تجاوزت السلطات الاتحادية الثلاث حدود اختصاصاتها

في قضية الشبيبي…تجاوزت السلطات الاتحادية الثلاث حدود اختصاصاتها. دراسة قانونية صرفة

اسماعيل علوان التميمي

المقدمة

لأهمية الموضوع وراهنيته، كونه يخص إجراءات مخالفة للدستور والقوانين ذات الصلة أتخذتها السلطات الاتحادية الثلاث ، وطالت أهم واكبر مؤسسة نقدية اتحادية مسؤولة عن إدارة النقد في العراق خصها الدستور باستقلالية كافية في إدارة أعمالها ، حيث تجاوزت السلطات الاتحادية الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية لحدود اختصاصاتها التي رسمها الدستور والقوانين ذات الصلة بشكل صريح في موضوع البنك المركزي ، وهذه هي المرة الأولى منذ نفاذ دستور 2005 تتخذ السلطات الثلاث كل منها على حدة إجراءات مخالفة للدستور والقوانين بشأن قضية واحدة هي قضية البنك المركزي ، وهذه المرة الأولى الذي تقع فيه السلطة القضائية في ذات الخطأ الذي وقعت فيه السلطة التشريعية ، ويتبعهما مجلس الوزراء لينضم إليهما في الخطأ نفسه ، ولكون أكثر القراء من غير المختصين في الدستور والقوانين ذات الصلة بهذا الموضوع ، يجهلون النصوص الدستورية والقانونية الحاكمة لهذه القضية التي تم مخالفتها ، فوجدت من الضروري تسليط الضوء على ذلك وبشكل مهني مبسط، بعيدا عن أية تحليلات سياسية قد تنهك البحث وتتعب القارئ .

خطة البحث

ولإضفاء قدر من المنهجية على بحثنا وتسهيلا وتبسيطا للفكرة التي نسعى إيصالها للقارئ الكريم ، وجدت من الأفضل أن ابحث هذا الموضوع بثلاثة مباحث ، وحسب التسلسل الزمني لوقوعها . خصصت المبحث الأول لإجراءات مجلس النواب ، بشان التعاطي مع تقرير الرقابة المالية الخاص بالبنك المركزي وإحالة الملف إلى هيئة النزاهة ، ومدى تعارض هذه الإجراءات مع الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب نفسه. وفي المبحث الثاني ، ناقشت قرار قاضي التحقيق بإصدار مذكرة قبض على محافظ البنك المركزي . وفي المبحث الثالث تناولت إلاجراءات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الخامسة والأربعين المنعقدة بتاريخ 16/10/2012المتضمنة إقالة الشبيبي وتكليف السيد عبد الباسط تركي رئيس ديوان الرقابة المالية بإدارة البنك المركزي وكالة .

هدف البحث :ـ

ان هدف البحث ينصرف فقط إلى فحص الإجراءات التي ترتبت على تقرير الرقابة المالية وتم اتخاذها من قبل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، ومدى تعارضها مع أحكام الدستور والقوانين ذات الصلة .

المبحث الأول
إجراءات رئيس مجلس النواب جاءت مخالفة للدستور وللقانون للأسباب الآتية :ـ

1-على خلاف رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء لم يخص الدستور رئيس مجلس النواب بأي اختصاصات تذكر لكون مجلس النواب هو هيئة تشريعية لا تتخذ القرارات فيها إلا بالتصويت عليها من قبل المجلس بالأغلبية البسيطة أو المطلقة أو بأغلبية موصوفة حسب أهمية القرار التي قدرها الدستور . إن آلية رقابة مجلس النواب على الحكومة ورؤساء الهيئات المستقلة رسمها الدستور في المادة 61سابعا وثامنا وهي تبدأ من السؤال ثم الاستيضاح ثم الاستجواب وتنتهي بسحب الثقة ، وكان على رئيس مجلس النواب إتباع هذه الآلية ، سؤال ، استيضاح أو استجواب محافظ البنك ومن ثم التصويت عليه بسحب الثقة من قبل أغلبية الأعضاء وفقا لما رسمته أحكام المادة 61 ، وقد يقتنع المجلس بإجابات من يتم استجوابه فلا يتم اللجوء الى التصويت فيكتفي المجلس بالاستجواب كما جرى في حالات مماثلة مع عدد من الوزراء وأمين بغداد .
وعليه فإن ألقرار الذي اتخذه رئيس مجلس النواب جاء مخالفا :ـ

أولا- لإجراءات الرقابة على الوزراء ورؤساء الهيئات المستقلة التي رسمتها المادة61 سابعا وثامنا من الدستور .
وثانيا – لشروط اتخاذ القرارات في مجلس النواب التي رسمتها المادة 59 ثانيا ( تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب ما لم ينص على خلاف ذلك) لان رئيس المجلس لم يعرض القرار على مجلس النواب مما يؤكد إن القرار جاء مخالفا للدستور وعليه فانه قرار معدوم لا يتمتع بأية قيمة قانونية .

2- حصر النظام الداخلي لمجلس النواب اختصاصات رئيس مجلس النواب في المادة34 التي نصت على :ـ
( رئيس المجلس هو الذي يمثله ويتحدث باسمه.

يمارس الرئيس المهام الآتية:
أولاً: العمل على تطبيق الدستور والقوانين والنظام الداخلي للمجلس.
ثانياً: افتتاح جلسات المجلس وترؤسها.
ثالثاً: دعوة مجلس النواب إلى جلسة استثنائية.
رابعاً: طلب تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب بما لا يزيد على ثلاثين يوماً.
خامساً: إدارة المناقشات والمحافظة على انتظامها، وتحديد موضوع البحث، ويوجه نظر المتحدث إلى التزام حدود الموضوع والنظام وله أن يوضح أو يستوضح أية مسألة يراها غامضة.
سادساً: عرض الأمور التي تتطلب إجراء التصويت عليها وإعلان نتائجها.
سابعاً: تمثيل المجلس في الاحتفالات الوطنية والمناسبات الأخرى وله تخويل احد نائبيه او غيرهما من الأعضاء.
ثامناً: اتخاذ التدابير اللازمة لحفظ الأمن والنظام داخل المجلس.
تاسعاً: الرقابة والإشراف على جميع الموظفين والعاملين في ديوان المجلس وممارسة كافة الصلاحيات المقررة له في هذا الشأن بما لا يتعارض مع المادة (9) من هذا النظام(

من خلال قراءة اختصاصات رئيس المجلس لم نجد من بينها اتخاذ قرار خطير على درجة عالية من الأهمية وهو إحالة رئيس هيئة مستقلة بدرجة وزير الى هيئة النزاهة وبالتالي إلى قاضي التحقيق دون إتباع الآليات التي رسمها الدستور، وعليه فان رئيس المجلس لا يمتلك مطلقا أي اختصاص بإحالة أي وزير أو رئيس هيئة مستقلة إلى القضاء لا بموجب الدستور ولا بموجب النظام الداخلي دون موافقة مجلس النواب لكون اختصاصات رئيس المجلس لا تعدو كونها قرارات تنظيمية لإدارة جلسات المجلس وافتتاحها والدعوة إليها وإدارة التصويت على القرارات وعرض الأمور التي تتطلب التصويت عليها في مجلس النواب وتمثيل المجلس في المناسبات والاحتفالات وحفظ الأمن والنظام داخل المجلس والرقابة والإشراف على موظفي ديوان المجلس . بعبارة أخرى ليس للرئيس سلطة اتخاذ القرارات بحق اي موظف خارج ديوان مجلس النواب الا من خلال عرض الموضوع على مجلس النواب فكيف إذا كان هذا الموظف رئيس هيئة مستقلة مثل البنك المركزي وبدرجة وزير ؟
وعليه فان قرار رئيس المجلس جاء قرارا معدوما لكونه صدر من جهة غير مختصة بإصداره .

3-تسهيلا لتنفيذ آليات الرقابة الدستورية على أعمال الحكومة والهيئات المستقلة اعتمد النظام الداخلي لمجلس النواب أسلوب عرض المواضيع على اللجان وهي على نوعين لجان متخصصة ودائمية ولجان تحقيقية مؤقتة تختص بالتحقيق في موضوع معين بالذات وتنتهي بانتهاء المهمة التي شكلت من اجلها ولا تشكل اللجان بنوعيها إلا بقرار يتخذ من قبل مجلس النواب بالأغلبية ولا يعتد بتوصيات اللجان سواء الدائمة أو المؤقتة الا بعد التصويت عليها في مجلس النواب اي بعد استيفاء الشكل الذي رسمه الدستور في المواد من 83-85. التي نصت على :ـ
المادة (83(
يتم تشكيل اللجان المؤقتة ولجان التحقيق بموافقة أغلبية عدد الحاضرين في المجلس بناءً على اقتراح من هيئة الرئاسة أو من خمسين عضواً من الأعضاء.
المادة (84)

تتمتع لجنة التحقيق بصلاحية تقصي الحقائق فيما هو معروض عليها من قضايا ويحق للجنة دعوة أي شخص لسماع أقواله على وفق الطرق الأصولية ولها حق الاطلاع على كل ما له علاقة بالقضية المعروضة عليها من دون المساس بالقضايا المعروضة على القضاء ولها الاستعانة بالخبراء ويتم تحديد أجورهم بالاتفاق مع هيأة الرئاسة.
المادة (85)
ترفع اللجنة بعد إنهاء التحقيق تقريرها وتوصياتها إلى هيئة الرئاسة لعرضها على المجلس لاتخاذ ما يراه
ومن خلال قراءة نصوص هذه المواد نجد انه تم تشكيل اللجنة التحقيقية المؤقتة بدون موافقة مجلس النواب ودون أن يعرض الموضوع عليه خلافا لما أمرت به المادة 83 أعلاه كما لم تعرض توصيات اللجنة على مجلس النواب لاتخاذ ما يراه مناسبا بشأنها خلافا لما أمرت به المادة 85 أعلاه ، كما لم يتم التقيد حتى بتوصيات اللجنة ذاتها التي أوصت بإحالة الموضوع إلى لجنة النزاهة بعد ورود إجابة البنك المركزي .

4-ان اشراك رئيس ديوان الرقابة المالية في عضوية اللجنة التحقيقية حول ما ورد من ملاحظات من قبل ديوان الرقابة المالية جاء خلافا لقاعدة تضارب المصالح باعتبار ان التقرير( موضوع التحقيق ) كان قد رفعه رئيس ديوان الرقابة المالية الى مجلس النواب ، فكيف يصح ان يحقق رئيس ديوان الرقابة المالية في تقرير صدر عنه أساسا ؟!

5- إن تقرير الرقابة المالية المتضمن وجود مخالفات في البنك المركزي هو تقرير أولي يتضمن ملاحظات مدققي هيئة الرقابة المالية في البنك المركزي حول وجود مخالفات إدارية أو مالية للقوانين والأنظمة والتعليمات ذات الصلة بعمل البنك ولا تترتب على هذا التقرير اية إجراءات انضباطية أو جزائية إلا إذا أوصى التقرير نفسه بذلك لكونه تقريرا أوليا يحتمل الخطاء والصواب ، وعلى ضوء إجابة البنك على هذه الملاحظات يقوم ديوان الرقابة المالية مجددا بفحص الإجابة فإذا اقتنع بالإجابة حذف الملاحظة ، وفعلا غالبا ما تحذف اغلب المخالفات التي ترد في التقرير الاولي ، اما في حالة عدم قناعة الرقابة باجابة الدائرة المعنية فيتم تثبيت تلك الملاحظة في التقرير النهائي . واذا وجد ديوان الرقابة المالية ، ان هناك فعل يرقى الى مستوى الجريمة طلب من الجهة المعنية إحالته الى هيئة النزاهة او تشكيل لجنة تحقيقية من قبل دائرة المفتش العام للتحقيق في الموضوع فإذا كشف التحقيق وجود فعل يشكل جريمة أحاله إلى هيئة النزاهة ، وإذا وجده يستحق عقوبة انضباطية اكتفى بها . إلا إن رئيس مجلس النواب قرر إحالة الموضوع إلى هيئة النزاهة قبل اكتمال الإجراءات الإدارية والرقابية والتحقيقية التي يقتضيها الموضوع من قبل الجهات المعنية به .في حين ان دور مجلس النواب هنا ينحصر في مراقبة سلامة الإجراءات الواجبة للتعامل مع هذا التقرير من قبل البنك و ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة لا أن يحل محل هذه الجهات في اتخاذ القرارات .

6- يتمتع المحافظ ونائبيه وأعضاء مجلس البنك ووكيل ألبنك وموظفيه بالحصانة القانونية بنص الفقرة 1من المادة رقم 23من قانون البنك المركزي ( لا يتعرض أي عضو من أعضاء المجلس أو أي موظف أو وكيل للمصرف المركزي العراقي للمساءلة القانونية أو يعتبر مسؤول مسؤولية شخصية عن أية أضرار وقعت بسبب اي إهمال أو إجراء صدر منه أثناء تأديته لمهامه أو في سبيل تأديته لمهامه الرسمية التي تقع في نطاق وظيفته والتزاماته المحددة له )
وعليه فان قرار رئيس المجلس جاء مخالفا لاحاكم الحصانة القانونية الواردة في قانون البنك المركزي .

المبحث الثاني
إجراءات قاضي التحقيق .

جاءت قرارات قاضي التحقيق مخالفة لقانون العقوبات وقانون ديوان الرقابة المالية وقانون البنك المركزي للأسباب التالية

1- إن قاضي التحقيق اصدر أوامر قبض قبل انجاز التحقيق الإداري في الموضوع من قبل الدائرة المعنية وهي هنا البنك المركزي او ديوان الرقابة المالية بصفته مفتش عام لعدم وجود مفتش عام في البنك المركزي وفقا لقانون ديوان الرقابة المالية المادة 28 خامسا التي نصت على (للديوان أن يتولى إجراء التحقيق الإداري في المخالفة المالية المكتشفة منه بشكل مباشر في الجهات التي لا يوجد فيها مكتب للمفتش العام …).

2- إن قاضي التحقيق اصدر مذكرة قبض على محافظ البنك المركزي وعدد من موظفي البنك استنادا إلى تقرير اللجنة التحقيقية المشكلة من قبل مجلس النواب واعتبرها بمثابة تحقيق إداري وهذا خطا فادح حيث إن اللجنة هي ليست لجنة تحقيق إداري ، وإنما هي لجنة نيابية لا ينطبق عليها وصف لجنة التحقيق الإداري . إضافة إلى ما اشرنا إليه من إن تشكيل هذه اللجنة جاء مخالفا للنظام الداخلي كونها لم تعرض على مجلس النواب للتصويت عليها .وعليه فان اللجنة إضافة لكونها غير مختصة بإجراء التحقيق الإداري فإنها مخالفة للقانون أيضا .

3-إن قاضي التحقيق اصدر مذكرة القبض على المحافظ وهو بدرجة وزير ورئيس هيئة مستقلة دون وجود أي فعل جرمي منسوب إلى محافظ البنك المركزي لا في تقرير الرقابة المالية ولا في توصيات اللجنة التحقيقية البرلمانية ، مما يعني إن قرار قاضي التحقيق بإصدار أمر القبض لم يستند إلى أي أسباب قانونية .

4- إن قاضي التحقيق بإصداره مذكرة القبض على محافظ البنك المركزي كخطوة أولى قبل بدء التحقيق وقبل استكمال التحقيقات مع الجهات المعنية مباشرة بهذه المخالفات ، وهي هنا – مزاد العملة – يؤكد إن قاضي التحقيق فد بدا التحقيق من حيث ينتهي التحقيق لا من حيث يبدأ كما هو مفترض ، بمعنى كان عليه ان يحقق مع المسؤولين مباشرة عن المخالفات في مزاد العملة وإذا اظهر التحقيق تورط محافظ البنك بأدلة دامغة بفساد إداري أو هدر متعمد في المال العام بإمكانه هنا إصدار أمر قبض على محافظ البنك المركزي . فالتحقيق لا يبدأ عادة مع الرئيس الأعلى وإنما يتدرج صعودا وفقا لما تفرزه نتائج التحقيق . ويقرر القاضي بعدها الخطوة التالية فيما إذا كان الأمر يقتضي إصدار مذكرة قبض أو استقدام (ورقة تكليف بالحضور) بحق المحافظ ؟ .

5- إن قاضي التحقيق اصدر أمر القبض دون أن يطلع على قانون البنك المركزي الذي منح المحافظ ونائبيه وأعضاء مجلس الإدارة حصانة قانونية .

المبحث الثالث
إجراءات مجلس الوزراء

إن إجراءات مجلس الوزراء جاءت مخالفة للدستور ولقانون البنك المركزي للأسباب التالية

1-إذا تم التعامل مع محافظ البنك المركزي باعتباره وزيرا وينطبق عليه ما ينطبق على الوزراء فليس من اختصاص مجلس الوزراء إقالة احد الوزراء إلا بموافقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة، وبما إن مجلس الوزراء لم يعرض الإقالة على مجلس النواب للتصويت عليها كما أمرت بذلك المادة78من الدستور (رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة ، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء ويترأس اجتماعاته ، وله إقالة الوزراء بموافقة مجلس النواب ) فهذا يعني أن المادة 78من الدستور لم يتم التقيد بها وتم مخالفتها .

2- أما إذا قصد بالإقالة هو سحب اليد كما صرح بذلك السيد على الموسوي مستشار مجلس الوزراء فان تعبير سحب اليد لم يرد في الدستور . وإنما ورد في قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم14 لسنة 1991 في الفصل الخامس منه في المواد من 16 إلى 19وهذا الإجراء هو إجراء انضباطي يطبقه الوزير ورئيس مجلس الوزراء على الموظفين ممن هم بدرجة أدنى من الوزير أي يشمل ممن هم بدرجة وكيل وزير نزولا ولا يشمل الوزراء. وعليه فان القرار إذا قصد به سحب اليد فانه مخالف للدستور ولقانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام الذي اشرنا إليه.

3- اذا تم التعامل مع محافظ البنك باعتباره رئيسا لهيئة مستقلة هي البنك المركزي فهو مسؤول أمام مجلس النواب بنص المادة 103ثانيا من الدستور (يكون البنك المركزي مسؤولا أمام مجلس النواب..) وعليه فان مسائلة واستجواب وإعفاء رؤساء الهيئات المستقلة هو من الاختصاص ألحصري لمجلس النواب كما ورد في المادة61ثامنا والتي نصت على (لمجلس النواب حق استجواب مسؤولي الهيئات المستقلة وفقا للإجراءات المتعلقة بالوزراء وله إعفائهم بالأغلبية المطلقة ) وبما إن مجلس النواب لم يقم بإعفاء محافظ البنك المركزي وفقا للآلية التي رسمتها المادة آنفا ، فان مجلس الوزراء يكون قد تجاوز حدود اختصاصاته الدستورية لتمتد إلى اختصاص مجلس النواب وهذا مخالف للدستور أيضا .

4-إما في حالة استناد مجلس الوزراء في إقالة محافظ البنك المركزي إلى قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004فان قرار الإقالة لا تتوفر فيه الشروط التي ذكرتها المادة 14 الفقرة 2التي نصت على ( لا تقوم سلطة التعيين بإقالة المحافظ أو نائب المحافظ أو أي عضو من أعضاء المجلس إلا في الحالات الآتية فقط وهي:ـ

أ-صدور حكم من إحدى المحاكم الجنائية بإدانة الشخص لارتكابه جرم يعاقب عليه القانون بالسجن دون وجود خيار دفع غرامة ،إلا إذا رأت سلطة التعيين إن هذا الحكم قد صدر ضد الشخص بسبب آرائه أو نشاطه الديني أو السياسي .
ب-صدور حكم من محكمة بإشهار إفلاسه .
ج-صدور حكم من محكمة يدينه بسبب ارتكابه سلوكا يفتقر للأمانة فيما يتعلق بأمور مالية أو أي سلوك آخر مخل .
د-إذا قامت سلطة مختصة بسحب أهليته أو إيقافه من ممارسة مهنة لأسباب سوء سلوك شخصي لا يتعلق بآرائه أو نشاطه الديني .

ه.صدور حكم من محكمة يقضي بعدم صلاحيته لإدارة شركة أو صدور قرار بهذا المعنى من جهة مختصة .
و-إذا تولى الشخص منصبا أو مركزا أو وظيفة منتهكا بذلك أحكام الفقرة رقم 3 من المادة رقم 12 أو أحكام الفقرة رقم 3من المادة رقم 21
علما ان الفقرة رقم 3 من المادة 12 تمنع محافظ البنك ونائباه وأعضاء المجلس من تولي أي وظيفة أخرى غير وظائفهم في البنك المركزي
كما ان الفقرة 4 من المادة 21 تمنع اي موظف في البنك المركزي من بإشغال أية وظيفة أو عمل سواء كان بمقابل او بدون مقابل إلا إذا رشحه البنك أو القي عددا محدودا من المحاضرات أو أي نشاط أكاديمي آخر .
ز-إذا كان الشخص مصابا بمرض نفسي أو جسماني يجعله في رأي سلطة التعيين غير قادر على أداء واجباته التي ينص عليها هذا القانون .
ح-إذا رأت سلطة التعيين انه انتهك أحكام الفقرتين( 1 ) او ( 2 ) من المادة رقم ( 15 )
علما ان هاتين المادتين تتعلقان بكشف المصالح المالية للمحافظ ونائبيه ومجلس البنك .
ط- إذا ما تغيب عن حضور جلسات المجلس لفترات متعاقبة او لمدة تزيد عن ثلاثة شهور دون الحصول على موافقة المجلس على ذلك .
علما إن سلطة التعيين في التعديل الأول لقانون البنك المركزي رقم 63 لستة 2007هي ان يكون الترشيح من قبل رئيس مجلس الوزراء ومصادقة مجلس النواب .

من هنا ومن خلال قراءة نصوص الفقرة 2 من المادة 14 أعلاه لم نجد توفر أي شرط من شروط الإقالة التي اشترطتها هذه الفقرة. وعليه فان قرار مجلس الوزراء جاء مخالفا أيضا لقانون البنك المركزي المشار إليه .

5- يتمتع المحافظ باعتباره مع نائبيه أعضاء مجلس البنك ووكيل ألبنك وموظفيه بالحصانة القانونية بنص الفقرة 1من المادة رقم 23 ( لا يتعرض أي عضو من أعضاء المجلس أو أي موظف أو وكيل للمصرف المركزي العراقي للمساءلة القانونية أو يعتبر مسؤول مسؤولية شخصية عن أية أضرار وقعت بسبب أي إهمال أو إجراء صدر منه أثناء تأديته لمهامه أو في سبيل تأديته لمهامه الرسمية التي تقع في نطاق وظيفته والتزاماته المحددة له )

وعليه فان إجراء مجلس الوزراء بإقالة محافظ البنك المركزي مخالف لاحاكم الحصانة القانونية الواردة في الفقرة 1 من المادة 23 التي مر ذكرها .

6- إن قرار تكليف السيد عبد الباسط تركي رئيس ديوان الرقابة المالية بإدارة البنك المركزي يخل بشكل صارخ بمبدأ تضارب المصالح الذي نصت عليه الفقرة 3 من المادة 21 من قانون البنك المركزي التي نصت على ( يقوم المحافظ ونائباه والأعضاء الآخرون في المجلس بتكريس كافة خدماتهم المهنية للمصرف المركزي العراقي طوال فترة عملهم في تلك المناصب ، ولا يقوم أي منهم بشغل إي منصب أو وظيفة أخرى سواء كان ذلك بمقابل مادي أو بدون مقابل إلا ( أ ) إذا كان المصرف المركزي العراقي قد رشح لهذا المنصب أو الوظيفة . ( ب ) إذا اقتصرت جهودهم على إلقاء عدد محدود من المحاضرات او الاشتراك في نشاط أكاديمي آخر محدود لا يتلقى عنه مكافأة مالية ولا يتعارض مع أدائه لمهام وظيفته والقيام بمسؤولياته تجاه المصرف المركزي العراقي.
وعليه فان تكليف السيد عبد الباسط تركي محافظا للبنك المركزي يخل بمبدأ تضارب المصالح ويخالف قانون البنك المركزي ويخالف الدستور لكون البنك المركزي هيئة مستقلة وان تكليف إي شخص بإدارة البنك وكالة يتم من قبل مجلس البنك نفسه وليس من قبل الحكومة لان سلطة التعيين تنحصر مسؤوليتها في تعيين محافظ البنك ولا تنصرف إلى تكليف من يقوم بمهامه وكالة. زد على ذلك إن رئيس ديوان الرقابة المالية مختص بالرقابة على البنك المركزي العراقي فكيف يقوم شخص واحد بدور المراقب والمراقب عليه في آن واحد . إلا يعد ذلك إخلالا صارخا بمبدأ تضارب المصالح ؟

الخاتمة

لكل ما تقدم من أسباب اعد القراء الكرام باني سأقيم دعوى أمام المحكمة الاتحادية العليا بصفتي الشخصية ضد رئيس مجلس النواب إضافة لوظيفته واطلب من المحكمة للأسباب التي ذكرتها ، إلغاء قراره بإحالة الدعوى إلى هيئة النزاهة . لان المادة 93 من الدستور أجازت للمواطن إقامة الدعوى أمام المحكمة الاتحادية إذا وقع أي خرق او مخالفة للدستور من قبل السلطات الاتحادية . حيث سبق لي إن أقمت الدعوى ضد السيد فؤاد معصوم رئيس السن لاتخاذه قرار إبقاء الجلسة المفتوحة خلافا للدستور وفعلا كسبت الدعوى وحكمت المحكمة الاتحادية بإلغاء القرار واستئناف الجلسة وفعلا تم استئنافها وانتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس الجمهورية ومن ثم تشكيل الحكومة .