أن العادة جرت في التدخلات الطبية التي تتضمن مساسا معتبرا بالسلامة الجسمية للمريض،والتي تنطوي على مخاطر جسيمة وجب فيها أن يعبر المريض أو من يمثله عن موافقته كتابيا،و تلجأ عادة المؤسسات الاستشفائية سواء الخاصة منها أو العمومية إلى إعداد نماذج مكتوبة لضمان إثبات موافقة المريض.
والطبيب ملزم في كل الأحوال أن يلتزم بإعلام المريض بكل أمر يخص حالته الصحية ما عدا المخاطر التي تؤثر على نفسيته و تدفعه إلى رفض العلاج فضلا عن حالة الاستعجال و رعاية المصلحة العامة،حيث يعفى الطبيب من الالتزام بالإعلام إذا ماتعلق الأمر بذلك.
وحسب تقديري لمبدأ التزام الطبيب بالإفضاء للمريض بالحقيقة الكاملة أداه لا يمكن تطبيقه بصورة مطلقة في جميع الظروف،بمعنى إذا تعلق الأمر بمرض غير قابل للشفاء و يؤدي إلى الموت،ففي هذه الحالة يعفى الطبيب من قول الحقيقة للمريض لأنه يصعب عليه تقبل الحقيقة بالإضافة إلى ذلك فالطبيب لا يمكن أن يعلم بجميع التغيرات المستقبلية بصحته،أو يجزم بنهاية محددة حول مصير المريض،فلا يجوز له أن يتعجل و يعلن لمريضه عن قرب وفاته لأن في هذا تدخل في العناية الإلهية لقوله تعالى:لله قل يعلم من في السماوات و الأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون لله سورة النمل الآية65.
والى جانب هذا فان المجال الطبي يحقق كل يوم تقدما ملحوظا، فالمرض الذي يكون اليوم غير اليوم غير قابل للشفاء، ربما يصير مستقبلا قابلا للشفاء، لذا يجب على الطبيب أن يزرع أمل الحياة في المريض.وهذا لا يعني أنني أحبذ الكذب و إخفاء الحقيقة تماما لا سيما إذا كانت هناك أحوال يجب لأن يراعيها المريض حتى لا تتفاقم صحته.فالكذب يجب أن توضع له حدود،فإذا كان يؤدي إلى تحقيق مصلحة المريض فهو مبرر تبريرا صحيحا أما إذا كان لا يهدف إلى ذلك فهو غير مقبول و بخصوص مجال الإثبات،فالقضاء الفرنسي قد نقل عبء إثبات الرضا المتبصر من المريض إلى الطبيب المعالج،وفي هذا حماية للطرف الضعيف من تحمل مشقة الإثبات.
والملاحظة هنا أن القضاء الفرنسي قطع طريقا محمودا خاصة أن المريض يجهل الأصول الفنية الطبية فكيف به يلتزم بعبء الإثبات.
أما في القانون الجزائري فقد أخضع الإثبات إلى القواعد العامة و خصوصا نص المادة323 من القانون المدني حيث أن يطالب بتنفيذ التزام ما أن يأتي بالدليل ليثبته و بالعكس فالذي يدعي أنه تخلص من التزامه،عليه أن يثبت الوفاء أو السبب الذي أدى إلى انقضاء الالتزام.
وبديهيا أن الدائن هو المريض، والمدين هو الطبيب المكلفان بالإثبات فالأول يأتي بالبينة على ما يدعيه و الثاني يأتي بالدليل على أنه لم يقصر في التزامه شيئا.
غير انه يتعين على الطبيب تقديم الدليل الكتابي في الحالات التي نص عليها المشرع الجزائري صراحة كما هو الحال في عمليات نقل وزرع الأعضاء أما في غير ذلك من الخالات فالأمر متروك للسلطة التقديرية للقاضي الذي يمحص الأدلة المعروضة عليه ليكوّن قناعته الشخصية حول هل قام الطبيب بالتزامه أم قصر فيه؟
والطبيب يلتزم بموجب العلاج الطبي أن يبذل العناية الصادقة و اليقظة في حدود الأصول الطبية،و يسأل عن كل تقصير لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني يوجد في نفس الظروف الخارجية التي تحيط بالمسؤول.
والطبيب ملزم بإعلام المريض بأقصى ما يكون من الدقة و التحديد و أن الإخلال بهذا مطلقا أو التزام به التزاما غير كافي،أو بصورة خاطئة فانه يرتب.المسؤولية المدنية في حقه بصرف النظر عن ارتكابه لأي خطأ طبي بالمفهوم الفني فهو مسؤول مدنيا عن تعويض المريض عن الأضرار التي لحقت به جرّاء عدم إعلامه،أما بالنسبة لقيام مسؤوليته الجنائية،فمازالت محل اختلاف بين الفقه والقضاء.
وتجدد الإشارة أنه في فرنسا وبموجب قانون 04/03/2002 قد أتى بالجديد فيما يخص التعويض عن الحوادث الطبية وأسس نظاما على التسوية الودية التي يتكفل بها جهاز حكومي على أساس التضامن الاجتماعي.

وعلى هذا أرجوا أن يساير المشرع الجزائري نظيره الفرنسي فيما يخص التعويض على الحوادث الطبية و ذلك بإنشائه نظام خاص يتكفل بتعويض ضحايا الأخطاء الطبية،لأن المريض غالبا ما يكابد حمل الضرر الذي لحق به خاصة أنه في كثير من الأحيان يعجز عن إثبات خطأ الطبيب وأخيرا يمكن القول أن الأساس الأخلاقي لالتزام الطبيب بإعلام المريض يكمن في ضرورة احترام حريته الفردية،و سلامته الجسدية حيث هو الذي تكون له الكلمة الأخيرة في قبول العلاج أو رفضه ولا يتحقق ذلك إلا بإعلامه إعلاما كافيا صادقا دقيقا لأنه حق للمريض وواجب على الطبيب.

ومن خلال كل هذا نأمل أن يساير القضاء الجزائري لتطورات القضائية و الفقهية التي وصلت إليها البلدان المتطورة وحتى بعض البلدان العربية.
كما نأمل أن يتدخل المشرع الجزائري في أقرب الآجال لتوضيح الغموض الذي يكتنف بعض نصوص قانون الصحة و ترقيتها،وملء الثغرات القانونية التي تجعل الغموض في فهم النص القانوني فهما صحيحا و سليما،وكذلك أن من مصلحة المريض كي لا تتعرض صحته لخطر،وأرى أنه من الأفضل أن يقوم الأطباء بإعداد بطاقات تتضمن معلومات مهمة تتعلق بصحة المريض،وتقدم له شخصيا أو لعائلته إذا تعذّر ذلك ويكون مصحوبا بشرح شفهي لمضمون هذه البطاقات.

الـــــــــمـــــــــــراجـــــــــــــــع:

أولا:المراجع باللغة العربية:

1. أ.أحمد حسن عباس الحياري ـ المسؤولية المدنية للطبيب ـ طبعة2005 ـ دار الثقافة للنشر.
2. أ.بسام محتسب بالله و أ.ياسين وركزلي.المسؤولية الطبية المدنية و الجزائية بين النظرية و التطبيق ـ الطبعة الأولى.دار اليمان.
3. د.بودالي محمدـ الالتزام بالنصيحة في نطاق عقود الخدمات ـ دراسة مقارنة ـ الطبعة2005 ـ دار الفجر للنشر والتوزيع.
4. د.خالد جمال أحمد حسن ـ الالتزام بالإعلام قبل التعاقد و دراسة مقارنة ـ دار النهضة العربية1996.
5. د.سليمان مرقس ـ الوافي في شرح القانون المدني في الالتزامات.الفعل الضار و المسؤولية المدنية ـ المجلد الثاني مطبعة السلام1988.
6. أ.طاهيري حسن ـ الخطأ الطبي و الخطأ العلاجي في المستشفيات العامة ـ دار الهومة2004.
7. د.عبد الرزاق السنهوري ـ الوسيط في شرح القانون المدني.نظرية الالتزام بوجه عام ـ الجزء الأول ـ دار النشر للجامعات المصرية1952.
8. د.عبد الرزاق السنهوري ـ الإثبات ـ الجزء الثاني ـ دار إحياء الثرات العربي بيروت.
9. د.عبد الرشيد مأمون ـ عقد العلاج الطبي بين النظرية و التطبيق ـ دار النهضة العربية القاهرة.
10. د.علي علي سليمان ـ دراسات في المسؤولية المدنية في القانون المدني الجزائري ـ دار المطبوعات الجامعية.
11. د.علي علي سليمان ـ النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الجزائري ـ طبعة1998 ـ ديوان المطبوعات الجامعية.
12. د.علي السيد حسن ـ الالتزام بالسلامة في عقد البيع و دراسة مقارنة ـ دار النهضة العربية.
13. د.عبد الله سليمان ـ شرح قانون العقوبات ـ القسم العام.الجزء الأول ـ الجريمة ـ دار الهدى عين مليلة الجزائر.
14. د.غوتي بن ملحة ـ قواعد و طرق الإثبات ومباشرتها في النظام القانوني الجزائري ـ الطبعة الأولى ـ الديوان الوطني للأشغال التربوية.
15. د.محمد السعيد رشدي ـ حجية وسائل الاتصال الحديثة في الإثبات ـ النسر الذهبي للطباعة.
16. د.مروك نصر الدين ـ الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسم في القانون الجزائري و المقارن و الشريعة الإسلامية ـ دراسة مقارنة ـ الطبعة الأولى ـ الديوان الوطني للأشغال التربوية.
17. د.محمد حسين منصور ـ المسؤولية الطبية ـ طبعة1999 دار الجامعة الجديدة للنشر.
18. د.محمد حسن قاسم ـ إثبات الخطأ في المجال الطبي ـ طبعة2004 دار الجامعة الجديدة للنشر
19. د.هدى حامد قشقوش ـ القتل بدافع الشفقة ـ طبعة02 ـ دار النهضة العربية.

الرســــــــائــــــل:

1. د.بودالي محمد ـ الحماية القانونية للمستهلك في الجزائر ـ رسالة دكتورا 2002ـ2003.
2. د.رايس محمد ـ المسؤولية المدنية للأطباء ـ رسالة دكتورا2004ـ2005.
3. د.عبد الكريم مأمون ـ رضا المريض عن الأعمال الطبية و الجراحية ـ دراسة مقارنة ـ رسالة دكتورا 2004ـ2005.

المـــــــجــــــــلات:

1. د.بودالي محمد.المجلة القضائية 2004 الجزائر.
2. مجلة موسوعة الفكر القانوني ـ دار الهلال للخدمات الإعلامية ـ الجزائر2005.

الــــــــمـــــــــــصــــــــــــادر:

1. أمر رقم 75ـ58 المؤرخ في 26 سبتمبر1975 المتضمن قانون المدني المعدل و المتمم بقانون رقم 05ـ10 المؤرخ في 20 يونيو2005.

2. الأمر66ـ156 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المتضمن قانون العقوبات المعدل و المتمم بقانون 06ـ23 المؤرخ في20ديسمبر2006.

3. قانون رقم85ـ05 المؤرخ في 16 فبراير 1985 المتعلق بحماية الصحة و ترقيتها المعدل و المتمم بقانون 90ـ17 المؤرخ في 31 جويلية 1990 والمعدل و المتمم بقانون 08/13 المؤرخ في 20 يوليو2008

4. المرسوم التنفيذي رقم92ـ276 المؤرخ في 06 يوليو 1992 المتضمن مدونة أخلاقيات الطب.

ثانيا:المراجع باللغة الفرنسية:

1. M.bernard saintourens.Et Dalila zénnaki- l’obligation de sécurité- Bordeaux 2002.

2. M.céline Halpern- guide juridique et pratique de la responsabilité médicale- Editions Devecchi.

3. M.f.chabas- l’obligation médicale d’information en danger- Edition juris.

4. Den donker- l’obligation d’information médicale devant le juge administratif et le juge judiciaire – revue de la recherche juridique. P.u.a.m

5. M. gilles devers- pratique de la responsabilité médicale – Edition eska.

6. M.hannouz et Hakam-précis de droit médicale a l’usage des praticiens et de la médecine du droit-OPU 1993.

7. Jaques moreau et dédier truchet- droit de la santé publique- Dalloz.5 Edition2000.

8. M.lucien accad et Maryse caussin Zante-les nouvelles obligations juridique du médecin- édition eska2001.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت .

لمزيد من المعلومات تفضل للتواصل مع محامي متواجد الان

تكلم هذا المقال عن : أبحاث ودراسات قانونية حول الالتزام بالاعلام في عقود العلاج الطبي