إقليمية القانون الجزائي

توفيق بوعون
قاضي

إن القانون الجزائي قديم قدم الإنسان، ويعرّف بأنه : “مجموعة من القواعد القانونية تحددّ الأفعال التي تعدّ جرائم وتبين العقوبات المقررة لها”[1] وهو إحدى فروع القانون العام، إذ أن ارتكاب الجريمة يعد اعتداء على حق المجتمع فلا جدال أن العلاقة التي تنشأ بارتكابها يختص بها القانون العام إذ تضع مرتكبها في مواجهة الدولة التي تمثل المجتمع.

ولئن يطلق شراح القانون تسميات مختلفة للدلالة عليه : “قانون العقوبات”، أو القانون الجنائي” فإن المقصد يبقى واحد وهو صدّ الجريمة ومحاربتها.

وإن لفظ الجزاء يفيد لغة الثواب والعقاب.

وإصطلاحا يفرض الجزاء أمرا أو نهيا من يعيه ومن يوجّه إليه ويستطيع امتثاله ولذلك ينتظر المشرع منه ذلك فإن خالفه كان جديرا باللوم وكان الجزاء الذي يوقع عليه هو التعبير القانوني عن هذا اللوم.

وإعتبر البعض أن مفهوم الجزاء شامل وفضفاض إذ يدخل في هذا الفرع من القانون ما ليس منه لأنه يتسع للجزاء الجنائي والجزاء غير الجنائي كالجزاء المدني والجزاء الإداري[2] والقانون الجزائي يشمل القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية، إذ أن القواعد الجنائية تبقى غير صالحة بمفردها للتطبيق إذ بالضرورة تقترن بإجراءات محددة، وتنظم هذه الإجراءات نشاط سلطات الدولة في تحقيق الجريمة ومحاكمة مرتكبها وتنفيذ العقوبة فيه، وتهدف إلى حماية المجتمع بضمان ألا يفرّ المجرم من العقاب وكذلك إلى حماية حقوق الفرد بضمان ألا يدان بريء.

ولئن تعددت أشكال العقوبة في المجتمعات القديمة فإنه بظهور الدولة اصبح لكل مجموعة بشرية إقليم محدد وتحكمها سلطة سياسية منظمة فنشأت فكرة سيادة الدولة على إقليمها واصبح القانون الجزائي إحدى مظاهرها حتى اعتبر البعض أن القانون الجزائي نشأ إقليميا. واتضح أن للدولة حق بل عليها واجب ممارسة سيادتها في الداخل بإصدار النظم التي تحكم علاقات الأفراد الذين يؤلفون مجتمعها.

ونصت معظم الدساتير والتشاريع على أن كل دولة تختص بشؤون العقاب داخل إقليمها وذلك قصد الحفاظ على الأمن بين أفراد المجتمع وسلامة أرواحهم وأموالهم. وهذه السيادة التي لكل دولة على إقليمها تقتضي ألا يسري قانونها إلا على ما يرتكب فيها من جرائم ولا يمتدّ إلى دولة أخرى حتى لا تحدث اعتداء على ما لتلك الدولة من سيادة كما لا تقبل الدولة التخلي عن العقاب لأية دولة أخرى لأن في ذلك تنازلا عن سلطاتها وسيادتها.

وهذه الأسباب أدت إلى الأخذ بمبدأ الإقليمية في اغلب التشاريع الحديثة كمبدأ لتطبيق القانون الجزائي في المكان.

وتاريخيا لم يكن مبدأ الإقليمية معروف قبل ظهور فكرة الإقليم كعنصر أساسي في الدولة بل كانت هناك فكرة أخرى مهيمنة على جميع الشعوب وهي فكرة العنصر الإنساني وكانت الدولة عبارة عن طائفة أو مجموعة وطنية ليس لها ارتباط دائم بالحدود الإقليمية، ولذلك كان من الطبيعي أن تكون الفكرة السائدة هي فكرة الشخصية، وكان القانون الجزائي قانونا شخصيا يطبق على الشخص المنتمي إلى المجموعة أينما وجد.

ورغم أهمية هذا المبدأ فإنه لم يعد متماشيا مع ما يتطلبه القانون الدولي من قواعد تقتضي ضرورة احترام الحدود بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية فأخذت انقلترا مبدأ الإقليمية بصفة مطلقة حتى سنة 1529. ونص دستور الولايات المتحدة الأمريكية عليه صراحة وكرّسه المشرع الفرنسي بالمادة الثالثة من المجلة المدنية، وبالفصل 113 من المجلة الجنائية وكذلك قانون العقوبات السويسري بالمادة الثالثة وقانون العقوبات البلغاري بالمادة 65، واعتمده المشرع المصري بالفصل الأول من مجلة العقوبات المصرية والفصل 10 من قانون العقوبات المغربي.

وأكده المشرع التونسي بالفصل الثاني من المجلة الجنائية لسنة 1913 الذي جاء فيه “على أنه يجري بهذا القانون عمل المحاكم التونسية :

أولا : على من هم لنظرها ويرتكبون بالمملكة التونسية بصفة كونهم فاعلين أو مشاركين إحدى الجرائم المنصوص على عقابها بهذا القانون.

ثانيا : على من هم لنظرهم بخارج المملكة ويرتكبون بصفة كونهم فاعلين أو مشاركين إحدى الجرائم المنصوص عليها بهذا القانون إلا إذا ثبت أن قانون البلد الواقعة فيها تلك الجريمة لا يقتضي العقاب عليها أو أن المتهم وقع عقابه لأجلها بحكم بات خارج المملكة”.

إلا أن المشرع التونسي أدخل تنقيح على هذا الفصل بالقانون المؤرخ في 13 نوفمبر 1956 وأصبح ينص على انه “تنطبق القوانين الجزائية على جميع الجرائم المرتكبة بالبلاد التونسية”.

ولكن تخلى المشرع عن المبدأ ولم ينص عليه صراحة صلب مجلة الإجراءات الجزائية ولكن بالتأمل في منطوق الفصل 312 من م إ ج يتضح أن المشرع التونسي يعتمد المبدأ على الأقل بصفة ضمنية، واعتبر الفقه التونسي أن مبدأ الإقليمية نتيجة حتمية للسيادة ويعتبر مبدأ طبيعي يحفظ سيادة الدولة على إقليمها.

ولكن منذ القرن التاسع عشر تطورت وسائل النقل أحدثت في علاقات الدول انقلابا جذريا بفضل ما امتازت به تلك الوسائل من السرعة إذ لم تعد الدول منعزلة عن بعضها ولا بقيت الحواجز قائمة بينها بل تشابكت المصالح والأهداف.

ونتيجة للتطورات الحاصلة اصبح من الممكن ارتكاب الجريمة في إقليم والانتقال بسرعة لإقليم آخر. وقد كان القانون الجزائي قبل هذه التطورات في علاقات الدول لا يتجاوز حدود الدولة التي يسودها إذ أنه تطبيقا لمبدأ الإقليمية لا يمكن زجر الأشخاص الذين يقترفون جرائم خارج حدود الدولة بل يقتصر على الجرائم المرتبكة بالإقليم.

فاتضح أن هذا النظام اكبر معين للمجرمين إذ أنه عاجز عن عقاب الأفعال التي ترتكب خارج الإقليم ويكون فيها الإضرار بمصالح الدولة الحيوية، وكذلك إذا ارتكب أحد رعايا الدولة جريمة وهو في الخارج وفرّ إلى دولته خوفا من العقاب فإنه سوف يظلّ بمنأى عنه تحت غطاء مبدأ “عدم تسليم المواطنين” المعمول به في أغلب الدول. كما لا يمتد المبدأ للجرائم الخطيرة المرتكبة من قبل عصابات دولية تضم أفرادا من جنسيات مختلفة على نطاق عدة دول.

بالإضافة إلى ذلك فإن اختلاف التشاريع يحدث تنازعا إما أن يكون سلبيا عندما لم تقبل أية محكمة إجراء التتبعات اللازمة وتظل الجريمة بدون عقاب رغم خطورتها، وعادة يكون ذلك إذا ما ارتكبت عناصرها المادية على أقاليم مختلفة.

وأما حالة التنازع الإيجابي في أن تتولى عدة محاكم مختلفة إجراء التتبع من أجل نفس الفعلة، ومثال ذلك إذا أطلق شخص يوجد في الحدود الجزائرية عيارا ناريا على تونسي بالتراب التونسي فيرديه قتيلا، فقد تتعهد المحاكم الجزائرية والمحاكم التونسية في آن واحد.

وكذلك الشأن بالنسبة للجرائم المركبة والمستمرة يمكن أن تتعهد بها محاكم دول مختلفة، مثل جريمة التحيّل أو القذف العلني عندما ترتكب عناصرها المادية في عدة أقاليم مختلفة.

لذلك تعتبر مسألة تطبيق القانون الجزائي في المكان ذات أهمية كبرى تستوجب التوضيح لتفادي حالات تنازع الاختصاص بين الدول.

ورغم عدم نجاعة مبدأ الإقليمية فإنه حافظ على مكانته كمبدأ عام وإقصائي لأنه يعتبر المظهر الحقيقي لسيادة الدولة على إقليمها فكل الجرائم التي ترتكب على ذلك الحيّز المكاني تخضع لسلطان قانونها الجنائي بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه.

إلا أن تطبيق المبدأ بصورة مطلق أدى إلى جمود القانون الجزائي، وثبت أنه لا يساير ظاهرة الجريمة. ولاحظ الفقه أنه لا يمكن أن تبقى الدولة بعيدة عن الجرائم المرتكبة بالخارج طالما يلحقها الضرر مباشرة أو غير مباشرة من جرّاء تلك الجرائم التي تمس مصالحها الحيوية في الوقت الذي قد لا تهتم به الدولة الأجنبية التي ارتكبت فيها الجريمة بقدر اهتمام الدولة التي وقع عليها الضرر.

وبصفة عامة من حقها تتبع الجرائم التي تهدد نظامها العام الداخلي أو النظام العام الدولي حتى في صورة إرتكاب الجريمة خارج حدودها[3].

وأصبح من المنطقي تراجع مبدأ الإقليمية أمام تزايد إهتمام الدول بمصالحها الأساسية ومصالح موطنيها في الخارج وكذلك عدم تطبيق القانون الجزائي داخل الإقليم على الجرائم التي يرتكبها بعض الأشخاص بسبب تأدية الوظيفة، كما تخرج عن اختصاص الدولة بعض الجرائم الخطيرة التي تهدد الإنسانية جمعاء.

والملاحظ أن الغاية من تراجع المبدأ هي الحفاظ على سيادة الدولة وتثبيت سلطاتها وقوانينها. لذلك أخذت الدول بعدة مبادئ أخرى لا تقل عنه أهمية. فكرّس المشرع التونسي المبدأ الشخصي الذي يعتمد مبدأ سيادة الدولة القائمة بالنسبة لمواطنيها ولو خارج تراب الوطن ولأنه من حق الدولة أن تفرض على مواطنيها مراعاة أحكامها بأن مصلحتها وحسن سمعتها تقتضي أن لا يرتكب مواطنوها جنايات وجنح بالخارج ولأن الحكومة التونسية لا تريد تسليم موطنيها إلى الدول الأخرى ولولا ذلك لكان لفرار الجاني التونسي الذي يرتكب جريمة بالخارج إلى تونس هروبا من العقاب، ومن أجل ذلك جاز تتبع التونسي الذي يرتكب جريمة خارج حدود الوطن حسب القواعد والشروط الواردة بمجلة الإجراءات الجزائية.

ولم يعترف المشرع التونسي بمبدأ إمتداد القانون الجزائي خارج تراب الوطن بالنسبة للأجانب سواء أكانوا فاعلين أصليين أو مشاركين إلا بالنسبة للجنايات والجنح التي من شأنها النيل من أمن الدولة أو تقليد طابعها أو تدليس العملة الوطنية الرائجة متى تم القبض عليه بالجمهورية التونسية.

وقد أضاف المشرع التونسي بالقانون عدد 113 لسنة 1993 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 صورة جديدة يمكن فيها للمحاكم التونسية تتبع كل من يرتكب خارج التراب التونسي سواء بوصفه فاعلا أصليا أو شريكا جناية أو جنحة ومحاكمته إذا كان المتضرر تونسي الجنسية.

ومن ناحية أخرى فرضت معطيات التعاون الوظيفي بين الدول عدم تطبيق القانون الجزائي الوطني عن بعض الجرائم المرتكبة من بعض الأجانب المتمتعين بحصانة تخول لهم القيام بوظيفهم.

ويضاف إلى ذلك إن ميل الخط البياني للإجرام نحو الارتفاع المطرد هو إحدى الظواهر المثيرة للقلق في عصرنا الحالي، والواقع أن التطور المتزايد في وسائل الإتصال والإنتقال من شأنه أن يضاعف معدل الجرائم المرتكبة ضدّ مصالح الدولة.

كما تميز الربع الأخير من القرن العشرين بعوامل ثلاثة، عامل تكنولوجي علمي أدى إلى إضفاء سرعة فائقة تجاوزت التوقعات للسلع والأشخاص والمعلومات بجميع أشكالها وقربت المسافات حتى أصبح العالم قرية صغيرة.

وعامل اقتصادي تجاوز الاقتصاد الحر والتبادل الحر ليشمل المنطقة الإقليمية ثم ليفرض كأساس للعلاقات الاقتصادية الدولية وهو ما يجسمه إحداث المنظمة العالمية للتجارة وما انجر عنها من توجه عام نحو إلغاء جميع الحواجز والحدود أمام تنقل السلع والخدمات عبر بلدان العالم وعامل ثالث يتمثل في استغلال إختراق الحدود الاقتصادية وسرعة نقل المعلومات وتنقل الأشخاص وهذا المد الكوني للعولمة أنتج رجّات وأزمات على المبادئ المعتمدة دوليا، وساهم في ظهور جرائم جديدة ذات خطورة كبيرة عرفت بالجرائم المنظمة عبر الوطنية مثل المافيا الإيطالية والصناعة والاتجار بالعقاقير المخدرة والاتجار بالنساء والأطفال والاتجار في أعضاء الجسم وسرقة السيارات وتهريبها[4]

وكما يؤكد الرئيس محمد اللجمي “لذلك بدت الحاجة ملحة إلى التفكير في إمكانية استغلال التقنيات الحديثة والمتطورة في جمع أدلة الإثبات التي تيسّر مكافحة هذا النوع الخطير من الإجرام والذي بات بحكم تفرغه دوليا يهدد النظام العام في كل مكان”[5].

ومن هنا كانت الدول دون استثناء تراقب بقلق هذا المدّ التصاعدي للجريمة وتخشى من مظاهر هذا التطور فكان لزاما عليها أن تتضامن فيما بينها حتى لا يفلت أي مجرم من العقاب بصرف النظر عن جنسيته أو جنسية المعتدى عليه أو مكان ارتكاب الجريمة وذلك حتى لا يشعر أي مجرم أنه بمنأى عن أن تصل إليه العدالة مهما كان المكان الذي توجه إليه. فبرزت فكرة عالمية العقاب التي تعتبر الجريمة إعتداء على الإنسانية جمعاء وأن واجب العقاب هو واجب عالمي تقوم به الدولة الذي وقع المجرم في قبضتها.

واتضح أن فكرة الاختصاص العالمي تقوم على مبدأ تضامن الدول جميعا للوقوف أمام المجرمين العالمين والتقليل من فرص هروبهم والالتجاء لدولة أخرى، كما ثبت عجز الدولة بمفردها للتصدي لبعض الجرائم الخطيرة وهو ما أدى إلى ضرورة إنشاء مؤسسات ومحاكمات جنائية دولية تهدف للقضاء على الجرائم التي تهدد الإنسانية.

والملاحظ أن المشرع التونسي اعتمد صراحة نظام تسليم المجرمين بمجلة الإجراءات الجزائية واعتبره بديلا للالتجاء للاختصاص المبالغ فيه والأفضلية في الاختصاص يجب أن تعطي لقاضي مكان ارتكاب الجريمة.

فإلي أي مدى حافظ مبدأ الإقليمية على مضمونه التقليدي ذي الصلة الوطيدة بسيادة الدولة؟ وكيف أثرت التغيرات الجيوستراتيجية (العالمية) في صياغة مفهوم حديث لهذا المبدأ؟

إن الإجابة على هذه الإشكالية يستوجب التعرض أولا إلى تأكيد مبدأ إقليمية القانون الجزائي (الباب الأول) ثم التخلص إلى تراجع المبدأ (الباب الثاني).

البـــاب الأول :
تأكيد مبدأ إقليمية القانون الجزائـــــي
إن نشأة فكرة سيادة الدولة على إقليمها كان له أثره على القانون الجزائي من حيث نطاق تطبيقه فأصبحت كل دولة تختص بشؤون العقاب داخل إقليمها بغير تدخل من جانب الدول الأخرى وإلا كان في ذلك اعتداء على ما لتلك الدولة من سيادة على إقليمها.

وهو ما جعل معظم التشاريع تنص صراحة على مبدأ إقليمية القانون الجزائي من ذلك قانون العقوبات البولوني وقانون العقوبات البلجيكي والقانون الفرنسي والقانون السويسري والقانون الإيطالي[6] وكذلك القانون المصري والقانون اللبناني والقانون المغربي والقانون التونسي وكان تأكيد مبدأ الإقليمية من أول أعمال مؤتمر كامبردج لمعهد القانون الدولي في سنة 1931 ونص عليه في المادة الأولى من القرارات التي اتخذها، كما أقره مؤتمر فارسوفيا سنة 1927 لتوحيد قانون العقوبات[7].

فأصبحت القاعدة العامة في القوانين الجزائية أنها لا تطبق إلا داخل إقليم الدولة وعلى ما تقع فيه من جرائم ولا يتعدى أثرها إلى ما يقع خارجه حتى أنه عرف بأنه قانونا إقليميا.

وتكريس مبدأ الإقليمية في جلّ التشاريع يدعو للبحث عن مدلوله (الفصل الأول) والتطرق إلى تطبيقه (الفصل الثاني)

الفصل الأول : مدلول مبدأ إقليمية القانون الجزائي.
يبدو أن للقاعدة الجنائية منطقة جغرافية محددة يكون لها فيها كل النفوذ والسلطان فتسري على ما يرتكب عليها من جرائم وهذا ما يعبّر عنه بالسلطان المكاني للقاعدة الجنائية[8].

والمتأمل في هذه القاعدة يتضح له أنها غامضة وتطرح العديد من التساؤلات، فاختلفت الآراء في شأنها فهناك من يرى إطلاق تعبير القانون الجزائي الدولي للدلالة على القواعد التي تحدد سلطان النص الجزائي من حيث المكان، وهو رأي الأستـاذ M- Travers[9]. واتجاه أخر يفصل بين القانون الجزائي الدولي والقانون الجزائي الوطني ويعتبرها تهم تطبيق هذا الأخير.

فنظرا لتشعب القاعدة وما تطرحه من إشكالات حول تطبيقها اقترح الفقهاء عدة أنظمة يمكن اعتمادها لسدّ الغموض الذي تطرحه، وهذه الأنظمة أساسا أربعة وهي : الإقليمية والشخصية والعينية والعالمية.

وكما يؤكد ذلك الأستاذان فرديريك ديسبورت وفرنسيس لقنك أن نظام الإقليمية يأخذ مكانة متميزة أو هامة عند تطبيق القانون الجزائي في المكان وبقية الأنظمة لا تعدو أن تكون سوى مكمّلة له[10] .

وهو ما جعل أغلب التشاريع الحديثة تأخذ به كمبدأ عام وإقصائي ومتميز عن بقية الأنظمة وهو ما يبرهن عن نجاعته ودوره الفعَّال عند تطبيق القانون الجزائي في المكان ويتجه بذلك تدقيق تعريفه (المبحث الأول) وبيان العناصر الأساسية التي يقوم عليها (المبحث الثاني)

المبحث الأول : تعريف إقليمية القانون الجزائي
إن اقتران المصطلحين “الإقليمية” و”القانون الجزائي” يثير بعض الغموض سواء لما يعنيه كل منهما أو التكريس التشريعي كمبدأ عام عند تطبيق القانون الجزائي في المكان، وهو ما يدعو للبحث عن تحديد إقليمية القانون الجزائي(الفرع الأول) ثم عن الأسس التي جعلت منه مبدأ تشريعي (الفرع الثاني).

الفرع الأول : تحديد إقليمية القانون الجزائي:

إن تحديد إقليمية القانون الجزائي يقتضي البحث عن المفهوم في حد ذاته (الفقرة الأولى) والتطور التاريخي لإقليمية القانون الجزائي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مفهوم إقليمية القانون الجزائي

كما أكد الأستاذان André Huet et Renée Koering أنه يجب تحديد وتدقيق مصطلح “الإقليمية” لأنه يوجد بعض اللّبس والخلط بين بعض الألفاظ وذلك من خلال لفظ “قانون إقليمي” و “إقليمية”[11] ولفظ “الإقليمية” مشتق من أقلم، يؤقلم، أقلمة وتعني اصطلاحا نفسه عودها وكانت البيئة غريبة عليه ولكنه استطاع أن يؤقلم نفسه ويكيفها.

ولفظ “إقليم” جمع أقاليم وتعني منطقة تتميز بصفات طبيعية أو اجتماعية تجعلها وحدة خاصة، ولفظ “إقليمي” منسوب إلى الإقليم “المياه الإقليمية” وإقليمية نزعة تؤكد الخصائص المحلية.[12]

والإقليمية تعني، “الشرط الذي يكوّن إقليم الدولة”[13]

وتعرف الإقليمية بأنها “مرجع يستعمل لتأكيد فضاء وتحديد إطار تفسير محله بمعنى الفضاء الذي يطبق فيه”[14]

ومن خلال هذا التعريف ظهر مفهوم “إقليمية القانون الجزائي” ويتجلى بوضوح أن مصطلحات “إقليمية” و”قانون إقليمي” مختلفة عن مصطلح إقليم” الذي يعرّف بأنه “امتداد الأرض التابعة لدولة معينة”

وأما في القانون الدولي العام للإقليمية مدلول خاص بسيادة الدولة بمعنى أن الإقليم “جزء من التراب الوطني المضبوط داخل حدود وطنية بالإضافة إلى البحر الإقليمي والفضاء الجوي الموجود داخل الحدود الإقليمية اليابسة”.

وعرّف الأستاذ Durmus Tezcan الإقليمية بأنها “لفظ يمكننا من تفسير المرجع الواقع لجزء من الكرة الأرضية الموجود بين الحدود (الإقليم) لبيان الإطار التطبيقي للقاعدة القانونية أو الشرط الذي يعمل لهذا الجزء الفضائي (بمعنى إقليمي)[15].

وكما يلاحظ الأستاذان Huet et Koering أن الإقليمية تنطوي على معنيين أساسين معنى مادي وآخر شكلي[16].

الإقليمية بمعناها المادي : تعني أن القانون إقليمي عندما يكون الاختصاص محدد بعنصر أو رابط إسناد إقليمي أي أن ذلك العنصر يحدد المكان (مكان الوضعية، المال، الفعل أو الواقعة…) أو بمقتضى عنصر إسناد شخصي (مثل الجنسية…) لذلك فإنّ القانون الدولي الخاص ينعت بأنه قانون إقليمي بما أنه يستند إلى هذه المعايير وهو ما يجعل القاضي يطبق قانونه الوطني أو الأجنبي حسب قاعدة التنازع.

الإقليمية بمعناها الشكلي : تفسر إقليمية القانون عندما يكون تطبيقه مخصص فقط لسلطة الدولة باسمها الوحيد وذلك بتعهدها المطلق، والقاضي لا يمكنه تطبيق القانون الأجنبي فهو ملزم بتطبيق قانونه الوطني مهما كان الأشخاص أو الأشياء أو الأفعال المسببة أو المتعلقة بالنزاع. ولا يمكن للقاضي أن يطبق القانون الأجنبي حتى ولو كانت عناصر النزاع موطنها في الخارج وهو ما يؤكد أن القانون الإقليمي يجسم سلطة الدولة وهيبتها في الداخل والخارج.

ويؤكد الأستاذان André Huet et Koering أن هذا المعني الثاني للإقليمية أي المعني الشكلي والمتضمن تضامن الاختصاص التشريعي و القضائي في المادة الجزائية هو ما يؤكد تطبيق القانون الفرنسي على الجرائم المرتكبة بفرنسا واستخلص من ذلك أن “قاعدة إقليمية القانون الجزائي لا تعني فقط أن القانون الفرنسي هو المنطبق على الجرائم المرتكبة بفرنسا ولكن في حقيقة مدلولها أن القانون الفرنسي يطبق كل ما كانت المحاكم الفرنسية مختصة بالنظر وهو ما أكده Levasseur et Decocq”[17]

ونتبين أن القانون ينعت بأنه إقليمي في صورة تطبيقه بكل ما يتعلق بالإقليم بمعني أن القانون وضع لفائدة لذلك الإقليم و لا يسري خارج حدوده.

ويفسر اقتران القانون الجزائي بمصطلح الإقليمية نظرا لخطورة الجريمة وما تتركه من آثار وخيمة على الفرد والمجتمع هذا من جهة، وكذلك نظرا لاختلاف الأنظمة والقوانين من بلد لأخر- واعتبر الفقه أن قاعدة إقليمية القانون الجزائي وجدت أساسا لحفظ مصالح الأفراد والدولة، ومنبعها الأصلي المبادئ الحمائية[18]

فأعتبر أن القانون الجزائي نشأ إقليمي و تأصلت هذه القاعدة حتى أصبحت المبدأ العام في أغلب التشاريع وهي المنطلق أو المرجع الأساسي لتطبيق القانون الجزائي في المكان فنصت عليه فرنسا بالمادة 113 من المجلة الجنائية والمملكة المغربية بالمادة 10 من المجلة الجنائية، وأشار إليه المشرع التونسي ضمن أمر 13 نوفمبر 1956 وكذلك بصورة غير مباشرة بالفصل 312 من مجلة الإجراءات الجزائية، ويعتبره الفقه في تونس بمثابة المبدأ الطبيعي “[19]

وعرّف الأستاذ علي عبد القادر القهوجي مبدأ إقليمية القانون الجزائي بأنـــه “يقصد بمبدأ الإقليمية أن القانون الجنائي يبسط أحكامه على جميع الجرائم التي ترتكب علي الإقليم الخاضع لسيادة الدولة سواء كان مرتكبها وطنيا أم أجنبيا وسواء نالت من مصلحة الدولة صاحبة السيادة على الإقليم أم نالت من مصلحة دولة أجنبية وهذا هو الوجه الإيجابي لمبدأ الإقليمية أما الوجه السلبي لهذا المبدأ فيتمثل في عدم تطبيق القانون الوطني على الجرائم التي ترتكب خارج حدود الإقليم”[20].

ويتضح أن اعتماد مبدأ إقليمية القانون الجزائي له وجهين، الأول إيجابي يجعل القانون الوطني يطبق على كل الجرائم التي تحدث داخل إقليم الدولة، والثاني سلبي يتمثل في أن القانون الوطني لا يكون من مشمولا ته كل الجرائم التي ترتكب خارج حدود إقليم الدولة.

وعرّف الأستاذ ديفابر مبدأ إقليمية القانون الجزائية بأنه ” تأكيد الاختصاص المطلق للدولة وتقنياتها ومختلف قوانينها الخاصة تجاه التصرفات المعاقب عليها التي وقعت داخل إقليمها “[21]

والفقه لم يختلف في اعتماده كمبدأ أساسي عند تطبيق القانون الجزائي في المكان ولكن الاختلاف حصل بخصوص قيمته أو منزلته وذلك بمقارنته ببقية الأنظمة لأخرى فأعتبره Merle et vitu ” أن مبدأ إقليمية القانون الجزائي هو المبدأ العام لتطبيق القانون الجزائي في المكان وبقية الأنظمة لا تعدو أن تكون سوي مكملة له”[22]

وهو نفس الاتجاه الذي اعتمده الأستاذ ناصر الواد “أن المشرع التونسي يرمي إلي اعتماد مبدأ الإقليمية رغم أنه لم ينص عليه صراحة والمبادئ الأخرى، الشخصية والعينية والعالمية تعتبر مكملة له”[23]

وعلى أي حال فإن أغلب الفقهاء يعتبرون مبدأ الإقليمية ذو مكانة ويجب اعتماده كحل مبدئي عند تطبيق القانون الجزائي في المكان.

ولئن كان هناك شبه إجماع فقهي على تأكيد مبدأ إقليمية القانون الجزائي فإن الاختلاف حصل أيضا بخصوص تكييفه القانوني فهناك من اعتبره “مبدأ” والآخر وصفه “بالقاعدة” ومنهم من جرده من ذلك الوصف واقتصر على أنه “معيار” فقط.

فالأستاذ ديفابر اعتبره مبدأ عام وجامع للاختصاص التشريعي والقضائي للدولة صاحبة النظر- و عارضه في ذلك الأستاذ Langemeijer إذ يري ” أن إقليمية القانون الجزائي لا يصح تكييفه القانوني بالمبدأ إذ هناك فقط مبادئ حمائية والعالمية وهذه الأخيرة يصح وصفها بالمبدأ وما الإقليمية و الشخصية إلا إحدى الخيرات التشريعية التي تكرس في حقيقتها مبدأ الحمائية والعالمية”[24].

واستخلص من كل ذلك أن الإقليمية والشخصية تعتبر “معايير”فقط وليست بمبادئ كالمذكورة سابقا ويفسر Langemeijer رأيه القانون بأن الجرائم الواقعة على إقليم الدولة أو بين المواطنين تمس مباشرة مصالح الدولة ومن هنا تعمل الإقليمية وتتدخل لحمايتها – وهو نفس الاتجاه الذي انطلق منه Lomboi عند دراسة الإقليمية فاعتبر أن الغاية من الإقليمية أساسا حفاظا إلى ما ترمي إليه المبادئ الحمائية، ويؤكد أن المبدأ الحمائي تاريخيا ظهر قبل اعتماد الإقليمية، ولكن لم يخلص إلي تكييفـه بالمبدأ [25].

وأكد Langemeijer أن الإقليمية والشخصية ليست بمبادئ طالما أنها تتضمن جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وأسّس نظريته على غياب قيمة الجانب السلبي في الإقليمية و اعتبر الأستاذ Durmus Tezcan أن الإقليمية لا تفسر بأنها نتيجة لنظرية السيادة بل تفسر بأسباب إجرائية وزجرية، واستخلص “أن إقليمية القانون الجزائي ليست “بقاعدة” ولا “بمبدأ” بل دورها يقتصر على تحديد إطار تطبيق قواعد خاصة كمنفذ قانوني”.[26]

ورغم اختلاف الفقهاء في خصوص تكييفه القانوني، فإن أغلبهم يعتبرونه مبدأ رغم ما يعتريه من نقائص، بالإضافة إلى تأصله منذ القدم واعتماده لتطبيق القانون الجزائي في المكان.

الفقرة الثانية : التطور التاريخي لمبدأ إقليمية القانون الجزائي

منذ فجر الحضارة لم تكن الدولة معروفة وكانت الهيئة الاجتماعية تأخذ شكل العائلة أو العشيرة وكان حق الاقتصاص بيد المتضرر ثم القصاص الجماعي من وظائف الهيئة الاجتماعية وكانت قاعدة الانتقام الفردي هي السائدة، فشريعة حمورابي التي يرجع عهدها إلى القرن الحادي عشر والعشرين قبل الميلاد تعاقب على الجريمة إذا اقترفت في بابل[27].

وعرف مبدأ الإقليمية في اليونان إذ بمجرد حصول الجريمة يقع رد فعل جماعي وظيفته الدفاع ضد هذا الاعتداء الذي يهدد سلامة المجتمع أو أحد المنتسبين إليه ويعهد الاختصاص للقاضي المحلي.

والإمبراطورية الرومانية اعتمدت مبدأ إقليمية القانون الجزائي في قانون اللوائح الإثني عشر المعلنة في 450 قبل الميلاد، وعرف القانون الجنائي بأنه إقليمي إذ يطبق على الجرائم المرتكبة بالإمبراطورية ولا يخرج عن حدودها، مع الملاحظ أن الأجانب كانوا في الداخل بعيدا عن أن يستفيدوا من حصانة أي كان نوعها، ثم خصص للأجانب قضاء خاص بهم عرف بقاضي الأمور الأجنبية،

أما النظر في المادة الجزائية كان من أنظار الإمبراطور ثم تطور القانون الروماني وذلك بتشريع جوستينيان المعتمد للاختصاص الشامل وإثر سقوط الإمبراطورية الرومانية أًصبح القانون المنطبق على البرابرة في مجال الحقوق الجزائية هو قانونهم الشخصي أما الاختصاص القضائي فقد كان ملوك القيزيغوت بتطبيقهم هذه القوانين على العرق البربري إنما يقومون بتصرف السلطة ويمارسون بذلك سيادتهم السياسية.[28]

ومع النظام الإقطاعي فإن الأرض هي التي تحدد طبيعة هذا النظام فالاختصاص القضائي الذي كان يتمتع بها الملك كانت تتناول كل الذين ينامون ويستيقظون على أراضيه وهو ما أكده الاستاذDurmus Tezcan بقوله ” السيد يقوم بتتبع كل الأفراد الذين يعيشون علي الإقليم وذلك بخضوعهم مهما يكن مكان ارتكاب الجريمة[29]. وهو ما يوضح أن مبدأ الإقليمية شهد تراجعا ملحوظا مع هذا النظام.

وفي إيطاليا مع مطلع القرن الثاني عشر اعتمدت مدرسة الشرّاح “Les Glossateurs” محاكم وقوع الجريمة ويفضل الفقيه بيوس “قاضي مكان توقيف الفاعل ويعتبره هو مكان وقوع الجريمة” وأما مدرسة المجتهدين Les post-glossateurs يقبلون مبدأ اختصاص القاضي المحلي وقانون المدينة حيال الجرائم المرتكبة ضمن حدود المدينة من قبل المتوطنين فيها أو الأجانب على السواء ويرى الفقيه بارتول “أن قانون المدينة لا يمكن أن ينسحب على الأفعال التي تولدت في الخارج بين أجانب باستثناء العلاقات بين البلدان المتحالفة وكذلك بخصوص وضعيات المتشردين، كما أنه يمكن للحد من قسوة مبدأ الإقليمية النظر في الجرم المرتكب في الخارج إذا كان المتضرر يحمل الجنسية الوطنية ومحاكمة الفاعل في موطنه من قبل قاضي جنسيته[30].

ويؤيد الأستاذ ديفابر نظرة بارتول ويعتبرها هامة ومؤسسة على رابطة قانونية تكفل احترام سيادة الدول فيقول “إن الانقسامات الحديثة وظهور الدول باستقلالها التام وسيادتها التي من اجلها أصبحت تحرص كل الحرص على ممارسة نفوذها على إقليمها المحدد لها “[31].

وفي فرنسا فإن مبدأ الإقليمية متداخل مع مبدأ الشخصية حتى بداية القرن السادس عشر فيقول الأستاذ Durmus Tezcan إن الاختصاص الشخصي عرف مع الملك الإقطاعي والاختصاص الإقليمي مع المحاكم الملكية[32].

فهناك نصوص منظمة عام 1539 تعتبر أن كل المقيمين في المدينة يمكن محاكمتهم أمام قاضي محل إقامتهم وهو ذاته المختص بالنظر في قضايا الجرائم وكل الأفعال الشخصية التي يعود النظر فيها إلى القاضي المذكور. ومع الثورة الفرنسية لسنة 1789 تأكد مبدأ إقليمية القانون الجزائي وتوسع مع نظرية العقد الاجتماعي وهو ما نصت عليه المجلة المدنية لسنة 1804 بالمادة 03 ، ويؤكد الأستاذ ديفابر ذلك بقوله

” إن فكرة إقليمية القانون الجزائي أصبحت اليوم مقبولة بالإجماع وتمليها ظروف ومعطيات فرضها الواقع وزاد في تكريسها يوما بعد يوما “[33]

فمنذ منتصف القرن التاسع عشر اصبح التطبيق الكلي لمبدأ الإقليمية رغم أن القانون المؤرخ في 27 جوان 1866 تضمن العودة للاختصاص الشخصي إذ أخذ بآثار الأحكام الأجنبية- أما في ألمانيا رغم أنها تأثرت بنظرية “المكان”،[34] فهناك ثلاث نظريات معتمدة، نظرية قاضي موطن الفاعل وتعكس التقاليد الإقطاعية، ونظرية قاضي مكان وقوع الجرم وهي مقبولة في حالات الضرورة القصوى للعقاب و أما النظرية الثالثة، فهي نظرية قاضي مكان التوقيف تطبق بصفة ثانوية، وتبقي النظرية الأولي هي المعتمدة بصفة رئيسية.

وأما إسبانيا فقد اعتمدت مبدأ إقليمية القانون الجزائي لأسباب يغلب عليها الطابع السياسي إذ يؤكد ديفابر أنه نظرا للحروب والانقسامات الداخلية التي عاشتها إسبانيا تلك الدوافع جعلتها تتراجع على نفسها وإحساسها المفرط بالغيرة علي سيادتها الترابية المحددة لها، ولتلك الأسباب اعتمدت مبدأ إقليمية القانون الجزائي[35] وأما النظام الأنقلوسكسوني تأثر بمبدأ الإقليمية ويعود ذلك لتطبيقه للأعراف البريطانية، فيبيّن الأستاذ ديفابر ” أنه إلي العصر الحديث أنقلترا تستند الاختصاص عامة لمحاكمها الخاصة ولا تتأثر بما يحيط بها مطلقا، ومن ناحية أخري تتجاهل القانون الأجنبي ولا تعتمده ” ويضيف كما تأثرت الولايات المتحدة الأمريكية بمبدأ الإقليمية وكرسته صلب دستورها”[36] .

وأما التشريع الإسلامي عرف بأنه يقوم أساسا على المبدأ الشخصي وذلك باعتماد “الإمامة” وكما يظهر من التقسيمات بين “دار الإسلام” و”دار الحرب” كما أن الأجنبي الذي يوجد على الأرض يطبق عليه قوانينه الخاصة وكذلك تعدد المذاهب. ويري الأستاذ علي المزغني “أن هناك علاقة بين المعيار الشخصي والمعيار الإقليمي لكن يبقي المعيار الشخصي هو الغالب”[37] .

والبلاد التونسية عرفت القانون الروماني ثم منذ بداية القرن السادس أصبحت دولة إسلامية واعتمدت النظام الشخصي وبحلول عهد الأمان لسنة 1857 كرّس مبدأ مساواة الجميع أمام القانون بدون تمييز ديني أو عرقي وهو ما أكده دستور 26 أفريل1861.

ومع الحماية الفرنسية لسنة 1881 اسند للأجانب عدة امتيازات وتخصيص محاكم خاصة بهم.

وبحصول البلاد التونسية على استقلالها التام أصبحت تمارس سيادتها كاملة على الإقليم التونسي فنص الفصل الثاني من أمر 13 نوفمبر 1956 على أنه “القانون التونسي يطبق على كل الجرائم المرتكبة بتونس” وإلغاء الفصل 02 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي كان ينص على أنه ” يجرى بهذا القانون عمل المحاكم التونسية أولا على من هم لنظرها ويرتكبون بالمملكة التونسية بصفة كونهم فاعلين أو مشاركين إحدى الجرائم المنصوص على عقابها بهذا القانون ثانيا على من هم لنظرهم الذين بخارج المملكة ويرتكبون بصفة كونهم فاعلين أو مشاركين إحدى الجرائم المنصوص عليها بهذا القانون إلا إذا ثبت أن قانون البلد الواقعة فيها تلك الجريمة لا يقتضي العقاب عليها أو أن المتهم وقع عقابه لأجلها بحكم بات خارج المملكة” “المجلة الجنائية لسنة 1913.”

مع أنه بصدور مجلة الإجراءات الجزائية لسنة 1968 لم يقع التنصيص على هذا الفصل بصفة صريحة وواضحة، ولكن بقراءة متمعنة للفصل 312 فقرة ثانية من مجلة الإجراءات الجزائية نتبين أن المشرع التونسي يعتمد مبدأ إقليمية القانون الجزائي بصورة غير مباشرة وما تأكيد المبدأ إذ في أغلب التشاريع كان نتيجة نداءات فقهية.

الفرع الثاني : أسس المبدأ

قام مبدأ إقليمية القانون الجزائي على أسس نظرية (الفقرة الأولى) وأسس عملية (الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : الأسس النظرية

تعتبر نظرية العقد الاجتماعي[38] ونظرية السيادة[39] الأسس النظرية لمبدأ الإقليمية

نظرية العقد الاجتماعي :
تأسس مبدأ إقليمية القانون الجزائي مع هذه النظرية، فيقول منتسكيو في كتابه “روح القوانين” “أن القوانين السياسية تطلب من كل مواطن أن يخضع للمحاكم الجنائية والمدنية لبلده أين يوجد”ويضيف “إن خصوصية المجتمع تجعله يختلف عن مجتمع آخر”[40] .

والعقد الاجتماعي اقترحه جون جاك روسو، وهو حسب رأيه لا يضم إلا المجتمع المدني فيقول في كتابه العقد الاجتماعي “أنه عندما تتكون الدولة، تتوفر الرضائية بالإقامة ومن أقام على الإقليم يعتبر خاضع للسيادة ” .

ويعلل جون جاك روسو رأيه بأن القانون الذي منح امتياز المواطنة، يجعل المواطن خاضع لقوانين المجموعة وأساسا ذلك العقد الذي يربط بينها. ويقول بكاريا في كتابه الذي أصدره سنة 1764 “المخالفات والجنح” : “إن مكان العقوبة ومكان الجرم متلازمين ويجب أن يكون مكان العقوبة هو نفسه مكان الجريمة لأن في ذلك الحيز المكاني فقط نجد دافع الجريمة وبه يجب أن تسلط العقوبة”.

ونظرية العقد الاجتماعي كما يوحي به الاسم نفسه هو عقد مبرم بين أفراد المجتمع الواحد والغاية منه الإصلاح والردع وهو ما يحقق التقدم والتوازن الاجتماعي. ونظرا لما تتركه الجريمة من آثار وخيمة على الفرد والمجتمع، نادى أصحاب هذه النظرية بضرورة تسليط العقاب على مرتكبها بمكان وقوعها وذلك قصد المحافظة على التوازن الاجتماعي.

وتفسر السلطة التي تمارسها المجموعة على الفرد بمفعول التعاقد وضرورة الخضوع للواجبات المتصلة بالعقد الاجتماعي ويؤكد Claude Lombois ذلك باعتبار أن المجتمع يمنح للفرد جملة من الحقوق وفي المقابل يطالبه بعدة واجبات أهمها الخضوع لقوانينه المعتمدة لديه.

وتفرض العقوبات عند مخالفة العقد الاجتماعي في حدود الفضاء المخصص له وتسهر الدولة على تحقيق ذلك بإقرار الأمن والاستقرار لفائدة مواطنيها بموجب ذلك العقد. وتفسر قاعدة إقليمية القانون الجزائي كوسيلة لتنفيذ العقد الرابط بين مجموعة أفراد يعيشون على رقعة ترابية واحدة، وتطبيق القانون الإقليمي على كل الموجودين داخله ولا يعتدّ بالجنسية ولا بالأشخاص بل فقط بالمكان الواقع فيه الجريمة بما أنه يعتبر ذلك حق المجموعة وما تطور النظريات الجنائية المنادية بالإصلاح إلا تعبير عن ذلك فعلم الإجرام يدرس الجريمة كظاهرة وليس بهدف العقوبة فقط، فالغاية علاج ظاهرة الجريمة كآفة خطيرة تهدد المجتمع إلا أن الأستاذ Durmus Tezcan ينتقد نظرية العقد الاجتماعي ويعتبرها “غير ناجعة وغير مبررة طالما أنها لا تعطي أية تبرير لوضعية الأجانب عند تطبيق القانون الجزائي الإقليمي[41] .

ويتضح من ذلك أن نظرية العقد الاجتماعي غايتها واضحة في حفظ مصالح المجموعة الموجودة على إقليم واحد ولم تولي أية اهتمام للأجانب الذين ازداد تكاثرهم في العصر الحديث.

نظرية السيادة :
أغلب الفقهاء يعتبرون السيادة كأساس لمبدأ إقليمية القانون الجزائي[42] وتعني السيادة كما عرّفها الأستاذ عبد الله الإله الخائي “هي الصلاحية المعترف بها للدولة في القانون الدولي العام لتملي النظم ذات الصفة الملزمة بموجب سلطتها العامة على الأفراد الذين يؤلفون هذه الدولة ضمن الحدود التي تحيط أرضها والتي تتجلى في العون الدولي الذي تبذله هذه الدولة بقصد تجنيب الأسرة الدولية نتائج تنازع السيادات[43]

ولم يعرف القانون الروماني المصطلح المتداول اليوم بل عرّفها بأنها “حرية السلطة الخارجية” وكما يؤكد السيد وزير العدل وحقوق الإنسان” أنه عندما نتبين مختلف التطورات الجغراستراتيجية التي عرفها العالم منذ الحرب العالمية الثانية إلى اليوم وتأثيرها على مفهوم السيادة يمكن أن نميز ثلاثة أطوار رئيسية :

الطور الأول تم فيه إقرار مفهوم السيادة يرتكز على التوازن الدولي، الطور الثاني تم فيه التساؤل حول السيادة المطلقة والتطور تدريجيا نحو السيادة المحدودة انطلاقا من إنخرام التوازن الدولي، وأما الطور الثالث يصفه بطور مقاومة السيادة “[44] ويضيف ” أنه رغم تطور مفهوم السيادة فإنه حافظ على اتصال السيادة بالإقليم إذ نصت المادة الرابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية المبرمة في بالارمو سنة 2000 على أنه “تؤدي الدول الأطراف التزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية على نحو يتفق مع مبدأ المساواة في السيادة والسلامة الإقليمية للدول ومع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى” وهو ما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة”

ويتضح من ذلك أن الدولة تمارس سيادتها على إقليمها ويكون ذلك بمنحها الاختصاص المطلق للنظر في كل ما يحدث على إقليمها، وهي على حد تعبير Jellinek أن السيادة المطلقة للدولة تعني “اختصاص الاختصاص.”

فمبدأ الإقليمية يؤسس على مفهوم السيادة ولكنه في الوقت نفسه في خدمة السيادة طالما أنه يضمن احترام القواعد القانونية ويفرض تطبيقها في المكان.

وهو ما يبرر فكرة السيادة في الافتراض أن “الدولة هي السيادة وليس هناك سيادة إلا فوق الإقليم ” [45]فتفرض الدولة سلطتها علي الإقليم حسب إرادتها وبدون رضا الدولة لا يمكن لسلطة أجنبية أن تتعاقد أو تتعامل علي إقليمها.

وفقه القضاء الفرنسي يبرر الإقليمية بتعريف السيادة، Affaire Forage Affaire et Demeyer[46] ولكن وجهت الانتقادات لنظرية السيادة على أساس أنه مفهوم متغير وقابل للتطور من عصر لآخر، كما أن السيادة لا يمكن إغلاقها وحصرها في إقليم معين لأنه من الضروري تقريب إرادة الدول في ما بينها لضمان توازن دولي أكثر جدوى ومنفعة.

والملاحظ أن مصالح الدول جعلتها تتراجع جزئيا عن سيادتها وذلك للحد من قسوة المبدأ.

الفقرة الثانية = الأسس العملية :

يعتبر الأستاذ ديفابر من جاء بهذه الأسس، والفقه من بعده قسمها إلي أسس إجرائية وزجرية وأخري ذات صيغة دولية [47]

أسس إجرائية وزجرية : يري الأستاذ ديفابر أن الاختصاص الترابي يستند على أسس إجرائية وزجرية فمن حيث الإجراءات باعتماد مبدأ إقليمية القانون الجزائي تضمن ” مصلحة حسن إدارة العدالة وأن يحاكم مقترف الجرم في أقرب مكان لاقترافه، إذ فيه يترك الجاني آثار ما أقترفه وفيه نجد الشهود لإثبات أو نفي الجرم ” .

ويتضح من ذلك أن مبدأ الإقليمية يخول حسن إدارة العدالة أي أن الاختصاص المطلق لدولة الجريمة يسهل على محاكمها نظرا لقرب مكان الجريمة تجميع أكثر نقاط ممكنة حول وقائعها سواء لسماع الشهود أو إجراء اختبارات والبحث عن دوافع الجريمة وكذلك سرعة إثارة الدعوى العمومية لأنه بتأخر القاضي على التعهد بها تكاد الحقيقة تفر من يديه.

ويضيف الأستاذ ديفابر أنه “عند مخالفة قاعدة الاختصاص الترابي تنضاف مصاريف أخرى تتعلق بالتنقل لمكان اقتراف الجريمة و تنجر عنها صعوبات في السيطرة على وساءل الإثبات إذ أنه من الأفضل للقاضي أن يأخذ الشهادة و كذلك المعاينات عن قرب من مكان اقتراف الجرم وهو ما يكرس المبدأ القائل أن القضاء الجنائي هو قضاء وجدان يعتمد على مكان اقتراف الجريمة وهو حل تعمل به جل التشريعات الأجنبية، وكذلك من بين آثار العقوبة الجزائية أن الجناة يتفقون أن المجتمع الذي اقترفوا به جريمتهم لن ينسوه بسهولة ويكون تجاههم أشكال متعددة للنفور مما سيولد وقاية اجتماعية وجماعية تجاه الجريمة.[48]

ونتبين أن الجريمة من المستحسن أن تعالج في مكانها نظرا للظروف المحيطة بها وكذلك لملابساتها التي في الغالب تكون غامضة ويجب البحث عنها، ومبدأ الإقليمية يضمن نجاعة الحصول على أكثر معلومة تهم الجريمة و ييسير أعمال القاضي، ومن ناحية أخرى فإن إتباع هذه الإجراءات يمكننا من الوصول إلى معرفة الجاني حتى يتسلط عليه العقاب المناسب.

فالغاية من مبدأ الإقليمية هي زجر كل الأفعال التي تمس من هيبة المجتمع وحرمته، وما من شك فإن تطبيق القانون الجنائي يردّ الاعتبار للمتضرر الواقع عليه الجريمة ويضمن إعادة التوازن الذي اختل بمناسبة الجريمة- وهو ما يؤكد أن العقوبة تكون اكثر منفعة بقدر قربها من مكان وزمان الجريمة وكذلك ما يضمن تنفيذها.

أسس دوليّة : يري الأستاذ ديفابر أن مبدأ إقليمية القانون الجزائي يهدف إلى الدفاع عن وجود الدولة نفسه ويضمن لها ممارسة سيادتها سواء كانت سيادة داخلية أي ممارسة السلطة تجاه كل المقيمين على أراضيها أو سيادة خارجية وتتمثل في الاستقلال تجاه كل الدول[49].

فنتبين أن رسم هاته القيود لمبدأ السيادة الإقليمية لها نتائج متعددة إذ تتدخل المحاكم الزجرية للدولة ضد كل الجرائم المرتكبة داخل إقليمها، فإنه تطبيق إقصائي لكل الجرائم التي ينص عليها القانون الجنائي المحلي. وعلى خلاف ذلك في الجريمة المرتكبة على أرض دولة أجنبية تخرج عن اختصاص الدولة المجاورة.

فيتضح أن دور مبدأ الإقليمية على الأقل في الظاهر تنظيمي ويضمن حرمة سيادة الدول حتى لا تتدخل دولة في شؤون الدول الأخرى.

لكن بمزيد تحليل هذا التنظيم بين الدول يظهر للعيان أن الدولة بتدخلها لصدّ الجريمة تعمل لحماية أراضيها وفي نفس الوقت خدمة لمصالح كل الدول. وهو ما أكده الأستاذ Durmus Tezcan بقوله “أن كل دولة بمتابعتها للجرائم المرتكبة على أراضيها لأنها تؤدي واجبا ليس لخدمة مصالحها فقط بل بصفة موازية للإنسانية”[50] وطبقت المحكمة الفرنسية في قرارها Demeyer هذا المعطى وصرحت بالأساس الدولي لمبدأ الإقليمية “المشرع الفرنسي الذي يعترف بالسيادة الأجنبية له الحق في محاكمة فرنسي ارتكب جريمة بأرض أجنبية وهو بذلك يقر باحترام مبدأ السيادة الإقليمية التي لا يعترف بها عند غيره”[51] .

ويتضح أن هناك نوع من الخلط بين هذا الأساس وبين معطى السيادة، كما أنه ليس هناك إجماع فقهي حول قبول مفهوم السيادة كأساس نظري لمبدأ الإقليمية ولكنه اعتبره بمثابة النتيجة، وتجاهل مبدأ الإقليمية من طرف دول أخرى.

ويرى الأستاذ كمال أنور محمد “أن الجريمة تعتبر خرقا للسلطات المحلية التي تملك العقاب عليها في مواجهة الدول الأجنبية لأن الجريمة وقعت على أرضها والقانون الجنائي هو مظهر سيادة الدولة وعلى ذلك لا تسمح أية دولة بأن يسري على إقليمها لأن في هذا المعنى الخضوع لسيادة الدول الأخرى، كما أنها لا تقبل التخفي عن العقاب لأية دولة أخرى في هذا التخفي نزولا عن سلطتها وسياستها”[52].

فمبدأ الإقليمية يعطي للدولة الحق في تجريم ذلك الفعل من وقت وقوعه على إقليمها بدون أن تنتظر رجوع الجاني إلى بلده إن كان أجنبيا، وهو ما يضمن عدم هروب أي كان من الجزاء تحت تبرير الجنسية الأجنبية.

فالدولة تفرض سيادتها وكنتيجة لذلك تعلن اختصاصها للنظر في كل الجرائم الواقعة داخل حدودها الترابية.

وهذا التنظيم بين سيادات الدول يؤكد خصوصا من خلال التنسيق بينها ويكون ذلك بتسليم المجرمين وهو احسن وسيلة لتسهيل التعاون الدولي.

المبحث الثاني : عناصر مبدأ إقليمية القانون الجزائي
يقوم المبدأ على مفهوم الإقليم بمعناه الواسع وهو ما يقتضي تحديده (الفرع الأول) وتأكيد اختصاص القاضي الإقليمي (الفرع الثاني).

الفرع الأول : تحديد الإقليم

إن فكرة الإقليم كعنصر من عناصر الدولة لم تظهر إلا في نهاية العصور الوسطى، فمنذ القرن التاسع عشر ابتدأ الفقه يؤسس الدولة على عناصر السلطة والسيادة ولم يظهر الإقليم كعنصر في تعريف الدولة إلا في سنة 1840 لأول مرة على لسان الفقيه الألماني Klueber وبذلك أعتبر الإقليم عنصر ضروري لوجود الدولة فيقول Kjellen “الإقليم ليس ملحقا عارضا أو ارتباطا مؤقتا ولكنه مكمل لطبيعة الدولة”[53].

ويري الأستاذ بوردو ” أنه لا يوجد لدولة بدون إقليم وليس الإقليم كما نعتقد أحيانا عنصر مكون للدولة فحسب ولكنه شرط لا يمكن الاستغناء عنه لكي تمارس السلطة السياسية نفوذها بنجاعة “[54].

وتأسست فكرة الإقليم كعنصر أساسي لوجود الدولة على عدة نظريات حاولت إيجاد رابطة قانونية بين الإقليم و الدولة. ( الفقرة الأولي) وتحديد عناصره (الفقرة الثانية) والتغيرات التي قد تطرأ عليه (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولي : الطبيعة القانونية للإقليم

نظرا لمميزات الإقليم تعرض الفقه لتحديد طبيعته القانونية.

نظرية الملكية :
تعتبر من أقدم النظريات وظهرت في العهد الإقطاعي وكرست مفهوم الملكية لفائدة الأمير أو السيد بمعنى أنها ربطت بينهما وبمقتضى ذلك اصبح الأمير على أرض دولته له سلطة مطلقة وحق شامل للملكية ولا يمكن أن ينازع في ذلك.

مع أن هذه النظرية تطورت في ألمانيا تبعا للظروف الخاصة إبان القرنين السادس عشر والثامن عشر.[55]

نظرية الإقليم الموضوع لسيادة الدولة :
ظهرت هذه النظرية مع بداية القرن التاسع عشر علي يد الفقيه Laband إذ يقول أن الدولة لها السيادة على الإقليم وهذه السيادة هي بمثابة حق عيني تملكه الدولة يعطيها الحق في ممارسة سلطاتها به وهذا الحق يختلف عن حق الملكية المعروف في القانون الخاص.[56]

ومن أنصارها كذلك Cavaglieri و Gemma ويرى أصحاب هذه النظرية أن الإقليم عنصر مادي تتجسد فيه سيادة الدولة التي تمارسها من خلال سلطاتها المتنوعة والمقصود منها أن محلّ السيادة هو الإقليم فلا يمكن أن توجد سيادة بدون إقليم وهو ما يبرر أن الإقليم ملكا من أملاك الدولة تمارس عليه حقا عينيا. ويقول الفقيه الإيطالي Gemma إن الإقليم ما هو إلا موضوع لحق شخصي مطلق مماثل لحقها العيني المعروف في القانون الخاص ولكنه يختلف عن فكرة الذمة المالية فيما يتعلق بمضمونها وأساسها لأن السيادة الإقليمية هي حق عيني بمعنى أن الدولة تمارس سيادتها على إقليم محدّد بهذا الحق في مواجهة الكافة “.

وقد وجهت لهذه النظرة العديد من الانتقادات الفقهية من ذلك أن الإقليم هو عنصر مكون للدولة ولا يمكن اعتباره في نفس الوقت موضوع ممارستها لسيادتها.

نظرية الإقليـم : شخص :
يري أصحاب هذه النظرية، أندري هوريو وراتزال Ratzel أن للإقليم طبيعة خاصة فهو بمثابة الشخص يسند له حقوق وعليه التزامات ويصبح الإقليم ملتحما بالدولة وهي علاقة العنصر بالمجموع.[57]

وتم نقد هذه النظرية على أساس أنه إذا اعتبرنا أن الإقليم شخص فإنه يؤدي منطقيا إلى أن هوية الدولة لا بد أن تتغير مع كل تحول إقليمي وهذا غير موجود.

نظرية الإقليم كحد لسلطة الحكام :
من أنصارها Duguit وميشو، Michaud وتؤسس هذه النظرية على فكرة الإقليم المحدّد بمعنى أن الإقليم هو الذي يحدد ماديا النطاق المكاني لسلطة الحكام في كل دولة ولا يجوز لهذه السلطة أن تتعدى وتتجاوز حدود الإقليم.[58]

ويري الفقيه Michaud أن الإقليم هو النطاق الذي تباشر عليه الدولة حقها في الحكم وهو في نفس الوقت أحد عناصرها نظرا لضرورته في تعيين حدود هذا الحق.

نظرية الإقليم سند الاختصاص :
تقوم هذه النظرية على أساس أن سند اختصاص الدولة هو الإقليم ولا يجوز أن يتعدى هذا الاختصاص حدود الإقليم. وتعتبر هذه النظرية هي الأكثر قبولا في الفقه، طالما أن المجال الذي تمارس عليه الدولة سلطاتها بصورة مطلقة هو إقليمها.

وكما يقول الأستاذ Nguyen quoc Dinh ” إن قبولها لا يبعد بل بالعكس يفرض بالموازاة معها الأخذ بنظرية الإقليم كحد لسلطة الحكام لأنه إذا كان الإقليم يعطي للدولة سندا للتصرف فإنه يكون من اللازم حصر سلطة قيادتها في إقليمها الذاتي.”[59]

ونتبين مما سبق بيانه أن الطبيعة القانونية للإقليم تتكون من خليط من هذه النظريات إذ أن الإقليم بالإضافة إلى كونه عنصرا من عناصر الدولة فهو المكان الذي تباشر فيه سلطاتها وعلى كل ما يوجد عليه وهو في الوقت نفسه قد يكون موضوع ممارستها لسلطاتها فهو المحل الذي يقع عليه في بعض الأحيان بعض التصرفات مثل التنازل أو البيع أو الرهن وهو أيضا محل لبعض الحقوق الدولية مثل حق الإرتفاق الدولي وكذلك فإن الدولة قد تتصرف في إقليمها أو في جزء منه تماما كما يتصرف المالك في أرضه.

الفقرة الثانية : عناصر الإقليم :

يعرّف الإقليم ” بأنه ذلك الحيز المكاني الذي تستأثر به الدولة وتمارس عليه سيادتها بصفة دائمة ومستمرة ومستقرة “[60].

والملاحظ أن الإقليم لم يعد بمعناه السطحي والبسيط بل تطور مفهومه واصبح يمتد إلي أمكنة أخري تمارس فيها الدولة سيادتها وهي الإقليم البحري والإقليم الجوي، وهو ما يؤكده الأستاذ بلمان بقوله ” إن العالم أصبح ضيقا والاستعمار ظاهرة مرفوضة ومدانه أخلاقيا فإن نية التوسع قد تغير مفهومها فلم يعد السابق يشمل المجال البري الذي أصبح شيئا فشيئا يحمل أكثر من طاقة استيعابه بل امتد ليشمل الجو والبحر.”[61]

وما نستشفه أن إقليم الدولة في القانون الجزائي له مدلول أوسع من القانون الدولي العام إذ يضم إلي جانب المدلول الحقيقي للإقليم، الإقليم الحكمي أو الاعتباري وكذلك ما يطلق عليه الإقليم العرضي.

ولئن كان امتداد الإقليم في القانون الدولي العام له معاني وأهداف سياسية و اقتصادية فإن الغاية في القانون الجزائي الدولي هو تبرير الاختصاص الترابي للدولة على إقليمها الحقيقي 1 والإقليم الاعتباري 2 .

الإقليم الحقيقي :
يسمى أيضا “الإقليم الأصلي أو الدائم للدولة يتحدد طبقا لقواعد القانون الدولي العام بالحدود السياسية التي تفصلها عن الدول المجاورة أو عن البحر العام وهو يغطي الجزء من الكرة الأرضية الذي تمارس الدولة سيادتها عليه”.[62]

وأشار إليه الأستاذان Huet et koering ” بأنه ذلك المجال الذي تمارس عليه الدولة سيادتها وتطبق عليه قوانينها وهو ما أكده القرار الفرنسي المؤرخ في 23 فيفري 1884، ويشمل الإقليم البري والفضاء الجوي والإقليم البحري وهو ما ينص عليه الفصل 113 فقرة أولى من المجلة الجنائية الفرنسية”.[63]

ويتضح أن الإقليم الحقيقي يشمل المجال الأرضي أو البري (أ) والمجال البحري (ب) والفضاء الجوي (ج).

أ- الإقليم البري : يعرّفه محمود نجيب حسني بأنه ” المنطقة من الكرة الأرضية التي تعيّنها الحدود السياسية للدولة ويشمل كذلك طبقات الأرض دون هذه المنطقة إلي مركز الكرة الأرضية “.[64]

ويعتبر هذا المفهوم التقليدي الذي عرفته المجتمعات منذ العصور الأولى والذي يولي اهتماما كبير للمجال الأرضي باعتباره يعبر عن سيادة الشعب واستقلاليته.

وتجدر الإشارة إلى أن البلاد التونسية مرت بالعديد من الحضارات والمتضمنة أجناس وأديان مختلفة ويرجع ذلك لموقعها الجغرافي المتميز. ومنذ سنة 1957 تمت “تونسة القضاء” بإلغاء كل المحاكم الأجنبية، وأصبحت الدولة تمارس سلطتها كاملة على أنحاء تراب الجمهورية.

وكما أشارت محكمة العدل الدولية في قرارها المؤرخ في 03 فيفري 1994 أنه “يجب تحديد الإقليم وضبط حدوده”[65].

والملاحظ أن الإقليم يتحدد بطريقتين أساسيتين بواسطة حدود طبيعية مثل الأنهار والجبال أو بواسطة اتفاقيات دولية وذلك قصد ضبط حدوده الترابية ويكون عادة محل اتفاق دولي. وفي تونس رغم غياب نص دستوري أو تشريعي يحدد الإقليم الترابي فإنه يمكن القول أن الإقليم التونسي ذلك الجزء من التراب الذي يغطي 164150كلم2 والتي تحدها غربا الجزائر وجنوبا الجماهيرية الليبية.

وإلى جانب الإقليم البري تمتد سيادة الدولة إلى الإقليم البحري والفضاء الجوي.

ب- الإقليم البحري : كانت الشعوب في العصور القديمة تعتبر البحر حقا مشتركا بين كافة الدول وسبب ذلك أن البحر من الأقاليم التي يصعب إخضاعها لسيادة دولة ما ولأنه بطبيعته يعد طريقا رئيسيا يربط بين الدول، ولم يكن مثال اهتمام نظرا لعدم انتشار استعمالها استعمالا واسعا ولافتقار وسائل ضبطها فكانت المصلحة تقتضي أن تضل مفتوحة أمام الجميع.

ولكن منذ العصر الوسيط نشب الصراع حولها وبدأ الهدف واضحا في فرض التوسع وممارسة السيادة خارج الإقليم الترابي. فأصبحت مصلحة الدول تقتضي أن يبقي جزء من البحر راجعا لسيادتها و لسلطان قوانينها.

وأسفرت الاهتمامات عن تقسيم المجال البحري وحددت المناطق التي تمارس عليها الدولة سيادتها والمناطق ذات الغاية الأمنية والاقتصادية والمناطق الخاضعة للاستغلال المشترك والمناطق الأخرى التي لا تشملها المناطق المذكورة.

واستقر العرف الدولي على اعتبار الجزء من البحر المجاور للشاطئ تحت سيادة الدولة المجاورة له حتى تستطيع الدفاع عن شواطئها وهذا الجزء من البحر يسمى البحر الإقليمي أو البحر الساحلي وهو عبارة عن مساحة من البحر الملاصقة لشواطئها وممتدة نحو أعالي البحار ويطلق عليها اصطلاح “المياه الإقليمية” Les eaux territoriales»”، مع أن هذه التسمية قد تؤدي إلى شيء من الخلط بين المياه الداخلية للدولة والبحر الإقليمي مع أن نظام كل منهما يختلف عن الآخر.[66]

والمياه الداخلية كما عرفها A- Smith ” كل المياه العذبة كانت أو مالحة تقع بين اليابسة والخط الأساسي الذي يبدأ منه عرض البحر الإقليمي وتشمل المياه الداخلية البحار والبحيرات والأنهار والخلجان والتعاريج الساحلية والقنوات بين الشاطئ وبين خط الأساس الذي يبدأ منه عرض البحر الإقليمي.

والمياه الداخلية بطبيعتها تخضع لسيادة الدولة”.[67]

ويعرف البحر الإقليمي بأنه ذلك الجزء من البحر الذي يجاور إقليم الدولة البري ومياهها الداخلية وتمتد إليه سيادة الدولة، وتبرر هذه السيادة بمصالح الدولة البحرية من المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها من جهة البحر.

وكانت هذه المنطقة تمتد إلى أبعد ما تصل إليه الطلقة المدفعية أي ثلاثة أميال بحرية تقريبا، ونظرا لاختراع الآلات الحديثة اتخذت الدول عدة مواقف بصفة منفردة لتحديد مياهها الإقليمية مما أنشأ نزاعات وخلافات ذات طابع دولي، ونظرت محكمة العدل الدولية في قضية يتلخص موضوعها في الصيد البحري سنة 1951. وقررت رفض القرارات التي تتخذها الدول بصفة منفردة.

“لتحديد المياه الإقليمية للدولة صبغة دولية وهو لا يرتبط فقط بإرادة الدولة الساحلية كما يعبّر عنه قانونها الداخلي، وذلك ولئن كان التحديد يعتمد أساسا على إرادة الدولة بصفة أحادية لأن الدولة الساحلية لها وحدها صلاحيات القيام لكن صلاحية التحديد تجاه الدول الأخرى تتعلق أساسا بالقانون الدولي”[68].

وسعت الدول إلى عقد مؤتمرات واتفاقيات بهدف الوصول إلى قرار دولي يحدد امتداد المياه الإقليمية، فعقد مؤتمر البحار في جنيف بتاريخ 29 أفريل 1958 وبين امتداد سيادة الدولة على إقليمها ولاحظ أن السيادة تقف عند حدود أحكام هذه الاتفاقية والقواعد الأخرى للقانون الدولي- وكذلك اتفاقية 10 ديسمبر 1982 والتي تضمنت المادة الثانية منها على أن سيادة الدولة الساحلية تمتد إلى مياهها الداخلية وكذلك على حزام بحري ملاصق يعرف بالبحر الإقليمي.

فرغم تنظيم العديد من الملتقيات والمحاضرات ومحاولة العديد من الجمعيات الخاصة لإيجاد صياغة موحدة للمياه الإقليمية لكن كلها باءت بالفشل وبقيت الاعتمادات تتراوح بين ما جاءت به قاعدة بنكرشوك وما تضمنته الاتفاقية المؤرخة في 18 أوت 1952 المحددة البحر الإقليمي بـ200 ميل بحري.

وأشار بلمان إلى “أن التطبيق أفرز أخيرا حول (12ميل) (22.25كلم) يمكن اعتبارها قاعدة عرفية تبنتها المحاضرة الثالثة للأمم المتحدة حول قانون البحار”[69].

أما البلاد التونسية اعتمدت بالقانون عدد 49 لسنة 1973 المؤرخ في 02 أوت 1973 المتعلق بتحديد المياه الإقليمية ما يأتي نصه بالمادة الأولى منه ” تتكون المياه الإقليمية التونسية بين الحدود التونسية الجزائرية والحدود التونسية الليبية وحول الجزر والمرتفعات البحرية الواقعة عرض الشابة وجزر قرقنة حيث توجد مصائد بحرية قارة والمرتفعات البحرية المكشوفة الواقعة عرض البيبان من جزء البحر الممتد إلى خط يبعد بـ12 ميلا بحريا عن خطوط الأساس.

وتتكون خطوط الأساس من الخط الذي يلتقي فيه البحر بالأرض عند أقصى الجزر وكذلك من خطوط الأساس المستقيمة المتجهة نحو المرتفعات البحرية الكائنة عرض الشابة وجزر قرقنة حيث توجد مصائد بحرية قارة ومن الخطوط التي تغلق خليجي تونس و قابس”.

فالملاحظ أن المشرع التونسي تبني قاعدة 12 ميل بحري وهو ما اعتمدته اتفاقية الأمم المتحدة المؤرخة في 10 ديسمبر 1982 .

بالمادة الثالثة المتضمنة أن عرض البحر الإقليمي يساوي 12 ميلا بحريا ابتداءا من خطوط الأساس (مع الإشارة إلي أن الميل البحري يساوي 1852 مترا).

ج- الإقليم الجوي : يقصد بالإقليم الجوي المجال الذي يغطي ما يقابله من تراب الدولة والمياه الداخلية والبحر الإقليمي.

فإن تطور وسائل النقل الجوية كان له أثر في اتجاه الأفكار للبحث عن الحقوق التي ترجع بالنظر للدولة بخصوص فظاءها الجوي.

ونجد ثلاث نظريات فقهية تنظر في هذا المجال أولها نظرية فوشيي، ليس الجو قابلا للامتلاك بصورة فعلية ودائمة ولا يرجع لسيادة أي دولة بل أنه حق مشترك بين كافة الدول. وأما النظرية الثانية تقول بأن الدولة حقا مطلقا في الفضاء الذي يعلو إقليمها بصرف النظر عن علو الفضاء وهو يخضع لسيادتها وسلطان قوانينها.

والنظرية الحديثة ترى أنه يجب التوفيق بين النظريتين المذكورتين، إذ أقر مبدأ حرية جولان الطائرات في الإقليم لكنه ضرورة جعل لهذا المبدأ قيدا ينحصر في أن للدولة الحق في تحديد من حرية جولان الطائرات فوق إقليمها.

وتأكد المبدأ القائل بأن للدولة السيادة الكاملة على طبقات الهواء التي تعلو إقليمها البري و المياه الداخلية والبحر الإقليمي وهو ما أشارت إليه المادة الأولى من معاهدة شيكاغو المؤرخة في 07 ديسمبر 1944 المتعلقة بالطيران المدني الدولي.

وكذلك بمقتضى اتفاقية 1919 التي أصبح بمقتضاها أنه يجوز للدولة أن تمنع الطائرات الحربية من المرور بمنطقتها الجوية ما لم تمنح لها رخصة في ذلك. ونصت المادة 32 منها أنه يجوز للطائرات المدنية المرور بدون إذن وتعرضت كذلك إلى أن الجريمة إذا ارتكبت على متن طائرة حربية فإنها تخضع لقانون الدولة التي تنتمي إليها تلك الطائرة.

وأصدرت فرنسا قانونا في 31 ماي 1924 يجعل القضاء مختصا بالنظر في الجرائم التي ترتكب على متن الطائرة التجارية أو المدنية الأجنبية في حالتين:

إذا كان طرفا الجريمة فرنسيين.
إذا نزلت الطائرة بالإقليم الفرنسي عقب الجريمة.
ولقد نظمت الدولة التونسية الطيران الجوي بالقانون عدد 76 الصادر في 19 من جوان 1959 المتعلق بالملاحة الجوية وأشار الفصل 48 فقرة ثانية إلى أن القضاء التونسي يكون مختصا بالنظر في الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات الأجنبية في حالتين، مشابهتين لما ورد بالقانون الفرنسي.

1- إذا كان طرفا الجريمة تونسيين,

2- إذا نزلت الطائرة بالإقليم التونسي عقب الجريمة.

كما صادقت تونس بمقتضى القانون عدد 122المؤرخ في 28 ديسمبر 1959 على اتفاقية شيكاغو المبرمة في السابع من ديسمبر 1944 .

ويتضح أن المشرع التونسي يفرق بين الجرائم التي ترتكب على متن طائرات تونسية والجرائم التي ترتكب على متن طائرات أجنبية- فيطبق مبدأ إقليمية القانون الجزائي على الجرائم المرتكبة على متن طائرات تونسية باعتبار أن الطائرة ليست سوى امتداد للتراب التونسي.

والملاحظ أن المشرع التونسي يستعمل عبارة “طائرة بصدد الطيران” وهو بذلك يعني إقصاء الاختصاص للمحاكم التونسية في التعهد بالجرائم المرتكبة بطائرات تونسية عند نزولها بمطارات أجنبية.

أما بخصوص الجرائم المرتكبة على متن طائرات أجنبية فإن المشرع التونسي يتبنى في نفس الوقت مبدأ الشخصية ومبدأ الإقليمية فمصادقة تونس على اتفاقية 1944 عدّل بمقتضاها المشرع الاتجاه ووضع مبدأ الاختصاص الشخصي واستثنائيا مبدأ الإقليمية.

مع الملاحظ أن بعض النظريات تعتبر أن السفينة والطائرة لا يمكن إسناد لهما ثوابت خاصة نظرا لسرعة تنقلها والإشكالات التي تثيرها كل منهما.

الإقليم الاعتباري
يعرف بأنه “الإقليم الذي يلحق حكما بإقليم الدولة وإن لم يدخل في مدلوله بالتحديد السابق ويشمل السفن والطائرات “[70]

أ- السفن : يري بنتام “Bentham ” ” أن السفينة في عرض البحر برا عائما و امتداد للدولة التي ستظل السفينة بعلمها ” . ويري الأستاذ عبد الله الخائي أن ” السفينة هي العمارة المعدة للملاحة البحرية و إنها مال منقول ومسجلا وتحمل جنسية طبقا للعلم الذي تحمله ولمكان تسجيلها”.[71]

وفي القانون الجزائي فإن اتجاه السفينة هو الذي يحدد وصفها الذي يتوقف على الغاية التي أعدت لتحقيقها أو الغرض من استعمالها، فهي إما أن تكون معدة للتجارة والنزهة أو للحرب.

والملاحظ أنه لم تورد القوانين الجزائية التونسية نصوصا خاصة تضبط مسألة الجرائم التي ترتكب في السفن ومدى امتداد نظر المحاكم التونسية إليها وقد أوكلت الدولة التونسية ذلك للمعاهدات والعرف الدوليين، وجاء بالفصل 05 من مجلة التجارة البحرية ” للسفن مهما كانت جنسيتها حرية المرور عبر المياه الإقليمية التونسية على أن تحترم القواعد الواردة في المعاهدات الدولية والقوانين التونسية”.

مع العلم أن السفن في منطقة المياه الحرة ترجع بالنظر لسيادة الدولة التي تحمل علمها، فتعتبر السفينة تابعة ” إقليميا” أو “منطقة ترابية” للدولة، ويكون ذلك سواء أكانت الجريمة بحرية أم تهم الحق العام وبقطع النظر عن جنسية كل من المتهم والمتضرر وبأن تكون تجارية أو حربية.

وأما السفن في المياه الإقليمية اقتضى العرف الدولي التفرقة بين السفن التجارية والسفن الحربية.

السفن الحربية : هي السفينة التي بواسطتها تؤمن دولة من الدول بصورة أساسية كما تؤمن بقواتها المسلحة البرية الخدمات العامة المتعلقة بالدفاع الوطني.

ولئن ينكر البعض حق مرورها، فإن البعض الآخر يعتبر أنه ” لكي يصبح المرور في المياه الإقليمية حقا فإنه يجب أن يكون سلميا”[72].

مع أنه إذا زالت عن المرور الصفة السلمية لم يعد من مبرر لاعتبار السفينة مارة وتصبح من السفن الراسية أو المقيمة ويعود الاختصاص لمبدأ الإقليمية.

وأشارت المادة 03 من مقررات لاهاي لعام 1930 إلى أن الإقامة تتكون من كل توقف طوعي لسفينة ما في المياه الأجنبية ودون أن تكون تحت عامل قوة قاهرة أو لأسباب فنية يجب أن يخضع للاختصاص الإقليمي.

ويري الأستاذ رمسيس بنهام أنه ” إذا كانت السفينة الأجنبية حربية فإنها تعتبر ممثلة سيادة دولتها فتخضع لقانون دولتها و إذا ارتكب أحد رجال طاقمها جريمة خارج نطاقها يخضع في هذه الجريمة للقانون المحلي لا لقانون دولة السفينة ما لم تكن الجريمة واقعة أثناء أداء عمله الرسمي لأنه في هذه الحالة يتمتع بالإعفاء من الخضوع للقانون المحلي”.[73]

فالسفن الحربية تخض لسيادة الدولة التابعة لها لأنها تمثل سيادتها بمدى أوسع ويستثنى من ذلك حالة قيامها بأعمال عدوانية تستهدف الدولة التي ترسى بمياهها.

السفن التجارية : بخصوص هذا الصنف لا توجد بشأنها قاعدة ثابتة، فإنقلترا درجت بمقتضى تقاليدها العريقة على أن قضاءها الوطني يمتد نظره إلى كل السفن التجارية التي ترسى في الموانئ الإنقليزية وتختص بالنظر في كل الجرائم التي تحدث أثناء رسوّها في المياه الأجنبية ما لم تكن هناك تشريعات خاصة بالسلطات المحلية صاحبة الميناء. وأخذت الولايات المتحدة بهذا المذهب وسلكت مصر نفس الاتجاه بقانونها المؤرخ سنة 1939، أما فرنسا فإنها وضعت منذ 1806 قواعد خاصة تضبط الحالات التي تخضع فيها السفن لقوانينها الجزائية وهي :

أن الجريمة يجب أن تحدث من غير بحارة السفينة ومعنى ذلك أن نظر محاكمها لا يمتد لما يرتكبه البحارة من جرائم داخل السفينة، وطبقت ذلك محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 20/11/1806 وصرحت بأنه “السفينة تصبح بمنجاة عن الاختصاص القضائي الفرنسي وتعود إلى ميدان السلطات التابعة للبلد الذي تنتسب إليه من أجل الجرائم المرتكبة عليها بيد أحد أفراد بحارتها إذ أن هذه الجرائم مماثلة مع الأفعال التي تخضع إلى نظم السفينة الداخلية.”

أن تخلّّّ الجريمة بأمن الميناء مهما كانت جنسية مرتكبها أو المتضرر منها.
إذا استعان ربّان السفينة بالسلطات المحلية.

ويتضح أن هذه القواعد تتعلق أساسا بما يرتكب على ظهر السفينة من جرائم أما ما يرتكبه بحارتها خارجها فإن محاكم الدولة التي وقع ارتكاب الفعلة بترابها هي صاحبة النظر وبين الأستاذ رمسيس بنهام أنه ” إذا كانت السفينة الأجنبية تجارية لا حربية فإنها تخضع للقانون الجنائي المحلي فيما يتعلق بمخالفات نظام المرور، كما أن الجريمة التي تقع على ظهرها تخضع لهذا القانون…وأنه بحسب المادة الثانية من القانون رقم 132 لسنة 1939 بشأن المحافظة على النظام والتأديب في البواخر تخضع كذلك للقانون الجنائي المصري رغم وجودها في المياه الإقليمية لدولة أجنبية فإذا كان القانون الجنائي لهذه الدولة الأجنبية يسري هو الآخر في هذه الحالة يكون هناك اشتراك في الاختصاص بينه وبين القانون المصري.”[74]

مع الملاحظ أن التسجيل والعلم الذي تحمله السفينة من توابع الوضع القانوني لها، وإذا ما ارتكبت جريمة وكان مكان وقوعها في جزء ضمن حدود دولة معينة فليس ثمة صعوبة تذكر لتعيين السلطة القضائية المختصة للنظر في هذه الجريمة فالقاعدة الإقليمية.

وكذلك تنظر محكمة مكان وقوع الصدم وهي مختصة بالنظر.

وأما بخصوص الملاحة الخارجية فإن معظم الدول تأثرت بالنظام الفرنسي في خصوص الجرائم المرتكبة على سفينة تجارية.

فيقول ديلقيل ” إن الحصانة الممنوحة للسفن التجارية لا تنسحب أبدا على البحارة كذلك السفن التي هي في حالة مرور بالمياه الإقليمية فإذا وصفت بالجريمة في مكانها يكون من حق الدولة ممارستها”.[75]

وأما الصدم البحري الذي يمكن أن يحصل بين سفينتين بحريتين بصرف النظر عن المياه التي جد فيها، فإذا كان الصدم واقعا في عرض البحر فالدعوى العامة يجب تحريكها أمام قاضي المكان الذي توجد به السفينة الضحية أو ملاحوها في حال هلاك السفينة وهو ما أقرته المحكمة الدائمة بلاهاي في قضية لتوس بتاريخ 07/09/1727 حيث تبنت المبدأ الذي يعتبر مكان الجريمة هو مكان النتيجة الناتجة عنها.

ب- الطائرات : عرف قانون الطيران المدني الأمريكي لعام 1938 المركبات الهوائية بأنها كل المخترعات المعروفة والتي يمكن أن تكتشف والمستعملة والمعدة للملاحة الجوية أو الطيران في الهواء.

إن تفاقم النشاط الدولي في ميدان الفضاء الناشئ بالخصوص عن ازدهار صناعة الطيران ضاعف أهمية النطاق الجوي باعتباره أسرع وسيلة للمواصلات، فتم إبرام اتفاقية دولية في 13أكتوبر 1919 وقع تعديلها في 15 جويلية 1929 وتضمنت أن كل دولة تختص بالسيادة المطلقة على المنطقة الجوية التي تعلو إقليمها. وأنه لا يسوغ للطائرات الحربية أن تعبر الفضاء الجوي لدولة ما إلا بترخيص خاص ويمكن للطائرات المدنية حق المرور بدون لزوم استصدار إذن مسبق وأنه لكل دولة أن تحدد منطقة معينة تحرم فيها الجولان مدنيا أو حربيا.

ويذهب بعض الفقهاء De Bustamante ، إلى أن المركبات الهوائية يمكن أن توصف من الجهة القانونية بأنها جزء طائر من البر الوطني الذي لها حق حمل “علمه” وهذا المبدأ أخذ به وسانده الأستاذ ديفابر وينتج عن هذا المبدأ أنه يعترف للدولة صاحبة ” العلم” بأن تمارس دون غيرها اختصاصها على الطائرات حين تدلف في الأجواء الحرة.

وأما بخصوص الجرائم المرتكبة بالطائرات ذاتها فأمرها يختلف بين أن تكون الطائرة حربية أو مدنية.

فالطائرة الحربية لا تخضع إلا لسيادة الدولة التي تمتلكها طالما كانت مأذونا لها بالعبور وفي صورة اقتحامها الأجواء الفضائية عنوة فإن تصرفها ذاك يعتبر اعتداء على سيادة الدولة وهو ما يرضخها حتما لقوانينها.

أما الطائرة التجارية ترك أمر ضبطها للدولة التي يعنيها الأمر، فأصدرت فرنسا بتاريخ 31 ماي 1924 قانونا يحدد اختصاص القضاء الفرنسي بصورتين معينتين، وذلك إذا كان طرفا الجريمة فرنسيين وإذا هبطت الطائرة عقب الجريمة بالتراب الفرنسي.

وأما في تونس فقد صدر القانون رقم 76 المؤرخ في 19 جوان 1959 يضبط القواعد الخاصة بالملاحة الجوية وفرّق بين الطائرة التونسية والأجنبية، فجاء بالفصل 48 فقرة أولى : ” إن المخالفات التي يقع القيام بها على متن طائرة تونسية بحالة طيران يعتبر أنه وقع القيام بها بالبلاد التونسية ويمكن تتبعها ولو كان المتهم مفقودا من تراب الجمهورية “.

فالقانون التونسي مدّد في نظر المحاكم التونسية بالنسبة لتلك الحالة إلى كل ما يحدث من جرائم في مختف الأجواء الفضائية ولكنه احترز من ناحية أخرى فأفترض حدوث تلك الجرائم أثناء تحليق الطائرة التونسية.

وأما فيما يتعلق بالطائرات الأجنبية نصت الفقرة الثانية من الفصل 48 على أنه “وفي صورة ارتكاب جريمة قتل أو مخالفة على متن طائرة أجنبية فإن المحاكم التونسية لها حق النظر إذا كان المعتدي عليه يحمل الجنسية التونسية أو إذا هبطت الطائرة بالبلاد التونسية بعد ارتكاب الجريمة أو المخالفة “.

والملاحظ أن الجنايات والجنح المرتكبة في طائرة تحلق فوق أرض دولة من الدول تخضع لاختصاص قضاء تلك الدولة، ويمكن في حالة تعذر تحديد المكان الذي باشرت فيه الطائرة ساعة ارتكاب الجرم فإن تلك الجناية أو الجنحة تخضع لاختصاص القضاء التابع “للعلم” الذي ترفعه تلك الطائرة.

مع أنه يمكن أن تصادف حالات تغير حدود الإقليم.

الفقرة الثالثة : تغيّر حدود الإقليم

بالإضافة إلي أنه يمكن أن يضم للإقليم مناطق تلحق عرضا وبصفة مؤقتة لا دائمة بإقليم الدولة الحقيقي، فإنه قد ترد حالات أخرى تغير من حدود الإقليم سواء بالإضافة (أ) أو بفقدان جزء منه (ب).

الإضافة : تتغير حدود الإقليم بإضافة مناطق أخري سواء بالاستيلاء (1) أو بالتنازل (2).
1- الاستيلاء : يعرّف بأنه :” فرض سيادة الدولة وولايتها على إقليم هو في الأصل غير خاضع لسيادة أية دولة أخرى وذلك بقصد إدخاله في ممتلكاته الإقليمية.”[76]

ويتضح أن الاستيلاء يكون مسلطا فقط على الأقاليم بدون سيادة وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قرارها بتاريخ 28 جانفي 1931 بخصوص قضية كليبارتون، ” “AFFaire de l’ile de clipperton “.[77]

كما أنه يشترط أن تمارس الدولة التي قامت بالاستيلاء الحيازة الفعلية لكي ينتج آثاره القانونية، ويعني هذا الشرط المباشرة المستمرة للسلطة، مثل تنظيم الملاحة أو منح رخص الصيد أو تحديد المياه الإقليمية.

التنازل : يعرف بأنه “عدول دولة لفائدة أخرى عن الحقوق والسندات التي يمكن أن تكون لها في إقليم موضوع التنازل “.
ويشترط أن يكون التنازل في شكل معاهدة دولية، إذ لا يجوز أن تكون أطرافها أفراد عاديين حتى ولو كان أحدهما دولة.

ولا يكون موضوع التنازل إلا بخصوص اليابسة الخاضعة للسيادة الكاملة للدولة، المتنازلة.

وتتعدد أسباب التنازل فيكون إما بموجب التخلي من طرف دولة من إقليمية لفائدة دولة أخرى أو بمقابل أي بمقتضى البيع أو المعارضة مثل المعاهدة المبرمة في 1 جويلية 1870 التي تقتضي بتنازل بريطانيا العظمى عن جزيرة هليقولند في بحر الشمال إلى ألمانيا مقابل تنازل هذه الأخيرة عن جزء من أوغندا أو اعترافها بفرض بريطانيا حمايتها علي زنزبار Zanzibar.

وإمكانيات إضافة أقاليم جديدة للإقليم الأصلي يثير العديد من التساؤلات. فهل تخضع الجريمة للإقليم القديم أم يجب إثارتها من جديد أمام سيادة أخري؟

فقدان جزء من الإقليم : تنحصر أسباب فقدان الإقليم في ثلاث عوامل رئيسية : وهي : الترك والانفصال وعمل الطبيعة فبخصوص الترك تتخلى الدولة بموجب إرادتها عن حيازة إقليم مما يجعله لا يخضع لسيادتها- ويقصد بالانفصال خروج جزء من سكان إقليم الدولة عن سيادتها القائمة وتكوين دولة جديدة أو الانضمام إلى دولة أخرى- وأما عمل الطبيعة يعني انتقاص جزء من الإقليم كأن تغمر المياه رقعة من الأرض أو إحدى الجزر مما يجعل السكن فيها غير ممكن.

وتجدر الإشارة إلي أن حالة الاحتلال العسكري تثير إشكال بخصوص الاختصاص القضائي في المادة الجزائية بما أن الإقليم أصبح خاضع لأكثر من سيادة- فيكون الأمر أقل حدة بالنسبة للاحتلال السلمي طالما أن الإقليم المحتل سلميا يبقى خاضع للسيادة المحلية وأن الجرائم المرتكبة من اختصاص سلطاتها.

الفرع الثاني = اختصاص القاضي الإقليمي

تقتضي قاعدة إقليمية القانون الجزائي أن القانون الوطني هو المنطبق على كل الجرائم التي ترتكب على إقليم الدولة، وهو ما جعل اختصاص القاضي الإقليمي متميزا بالعديد من الخصائص (الفقرة الأولى) وهو ما يؤكد تطبيق القانون الإقليمي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مميزات اختصاص القاضي الإقليمي

أسند الفقه عدة مميزات لاختصاص القاضي الإقليمي ولعل أهمها خاصية أسبقية الاختصاص التشريعي [78] وغياب تنازع القوانين في المادة الجزائية (2) وأنه اختصاص عام (3) وإقصائي (4).

خاصية أسبقية الاختصاص التشريعي :
لتبرير تكامل الاختصاص تعرض الأستاذ Lombois إلى أن أسباب ذات صبغة عامة، وهاته الأسباب تفضي إلى أسبقية الاختصاص التشريعي على الاختصاص القضائي(1).

ويلاحظ أنه في القانون الجنائي فإن القانون موجود قبل الجريمة لأنه انطلاقا منه تستمد الجريمة وجودها ومفهومها، فكيف يكيف ذلك السلوك بأنه سرقة إذا لم يكن لنا في النص القانوني تعريفا محددا للسرقة ؟ فلا بد من تحديد النص القانوني الذي يجرم ذلك التصرف. وهو عكس ما يعتمد عليه القانون الدولي الخاص، فإن القانون الجنائي الدولي يقتضي أن القانون يسبق تحديد القاضي المختص، ويفرض على القاضي اعتماد النص القانوني ولو في حالة سكوت النص أو غموضه.

والقاعدة في القانون الجنائي تقتضي أن لا يكون السلوك معاقبا عليه إلا إذا أجرمه النص القانوني، فالقانون هو الذي يمكّن من فتح البحث أو المتابعة ويحدد مختلف الإجراءات التي ينبغي إتباعها وكذلك تحديد الاختصاص القضائي للنظر في تلك الجريمة.

فإن الاختصاص القضائي مرتبط وجودا وعدما بالاختصاص التشريعي. فإذا كانت القواعد الجزائية في دولة ما تعطي الاختصاص ضد جرم معيّن فإن القضاء يستمد اختصاصه منها ويخضعها حيز التطبيق وعلى خلاف ذلك يصبح القضاء غير مختص للنظر في جرائم ينظمها قانون جنائي أجنبي.

ويتضح من هذه الخاصية أنها تقيد القاضي الإقليمي وتجعله ينظر في الجريمة بعد أن يكون النص التشريعي فوّض له النظر، ولكن هذه الخاصية قد تكون غير ذي جدوى في بعض النزاعات التي تحتم على القاضي أن يبحث في أطوارها ويتعهد بالنظر ولو شكلا ثم يتخلى عنها في صورة وجود عناصر أجنبية تفرض عليه ذلك.

وما هذه الخاصية في حقيقتها إلا تبرير لمبدأ إقليمية القانون الجزائي في مفهومه الضيّق بمعنى أنه في وقتنا الحاضر قد توجد نزاعات لها صبغة دولية ومترامية الأطراف، وإذا أخذنا بالنص الجزائي فإن القاضي الإقليمي مقيد بذلك ولكن هدف التصدي للجريمة لعله أسمى من قيود النص الجزائي ومن خلال ذلك يستطيع القاضي الإقليمي أن ينظر في النزاع على الأقل أوليا ويحدد عناصره ثم يطبق النصوص القانونية الوطنية، وهو ما يؤكد نسبية القول بخاصية سابقية الاختصاص التشريعي على الاختصاص القضائي.

خاصية غياب تنازع القوانين في المادة الجزائية :
إن وجود عنصر أجنبي في النزاع يفرض أن نكون في علاقة أمام دولتين على الأقل وهو مظهر من مظاهر تنازع القوانين ومن ثمة فإن مفهوم تنازع القوانين ليس بالمفهوم الحديث بالنسبة للقانون الجنائي إذا كانت هناك جريمة قد ارتكبت في دولة (أ) من طرف أحد مواطني دولة (ب) فإن قوانين (أ) و (ب) تصبحان في حالة تنازع.

لذلك فإنه يمكن حصر مجال تنازع القوانين بصفة ضيّقة وفي هذا الإطار فإن تعيين القانون المنطبق يمكن أن يكون قانون القاضي الذي حدده النزاع (Lex Fori) أو القانون الأجنبي، ومن هاته الزاوية فإن مجال تنازع القوانين لا يشمل إلا مجال القانون الخاص[79].

أما بالنسبة للقانون الجنائي فإنه انطلاقا من القاعدة القائلة بتضامن الاختصاص التشريعي والقضائي، وهو مبدأ مستقرّ عليه في فقه القضاء الفرنسي، فإن تنازع القوانين غير موجود في المادة الجزائية طالما أن القاضي لا ينظر في النزاع إلا إذا سمح له النص التشريعي بذلك بمعنى أن القاضي الجزائي لا ينظر في الوضعية القانونية المطروحة أماه كما ينظر فيها القاضي المدني الذي يخلص إلى أن قاعدة التنازع تحدد القانون المنطبق سواء كان قانونه الوطني أو القانون الأجنبي، فإن القاضي الجزائي ينطلق من مبدأ تضامن الاختصاص التشريعي والاختصاص القضائي ويخلص في كل الحالات لتطبيق قانونه الوطني.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن تشعب بعض الجرائم قد يجعل القاضي الوطني لا يتقيد بسابقية الاختصاص التشريعي المحدد ويتناول بالدراسة الجريمة المتعددة العناصر المادية ويحاول إخضاعها لسلطته وتطبيق القانون الإقليمي، ولكن يتبين فيما بعد أن أحد عناصر المادية للجريمة ارتكبت بدولة أخرى، وهو ما يثير مسألة تنازع الاختصاص بين أنظمة مختلفة أو بين دولتين.

خاصية الاختصاص العام :
هذه الخاصية متفق عليها فقها وقضاءا، فأشار الأستاذان : Huet et Koering إلى هذه الخاصية الأساسية واعتبارها بمثابة ما يعبّر عن مبدأ إقليمية القانون الجزائي، بمعنى هذا المبدأ يخوّل للقاضي الجزائي النظر بصفة عامة وشاملة لكلّّّ الجرائم التي تحدث على إقليم دولته، ويؤكد الأستاذ ديفابر أن تطبيق قواعد الاختصاص التشريعي والقضائي يكون مستقل عن جنسية الأشخاص، فيشمل كل من يوجد على إقليم الدولة (المواطنين والأجانب) ويكونا على قدم المساواة.

كما اعتمدت محكمة التعقيب الفرنسية هذه الخاصية في قرارها المؤرخ في 01 مارس 2000[80].

ويتضح أن خاصية العمومية تتجلى في مظهرين على الأقل أن الاختصاص يشمل كامل الإقليم برّا وبحرا وجوّا أي أنه يجمع كل مجال تتجسد به سيادة الدولة.

وكذلك يظهر من خلال تطبيقه على كل الأشخاص الموجودين على الإقليم، وهو ما يكرّس هيبة وسلطة الدولة على كل الأشخاص الذين يحاولون الخروج عن نظامها وقوانينها الوطنية.

وتأكيدا لهذه الخاصية فإن نفوذ القانون الجزائي يشمل الإقليم ويبقى له أثره حتى خارجه وذلك بهدف محاربة الجريمة، فالمجرم الذي يرتكب جرمه في مدينة ويحاول الهروب من ذلك المكان للتفصّي من العقوبة فإنه يمكن للدولة التي أرتكب بها الفعل أن تثير التتبع ضده وتطلب تسليمه.

خاصية الاختصاص الإقصائي :
يؤكد الأستاذ ديفابر أن مبدأ الإقليمية له عدة نتائج، إذ أن تدخل المحاكم الجزائية للدولة ضد كل الجرائم المرتكبة داخل إقليمها يقصد منه أن اختصاصها إقصائي، بمعنى أن كل الجرائم التي تقع على إقليم الدولة تعهد للقاضي المحلي لوحده ولا يشاركه في الاختصاص القاضي الأجنبي طالما كانت الجريمة تمس سيادة دولته.

بعبارة أخرى أن تعهده يلزم القاضي الأجنبي بعدم إثارتها. وتخول هذه الخاصية الجوهرية للقاضي الإقليمي رفض التسليم بخصوص الجريمة المتعهد بها، وعدم التقيد بالتتبعات المثارة في الخارج نظرا لأن اختصاصه أول ونهائي.

1- رفض التسليم :

يؤكد الأستاذ الباشا البجار أن “الجرائم التي ترتكب في إقليم الدولة تخضع لسلطان القانون الجنائي بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه ذلك أن الدولة مهما كان شكل نظامها يجب عليها في المكان الذي تباشر فيه سلطتها أن تكفل أمن كل إنسان وتوطيد النظام وهذا المبدأ يقتضي أنه لا يمكن للدولة أن تسلم شخصا ارتكب جريمة فوق أرضها باعتبار أن الطلب المقدم في هذا الشأن لا شيء يبرره لأن مكان الجريمة هو مكان المحاكمة كما يستوجب هذا المبدأ الدولي على أن يعاد الجاني إلى البلد الذي ارتكب فيها الجريمة وفر إلى بلد آخر تفصيا من العقاب”[81].

وهو ما أشار إليه المشرع التونسي بالفصل 312 من مجلة الإجراءات الجزائية “أن التسليم لا يمنح إذا كانت الجنايات أو الجنح المرتكبة بالبلاد التونسية”

ويمكن تبرير عدم الاستجابة لمطلب التسليم بأنه نظرا للآثار التي ألحقتها الجريمة بأرض الدولة المطلوبة يجعلها أحق بمحاكمة الجاني.

2- عدم التقيد بالتتبعات المثارة في الخارج :

يرى الأستاذ ديفابر أنه عندما يسند الاختصاص للقاضي الإقليمي فإنه لا يأخذ بعين الاعتبار الملابسات المادية والقانونية التي حصلت بالخارج. ويعنى ذلك أن تعهد القاضي الإقليمي بالنزاع يجبره على دراسة الأفعال المثارة أمامه ولا يتأثر بالتتبعات التي قد تثيرها دولة أخرى.

وحتى على فرض أن القاضي الأجنبي مختص بالنظر، فإنه لا يتأثر القاضي بذلك بما أن الجريمة ارتكبت بإقليم دولته، ويقترح الأستاذ ديفابر حلّ إشكال تنازع الاختصاص بين تعهد القاضي الإقليمي والقاضي الأجنبي، ويعتبر أنه يمكن إسناد الاختصاص للقاضي الذي تعهد أولا بالقضية.

ومن ناحية أخرى وعملا بمبدأ المساواة وتكريسا للعدالة الجزائية فإنه لا يمكن محاكمة شخص من أجل نفس الفعلة مرتين طالما أنه تسلط عليه العقاب في ذلك الجرم.

وهذا المبدأ مستقرّ عليه في أغلب التشاريع، ومنها التشريع التونسي، ولكن التشريع الفرنسي يعتبر أن هذا المبدأ لا يسري على الفعل الذي ارتكب بإقليم الدولة الفرنسية، وهذا الموقف يتعارض مع مبادئ القانون الجنائي وخاصة مبدأ المساواة.

الفقرة الثانية : تطبيق القانون الإقليمي

تهدف إقليمية القانون الجزائي أساس للدفاع عن وجود الدولة وحماية مصالح مواطنيها، وحرصا على تجسيد تلك السيادة تتدخل المحاكم الجزائية ضد كل الجرائم المرتكبة داخل إقليمها، وتبسط نفوذها بتسليط عقوبات جزائية على كل من يحاول الاعتداء على سيادتها أو بالأحرى كل من يخالف قوانينها وتراتيبها، وهو ما يؤكد ضرورة الامتثال للقانون الإقليمي وذلك بالخضوع لقواعده (أ) وعقوباته (ب).

الخضوع للقانون الإقليمي :
إن الغاية من مبدأ إقليمية القانون الجزائي هو الخضوع لقوانين الدولة مسرح الجريمة طالما أن الهدف إعادة التوازن الذي حركته الجريمة. وما من شك فإن سيادة الدولة تتجسم بفرض قواعد زجرية على فاعل الجريمة.

كما أن الدولة تضع نصوص قانونية واضحة تبين أن ذلك السلوك أو الفعل يوصف بالجريمة ليكون الجاني مدرك لأفعاله وما يترتب عن ذلك السلوك. وأكد الدستور التونسي هذا المبدأ فنص على أنه لا يعاقب أحد إلا بمقتضى نص قانوني سابق الوضع.

ويعتبر الفقه أن القانون الجزائي الإقليمي في أغلب الحالات يكون أفضل بكثير من قوانينه الشخصية[82].

ومن ناحية أخرى فإن الجريمة تترك آثارا جسيمة على الفرد والمجتمع، ولمعالجة ذلك الداء لا يكون إلا بعد تطبيق القانون الجزائي بما أن المجتمع يبقى يراقب ردة فعل السلطة تجاه تلك الجريمة.

ولئن كان من البديهي ضرورة الخضوع للقانون الجزائي الإقليمي، إلا أن الأستاذ ديفابر يلاحظ بأن القانون الجزائي يهدف أساسا لحماية شخصية المتهم نفسه ولذلك لا بد من الرجوع لقوانينه الشخصية التي تخول له هذه الحماية. وأعطى الأستاذ ديفابر بعض الأمثلة بعبارة أن هناك نوع من الجرائم لا يمكن أن ينظر فيها القاضي الإقليمي إلا بعد العودة للقانون الأجنبي للمتهم، مثل جريمة التزوج بثانية فلا يصح وصفها القانوني إلا إذا كان الزواج الأول مازال قائما في قانونه الشخصي، وأضاف الأستاذ ديفابر أنه يمكن الرجوع إلى القانون الشخصي للمتهم بخصوص توفر أركان الجريمة وتجاوز ذلك عند تحديد العقوبة.

ويتضح حسب رأي الأستاذ ديفابر أنه التكييف القانوني لبعض الجرائم يقتضي الرجوع للقانون الشخصي للمتهم، وأما العقوبات فإنها تستمد من القانون الإقليمي ولئن يعتبر هذا الرأي وجيه من الظاهر نظرا لأنه هناك جرائم قد يجد القاضي الإقليمي صعوبة جدية في تكييفها القانوني إلا بالرجوع شكليا للقانون الأجنبي.

فهو من هذه الناحية يبدو رأيا وجيها طالما أنه يحافظ على ضرورة الخضوع للقانون الإقليمي. ولكن اعتماد كل المقاييس والضوابط المعمول بها بالقانون الأجنبي يفرغ قاعدة الإقليمية من محتواها. كما أثار الفقه من جهة أخرى إمكانية الرجوع للقوانين الشخصية للمتهم عند ارتكاب الفعلة من طرف قاصر وذلك للتثبت من سن المتهم.

ونظرا لصعوبة إلمام القاضي بكلّ القوانين الأجنبية يجعله يقتصر على تطبيق قانونه الوطني وإعمال مبدأ المساواة بين الوطنين والأجانب.

ب- تسليط العقوبة الجزائية :

يستند القاضي المتعهد بالنظر لقانونه الوطني سواء عند تحديد العقوبة (1) أو تنفيـذها (2)

تحديد العقوبة : العقوبة هي الجزاء الذي يتسلط على فاعل الجريمة وعدّد المشرع التونسي بالفصل 05 م .ج أصناف العقوبات الممكن تسليطها على مرتكب الجريمة، والملاحظ أنه تقسم هذه العقوبات إلى عقوبات أصلية وأخرى تكميلية.

العقوبات الأصلية :
نظرا لأن الاختصاص مسند للقاضي الوطني فإنه عند ثبوت إدانة المتهم، يصدر حكم القاضي بالإدانة ومعتمد العقوبات الواردة حصرا بالتشريع التونسي.

فيتضح أن العقوبة تستمد أساسا من القانون الوطني للقاضي المختص وذلك تكريسا للسياسة الجنائية التي تفرض تطبيق القانون الجزائي في مكان حصول الفعل الإجرامي. كما يمكن تبرير تنزيل هذه العقوبات الأصلية نظرا لاختلاف الأنظمة والقوانين من مكان لآخر سواء فيما يخص العقوبة أو التدابير الاحترازية التي يمكن أن تتخذ تجاه الجاني. ومثال على ذلك ما شهده التشريع التونسي من تطور في السنوات الأخيرة واعتماد إمكانية استبدال العقوبة الأصلية “السجن” بالعمل لفائدة المصلحة العامة.

العقوبات التكميلية :
تضاف للعقوبة الأصلية بعض العقوبات الأخرى كجزاء تكميلي لفعل الجاني، وهي أقل درجة من العقوبات الأصلية وعدّدها المشرع التونسي بالفصل 05 م.ج.

وأثار الفقه مسألة العقوبات التكميلية وتساءل عن إمكانية خضوعها للقانون الأجنبي.

والملاحظ أنه يتجه شق من الفقه إلى عدم إخضاعها للقانون الشخصي للمتهم نظرا لاتصالها بحياته الشخصية وحقوقه المدنية، مثل عدم ممارسة الحق الانتخابي، وشق آخر يرى خلاف ذلك، إذ يمكن تسليط العقوبة التكميلية بالاستناد إلى القانون الشخصي للمتهم، وهو ما اتخذته محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 11 جوان 1964 إذ قضت بسحب رخصة إدارية وسلمتها للسلط المعنية.

مع أنه يمكن أن تسلط دولة مسرح الجريمة بعض العقوبات التكميلية، لكن يتضح أن دولة الجاني لا تعتمد تلك العقوبات، وكذلك نظرا لغياب رقابة القاضي الذي أصدرها وهو ما يجعل عدم نجاعتها.

تنفيذ العقوبة :
يعتبر تنفيذ العقوبة من أهم الوسائل التي تتخذ من طرف سلطات الدولة لبيان السياسة العقابية، كما أن سيادة الدولة تتجسم بهذه الأجهزة العقابية التي تحرص على تنفيذ العقوبات، بالإضافة إلى أنه لا يمكن أن يصدر الحكم الجزائي في مكان وينفذ في مكان آخر.

كما أن اختلاف الأنظمة والتشاريع قد يبرر اعتماد هذا المبدأ، وكذلك تطور مفهوم العقوبة في حدّ ذاته وهو ما اعتمده المشرع التونسي صلب قانون 1998 إذ خوّل للمحكوم عليه في بعض الصور الخاصة إمكانية قضاء العقوبة بالعمل لفائدة المصلحة العامة، كذلك اعتماد المشرع الفرنسي تدابير وقائية وعلاجية إزاء مدمن المخدرات.

كما أن تنفيذ العقوبة في التشريع التونسي يتأثر بعديد المعطيات، وذلك بإمكانية مراجعتها وإدخال تحوير عليها سواء كان بمفعول العفو العام والعفو الخاص. وكذلك باعتماد مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات ودوره في السراح الشرطي.

ولئن كان المبدأ العام هو أن القانون الجزائي الإقليمي يفصل الدعوى منذ حصولها إلى حين تنفيذ العقوبة، فإن بعض الدول اتفقت على أنه يمكن تسليط العقوبة من طرف القاضي الإقليمي وتنفيذها في سجونها الخاصة، ويبقى إمكانية العفو واردة بالنسبة للدولة التي منح لها حق السراح الشرطي ويبقى العفو من اختصاص الدولة التي تمت بها المحاكمة.

كما أن انعقاد اختصاص المحكمة الجزائية الدولية، اقتضى أنه بخصوص الجرائم الخطيرة، إذا وقع تتبع هذه الجرائم بإقليم دولة من الدول المصادقة على الاتفاقية وأدى هذا التتبع إلى توقيع عقوبة سالبة للحرية فإنّ تنفيذها يتم بدولة غير التي ارتكبت فيها الجريمة على أن اختصاص القاضي الإقليمي يبقى مشروط بارتكاب الجريمة بإقليم الدولة لذا يتجه التطرق إلى تطبيق مبدأ إقليمية القانون الجزائي.

الفصل الثاني : تطبيق مبدأ إقليمية القانون الجزائي

يقتضي تطبيق مبدأ إقليمية القانون الجزائي أن تكون الجريمة ارتكبت داخل حدود الإقليم بمعنى أن المبدأ يقتصر على الإقليم ولا يتجاوز حدوده، وقد يبدو الأمر سهلا إذا كانت الأفعال المكونة للجريمة قد بدأت وانتهت في نفس المكان مثال إذا قام تونسي بعملية سطو على بنك فرنسي فلا توجد صعوبة لتوطين الجريمة طالما أنها ارتكبت بفرنسا.

ولكن إذا تقدم تونسي بمعلومات ومعطيات مزيفة عن نفسه وكان ذلك بواسطة شخص آخر اتصل هاتفيا من جنيف وقدم نفسه على أساس أنه مندوب دولي للهلال الأحمر وتمكن من الحصول بتونس على أموال طائلة نتيجة الخزعبلات التي استعملها، فجريمة التحيل هذه لها أماكن متعددة، فالوسائل الاحتيالية قد تمت بسويسرا بينما الاستيلاء قد تم بتونس. فهذه الصعوبة تستحق التفسير وشيئا من التمييز.

وإذا سلّمنا بأن الركن المادي للجريمة هو عبارة عن الأفعال التنفيذية التي يرتكبها الجاني فإن هناك أمر آخر لا يقل أهمية وهو نتيجة تلك الأفعال بمعنى أنه تبدأ الجريمة في إقليم دولة معينة وتبرز نتيجة هذه الأفعال في إقليم دولة أخرى فأي الدولتين تختص بالنظر في هذه الجريمة؟ بالإضافة إلى ذلك فإنّ تعدّد العناصر المادية للجريمة الواحدة وانتشارها على أقاليم مختلفة وارتباط الجرائم ببعضها أو عدم انقسامها يطرح مسألة الاختصاص وكذلك معيار تحديده وهو ما يدعو للبحث عن معيار لتحديد مكان ارتكاب الجريمة (المبحث الأول) و إجراءات التتبع (المبحث الثاني).

المبحث الأول : تحديد مكان ارتكاب الجريمة
إن تحديد مكان ارتكاب الجريمة يعتمد أساسا على حصول أعمالها التنفيذية فلكي يتسنّى ضبط المكان الذي تمت فيه يجب أن ننظر إلى العناصر التي تكونها فحسب دون أن نعطي الإعتبار لمكان إقامة الجانب أو المجني عليه أو مقرهما، فالمقياس الوحيد هو مكان حصول الأعمال التنفيذية.

ولكن الإشكال يطرح من خلال هذه الأعمال التنفيذية للجريمة نظرا لغموضها، وغياب نص تشريعي ينظمها أوحلّ فقه قضائي مستقر عليه ولاحظ الأستاذ Lombois “أنه إلى حدود سنة 1958 لا يوجد أي نص قانوني يضبط توطين الجريمة وتساءل فقه القضاء الفرنسي منذ البداية عن الوسيلة التي يمكن اعتمادها لتحديد مكان ارتكاب الجريمة، ثم في مرحلة ثانية عن كيفية توطينها”[83] وما تعدّد النظريات والاختلافات الفقهية حول تحديد مكان ارتكاب الجريمة إلا وراء البحث عن موطن الجريمة الأصلية (الفرع الأول) وعن موطن الأفعال التبعيّة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : تحديد موطن الجريمة الأصلية

عموما إن العناصر المادية للجريمة تمكننا من تحديد مكان إرتكابها وكذلك اعتماد التقسيم بين الجرائم البسيطة والحينيّة والجرائم المركبة والمستمرة، ولئن يظهر لأول وهلة أن تحديد الجريمة البسيطة لا يثير صعوبات إلا أنه عند التأمل في نمط وأساليب ارتكاب بعض الجرائم يمكننا أن نلاحظ تشعبنا خاصة إذا ما تم ارتكاب الفعل في مكان معين وظهرت نتيجته في مكان آخر وهو ما يستدعي التعرض لتقديم ودراسة الجرائم البسيطة لتحديد مكان ارتكابها (الفقرة الثانية) ولكن قبل ارتكاب الجريمة من الممكن أن تسبقها عدة أعمال تستوجب البحث والتوضيح (الفقرة الأولى) كما أن تعدّد العناصر المادية للجرائم المركبة يطرح صعوبة إيجاد مكان ارتكابها (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى : المحاولة :

لم يكن الشروع في القرون الوسطى مفهوم واضح إذ كان يختلط بتعبير الاعتداء بمعنى أن الاعتداء كان يعني المحاولة البعيدة أو مجموعة الأفعال التي تسمى اليوم الأفعال التحضيرية التي بدئ تنفيذها دون إتمامها لسبب أو لآخر وكان تقدير عقوبتها متروكا للقاضي وبدأ مفهوم الشروع يتضح ابتداء من قانون 1810 بفرنسا.

ويعرّف الشروع بأنه البدء بتنفيذ فعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفعال فيها.

وتعرض المشرع التونسي للشروع ضمن الفصل 59 من المجلة الجنائية، وتفترض المحاولة في القانون التونسي بداية تنفيذ الجريمة على التراب التونسي، وأما ارتكاب فعل تحضيري خارج حدود الدولة لا ينشئ للمحاكم الوطنية الجزائية اختصاص التعهد بهذا الفعل.

ولكن كما أشار إلى ذلك الأستاذان Huet et Koering ” يكون الأمر أكثر صعوبة اعتبار فرنسا كإطار مكاني للجريمة إذا كانت المحاولة قد عرفت بدء تنفيذها بالخارج وكان من المنتظر حصول نتيجتها بفرنسا لولا حصول انقطاع لا إرادي لوقائعها القانونية. وأول جواب عن ذلك بالإيجاب ويعتمد أن المحاولة لجريمة تم الشروع فيها كجريمة تمت فعلا، بإعتبار أن النتيجة كانت ستقع على التراب الفرنسي فإن فرنسا تكون الإطار المكاني لمحاولة ارتكاب الجريمة، وهو ما اتجهت إليه Trib. Corr. Seine في قرارها المؤرخ في 19 ديسمبر 1956.

وأما الجواب الثاني عن ذلك بالنفي ويعتمد تأويلا ضيقا للفصول 693 من م إ ج والفصل 113 من المجلة الجنائية الفرنسية، إذ يشترط المشرع الفرنسي من خلال ذلك الإنجاز بفرنسا عبر الألفاظ والعبارات التالية “التصرف المميز” ووقائعها المكوّنة” ولا يمكن اعتماد النتائج الاحتمالية طالما أن الفعل مازال في طور المشروع”[84]

وخلافا لهذا الاتجاه اعتبرت محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 19 جانفي 1954 أن الدعاية المنشورة من خارج فرنسا والموجهة إلى من في داخلها يمكن أن تؤلف محاولة معاقب عليها في فرنسا إذا كانت موجهة ضد أمن الدولة الخارجي.

والملاحظ أن ما اتجه إليه الأستاذان Huet et Koering يبدو متماشيا مع ما جاء بالتشريع الفرنسي، ولكن من المنطقي أكثر أن الجرائم التي تمس كيان الدولة وهيبتها في الخارج من خلال اعتماد الدعاية أو غيرها من الأساليب الإجرامية أن تصدّها وترفع المضرة ولو أنها في طور الشروع.

الفقرة الثانية : تحديد الجريمة البسيطة

الجريمة هي فعل يمنعه القانون أو الامتناع عن فعل يفرضه ويرتّب عقابا لمرتكبه.

فالجريمة تظهر للعالم الخارجي من خلال فعل إيجابي يعبّر عن سلوك الجاني ونيته الإجرامية (أ) كما يمكن أن تبرز الجريمة بفعل سلبي كان من المفروض القيام به ولكن الجاني امتنع عن ذلك و ما يطرح مسألة تحديد مكان ارتكابها (ب).

الجرائم الإيجابية :
في الغالب هذه الجرائم يحدد مكان ارتكابها في إقليم معيّن لارتباط عنصرها المادي الوحيد بذلك الإقليم وكذلك لحينيّة الفعل- ولكن من الممكن أن ترتكب الجريمة على عدة أقاليم مختلفة وذلك بتجزئة الركن المادي وبعبارة أخرى أن ارتكب الفعل الإجرامي في دولة معينة وتظهر نتائجه في دولة أخرى مثال ذلك أطلق شخص من الحدود الجزائرية عيارا ناريا على تونسي وهو في أرض تونس وينتقل هذا إلى فرنسا للمعاجلة أين يلفظ أنفاسه، فأي محاكم تلك الدول صاحبة الاختصاص؟ فهل أن هذه الجريمة من اختصاص المحاكم الجزائرية التابعة لها الأرض باعتبارها المكان الذي صدرت منه الفعلة؟ أم أن هذه الجريمة من اختصاص المحاكم التونسية باعتبارها المكان الذي حصل به الاثر المباشر للفعلة؟ أم أنّ هذه الجريمة من إختصاص المحاكم الفرنسية بإعتبارها المكان الذي تمت فيه نتيجة الفعلة؟

ولاحظ الأستاذ Lombois أنه إذا ما تم تبسيط الجريمة إلى عنصر مادي وحيد، فإنه يبرز تعقيد هذا العنصر ذاته، فهل يمكن توطين الواقعة استنادا إلى سببها أم استنادا إلى أثرها وذلك إذا ما اتضح أن هاته الأماكن توجد بدول مختلفة ومثال ذلك الجريح الذي تم دفعه من قطار يمرّ عبر محطة أرتال حدودية، وتعرض للاعتداء ببلد آخر وصادف وفاته بدولة أخرى”[85].

لهذه الأسباب تعدّدت النظريات الفقهية في هذا الموضوع، إذ يعتبر البعض أن المكان الذي جدّ فيه نشاط المجرم هو مكان ارتكاب الجريمة، فينصبّ اهتمام هذه النظرية على المكان الذي حصل به ماديا الفعل الإجرامي، بينما يظهر للبعض الآخر أنه يجب اعتماد المكان الذي ظهرت فيه نتيجة الجريمة بينما يتضح لشقّ ثالث أن الجريمة مرتكبة في مكان نشاط المجرم وفي نفس الوقت في المكان الذي ظهرت فيه نتيجته.

1- نظريّة النشاط الإجرامي :

يرى أصحاب هذه النظرية أن تطوين الجريمة لا يكون إلا باعتماد مكان ارتكاب الفعل ولا فائدة من مكان النتيجة.

ويرى البعض أنه بالرجوع للفصل 305 من م إ ج في نسخته العربية يتضح أن المشرع التونسي تبنى نظرية الفعل[86] إذ نص الفصل المذكور على أنه “يمكن تتبع ومحاكمة المواطن التونسي من طرف المحاكم التونسية إذا ارتكب خارج تراب الجمهورية جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون التونسي.

ولكن بالتأمل في الإطار الذي جاء فيه هذا الفصل، يتضح أنّه بمثابة الاستثناء لإجراء التتبع، لا يمكن من خلاله استخلاص اعتماد هذه النظرية ومن أنصار نظرية النشاط الإجرامي الأستاذان Von Bar, Brusa إذ عبّر عنها في مشروعهما المقدّم إلى مؤتمر ميونيخ سنة 1883 لمعهد القانون الدولي إذ صرّح أنه : “يجب اتخاذ أساس الاختصاص المحل الذي يكون فيه المجرم وقت نشاطه الإجرامي لا الآثار التي ينتجها فعل المجرم لأن اتخاذ الأثار لتحديد الاختصاص الجنائي سوف يضع عقبات معينة بالنسبة لمبدأ المسؤولية، إذ أن الفاعل لن يستطيع معرفة المكان الذي تحدث فيه هذه الآثار باعتبار أن هذا المكان غير معروف فالعقوبة سوف تتغير بسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه، لمجرد إجراء تحكمي من الغير فالمصاب إذا انتقل من مكان لآخر فإنه بهذا التنقل يغيّر العقوبة على الفعل…”[87].

ومن أهم التبريرات التي قدمها أصحاب هذه النظرية، الفوائد الإجرائية في اعتماد مكان الفعل، فيقول الأستاذ ديفابر “إن مكان الفعل هو الأفضل لتجميع وسائل الإثبات ومصداقية الشهود وبوادر النشاط الإجرامي، أما الوسائل الموجودة عند مكان نتيجة الفعل لا تتضمن حقيقة الجريمة”[88].

وأما المبرر الثاني يتضح من خلال طبيعة بعض الجرائم إذ تتضمن بالضرورة هيمنة الفعل على النتيجة، مثل الجرائم الشكلية التي تفرض بعض الأفعال لصحة وصفها، كجرائم تزييف العملة 185 و 188 من المجلة الجنائية.

كما يرى بعض شراح القانون أنه اعتمادا على الفصل 693 من م ا ج الفرنسية يتضح أن المشرع الفرنسي أشار لنظرية الفعل من خلال عبارة “التصرف المميز”.

وصفوة القول يعتبر أصحاب هذه النظرية أن مكان النشاط الإجرامي هو الذي باشر فيه الجاني فعله الإجرامي المخالف للقانون، وأما معيار النتيجة يتسم بالتوسع ويبعد كل البعد عن حسن إدارة العدالة، كما أن النتيجة يقتصر دورها على إبراز الأحداث بصفة مستقلة عن فعل الجاني وإرادته بينما المعيار الأساسي الذي يمكن اعتماده هو نشاط المجرم والذي من خلاله يمكننا تحديد مكان ارتكاب الجريمة.

ويمكننا القول أن نظرية الفعل اعتمدت من جانب لا يستهان به من طرف الفقه وفقه القضاء ولكن اليوم نظرا لوجود أصناف جديدة من الجرائم إذ أصبح النشاط الإجرامي يمتد على أكثر من مكان وهو ما يؤكد أهمية البحث عن معيار آخر لتحديد مكان ارتكاب الجريمة.

2- نظرية النتيجة :

تعتمد هذه النظرية لتحديد مكان ارتكاب الجريمة، المكان الذي حصل فيه النشاط الإجرامي، وهذا الأثر يجب الوقوف عنده نظرا لأنه مقصد المجرم وغايته. وهذا الأثر يستوجب الردع، وأما مكان ارتكاب الفعل لا يعبّر إلا عن أسباب الضرر فالنتيجة هي التي تثبت الجريمة ويكون ذلك مثلا في جريمة السرقة التي تتم بالاستيلاء على أموال الغير، كما تؤخذ النتيجة أهمية كبرى في بعض الجرائم مثلا في القانون التونسي لإجراء التفرقة بين القتل العمد والغير العمد، فمن هذه الزاوية ينظر إلى الجريمة من حيث نتيجتها لا لأسبابها بما أن مقصد الجاني الإضرار بالمجني عليه، ومنه لا يستطيع المجرم أن يحتج بجهله لقانون ذلك المكان.

كما تستند هذه النظرية إلى أن نتيجة السلوك الإجرامي تفرض تدخل السلطة لإعادة التوازن الذي أحدثته الجريمة، وأشــــارت الأستــاذة Koering – joulin إلى أن مفهوم النتيجة نجده مكرسا في مجابهة ومحاربة المجتمع للجريمة وليس في القانون الشخصي للأطراف ولا في مكان ظهور نتيجة الجريمة بل فقط في مكان اجتماع حقيقتها المادية”[89]

كما قدّم أصحاب هذه النظرية مبرّر آخر يقول بأنه نظرا لما شهده العالم من تطورات خاصة الانفتاح الخارجي وتسهيل المعاملات أصبحت الجريمة ترتكب على عدة أقاليم وهو ما يؤكد دور النتيجة وليس الفعل الإجرامي الذي لا يظهر بسهولة في هذا الإطار. كما أن البعض من شراح القانون اعتبر أن منطوق الفصل 693 من م إ ج الفرنسية تضمّن إشارة واضحة لمضمون نظرية النتيجة، ولاحظت الأستاذة Koering-Joulin أن ” الإرادة التي تظهر تصرف الجانب تبدو لنا أحيانا مثل الواقعة أو الحدث وأحيانا أخرى تستوجب البحث إذ أن النتيجة التي نبحث عنها تختلط مع النشاط الإجرامي”.

وأضاف الأستاذ Lombois أن “هذه النظرية التي تؤسس على المكان الذي حصلت فيه نتيجة الفعل الإجرامي أو المكان الذي ظهرت فيه معالم أو آثار هذا الفعل لا يفضّ الإشكال وكان من الأفضل أن يتبع فقه القضاء نظرية ثالثة تعتمد “عدم التحديد” أو “المختلطة” وقد عبّر عن هاته النظرية Garraud الذي إعتبر أن توطين العنصر المكون للجريمة يكون على السواء بمكان التنفيذ المادي كذلك بمكان تحقيق آثاره لكن هذا القول لم يكن سوى شكليا إذا اعتمد المشرع الفرنسي المبدأ ونص الفصل 693 من م إ ج على أنه تعد الجريمة مرتكبة على الأراضي الفرنسية كل جريمة حصل أحد عناصرها المكونة بفرنسا” فهذا الاتجاه الذي إعتمد على توطين الجريمة حسب التصرف المميّز” قد غير محل المشكل عوض إيجاد حلّ له”[90].

فنظرا للانتقادات الفقهية الموجهة للنظريتين ظهرت نظرية ثالثة تجمع بينهما.

النظرية المختلطة :
تعتبر هذه النظرية هي السائدة في الفقه الحديث وتؤسس على فكرة المعادلة بين عناصر الركن المادي للجريمة إذ أنه يمكن اعتبار الجريمة ارتكبت في المكان الذي قام الجاني فيه بنشاطه الإجرامي كما أنها ارتكبت في المكان الذي حدثت فيه نتيجة الفعل الإجرامي – فهذه النظرية تجمع بين النشاط الإجرامي والنتيجة الإجرامية، وتقول الأستاذة joulin- Koering أنه يمكن إعتبار مكان الجريمة هو مكان ارتكاب الفعل الإجرامي أو مكان النتيجة الإجرامية طالما أن هذين العنصرين هما الوسيلة الوحيدة لإجراء ذلك”[91].

وأضاف الأستاذ Lombois أنه “بتحليل مقتضيات الفصل 693 من م إ ج يتضح أن المشرع الفرنسي يعتمد النظرية المختلطة، وبها تم توضيح طبيعة الجريمة من زاويتي التطبيق المادي للجريمة وكذلك ظهور أثرها، فلتكن هذه أو تلك تمت بفرنسا فإن القضاء الفرنسي يكون هو المختص ومثال ذلك لنفترض أن معملا معدا لصنع قطع مزورة، قام بقص المعدن بدولة ما بينما نقشها بدولة أخرى، فيكفي أن تكون فرنسا إحدى هاته الدول لتكون مختصة للنظر في تلك الجريمة”[92].

ويتضح من ذلك أنه ليس الفعل أو النتيجة التي ساهمت في إحداث الجريمة ولكن باجتماعهما في نفس الوقت لذلك تعتبر الجريمة مرتكبة في مكان الفعل ومكان النتيجة وكذلك في كل مكان تحقق فيه الآثار المباشرة للفعل الإجرامي التي تتكون منها الحلقات المسببة التي تصل بين الفعل والنتيجة.

وتأثر التشريع الألماني وقانون العقوبات الإيطالي الصادر سنة 1930 بهذه النظرية وطبقتها المحاكم الفرنسية في بعض الأحكام التي اتجهت إلى التوسع في الاختصاص وليمتد نظرها إلى جميع الأمكنة التي كانت مسرحا للجريمة.

ومن ناحية أخرى جرى القضاء الفرنسي على الاحتفاظ بالاختصاص عن كافة الأفعال المرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة مادام فعلا واحدا منها قد ارتكب على الإقليم الفرنسي، فقضت المحاكم الفرنسية باختصاصها بجريمة صحفية عن مقال نشر في إحدى الصحف بالخارج ووزّع البعض منها في فرنسا[93].

ولاحظ الأستاذ Lombois أنه هناك تضارب فقهي حول “الفعل” و”النتيجة”، إذ أن معانيهما لا تكون دائما منسجمة فمن جهة إن النتيجة لها معنى ضيّق لا يشمل بالضرورة كل الآثار المنجرّة عن الفعل بالإضافة إلى أنه لا تكون كل نتيجة مؤثرة في الفعل أو في تقدير العقوبة المسلطة لذلك اقترح الفقه ضرورة وضع معيار آخر إلى جانب مكان النشاط الإجرامي وهو مكان حصول الأثر المباشر وأضاف شقّ آخر تحديد النتيجة التي تؤثر في الاختصاص المكاني.

اقتراح الأثر المباشر :
يرى أصحاب هذا الاتجاه أنه لا فائدة من مكان حصول النتيجة إذا كان غير مكان الأثر المباشر فيمكن الأخذ بمكان ارتكاب الفعل أو مكان الأثر المباشر على السواء طالما أن المكان الأول يسهل فيه الإثبات وجمع الأدلة والشهود والمكان الثاني لا يقل أهمية نظرا إلى أنّ أثر الجريمة حرّك كيان المجتمع، فيتضح أن المكانين تحقق فيهما وظيفة العقاب الذي يمكن تسليطه على الجاني.

ولاحظ الأستاذ Lombois أنه يجب التركيز على النتيجة المباشرة التي جاء بها الفعل ومثال ذلك إن نتيجة الطلق الناري ليست ظهور القذيفة في حد ذاتها ولكن الإصابة التي لحقت بالمتضرر وكذلك في حالة الاعتداء بالسبب والشتم على شخص ليست النتيجة في ردود الفعل النفسية للمعتدي عليه ولكن أيضا في الأضرار التي لحقته من جرّاء ذلك الاعتداء.

اقتراح النتيجة المحدّدة :
يرى الأستاذ M. Travers أنه “يجب ألا نبالي بنتيجة الجريمة من ناحية الإختصاص إلا إذا أثرت في وصف الفعل أو في تقدير العقوبة والنتائج التي لا دخل لها في وصف الفعل أو لا تؤثر في العقوبة الواجب النطق بها يجب استبعادها من دائرة الاختصاص المكاني”[94].

وعموما تعددت الآراء بخصوص النتيجة فأخذ البعض بفكرة التصوير القانوني للنتيجة أي أنها حقيقة قانونية تتمثل في الاعتداء على الحق أو المصلحة التي يحميها القانون بالعقاب على الجريمة أما الأثر المادي للنشاط لا يمكن أن يكون مظهرا للإعتداء، فالنتيجة ليست سوى الضرر أو تعويض المصلحة محل الحماية للخطر. و يتضح من هذا الرأي أن أغلب الجرائم تتحقق لها نتيجة معينة.

وخلافا لذلك أخذ البعض الآخر بالتصوير المادي للنتيجة أي أن النتيجة حقيقة مادية بمثابة الواقعة تقبل التحديد بالزمان والمكان، ولكن لو سايرنا هذا الاتجاه تكون هناك جرائم نشاط محض يعاقب فيها القانون على مجرد ارتكاب الفعل وجرائم ذات النتيجة يشترط القانون أن ينتج عن الفعل الإجرامي نتيجة معينة ويرى الأستاذ محمد كمال أنور أنه يمكن الأخذ بالفكرة المادية للنتيجة التي على أساسها يتحدد زمان ومكان ارتكاب الجريمة باعتبار أن النتيجة يجب أن تكون واقعة متميزة عن نشاط الجاني ولكنها مرتبطة به برابطة السببيّة المادية[95].

وأشار الأستاذ Lombois إلى أنه “ينبغي أن نقابل التصرف بالتفكير نظرا لدور العنصر المعنوي في الجريمة، إذ إعتبرت إحدى القرارات التعقيبية الفرنسية إقصاء الاختصاص الفرنسي لأن النية الاجرامية في الجريمة تهدف إلى تحقيقها خارج التراب الفرنسي، لكن هذا الدليل ساعد على بيان أن الركن المادي الذي كان توطينه محل شكّ لا يمكن أن يقع إلا في الخارج لارتباط الركن المعنوي بالركن المادي”[96].

والملاحظ أن هناك نتائج فورية بما أن الجريمة ينتهي كل نشاطها ونتيجتها في وقت واحد وعلى مكان واحد. وهناك نتيجة تحدث وقائعها المرتبطة في أزمنة وأمكنة متفرقة وهو ما جعل الفقه يعتبر أن تحديد مكان ارتكاب الجريمة بالمكان الذي حدث فيه النشاط أي بمعنى “الأثر المباشر” والغاية من ذلك استبعاد الأمكنة الأخرى التي قد ينتقل إليها المتضرر وتحدث فيها باقي الوقائع التي تكون النتيجة التي قصدها الجاني.

وخلاصة القول فإن تكاتف الدول نحو محاربة الجريمة والعمل على عدم إفلات المجرم من العقاب فإنه إذا ما التجأ المجرم إلى دولة أخرى فإن الاختصاص يتوسع وتصبح كل دولة مسؤولة ولو بجزء يسير عن الجريمة.

وأما من الناحية الإقليمية فإن تحديد مكان ارتكاب الجريمة يمكن أن يكون مكان حصول نشاط المجرم أو مكان نتيجة هذا النشاط ولكن هذا الرأي يؤدي إلى وجود تنازع في الاختصاص بين دولتين على الأقل. فهل يمكن إسناد أولوية في الاختصاص؟ وإذا تأملنا في مسألة تفضيل أي المكانين من ناحية الاختصاص نجدهما على قدم المساواة طالما أن الغاية التي تصبو إليها الدولتين هي حماية مجتمعها من الجريمة لذلك اقترح البعض أنه يجب التفرقة بين جرائم النشاط المحض والجرائم ذات النتيجة،

فبالنسبة للأولى يكون الفعل الإجرامي هو معيار تحديد مكان الاختصاص فينعقد الاختصاص للدولة التي ارتكب فيها ويلحق بذلك الجريمة الخائبة التي خاب فيها أثرها لسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه، وأما بالنسبة للثانية أي الجرائم ذات النتيجة وتكون جرائم تامة أو موقوفة كما يفضل إسناد الاختصاص إلى الدولة التي حدثت فيها نتيجة الفعل، ولاحظ الأستــــــاذان Huet et Koering أنه “قبل سنة 1958 تم اعتماد الموقع الترابي في جريمة القذف العلني بواسطة رسالة أين ارتكبت الجريمة Tribunal cour, Seine بتاريخ 02 مارس 1886، ولكن بعد ذلك واعتمادا على تطبيق النظرية المختلطة، فإن تلوث سيلان المياه التي أحدثتها شركة متواجدة ببلجيكا تم تحديدها ترابيا بالبلاد الفرنسية ومبرر ذلك انعكاساتها قد أثرت على الوسط البيولوجي لعيش الأسماك بالإقليم الفرنسي، وهو ما جاء به القرار التعقيبي المؤرخ في 15 نوفمبر 1977”[97] .

فلئن اختلفت الآراء بخصوص الجرائم الإيجابية فلعله تكون أكثر حدة بالنسبة للجرائم السلبية.

الجرائم السلبية :
تعرف بأنها الامتناع عن القيام بفعل إيجابي يفرضه القانون، وتظهر للعالم الخارجي من خلال السلوك السلبي الذي اقترفه مرتكبها ومثال ذلك جريمة عدم إحضار محضون التي نظمها المشرع التونسي بالقانون عدد 62 المؤرخ في 24 ماي 1962 ولكنه لم يوضح مكان ارتكابها بصفة صريحة.

فلعل توطين جرائم الامتناع يطرح إشكالا خاصا نظرا لصبغتها وهيمنة الجانب الإرادي فيها ولكن يلاحظ الأستاذان Huet et Koering أنه بالاعتماد على النظرية المعمول بها في القانون الداخلي يمكننا تحديدها ترابيا في المجال الدولي ولكن يظهر للعديد من شراح القانون أن الجرائم السلبية ينقصها الجانب المادي فهناك إشكالية في التحديد الترابي لشيء لم يحدث بصفة مادية وهو ما ذهب إليه الأستاذ « Jeandidier » ويرى البعض الآخر عكس ذلك فإن الجرائم السلبية لا تطرح إشكالا حول تحديد مكان ارتكابها فيكفي تغيير موقع الحلول التي تم التوصل إليها حول الجريمة بمعنى أن مكان المطالبة بالفعل يصبح يطابق مكان النتيجة.

فيتضح أن جريمة الامتناع تظهر في المكان نفسه الذي كان ينبغي فيه مدّ يد المساعدة لشخص وإنقاذه ولكنه امتنع عن القيام بذلك، وهذا المفهوم البديهي متفق عليه فقها وقضاءا، أي أن تحديد مكان ارتكاب الجريمة السلبية يكون مصاحبا للمكان الأصلي الذي كان يلزم الجاني القيام بفعل إيجابي معين. فاستقرّ فقه القضاء الفرنسي ردحا من الزمن على اعتبار أن الامتناع يكون أصالة بالمكان الذي كان ينبغي أن ينفّذ به الالتزام.

وهو ما اتجه إليه القرار التعقيبي المؤرخ في 27 أكتوبر 1966 إذ جاء فيه أن جريمة عدم إحضار محضون من اختصاص المحاكم الفرنسية إذا ما كان تسليم الطفل بفرنسا[98] ولكن هذا الاتجاه انتقده الفقه نظرا لما يتضمنه من حلول مجحفة تمس في أغلب الحالات حقوق المتضرر، فلاحظ الأستاذ Lombois “أن حرمان الطفل سنه أقل من خمسة عشر عاما من العلاج والرعاية الصحية يعتبر جريمة حسب مقتضيات الفصل 312 فقرة سادسة من القانون الجنائي وهذا الحرمان يصاحب الطفل أينما يوجد وكذلك أين يوجد من عليه واجب الإنفاق”[99].

فيتضح أن بعض الالتزامات يكون فيها الفعل فوريا بنفس المكان الذي نشأ فيه الالتزام مثال ذلك الامتناع عن الإنقاذ أو الامتناع عن الإعلام بجريمة كان بالإمكان الحد من خطورتها أو التصدي لأثارها، ففي هذه الحالات الواقعة نفسها تولّد التزاما تجاه المطلوب للقيام بفعل أو بنشاط معين فيتحدد مكان الجريمة حسب مكان الامتناع، ولكن من ناحية أخرى في بعض الالتزامات الأخرى يكون للمطلوب متسع من الوقت للقيام بالفعل المطالب به أو أنه يلزمه القانون أو الاتفاق بمكان معين.

لذلك يتجه القول بأن العنصر المحدد لتوطين جرائم الامتناع ليس فقط الوضعية المكانية للمطلوب بالالتزام طالما أنه في العديد من الحالات يكون مكان التنفيذ هو المكان الذي يوجد به المستفيد. فتأكد أهمية مكان نتيجة الامتناع أصبح أكثر جدوى من مكان الفعل السلبي وهو ما كرسه المشرع الإيطالي وما ذهب إليه الفقه وفقه القضاء الفرنسي إذ جاء في القرار التعقيبي المؤرخ في 29 مارس 1962 موضوعه جريمة إهمال عيال، “أن المحاكم الفرنسية لا تكون مختصة فقط عندما يكون الدائن مقيم بفرنسا (المكان الواجب التنفيذ) ولكن ملابسات جريمة الامتناع وحقيقتها الإرادية تجعلها منسوبة للدائن المقيم بفرنسا أو في الخارج”[100].

ولئن أثارت الجرائم البسيطة العديد من الإشكالات حول تحديد مكان ارتكابها فإن الجرائم المركبة والمستمرة والاعتيادية تبدو أكثر صعوبة لتعدد عناصرها المادية واستمراريتها على عدة أقاليم مختلفة.

الفقرة الثالثة : تحديد الجريمة المركبة والمستمرة والاعتيادية

نظرا لما تتصف به هذه الجرائم من تعقيد سواء من حيث طبيعتها أو لما تفرضه من أركان لقيامها يتجه البحث عن تحديد موطن الجريمة المركبة (أ) ثم الجريمة المستمرة (ب) وأخيرا جرائم الاعتياد (ج).

الجرائم المركبة :
الجرائم المركبة اسم جامع تنطوي تحته مدلولات مختلفة، وبمعنى القانون الجزائي يقصد بهذا التعبير الجريمة التي تتألف من عدة أفعال مادية مختلفة يمكن أن تكون منفصلة عن بعضها بفاصل من الزمن والمكان. إذ يمكن أن ترتكب بعض الأفعال المكونة للجريمة على إقليم دولة ويتم العنصر الآخر على إقليم دولة أخرى وهو ما يطرح إشكالية تحديد مكان ارتكاب الجريمة. بالإضافة إلى أن كل العناصر المادية التي تكون الجريمة المركبة تساهم بنفس الدور في إحداث النتيجة. فمثلا بالرجوع إلى الفصل 291 من المجلة الجنائية يتضح أن المشرع التونسي أكد على ضرورة توفر عنصرين في جريمة التحيل :

استعمال مدلس أو صفات غير صحيحة أو اللجوء للحيل والخزعبلات التي من شأنها اقناع الغير بوجود مشاريع لا أساسا لها…
تسلم أو محاولة تسلم الأموال أو الرقاع أو الممتلكات
وكذلك بالفصل 245 من المجلة الجنائية :

العلانية
نية الإذاية بالتشهير
وهو ما أكدته محكمة التعقيب في العديد من القرارات مثل ما جاء بالقرار التعقيبي المؤرخ في 26 مارس 1986 تحت عدد 14935 : “الحيل والخزعبلات لا تكفي لتوفير جريمة التحيّل لانتفاء الركن الأساسي للجرم وهو الاستيلاء على مكاسب الغير”[101].

ويتضح من خلال ما استقرت عليه محكمة التعقيب أن هذه الجرائم لا تثير أي إشكالا إذا ما تم ارتكاب كافة عناصرها المادية، ولكن تطرح مسألة تحديد مكان ارتكابها إذا ما تمت تجزئة عناصرها المادية على أماكن مختلفة.

فنصت بعض التشاريع المقارنة بصفة صريحة على أنه “تعد الجريمة مقترفة في الأرض السورية إذا تم على هذه الأرض أحد العناصر التي تؤلف الجريمة أو فعل من أفعال جريمة غير متجزئة أو فعل اشتراك أصلي أو فرعي أو إذا حصلت النتيجة في هذه الأرض أو كان متوقعا حصولها فيها، “وهو نص المادة 15 من قانون العقوبات السوري وكذلك المشرع الفرنسي بالمادة 113 من المجلة الجنائية والفصل 693 من مجلة الاجراءات الجزائية وترسّخ الحل المبدئي في هذه التشاريع أنه يرجع إليها الاختصاص في هذه الجرائم المركبة بمجرّد حصول ارتكاب أحد العناصر المادية بأرضها. وليس من الضروري أن يكون الركن المادي قد تم بكامله على الإقليم.

ولكن لاحظ الأستاذان Huet et Koering أنه عند تحرير الفصل 693 من مجلة الإجراءات الجزائية فإن المشرع قد فكّر في هاته الجريمة ما دامت لها بطبيعتها صبغة الدول وما دامت الجنحة لكي تتكون ماديا تفترض اجتماع عنصرين منفصلين على الأقل فيكون من السهل بالنسبة للجناة أن يقوموا بالعمليات الإجرائية على أراضي دولتين على الأقل، كما يتجه التفكير مباشرة لجريمة التحيّل التي تحدد مكان ارتكابها المحاكم بصفة مغايرة عن مكان الجريمة وعن الوسائل التي تم استعمالها في إنجاز التحيّل، وذلك في العديد من القرارات ومنها القرار التعقيبي المؤرخ في 11 أفريل 1988.

وكذلك القرار التعقيبي المؤرخ في 06 جانفي 1872، والقرار المؤرخ في 28 نوفمبر 1996 والملاحظ أنه في هذه القرارات يقع تفكيك بصفة مجحفة للجرائم لكي تتعدد نقاط الالتقاء مع التراب الفرنسي وأحيانا يكون في إطار شرط مسبّق يقع تصنيفه بأنه تصرف مميز يشمل عنصر مكون للجريمة ويتم تحويله من جريمة بسيطة ارتكبت بالخارج إلى جريمة مركبة حدثت بصفة سطحية وجزئية بفرنسا، مثل ما جاء بالقرار التعقيبي المؤرخ في 12 فيفري 1979”[102]. وبمزيد من البحث والتعمق تساءل الفقه عن إمكانية تحديد عنصر مميز عن بقية العناصر المادية يمكن من خلاله توطين الجريمة المركبة، بعبارة أخرى مثلا في جريمة التحيّل هل يمكن اعتبار الإقليم الذي ارتكب فيه الوسائل الاحتياليّة أو الخزعبلات له امتياز التعهد عن الإقليم المرتكب فيه الاستيلاء؟

وأجابت الأستاذة Joulin- Koering “إثر المقارنة بين جريمتي نجد فيهما عنصر الاستيلاء وهي السرقة والتحيّل، يتضح أن الوسائل الاحتياليّة أو الخزعبلات تظهر أنها تساهم أكثر في تكوين الجريمة وبذلك فإن الإقليم المرتكب فيه تلك الوسائل يكون له أولوية في الاختصاص”[103] وهو ما اتجهت إليه محكمة التعقيب التونسية في قرارها المؤرخ في 30 أفريل 1980 تحت عدد 4058 وجاء فيه ” الركن الجوهري لجريمة التحيّل يتمثل في الخزعبلات التي يقوم بها مرتكبها في إيهام الغير بوجود أشياء لا وجود لها في الواقع” لذلك يبدو أقرب إلى الذوق القانوني إعتبار الإستيلاء كعنصر ثانوي في جريمة التحيّل وعليه إسناد إمتياز للمكان المرتكب فيه الوسائل الاحتياليّة.

وتبدو الصعوبة أكثر في تحديد موطن بعض الجرائم المركبة مثل الاعتداء على حرمة الآداب العامة أو القذف العلني، فلئن نظم المشرع التونسي جريمة القذف العلني بالفصلين 245 و 249 من المجلة الجنائية فلم يتعرض لحالة ارتكاب نية الإذاية بالتشهير في بلد معيّن وارتكاب عنصر العلانية في بلد آخر.

واختلفت الآراء في تحديد موطن جريمة القذف العلني، فهناك من اعتبر أن عنصر العلانية هو الذي يحدد مكان ارتكاب الجريمة، تأسيسا على أن هذا العنصر له أهمية كبيرة في إحداث نتيجتها. واتجه شقّ آخر لاعتماد مكان نية الإذاية بالتشهير، وهو ما ذهبت إليه محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 29 أكتوبر 1953 الذي تضمن أنه يمكن تحديد موطن جريمة القذف العلني على أساسا مكان النشر.

ولكن يبقى السؤال مطروح إذا ما تعددت أماكن النشر، فهل يمكن التوصل لتحديد المكان الأول الذي تم به النشر؟

الجرائم المستمرة :
تتميز هذه الجرائم بامتداد الأفعال التي تكونها على أكثر من إقليم، ومثال ذلك أن يتقلد شخص أوسمة بدون وجه قانوني ثم يسافر من تونس إلى مصر بعد أن يمر بليبيا، ففي هذه الحالة قد حصل جزء من حالة الاستمرار في الإقليم التونسي ثم في الإقليم الليبي ثم في الإقليم المصري.

والملاحظ أن القانون التونسي لم يتعرض إلى تحديد اختصاص النظام الجزائي التونسي بالنسبة للجرائم المستمرة. وعملا بما اتجه إليه الفقه يمكن تطبيق القانون التونسي على كل شخص يحمل معه الجريمة في الإقليم التونسي مثلا عندما يضبط المتهم مثقلا بالمخدرات أو الأسلحة.

وأشار الأستاذان Huet et Koering إلى أن : “التحديد المكاني لهاته الجريمة لا يخضع للنظرية المختلطة لأن عناصرها المادية تكون بالضرورة مجتمعة في كل الأماكن والأزمنة التي ترتكب فيها. فهناك اتفاق بين الفقه وفقه القضاء في القول بتساوي الاختصاص بين تشريعات كل الدول التي ارتكبت على أراضيها مثل تصرفات الجوسسة القرار التعقيبي المؤرخ في 27 جويلية 1933 أو حمل أسلحة مهربة قرار تعقيبي مؤرخ في 25 سبتمبر 1948 أو الفرار بقاصر قرار تعقيبي مؤرخ في 23 فيفري 2000”[104].

غير أن الحلول التي اتجه إليها الفقه، من شأنها أن تولد تنازعا بين الدول فاقترح الأستاذ دوندي دي فابر أن الواجب اعتبار نقطة المنطلق أن الدول جميعا متساوية في الحقوق والسيادة لهذا وجب إعطاء الأفضلية لقاضي الدولة الذي تطرح الدعوى أمامه لأول مرة.

ولكن هذا الحل يطرح العديد من الإشكالات، فهل أن القاضي المتعهد أولا بالقضية يعطي الاعتبار لكافة الأفعال التي تتألف منها الجريمة سواء منها ما حصل بإقليم دولته أو ما حصل خارج حدودها أم أنه يتقيد فقط بالأفعال التي ارتكبت بإقليم دولته؟

وتطبيقا لمبدأ الإقليمية فإن القاضي يقصر نظره على الأفعال المادية التي تمت بإقليم دولته ولا يعطي أي اهتمام إلى غيرها من الأفعال التي تقع بخارجه. ولكن هذا الحل لا يتماشى مع ما تهدف إليه تشريعات الدول التي تعمل على ضرورة تكاتف الجهود والتصدي لكل مظاهر الإجرام الدولي.

ج- جرائم الاعتياد :

تفترض هذه الجرائم ضرورة إعادة ارتكاب الفعل أو السلوك الإجرامي ليصحّ تكييفها بجرائم الاعتياد بمعنى أنه لا تتكون الجريمة إلا عندما يتم إعادة التصرف الإجرامي مرة ثانية.

ويطرح هذا الصنف من الجرائم إشكالية توطينها خاصة إذا ما سبق ارتكاب الفعل الإجرامي في دولة أخرى، فهل يمكن وصفها بجريمة الاعتياد إذا ما كان ارتكاب التصرف لأول مرة على الإقليم التونسي؟

يعتبر الأستاذان Huet et Koering أنه يمكن تحديد مكان ارتكاب جنحة الاعتياد إذا ما حصل التصرف المكون للجريمة بالأراضي الفرنسية بشرط أن يكون مسبوقا بتصرف مماثل على الأقل، ومثال ذلك الممارسة اللاشرعية للطب.

ويتضح أن الفقه الفرنسي يعتبر أنه يمكن تحديد موطن الجريمة على أساس ارتكاب الفعل الإجرامي في الخارج، ويبقى ذلك معلقا على إثبات ذلك التصرف بدولة أخرى فرغم سكوت المشرع التونسي عن توطين هذا الصنف الإجرامي.

يبدو أن توجه الدول الحديثة حول مكافحة الجريمة يكرس القضاء على الجرائم لذلك من الأفضل أن يتم توطين جرائم الاعتياد رغم ارتكابها لأول مرة بأحد الدول.

ورغم صعوبة تحديد موطن الجريمة الأصلية فإن الحلول الفقهية تبدو متقاربة وذلك باعتماد النظرية المختلطة، فما هي الحلول بالنسبة لارتباط الجرائم وعدم قابليتها للتجزئة والمشاركة فيها سواء من داخل الإقليم أو خارجه.

الفرع الثاني : تحديد موطن الأفعال التبعيّة

اعتبر القانون الجزائي إقليمي لارتباط الجريمة بالإقليم وإسناد الاختصاص لمحاكم دولة مسرح الجريمة، ولكن نظرا لتفشي ظاهرة الجريمة المنظمة أصبح من الممكن أن يتم الاتفاق بين عدة أشخاص في أوقات وأماكن مختلفة على ارتكاب عدة جرائم بأقاليم مختلفة، ومثال ذلك اختطاف قاصر من الجزائر وإزهاق روحه بالتراب التونسي، عندئذ نكون أمام جريمتين مرتبطتين بالإضافة إلى أن ارتكاب الجريمة الأولى كان بقصد ارتكاب الجريمة الثانية فيطرح التساؤل عن إمكانية امتداد الاختصاص القضائي للأفعال التبعية المرتكبة بدول أخرى، وبعبارة أخرى هل يمكن ضم هذه الجرائم إلى بعضها وإسناد الاختصاص إلى إحدى الدول؟

فلئن احتدّ النقاش الفقهي والفقه القضائي بخصوص الارتباط وعدم قابلية التجزئة (الفقرة الأولى) فإنه أقل حدة عند توطين أفعال المشاركة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الارتباط وعدم قابلية التجزئة

يقصد بارتباط الجرائم “أن تكون هناك أكثر من جريمة مقترفة وأكثر من فاعل واحد، وتسمى أيضا الجرائم المتلازمة”[105] والأساس الذي تقوم عليه هذه الجرائم هو الاتفاق الجرمي، ولا يخفى أن صفة التلازم ضرورية كشرط لإجراء محاكمة موحدة لهؤلاء الفاعلين من قبل هيئة قضائية واحدة.

ويتضح أن الغاية من الارتباط وعدم قابلية التجزئة هو بيان الأفعال المرتكبة وربطها ببعضها قصد الوصول إلى محاكمة عادلة وتفادي التناقض بين الأحكام القضائية ولئن اعتبر البعض أن عدم قابلية التجزئة كنتيجة لارتباط الجرائم، فإن هناك خلط فقهي وفقه قضائي بينهما (أ) واقترح الفقه[106] الأخذ بعدم الانقسام واستغرب الارتباط السطحي لتوطين الجريمة (ب).

الخلط الفقهي والفقه القضائي للارتباط وعدم قابلية التجزئة :
نظرا لتشابه مفهومي الارتباط وعدم قابلية التجزئة أثر ذلك على ذهن الفقه وفقه القضاء الفرنسي. كما تجدر الإشارة إلى أن المشرع التونسي لم يتعرض لهذه المفاهيم، وهو بخلاف ما أكدته عدة تشاريع مقارنة، مثل ما نصت عليه المادة 115 من القانون الجزائي السوري إذ تضمنت ما يلي : “تكون الجرائم متلازمة :

أولا إذا ارتكبها في آن واحد عدة أشخاص مجتمعين،

ثانيا : إذا ارتكبها أشخاص متعددون في أوقات وأماكن مختلفة بناء على اتفاق بينهم.

ثالثا : إذا كان بعضها توطئة للبعض الآخر أو تمهيدا لوقوعه وإكماله أو لتأمين بقائه بدون عقاب.

رابعا : إذا كانت الأشياء المسلوبة أو المختلسة أو المستحصلة بواسطة جناية، أو جنحة قد اشترك عدة أشخاص في إخفائها كلها أو بعضها”

ويتضح أنه يجب التفريق بين المشاركة والارتباط وعدم قابلية التجزئة،

وأكد الأستاذ Garraud ذلك بقوله : “إن عدم قابلية التجزئة تفترض وحدة في النتيجة فهي النتيجة، بينما في الارتباط هناك تعدد جرائم مما يفرض محاكمة جميع عناصر هاته الجريمة الواحدة، والتي تكون جميع وقائعها واحدة نتجت عن طبيعة الأشياء، فهي تفرض نفسها كضرورة وليست اختيارية خاضعة للسلطة التقديرية للقاضي”[107].

في حين يعارضه البعض الآخر بأن عدم قابلية التجزئة تبرز كعلاقة تبعية بين مختلف الجرائم بينما لا يرمي الارتباط إلا لعلاقة سبب بنتيجة.

ويتجه شق ثالث إلى أن “الجرائم المتلازمة ليست إلا حالة تطبيقية لمبدأ عدم التجزئة لأنها تستند إلى النية الجرمية”[108].

والملاحظ أن المحاكم التونسية لم تتعرض لكلا النظريتين، وتعتبر أن كل التصرفات التابعة للوقائع الرئيسية هي أعمال مشاركة ولذلك يتم تطبيق الفصل 32 من المجلة الجنائية.

واتجه فقه القضاء الفرنسي لاعتماد نظرية الارتباط في القانون الجنائي الدولي ولكن اختلط عليه الأمر بنظرية عدم قابلية التجزئة منذ صدور القرار التعقيبي المؤرخ في 21 نوفمبر 1806 الذي تضمنت وقائعه “أن سفينة أجنبية حاولت تفريغ مواد خطرة ومحظورة على الشاطئ الفرنسي، لكن بتكاتف جهود السلط الفرنسية تم التصدي لها ومنعها من إجراء ذلك، وإثر ملاحقة تلك السفينة على الضفة الهولندية حصلت معركة نجم عنها وفاة عدة مأمورين فرنسيين”[109] فاتجهت المحكمة العليا الفرنسية بإعلان اختصاصها على مجموع وقائع الجريمة تأسيسا على عدم قابلية التجزئة رغم أن الدولة الفرنسية لم تتعرض سواء لمحاولة ارتكاب الجريمة.

وأضافت الاستاذة Koering-Joulin أن هذا الحكم القضائي غير معلّل طالما لم يثبت أن أطراف المعركة كانوا جميعا قائمين بمحاولة ارتكاب الجريمة.

الحلول المقترحة من الفقه وفقه القضاء الفرنسي :
إن الخلط بين نظرية الارتباط ونظرية عدم قابلية التجزئة أثر على الحلول التي خلص إليها الفقه وفقه القضاء الفرنسي.

إذ لم يتردد فقه القضاء الفرنسي على اعتماد نظرية الارتباط في العديد من القرارات وإعلان اختصاصه بصفة موسعة مثل القرار التعقيبي المؤرخ في 21 أفريل 1981[110].

واتجه إلى أن الجرائم تعتبر مرتبطة كلما وجدت ملابسات تخلق صلة بينها، ولذلك فإن تحقيق إحدى هذه الجرائم يساعد على تقدير الظروف الأخرى. كما أنه من الضروري توحيد المحاكمة في الجرائم الواقعة ضد أمن الدولة الخارجي، وأنه لا مانع من التوحيد في كل أنواع الجرائم في كل مرة يبدو أن مصلحة العدالة تقتضي ذلك أو أن التحقيق في حال التوحيد يكون أسهل منالا.

وخلافا لذلك يتفق الفقه أنه يمكن قبول تطبيق نظرية عدم قابلية التجزئة في القانون الجنائي الدولي، وعدم اعتماد نظرية الارتباط، خاصة إذا ما كان ارتباط سطحي أو بسيط بين الجرائم. وذلك حفاظا على سيادة الدول وتكريس مبدأ إقليمية القانون الجزائي.[111].

ويبدو رغم التردد الفقهي والفقه القضائي فإنه من الأفضل اعتماد نظرية الارتباط في القانون الجنائي الدولي لتحقيق الجانب الوقائي من الجرائم المرتكبة فوق أقاليم مختلفة والتي يمكن هروب مرتكبيها من العقاب. وما هي إذن تصرفات المشاركة التي ارتكبت فوق إقليم غير الذي ارتكبت فيه الجريمة الأصلية؟.

الفقرة الثانية : توطين المشاركة

لا ريب في أن الإجرام بحد ذاته خطر عظيم على المجتمع ولكن أخطر منه أن يشترك فيه أشخاص متعددون، وتعني المشاركة جملة الأفعال التي يقوم بها شخص أو مجموعة أشخاص آخرين مع الفاعل الأصلي في ارتكاب الجريمة.

وتعرض المشرع التونسي للمشاركة ضمن الفصل 32 من المجلة الجنائية، ولا تطرح أية صعوبة عندما ترتكب المشاركة مع الفعل الأصلي بنفس إقليم الدولة. وتظهر صعوبة توطين أفعال المشاركة في صورة ارتكابها بدولة والفعل الأصلي بدولة أخرى.

واعتمادا على نظرية استعارة التجريم يتأكد التوطين فوق الإقليم الوطني للجريمة الرئيسية ويمتد لأفعال المشاركة التي تمت بالخارج (أ) وبصفة معاكسة فإن المشاركة فوق التراب الوطني في جريمة ارتكبت بالخارج غير خاضعة للاختصاص الوطني (ب).

توطين المشاركة داخل الإقليم الوطني :
تأكيدا لمبدأ إقليمية القانون الجزائي، فإن القاضي يقصر نظره على الجرائم المرتكبة بإقليم الدولة ولا يهتم بما يحدث خارجه من جرائم ونتيجة لذلك فإن أفعال المشاركة لا تخضع للقانون الجزائي الوطني طالما أنها ارتكبت في الخارج ولكن اعتمادا على نظرية استعارة التجريم. وعلى أساس الإقليمية المفترضة[112]. Territorialisme de Fiction يمكن تتبع الشريك ومعاقبته طبق القانون الوطني.

وتجدر الملاحظة إلى أن بعض التشاريع الحديثة أكدت “مبادئ النظريات الشخصية، فقررت مسؤولية الشريك على نيته دون النظر إلى النتيجة التي أرادها وسعى إلى تحقيقها وفصل المشرع السوري بين هذه المسؤولية ومسؤولية الفاعل الأصلي وينتج عن ذلك من حيث المبدأ أن اختصاص المحاكم الوطنية تتقرر للنظر في مسؤولية الشريك ولو قام بتحريضه وراء الحدود[113]، واتجه القانون المصري نفس المنحى بالفصل الثاني من قانون العقوبات “تسري أحكام هذا القانون أيضا على الأشخاص الآتي ذكرهم أولا : كل من ارتكب خارج القطر فعلا يجعله فاعلا أو شريكا في جريمة وقعت كلها أو بعضها في القطر المصري”.

وأما المشرع التونسي فإنه سكت عن إمكانية تتبع المشاركة المرتكبة بالخارج في جريمة مرتكبة على الإقليم الوطني، لكن لا يوجد مانع من تتبع أفعال المشاركة الواقعة بالخارج في صورة ارتكاب الجريمة الأصلية بالإقليم التونسي وذلك تكريسا لنظرية استعارة التجريم الوارد ذكرها بالفصل 33 من المجلة الجنائية، فطالما أن المشرع التونسي اعتمدها في القانون الداخلي يتجه تطبيقها على المستوى الدولي.

وفي كل الحالات يشترط توطين المشاركة المرتكبة خارج الإقليم الوطني أن تكون الجريمة الأصلية ارتكبت بالتراب التونسي.

توطين المشاركة خارج الإقليم الوطني :
من الممكن أن تكون المشاركة صادرة عن شخص تونسي، فإنه عملا بنظرية استعارة التجريم تصبح تلك الأفعال متبوعة بالفعل الأصلي المرتكب بالخارج، وبالتالي تخرج عن اختصاص المحاكم التونسية.

وهو ما اتجه إليه المشرع الفرنسي بالفصل 690 من مجلة الإجراءات الجزائية قديم، والفصل 113 خامسا من المجلة الجنائية، والذي جاء فيه أنه “يمكن تتبع ومحاكمة كل من قام بفعل اشتراك وهو على الإقليم الفرنسي في جريمة ارتكبت بالخارج إذا كانت الفعلة معاقبا عليها في القانون الأجنبي والقانون الفرنسي بشرط أن يقع إثبات الجناية أو الجنحة بحكم بات صادر عن المحاكم الأجنبية”[114].

ويتضح أن صيغة الفصل 690 قديم والفصل 113 جديد من القانون الفرنسي تشترط ازدواجية التجريم أي أن الفعل الأصلي وفعل المشاركة معاقبا عليهما في القانون الأجنبي والقانون الفرنسي، وهو ما أكده القرار التعقيبي الفرنسي المؤرخ في 10 فيفري 1999[115].

بالإضافة إلى أن المشرع الفرنسي صلب الفصل 113 جديد اقتصر على معاقبة الشريك طبق القانون الفرنسي في صورة عدم معاقبته من طرف القانون الأجنبي. ولعلّ الغاية من هذا التجديد أن المشرع الفرنسي يهدف إلى الحدّ من خطورة المشاركة في الجرائم. وعلى أي حال فإن أفعال الشريك المرتكبة من داخل التراب التونسي تتبع الفعل الأصلي الموجود بالخارج.

ولئن اتضح مكان ارتكاب الجريمة داخل الإقليم التونسي، فإن المشرع التونسي حرص على سلامة إجراءات التتبع.

المبحث الثاني : إجراءات التتبع
تكريسا لمبدأ المساواة، حدّد المشرع التونسي قواعد التجريم والعقاب وضبطها بقواعد إجرائية لضمان حقوق المتقاضين وتأكيد العدالة الجزائية في كل طور من أطوار التقاضي، ولئن كان من البديهي أن تطبيق القانون الجزائي يفترض بالضرورة القواعد الإجرائية المعمول بها في دولة القاضي الإقليمي (الفرع الأول) فإنه من الممكن أن تتداخل بعض العناصر الأجنبية وتؤثر في سير الإجراءات (الفرع الثاني)

الفرع الأول : التقيد بإجراءات القانون الإقليمي

إن اختصاص القاضي الإقليمي يلزم أطراف الدعوى بالخضوع لإجراءاته، وهو مبدأ تنظيمي اعتمدته جلّ الدول وهو ما يدعو للبحث عن محتواه (الفقرة الأولى) وبيان النتائج المترتبة عنه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : محتوى المبدأ

يقصد بمبدأ التقيد بإجراءات القانون الإقليمي ضرورة خضوع أطراف الدعوى الجزائية للقواعد الإجرائية المعمول بها لدى القاضي الإقليمي.

فهذا المبدأ يلزم المتهم أو المثار ضده التتبع بالخضوع لجميع الإجراءات التي تتخذ ضده بمناسبة ارتكابه للجريمة، مثل إجراء محضر الاحتفاظ أو الإيقاف التحفظي أو اتخاذ إحدى البطاقات القضائية ضده.

مع الملاحظ أن المشرع التونسي حرص على تكريس حقوق الإنسان وذلك بإقرار كل الضمانات القانونية سواء عند اتخاذ أي إجراء قانوني ضد المتهم أو حتى بعد اتخاذه، إذ مكّن كل شخص تضرر من جراء ذلك وفي صورة ثبوت براءته من التعويض لفائدته طبق القانون عدد 94 المؤرخ في 29 أكتوبر 2002[116].

كما تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات المعمول بها في القانون التونسي لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال نظرا لارتباطها بقواعد النظام العام وتحتم تطبيقها منذ ارتكاب الجريمة وزمن تعهد سلطات الدولة بذلك.

كما تبرز الفائدة من هذا المبدأ كضمان لحقوق المتهم وحق الدفاع ومن ناحية أخرى يسهل عمل القاضي قصد اتخاذ الإجراء المناسب لصد خطورة الفعل الإجرامي.

الفقرة الثانية : نتائج المبدأ

ينتج عن تطبيق إجراءات القانون الإقليمي أنه لا يمكن للمجرم الأجنبي أن يعارض في الإجراءات المتخذة ضده أو أن يطعن فيها على أساس مخالفة ذلك الإجراء لقانونه الشخصي كأن يعارض مثلا في شكل الاستنطاق أو المكافحة أو تأدية شهادة، بما أنها لا توفر له الضمانات التي يمنحها قانونه الأجنبي.

كما لا يمكنه أن يحتج بأن القانون التونسي لا يضمن له وسائل الدفاع أمام الباحث الابتدائي أو أن تركيبة المحكمة مخالفة لقانونه أو أن وسائل الطعن المعتمدة في بلاده تخول له إمكانية الطعن.

والملاحظ أن القواعد الإجرائية لا يمكن فصلها عن القواعد الجزائية عند تطبيقها في المكان.

ولكن ضرورة التعاون القضائي بين الدول، ودخول معاهدة روما المنظمة للمحكمة الجزائية الدولية حيز النفاذ يؤثر بشكل أو بآخر على هيمنة المبدأ الإجرائي المعمول به إقليميا.

الفرع الثاني : استثناءات التقيد بإجراءات القانون الإقليمي

قد يؤثر العنصر الأجنبي على إجراءات القانون الإقليمي شكليا (الفقرة الأولى) وفي حالات أخرى يؤدي الأمر إلى تطبيق قواعد إجرائية أجنبية، (الفقرة الثانية)،

الفقرة الأولى : تأثير شكلي على الإجراءات

لقد احتاط المشرع التونسي لإمكانية أن يكون أحد أطراف الدعوى الجزائية أجنبي، فأخذ بعين الاعتبار هذا العنصر فأفرده بآجال خاصة، وعدة أعمال استثنائية.

التوسع في الآجال :
حدد المشرع التونسي بمجلة الإجراءات الجزائية آجال الحضور والاستدعاء وآجال الطعن بالاستئناف أو الاعتراض، مع أن هذه الآجال مرتبطة بقواعد النظام العام، ولكن إذا ما كان الشخص المستدعى أو المعلم بحكم موجود بالخارج تسري في حقه آجال خاصة، فجاء بالفصل 175 من مجلة الإجراءات الجزائية أن أجل الاعتراض على الحكم الغيابي يكون ثلاثين يوما إذا كان المعترض خارج تراب الجمهورية.

كذلك تضمنت بعض الاتفاقيات المبرمة بين الدول في إطار التعاون القضائي آجال استثنائية مثال الاتفاقية الأوروبية للتعاون القضائي في المادة الجزائية المؤرخة في 20 أفريل 1959.

أعمال استثنائية :
يخرج عن المبدأ الإجرائي الإقليمي بعض الأشخاص الممكن سماع شهادتهم نظرا لصفتهم الديبلوماسية أو القنصلية فيتم تلقي شهادتهم طبق إجراءات خاصة كما لا يمكن حجز بعض الأشياء الراجعة لهم أو إجراء التفتيش ضدهم.

الفقرة الثانية : تأثير كلي على الإجراءات :

اتجهت الدول الحديثة بإدخال مرونة على قوانينها وذلك في إطار التعاون القضائي، إذ اصبح من الممكن الاعتراف بالأعمال القضائية المجراة في الخارج، تسمى “الإنابة القضائية الدولية” والغاية من ذلك الإجراء، القيام بعدة أعمال محددة مثل سماع الشهود أو حجز أشياء لإثبات الجريمة، مع العلم أن الإنابة تخضع لقانون الدولة المكلفة بذلك، غير أن هذا المبدأ يمكن استبعاده بالاتفاق بين الدولتين.

بالإضافة إلى أن تتبع المجرم مثلا أمام المحكمة الجزائية الدولية من أجل ارتكاب إحدى الجرائم الدولية يدخل استثناءا على الإجراءات وذلك باعتبار أن اختصاص المحكمة تحكمه قواعد إجرائية خاصة، فعند ارتكاب جريمة دولية بتراب دولة من الدول يؤدي إلى انعقاد اختصاص تلك الدولة. ولكن في صورة امتناعها عن التتبع ينعقد اختصاص المحكمة الجزائية الدولية، وفي هذه الحالة تخضع جميع الإجراءات إلى قانون المحكمة الدولية.

خلاصـــــــــــــــة :
البـــــــــــاب الأول

نخلص للقول بأن مبدأ إقليمية القانون الجزائي من المبادئ الأساسية لتطبيق القانون الجزائي في المكان فهو أحد مظاهر سيادة الدولة على إقليمها ويهدف لفضّ تنازع الاختصاص بين الدول.

ولكن بالتأمل في نطاق تطبيقه يتضح أنه يقتصر فقط على جرائم معينة ترتكب داخل الإقليم، في حين أن الجريمة اليوم أخذت منعرجا آخر وأصبحت تهم العالم بأسره، ولعلّه يصحّ القول بأن مسألة الاختصاص أصبحت ثانوية أمام هدف الدول في القضاء على الجريمة.

البـــاب الثاني :
تراجع مبدأ إقليمية القانون الجزائي

نظرا لضيق نطاق مبدأ إقليمية القانون الجزائي وعدم قدرته على معالجة ظاهرة الجريمة، نظرت الدول إلى سيادتها نظرة أوسع حفاظا على مصالحها ومصالح مواطنيها في الداخل والخارج فاعتمدت على عدّة مبادئ أخرى تتفق مع فكرة التعاون الدولي بين الدول لمكافحة الجريمة.

لذلك فإنّّ تراجع مبدأ إقليمية القانون الجزائي أمر منطقي عند تطبيق القانون الجزائي الوطني خارج الإقليم (الفصل الأوّل) وعدم تطبيق القانون الجزائي الوطني على بعض الجرائم المرتكبة داخل الإقليم (الفصل الثاني).

الفصل الأول : تطبيق القانون الجزائي الوطني خارج الإقليم
يعتبر الأستاذ Larguier أنّ “تطبيق القانون الجزائي الوطني خارج الإقليم يبقى بمثابة الاختصاص الاحتياطي لأن المرجع الأصلي هو مبدأ الإقليمية”.[117]

ولكن هذا الرأي يعترض عليه أغلب الفقهاء باعتبار أن الاختصاص الشخصي مبدأ قائم الذات ولو أنه مكمّل من وجهة نظر التعاون الدولي لمكافحة الجريمة بالإضافة إلى أنّ عدم نجاعة مبدأ الإقليمية تظهر خاصة إذا ما ارتكب أحد مواطني الدولة جريمة في الخارج ثم فرّ هاربا من العقاب، فيقول الأستاذ ديفابر “نشأ المبدأ الشخصي على أساس عقاب هؤلاء المجرمين المواطنين إذا ارتكبوا جرائمهم في إقليم دولة أجنبية وفروا إليها”.[118]

فمبدأ الشخصية يعتبر هو الأصل في تطبيق القانون الجزائي وله وجهان، وجه إيجابي يقصد به تطبيق النص الجزائي على كلّ من يحمل جنسية الدولة إذا ارتكب جريمة في الخارج، ووجه سلبي يهدف إلى تطبيق النص الجزائي على كل جريمة فيها اعتداء على مصلحة وطنية مهما كانت جنسية المتهم أو مكان ارتكاب الجريمة.

ويتضح أنّ سلطة الدولة لا تتوقف على ارتكاب الجريمة بإقليمها بل تمتد لتشمل جرائما ارتكبت بالخارج سواء من قبل مواطنيها أو فيها اعتداء على مصالحهم (المبحث الأول) أو على مصالح الدولة ذاتها (المبحث الثاني).

المبحث الأول : تطبيق القانون التونسي بسبب الجنسية التونسية للجاني أو للمتضرر

يلاحظ الأستاذان Desportes et Le Gunehec أن “تطبيق القانون الجزائي الوطني خارج الإقليم يبرّر باعتماد فكرة التعاون الدولي لمكافحة الجريمة، كما أنّ أغلب الدول لا تسلّم رعاياها فيصبح المجرم بدون عقاب بعد ارتكاب الجريمة في الخارج وتحصّن بأرض دولته ولكن اختصاص دولته يمكن تبريره حقيقة بإرادة حماية نظامها العام الداخلي لأن وجود مجرم لم ينله العقاب على إقليمها يصبح يهدد سلامة مجتمعها”[119].

ونتبين أن تطبيق القانون الجزائي التونسي خارج الإقليم يقتضي بالضرورة أن يكون الجاني أو المتضرر من الجريمة تونسي الجنسية.

والجنسية هي رابطة قانونية بين الفرد ودولته يلتزم بمقتضاها بالدفاع عن الوطن واحترام دستورها وقوانينها وصيانة ممتلكاتها ومؤسساتها. مقابل ما تمنحه من حماية ورعاية شاملة في الداخل والخارج، لذلك اتجهت الدول لمتابعة الجرائم التي يرتكبها مواطنيها في الخارج (الفرع الأول) ومراقبتهم وتأمينهم من الجرائم التي يتعرضوا إليها خارج أرض الوطن (الفرع الثاني).

الفرع الأول : الجرائم المرتكبة في الخارج من قبل تونسي

إن علة خرق مبدأ الإقليمية أن التونسيين المقيمين بالخارج يتمتعون بلا شك بحماية ورعاية دولتهم بواسطة ممثليها السياسيين وقناصلها لذلك فإنه من العدل أن يظلّ أولئك التونسيون مسؤولون لدى دولتهم عن أفعالهم الإجرامية التي من شأنها أن تضرّ بسمعة الدولة بالخارج،[120] فحدد المشرع التونسي جملة من الشروط لصحة التتبع (الفقرة الأولى) و أكد حجية الأحكام الجزائية الأجنبية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : شروط صحة التتبــع

ضبط المشرع التونسي صلب الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية شروط التتبع والتي تنحصر أساسا حول صفة الجاني (أ) والجريمة المرتكبة بالخارج (ب).

أ- الشروط المتعلقة بالجاني :

من أهم الشروط التي يجب توفرها لصحة التتبع أن يكون الجاني تونسي، ذلك لأنه إذا كان أجنبيا فلا سبيل للدولة إليه ما دامت الجريمة الواقعة منه في الخارج لا تمس بها، وهو ما طبقته محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ سنة 2000.[121]

والواقع أن الحكمة من اشتراط صفة التونسي في الجاني هي أن هذا التونسي حين يهرع إلى تونس بعد ارتكابه الجريمة في الخارج لا تستطيع تونس أن تسلمه إلى الدولة التي أجرم على إقليمها لأن إبعاد المواطنين محظور، فإن لم تسلمه تونس ولم تعاقبه في نفس الوقت كان معنى ذلك إفلاته من العقاب واعتبر ذلك من جانب البلاد التونسية إغفالا لالتزامها الدولي بالتعاون مع غيرها في مكافحة الإجرام وتقصيرا في إنزال الجزاء الواجب بمواطن يستحق الجزاء.

وأضاف الفقه أن مبنى الاختصاص الموسع بصورته الشخصية الفاعلة يقوم على عدة اعتبارات منها أنه إذا كان مقبولا أن تتبع قوانين الأحوال الشخصية وقانون الأهلية كل مواطن حيثما حلّ وارتحل خارج حدود بلاده فمن الواجب بالمقابل أن يكون هذا المبدأ مقبولا بالنسبة للقانون الجزائي باعتبار أن الدولة تستطيع دوما أن تحكم رعاياها حتى ولو كانوا خارج بلادهم.

وأشار الأستاذان Huet et Koering إلى أن مسألة إثبات جنسية الفاعل تبقى من مشمولات النيابة العمومية بوصفها جهاز تتبع في الدعوى العمومية.[122]

ويطرح شرط الجنسية العديد من الصعوبات خاصة إذا ما تمسك المتهم بعدم انتمائه للجنسية التونسية فلئن اختلفت التشاريع في إثارة الدفع بانعدام الجنسية فإن المشرع التونسي نص صلب الفصل 50 من مجلة الجنسية على أنه إذا أثير لدى محكمة زجرية احتجاج بالجنسية التونسية أو بصفة الأجنبي فعلى هاته المحكمة أن تضرب أجل قدره ثلاثون يوما قصد القيام بقضية لدى المحكمة المختصة، مع العلم أن إثارة الدفع بفقدان الجنسية يوقف نظر القاضي الجزائي إلى حين صدور الحكم المدني، بما أن المشرع التونسي جعل النزاعات المتعلقة بالجنسية من أنظار المحاكم المدنية وأكد وجوبيّة حضور النيابة العمومية نظرا إلى أن مسائل الجنسية تهم النظام العام وتثيرها المحكمة من تلقاء نفسها.

وإذا انقضى الأجل الوارد بالفصل 50 من مجلة الجنسية، فإن القاضي الجزائي يستأنف التتبع، غير أنه من الممكن للقاضي الجزائي أن يمنحه أجل إضافي وهو الاتجاه الغالب فقها.

والأصل أنه يشترط أن يكون الجاني متمتعا بالجنسية التونسية وقت ارتكاب الجريمة حتى يخضع للقانون الجزائي التونسي، و لا يؤثر على ذلك إذا كان غير متمتع بتلك الجنسية ثم اكتسبها قبل ارتكاب الجريمة، فالعبرة بوقت ارتكاب الجريمة لتحديد الجنسية، فيمكن أن يرتكب أجنبي جريمة في الخارج ثم يحاول الإفلات من العقاب عن طريق اكتسابه الجنسية التونسية، ولمواجهة هذا الفرض نص المشرع التونسي بالفقرة الثانية من الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية على أنه يمكن تتبع ومحاكمة الفاعل الذي لم يكتسب صفة المواطن التونسي إلاّ بعد تاريخ ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه.

وغاية المشرع التونسي واضحة ليرد على قصد الجاني وحماية البلاد التونسية من الإضرار بها أو الإساءة إلى سمعتها الدولية.

والملاحظ أن معظم تشريعات الدول تطبق الاختصاص الشخصي على المواطنين الذين ينتمون إليها بجنسياتهم ولكن بعض الدول رأت أن تمد سلطانها الجنائي أيضا على المستوطنين فيها وكذلك بالنسبة لعديمي الجنسية إذا ما ارتكبوا جرائمهم في الخارج.

وتساءل الفقه[123] عن إمكانية تغيير جنسية الجاني واختلافها عند المحاكمة عنها عند ارتكاب الجريمة، فقد يكون الجاني وقت ارتكاب الجريمة تونسيّا وإنما يكون قد تجنس بجنسية أجنبية عند محاكمته فهل يظلّ الاختصاص بهذه المحاكمة ثابتا للقضاء التونسي؟

لم يتعرض المشرع التونسي إلى هذا الافتراض، وتم عرض هذا الأمر على مؤتمر توحيد قانون العقوبات المنعقد في فارسوفيا سنة 1927 وأقرّ بإجماع الآراء أن “قانون الدولة يطبق في الخارج على المواطن الذي يكون متمتعا بجنسيتها وقت ارتكاب الجريمة أو إذا اكتسب جنسيتها بعد ارتكابها”[124].

ولكن يعتبر الأستاذ بنهام :”أنه يلزم للمحاكمة أن يكون الجاني محتفظا بجنسيته المصرية لأنه إذا كان قد فقدها فقد زالت ولاية الدولة عليه إذ هي أساس محاكمته أمام قضائها، وقد وقعت الجريمة في الخارج لا في مصر فضلا على أن تسليمه يصبح جائزا تبعا لصيرورته أجنبيا”[125].

يبدو هذا الرأي أكثر جدية لأنه حتى ولو فرضنا أن الدولة التي كان يحمل جنسيتها أثارت التتبع فإنه من الممكن أن يدفع بعدم انتمائه لها، وهو ما يؤكد أن المحاكمة تفترض الجنسية التي تشترطها الدولة.

كما أشار الأستاذ القهوجي يعتبر مواطنا لبنانيا من يحمل جنسيتين إحداهما الجنسية اللبنانية. وهو اتجاه منطقي إذ بمجرد أن يكون الجاني له الجنسية التونسية من بين الجنسيات التي يحملها يصبح خاضع للتتبع والمحاكمة بالبلاد التونسية.

كما يضيف الفقه أن الشرط الأساسي لتطبيق الاختصاص الشخصي هو أن يعود المجرم إلى دولته لأنه لا أهمية في رفع الدعوى الجنائية عليه إلا عند عودته قبل محاكمته في الخارج. أما إذا ظلّ في الخارج ففي وسع السلطات الأجنبية أن تتولى محاكمته.

والملاحظ أن المشرع التونسي لم ينص صراحة على هذا الشرط، ويبدو أنه لا يمكن تفسير هذا الصمت بأنه يمكن تتبع ومحاكمة التونسي الذي يوجد بالخارج طالما لم يرجع لأرض الوطن، ولكن يمكن للدولة التونسية أن تطلب تسليمه طبق الإجراءات المعمول بها، وتتم محاكمته طبق القانون التونسي إذا ما ثبت أنه لم يعاقب في الخارج.

ب- الشروط المتعلقة بالجريمة :

يعتبر هذا الشرط موضوعي وأغلب التشريعات تنص عليه لإمكان تطبيق مبدأ الشخصية الإيجابية، كما أنه يؤكد الصفة الجدية للجريمة وأهميتها بالنسبة للدولة التي ارتكبت على أرضها وكذلك بالنسبة للدولة التي تعاقب المجرم لذلك أوجب المشرع التونسي على أن يكون تتبع المواطن التونسي الذي أجرم في الخارج متوقف على شرطين في الجريمة المرتكبة، يتعلق بطبيعتها (1) وازدواجية التجريم من قبل القانون التونسي وقانون الدولة التي ارتكبت فيها (2).

طبيعة الجريمة :
تعتبر القاعدة العامة في التشريعات الحديثة التي طبقت المبدأ الشخصي هي الاقتصار على الجنيات والجنح دون المخالفات، وهو ما اتجه إليه المشرع التونسي صلب الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية،

واتجه المشرع المصري نفس المنحى بالمادة الثالثة من قانون العقوبات إذ نص على أن ” كلّ مصري ارتكب وهو خارج القطر فعل يعتبر جناية أو جنحة في هذا القانون يعاقب بمقتضى أحكامه إذا عاد إلى الوطن وكان الفعل معاقبا عليه بمقتضى قانون البلد الذي ارتكبت فيه.”

ونتبين أن من بين الشروط اللازمة لصحة التتبع والمحاكمة أن تكون الفعلة المرتكبة بالخارج من قبيل الجنايات والجنح طبق القانون التونسي وأقصى المشرع المخالفات نظرا لأنها لا تثير اهتماما كبيرا أو أنها لا تثير أي صدى بالبلاد التونسية طالما ارتكبت بالخارج.

كما يتضح أن المشرع التونسي لم يميز بين الجنحة التي تستوجب طبق القانون التونسي العقاب بالسجن أو بالخطية ولا بين الجنحة القصدية والجنحة غير القصدية، فهو حينئذ ينسحب على كل الجرائم التي تستوجب عقابا جناحيا بالبلاد التونسية بغض النظر عن العقاب المسطر وبغض النظر عن نوع الجنحة المرتكبة.

والمقصود أنه يجب وصف الجناية أو الجنحة طبق القانون التونسي لا قانون الدولة المرتكبة بها الجريمة.

ولكن مع ذلك فهناك بعض التشريعات تطبق مبدأ الشخصية الإيجابية بصفة عامة على جميع أنواع الجرائم وهو ما اتجه إليه المشرع الألماني في المادة الثالثة حيث نص على أنّه يطبّق قانون العقوبات الألماني على كلّ جريمة يرتكبها مواطن ألماني في الإقليم الوطني أو في الخارج، كما تأثر بهذه القاعدة قانون العقوبات اليوناني الصادر سنة 1950.[126]

ويطرح التساؤل في خصوص المخالفات المرتبطة بالجنح والمرتكبة بالخارج من قبل مواطن تونسي فهل يصحّ تتبعها؟ فإذا سلمنا بإمكانية التتبع فهل يؤخذ شرط ازدواج التجريم على الجنح فقط أم أنه ينسحب على المخالفات؟

ومن ناحية أخرى تساؤل الأستاذ نبيل بن عائشة عن أنه “من أهم المشاكل تلك الحالة التي تنطبق فيها الفصول 305 وما بعدها من مجلة الإجراءات الجزائية والتي يمكن على أساسها رفع دعوى أمام محكمة تونسية بخصوص جريمة أو جنحة حصلت بالخارج، إذا كان من البديهي القول أن الدعوى العمومية تخضع في مطلق الأحوال إلى القانون التونسي فهل أن ذلك يعني أن الدعوة المدنية يجب أن تخضع إلى نفس القانون بحكم ترابط هذين الدعويين؟ لقد اعتبر الأستاذ محمد العربي هاشم أن القانون الجنائي ينظم في نفس الوقت الدعوى العمومية والدعوى المدنية، ومع ذلك فإن بعض الفقهاء الفرنسيين دافعوا عن الرأي القائل بأن الدعوى المدنية يمكن أن تحتفظ بطبيعتها الخاصة وتظل بذلك خاضعة لقانون موطن الجنحة”.[127]

كما أشار الأستاذ A. Mercier إلى أن هناك وقائع خطيرة قد لا تكون منصوصا عليها في القانون الأجنبي مثل جرائم العائلة أو كان موظفا عاما وإرتكب جريمة تتعلق بوظيفته وهو ما يطرح مسألة تقابل التجربم.

ازدواج التجريم :
يقصد بإزدواج التجريم أن يكون الفعل منصوصا عليه في قانون محلّ ارتكابه دون اعتبار الوصف القانوني الذي يعطيه القانون الأجنبي له، فالقاضي الوطني في هذه الحالة لا يتقيد إلا بالوصف القانوني الذي يعطيه قانونه للفعل، وإعتبر الأستاذ Larguier أنّ :” نظام تقابل التجريم الوارد بالفصل 113 فقرة سادسة، أساسه مبدأ التقابل التشريعي الذي دفع الدول نحو قانون جنائي عالمي”[128]

مع الملاحظ أن القانون الفرنسي لا يشترط ازدواج التجريم في الجنايات، وأضاف الأستاذان Desportes et Le Gunehec أنّ : “ازدواج التجريم لا يعني التساوي أو الاتحاد بين القوانين فمن الممكن أن يعطي القانون الأجنبي للوقائع تكييف مختلف أو يطبق العقوبات بأكثر أو أقل شدة وهو ما اتجهت إليه T. Corr. Montbéliard في قرارها المؤرخ في 03 جويلية 1964 وكذلك القرار التعقيبي المــؤرخ فــــي 09 نوفمبر 1988 ولكن لا بدّ أن يكون الفعل مجرّما طبقا للقانون الأجنبي.[129]

وبيّن الفقه التونسي أن “علّة الشرط أنه كلّما كانت الفعلة المرتكبة معاقبا عليها في قانون الدولة التي ينتسب إليها المظنون فيه وقانون الدولة التي ارتكبت فيها الجريمة كان دليلا واضحا على أنّ الفعلة من الأفعال التي تستنكرها الأخلاق العالمية استنكارا ينمّ عن مدى خطورتها”.[130]

ونتبين من كل ذلك أن الغاية من شرط إزدواج التجريم أن يكون الفعل المرتكب له صبغة إجرامية سواء اتصفت بالجنحة أو بالجناية طالما أن المشرع التونسي يؤكد على ذلك صلب الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية.

وتجدر الإشارة إلى أن النيابة العمومية تتحمل عبء إثبات أن الفعلة التي ارتكبها المتهم منصوص عليها بالقانون الجنائي الأجنبي، كما أن شرط ازدواج التجريم يقتضي أن يكون الفعل مجرّما عند التتبع وليس عند ارتكاب الجريمة، إذ من الممكن أن يكون الفعل مجرما عند ارتكابه ولكن يصبح مسموحا به عند إثارة التتبع، وبطبيعة الحال يكون ذلك الوصف الإجرامي طبقا للقانون الأجنبي مكان ارتكاب الجريمة.

والملاحظ أنه اتجهت المحاكم الفرنسية في العديد من القرارات إلى أنّ “قاضي الموضوع له سلطة تقديرية في إثبات أن الفعل المرتكب بالخارج لا يكوّن جريمة طبق القانون الأجنبي، إذ لا رقاية عليه من طرف محكمة التعقيب، قرار تعقيبي فرنسي بتاريخ 12 نوفمبر 1997”.[131]

وقد يطرح التساؤل عن الحل الذي يمكن إتباعه في حالة ما إذا كانت الفعلة المنسوبة للمتهم قد انقرضت بمرور الزمن وفقا لقانون الدولة الأجنبية أو محاها العفو العام بتلك الدولة.

أجاب الأستاذ قارو عن هذا السؤال :” بأنه لا يؤخذ بعين الاعتبار مسألة انقراض الجريمة المنسوبة إلى المتهم بمرور الزمن أو بالعفو وفقا لقانون الدولة التي ارتكبت بها تلك الجريمة بل يجب أن تكون الجريمة معاقبا عليها فقط بالقانون الأجنبي”.[132]

ولئن كان هذا الرأي يتماشى مع ظاهر عبارات الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي اقتصر على اشتراط كون الفعلة معاقبا عليها بالقانون التونسي والقانون الأجنبي ولم يتعرض إلى مسألة العفو أو التقادم إلا في حالة صدور محاكمة،

فإنه يبدو هذا الاتجاه غير متماشي مع منطوق الفصل ذاته طالما أنّ المشرع التونسي قد نصّ صراحة على إمكانية سقوط التتبع والمحاكمة كلّما أثبت المظنون فيه أنه سبق الحكم عليه بالخارج وانقرض مفعول هذا الحكم بالعفو أو التقادم فمن باب أولى وأحرى اعتبار الجريمة كذلك غير معاقب عليها كلما سقطت بالتقادم أو شملها العفو إذ أنّ مرور الزّمن وكذلك زوال معاليم الجريمة وانعدام أثرها يجعل كلّ تتبع بعد ذلك غير ذي جدوى.

ولئن حرص المشرع التونسي على توفّر شرط ازدواج التجريم، فإنه تأكيدا لواجب التضامن الدولي للقضاء على الجريمة الإرهابية أضاف بموجب تنقيح 22 نوفمبر 1993 فقرة جديدة للفصل 305 من مجلّة الإجراءات الجزائية تنص على أنه :”يمكن تتبع ومحاكمة التونسي من قبل المحاكم التونسية إذ ارتكب خارج التراب التونسي إحدى الجرائم المشار إليها بالفصل 52 مكرر من المجلة الجنائية ولو كانت الجرائم المذكورة غير معاقب عليها في تشريع الدولة التي اقترفت فيها.”

والملاحظ أنّ هذا الاستثناء اقتضته ضرورة التضامن مع المجموعة الدوليّة لمكافحة الجرائم الإرهابية والحدّ من خطورتها، إذ أنه في صورة تمسك الدولة بمبدأ الإقليمية يصبح بمثابة التشجيع على ارتكاب تلك الجرائم، لذلك بدأ من الضروري تراجع مبدأ الإقليمية قصد المحافظة على أمن وسلامة الدول من هذه الجرائم الخطيرة.

كما لا يشترط المشرع التونسي ازدواج التجريم في الجرائم التي يرتكبها أحد التونسيين بالخارج إذا كان المتضرر تونسيّا وعلّة هذا الاستثناء هي جنسية المتضرر التي تجعل الدعوى من أنظار المحاكم التونسية.

ولئن كان تتبع المواطن التونسي دليلا على امتداد القانون الجزائي التونسي إلى الخارج فإنّ هذا الامتداد يبقى مشروط بعدّة قيود من شأنها أن تجعل محاكمة المواطن التونسي أمام المحاكم التونسية غير ممكنة.

الفقرة الثانية : قيود تطبيق القانون التونسي :

تكريسا للعدالة والمساواة وضع المشرع التونسي عدّة قيود عند تتبع ومحاكمة المواطن التونسي الذي أجرم بالخارج وهو ما كرّسته أغلب التشاريع المقارنة مثل المادّة الرابعة من قانون العقوبات المصري، والمادة 113 فقرة تاسعة من القانون الجنائي الفرنسي. فبالإضافة إلى تعهيد النيابة العمومية كسلطة تتبع عند إرتكاب الجرائم بالخارج. فإنّ المشرع التونسي أرسى القاعدة اللاّتينية ” Non bis in idem التي مفادها لا يمكن أن يعاقب الشخص مرّتين من أجل جريمة واحدة (أ) وبصفة عامة أكّد حجيّّة الأحكام الجنائية الأجنبية (ب).

أ : المبدأ : عدم جواز تثنية المحاكمة عن الأمر الواحد

جعل المشرع التونسي من أهم شروط صحة تتبع ومحاكمة تونسي ارتكب جريمة بالخارج هو عدم جواز محاكمته من جديد بالبلاد التونسية إذ أنه لا يمكن أن يعاقب الشخص مرتين من أجل جريمة واحدة. وقد أقرّ المشرع التونسي هذه القاعدة بالفصل 132 م.إ.ج. مكرّر”لا يمكن تتبع من حكم ببراءته من جديد لأجل نفس الأفعال ولو تحت وصف قانوني آخر”.

ونتبين أنّ هذا المبدأ التشريعي يقتضي ضرورة إتصال القضاء بالجريمة نهائيا ببلاد مكان الفعلة وعلى أساسه لا يمكن أن تقع محاكمة تونسي في ما سبقت مقاضاته فيه من طرف محاكم الدولة الأخرى وإلاّ صار عرضة للمحاكمة مرتين من أجل فعلة واحدة وهو ما يتنافى مع القواعد الأساسية للقوانين الجنائية، وهو ما اتجهت إليه محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ في 14 أفريل 1868.[133]

والمقصود من هذا المبدأ أن يكون الحكم الصّادر بالبلاد الأجنبية أحرز على قوّة اتصال القضاء بحيث لم يعد قابلا لأيّة وسيلة من وسائل الطعن المقرّرة بقانون تلك البلاد، ومؤدى ذلك أنّه إذا كان الحكم الصادر لا يزال قابلا للطّعن بطريقة الاستئناف أو كان قابلا للاعتراض لكونه غيابيّا فإنّه يبقى راضخا لتتبعات المحاكم التونسية وأكّددت محكمة التعقيب التونسية في العديد من القرارات على قرينة اتصال القضاء إذ جاء بالقرار التعقيبي الجزائي عدد 101771 المؤرخ في 10 مـــــارس 1999 : ” لا يعاقب الشخص مرّتين من أجل فعلة واحدة إذ أنّ مبدأ اتصال القضاء يهمّ النظام العام ويستوجب على محكمة التعقيب بوصفها محكمة مراقبة حسن تطبيقه وإثارته ولو من تلقاء نفسها ومن باب أولى وأحرى إذا وقعت إثارته من قبل من له مصلحة في ذلك”.[134]

والملاحظ أنّ الفقه يفرّق بين ما إذا كان الحكم الجنائي الأجنبي النهائي صادر بالبراءة أم بالإدانة، فإذا كان صادر بالبراءة يتم التمييز بين ما إذا كان سبب البراءة قانونيّا وهو عدم عقاب القانون الأجنبي على السلوك أو كان واقعيّا في صورة عدم ثبوت إتصال المتهم بالواقعة الإجرامية أو عدم كفاية الأدلّة على اتصاله بها أو عدم صحّة التهمة أصلا من الناحية الواقعية.

ولئن لم ينصّ المشرع التونسي بصفة صريحة على ذلك المشكل فإنّ الفقه اتجه للتمييز بين قرار الحفظ المؤقت وبين قرار الحفظ القطعي، واعتبر أنّ الحفظ المؤقت لا يحول دون إقامة الدعوى العمومية من جديد، وبمزيد من التوضيح فإنه بالرجوع للفصل 121 مجلّة الإجراءات الجزائية نتبين أنه في صورة ظهور أدلة جديدة فإنه يمكن لحاكم التحقيق أو دائرة الاتهام أن يثير التتبع من أجل نفس الفعلة ثانية، وأما قرارات الحفظ المبنية على سبب مادّي كعدم توفّر أركان الجريمة أو سقوطها بمرور المدة فإنّه لا يمكن استئناف التتبع من أجل الأفعال التي تعلقت بها، وهو ما إتّجه إليه القرار التعقيبي الجزائي المؤرخ في 25 جوان 1998 تحت عدد 94007 والذي جاء فيه :” إنّ قرار الحفظ لعدم كفاية الحجّة الصادر عن قلم التحقيق والذي لم تستأنفه النيابة العمومية بعد إعلامها به هو قرار اتصل به القضاء وليس للقائم بالحق الشخصي استئنافه لتعلق الحفظ بالدعوى الجزائية ويكون على دائرة الاتهام رفض استئنافه القائم بالحق الشخصي شكلا لتعلّقه بدعوى جزائية من جهة واتصال القضاء من جهة أخرى”[135].

ويتعيّن على التونسي الذي ارتكب جريمة بالخارج أن يثبت حينئذ أنّه قد صدر عليه حكم من محكمة أجنبية واتصل القضاء بذلك الحكم، ولكن هذا كلّه لا يكفي إذ لا بدّ عليه من إثبات أحد أمور ثلاثة أخرى أشار إليها الفصل 305من م.إ.ج، وهي إمّا قضاء العقاب المحكوم به عليه(1) أو سقوطه بمرور الزمن (2) أو محوه بالعفو (3).

1- قضاء العقاب :

عندما يثبت أنّ المحكوم عليه قضى العقاب الصّادر ضدّه فإنّ ذلك يعفيه من إعادة محاكمته. ولكن يجب أن يقضي العقوبة كاملة فقضاؤه جزءا منها فقط يخوّل للمحاكم حقّ النظر من جديد في الموضوع وذلك بالرجوع للعبارة المطلقــــة “قضى العقاب” الواردة بالنصّ، ولكن في صورة إذا ما قضى التونسي بالخارج جزءا من العقاب المحكوم به هل يطرح ذلك مما حكم به عليه لدى المحاكم التونسية؟ لم يرد المشرع التونسي بحلّ واضح يمكن اعتماده، واعتبر الفقه أنه إذا ما فرّ المتّهم أثناء تنفيذ العقاب يمكن أن يقع خصم الجزء من العقاب الذي قضاه بالخارج.[136] وهو رأي منطقي طالما يحفظ حقوق المتهم ويؤكد العدالة الجزائية.

2- سقوط العقاب بمرور الزمن :

اعتبر المشرع التونسي أنه لا يمكن محاكمة المتهم إذا ما إنقرض العقاب بمرور الزمن، كما أن مسألة مرور الزمن تهمّ النظام العام والمحكمة تثيرها من تلقاء نفسها، وهو ما أكدته محكمة التعقيب في العديد من القرارات، منها القرار التعقيبي الجزائي المؤرخ في 26 فيفري 1998 تحت عدد 85193.[137]

ولا يطرح الإشكال إذا اتحدّت مدّة التقادم لدى كلّ من الدولة مسرح الجريمة والدولة التونسية، ولكن إذا اختلفت تلك المدّة فإنّه توجد حالتان :

أن تكون المدّة قد انقرضت لدى الدولة الأجنبية بينما لا زالت مستمرّة لدى الدولة التونسية وفي هذه الحالة فإنّ المتهم يتمتع بنتائج ذلك المسقط إذا أعفاه قانون الدولة الأجنبية من العقاب.
الحالة الثانية أن تكون المدّة قد انقرضت بمقتضى القانون التونسي ولا تزال مستمرّة بالنسبة للقانون الأجنبي وفي هذه الحالة أيضا فإنّ المتهم ينتفع بمنحة قانون بلاده إذ ليس للقاضي التونسي أن يتجاوز حدود نصوص تشريعه.[138]

والملاحظ أن القانون التونسي جاء بنوعين للتقادم الأوّل يخصّ إقامة الدّعوى العمومية والثاني يخصّ العقاب، والمدّة اللاّزمة لإقامة الدعوى أقصر من المدّة التي يسقط بها العقاب فأيّهما يعتمد القاضي التونسي؟ إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّه طالما تبيّن أنّ الدعوى العمومية انقرضت بانقضاء المدّة فإنّ القاضي لا يلتفت إلى مدّة انقراض العقاب.

وخلافا لذلك يرى الفقه المصري أنّه : “تعاد المحاكمة كذلك إذا كانت العقوبة المقضى بها في الحكم الأجنبي قد سقطت بالتقادم ولم تكن قد سقطت في مصر الدعوى العمومية عن نفس الجريمة لكون الجريمة مثلا جناية طبقا لقانون مصر بينما هي جنحة طبقا للقانون الأجنبي.”[139]

وتجدر الإشارة إلى أنّه من الممكن أن ينقطع مرور الزمن بناءا على التتبعات الواقعة في الخارج وبذلك تصبح مدّة التقادم طبقا لآخر إجراء تم اتخاذه. وعلى كلّ حال يبدو من الوجيه أن يتحقق القاضي التونسي كلّما تعهّد بقضيّة ضدّ تونسي حكم عليه بالخارج من بداية سريان مدة التقادم خاصة إذا ما كان الحكم غيابيّا، إذا أكّدت محكمة التعقيب في قرارها الجزائي المؤرخ في 15 جويلية 1999 تحت عدد 3327 على أنّه :” تسقط العقوبات المحكوم بها في الجنح بمضي خمسة أعوام كاملة ويجري أجل السقوط من تاريخ صيرورة العقاب المحكوم به باتا ويسري من تاريخ الإعلام بالحكم الغيابي إذا لم يقع ذلك الإعلام للمحكوم عليه نفسه ما لم يتبيّن من أعمال تنفيذ الحكم أنّ المحكوم عيه حصل له العلم به.”[140]

3- صدور العفــو :

يتّضح من خلال الفصل 305 من م.إ.ج أنّه لا يمكن تتبع ومحاكمة تونسي ارتكب بالخارج جريمة وحكم عليه من أجلها من طرف محكمة أجنبية بعقاب صدر بشأنه عفو، والملاحظ أنّ النصّ التونسي صريح في هذا المجال عكس النّصوص المصريّة التي أغفلت التعرض له، ويتجه القول أنّ عبارة “عفو” أطلقها المشرع عامة فتشمل العفو العام والعفو الخاص.

ولاحظ الفقه الفرنسي[141] أن هناك بعض الاتفاقيات الدوليّة التي تبدو في الظاهر مخالفة لمبدأ عدم جواز محاكمة الشخص مرّتين من أجل جريمة واحدة، ولكن خطورة بعض الجرائم وإرتكابها على عدّة أقاليم مختلفة يقتضي بالضرورة تجاوز تلك القاعدة، ومثال ذلك الإتفاقية المؤرخة في 30 مارس 1961 المتعلّقة بزجر الاتجار بالمخدرات وإتفاقية “Schengen” المؤرخة في 19 جوان 1990 إذ خوّلت المادة 55 منها للدولة المصادقة على الإتفاقية إمكانية إثارة الدعوى الجزائية من جديد إذا ما تم إرتكاب الجريمة كليّا أو جزئيّا على إقليمها، وهو ما إتّجه إليه القرار التعقيبي الفرنسي المؤرخ في 03 ديسمبر 1998 مع الإشارة إلى أنّ هذه الإتفاقيات لا تتخالف مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان طالما أنّّها تصدّ الجرائم التي تهدّد أمن الدولة الداخلي والخارجي.

ب- حجيّة الأحكام الجزائية الأجنبية

لئن كان اعتماد الأحكام المدنية الصادرة عن المحاكم الأجنبية بعد إكسائها بالصيغة التنفيذية من لدن المحاكم التونسية وفقا لمجلّة القانون الدولي الخاص فإنّ الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للأحكام الجزائية فلا سلطان لهذه الأحكام إلاّ في الدولة التي صدر فيها ويعتبر تنفيذها في الدولة التونسية خرقا لسيادتها ونيلا من سياستها الخاصة في التجريم والعقاب.

ولكن كما يؤكد الأستاذ Larguier : “إنّ الحكم الجزائي الأجنبي لا يمكن تنفيذه بفرنسا إذ ليس هناك إجراءات تنفيذ للأحكام الأجنبية ولكن أحيانا القرار الجنائي الأجنبي يترك إمّا أثرا سلبيّا أو إيجابيّا “.[142] وأضاف الأستاذ Lombois “لئن كان من المتّجه رفض الأثر الإيجابي للحكم الجزائي الأجنبي ولكن لا يمنع من اعتباره مصدرا أساسيّا للمعلومات ويساعد القاضي سواء في تطبيق أو تأويل النصوص القانونية أو تسهيل معرفة القوانين والاتجاهات القضائيّة الأجنبية بخصوص بعض المسائل الغامضة”.[143]

وللبحث عن مدى حجيّة الحكم الجزائي الأجنبي تلزم التفرقة بين القوّة الإيجابيّة للشيء المقضي فيه (1) والقوّة السلبيّة (2).

1- الأثر الإيجابي :

يقصد بالأثر الإيجابي هو تنفيذ الحكم أوّلا فيما قضى به من عقوبة أصليّة وثانيا فيما يترتب عليه من عقوبات فرعيّة وثالثا فيما ينشأ من آثار جنائية أخرى.

والملاحظ أن تنفيذ العقوبة المقضى بها في الحكم الأجنبي يتعذّر في غير الدولة التي نطق قضاؤها بهذا الحكم، وذلك إن لم تكن تلك العقوبة ماليّة وإنّما كانت مقيّدة للحريّة، لأنّ نظام السجون ليس واحدا في مختلف الدول وكذلك أسلوب تنفيذ العقوبة المقيدة للحريّة يختلف من دولة إلى أخرى، الأمر الذي من أجله نظمت إجراءات تسليم المحكوم عليه إلى الدولة التي أصدرت عليه الحكم لكي ينفذ عليه هذا الحكم في تلك الدّولة، وكثيرا ما تختلف العقوبة المقضى بها في الحكم الأجنبي عن العقوبة التي تقابلها في القانون الوطني، كما أن العقوبات الفرعية التي يقررها قانون أجنبي في جريمة ما بالإضافة إلى العقوبة الأصليّة وكذلك التدابير الاحترازية قد لا تكون مقرّرة طبقا للقانون الوطني حتّى تنفّذ بمقتضاه.

بالإضافة إلى أن شروط إلغاء وقف تنفيذ العقوبة بناء على حكم صدر ضد من تقرر ذلك الوصف لصالحه، وكذلك تشديد العقوبة للعود إلى الجريمة من جانب الشخص الصّادر عليه الحكم ليست واحدة وإنّما تختلف باختلاف القوانين، الأمر الذي يتطلب أن تترتب الآثار الجنائية لكلّ حكم جنائي طبقا لقانون الدولة التي أصدر قضاؤها هذا الحكم لا طبقا لقانون دولة أخرى.

وأشار الأستاذ Larguier إلى أنّه “يعتبر المبدأ غياب الأثر الإيجابي للحكم الجزائي الأجنبي لكن هناك بعض الإستثناءات تخرج حتّى عن إطار الاتفاقيات ويجب أن تعتمد تلك الأحكام القاضية بالإدانة مثل تحجير ممارسة بعض الأعمال التجارية وكذلك في مادّة البنوك والشركات خاصة إذا ما كان التحجير مسلّط على مراقب الحسابات- وهو ما يجعل تنفيذ بعض الأحكام الأجنبية ممكن وهو ما اتجهت إليه محكمة التعقيب الفرنسية في قرارها المؤرخ سنة 1996-.”[144]

2- الأثر السّلبـي :

يقصد بالأثر السلبي للشيء المقضي فيه، هو أنّ الحكم يعتبر منهيا للخصومة في الموضوع الذي فصل فيه، فلا يمكن أن يثار هذا الموضوع أمام القضاء من جديد، ولا يوجد ثمة مانع من أن يثبت هذه القوّة للحكم الجنائي الأجنبي بذات الكيفية التي تثبت بها الحكم الوطني.

وهو ما إتّجه إليه المشرع التونسي ضمن منطوق الفصـــل 306 من م.إ.ج الذي أكّد فيه على أنّه لا يجوز إجراء تتبعات ضد الأجنبي من أجل جناية أو جنحة إرتكبها بتراب الجمهوريّة التونسية إذا ثبت أنّه إتصل بها القضاء نهائيّا في الخارج بإستثناء ما جاء بالفصل 307 من نفس المجلّة وهو ما إتّجه إليه فقه القضاء الفرنسي في العديد من القرارات، ومنها القرار التعقيبي المؤرخ في 1998 والذي جاء فيه أنّ القرار الأجنبي ليس له سلطة على بعض الجرائم المرتكبة بفرنسا.[145]

وأشار الفقه الفرنسي[146] إلى ضرورة خضوع الأحكام الأجنبية إلى عدّة شروط، ولعلّ أهمّها أن يكون الحكم صادرا عن سلطة قضائية وفقا لإجراءات سليمة المبنى ومحترما لحقوق الدفاع ولدرجات التقاضي.

والملاحظ أنّ القاضي الأجنبي يعتبر بإصداره للحكم الجنائي قد مارس حقّا ثابتا لا لدولته فحسب وإنما للإنسانيّة جمعاء وهو الحق في مكافحة الإجرام ومن جهة أخرى فإنّ تجاهل الحكم الباث الصادر في الجريمة أمر يصطدم مع قاعدة عدم جواز تثنية المحاكمة في الموضوع الواحد وهي من القواعد الأوليّة للعدالة ويلزم السير على مقتضاها لا في حدود القضاء الوطني الداخلي فحسب وإنّما كذلك في المجال الدولي لقضاء البلاد المختلفة.

ويتضح أن القانون التونسي أخذ بتلك الاعتبارات كلّها حين اعترف للحكم الجنائي الأجنبي بالقوّة السلبيّة للشيء المقضي فيه وهو ما أكدّه الفصل 306 من م.إ.ج فعدم جواز إقامة الدعوى العموميّة في هذه الحالة أمام القضاء الوطني بسبب ذلك الحكم الأجنبي معناه الاعتراف لذلك الحكم بصفة إنهاء الخصومة في الموضوع الذي حسمه أي بالأثر السلبي للشيء المقضي فيه كما لو كان صادرا في هذا الموضوع من القضاء الوطني.

وبالإضافة إلى ما تقدم فإنّه كثيرا ما يعترف للحكم الجنائي الأجنبي حتّى بالأثر الإيجابي للشيء المقضي فيه وذلك في مجال ضيق تسمح به طبيعة الأمور فالعقوبة الماليّة المقضى بها في حكم جنائي أجنبي تصبح بصيرورة هذا الحكم باتا دينا مدنيّا في ذمة المحكوم عليه ومن ثم يجوز تنفيذها مثل التعويض المحكوم به على أموال هذا الأخير ولو في دولة أخرى غير التي أصدرت الحكم.

وعلى أيّّ حال فإن الجنسية التونسية ولئن كانت معيارا لتتبع كل تونسي أجرم بالخارج، فإنها معيار كذلك للتتبع عند تعرضه لاعتداءات بالخارج.

الفرع الثاني : الجرائم المرتكبة بالخارج ضد تونسي

يطلق الفقهاء على مبدأ حماية المواطنين في الخارج من أي اعتداء يقع عليهم بمبدأ الشخصية السلبيّة، وتأثر المشرع التونسي بهذا المبدأ، إذ نصّ بالفصل 307 مكرّر م إ ج الذي أضيف بموجب القانون عدد 113 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 على أنه “كل من ارتكب خارج التراب التونسي سواء بوصفه فاعلا أصليا أو شريك جناية أو جنحة يمكن تتبعه ومحاكمته من قبل المحاكم التونسية إذا كان المتضرّر تونسي الجنسية” ويتضح أن المشرع التونسي يعمل على حماية المواطنين بالخارج إذا ما تعرضوا إلى أي اعتداء يخدش من كرامتهم أو معنوياتهم، وهو ما اتجه إليه المشرع الفرنسي بالمادة 113 فقرة سابعة من المجلة الجنائية.

كما نتبين أن الفقه تعرض للعديد من التبريرات قصد تأسيس الاختصاص الشخصي السلبي (الفقرة الأولى) بالإضافة إلى أن تطبيق القانون التونسي في الجرائم المرتكبة بالخارج ضد التونسي يقتضي عدة شروط يجب توفرها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مبررات الاختصاص الشخصي السلبي :

منذ القدم كان قانون المدن الإيطالية الشمالية ينص على عقاب الأجنبي الذي يرتكب جريمة ضد شخص ينتمي إليها، وانتشرت هذه الفكرة في أغلب المقاطعات، واعتبر الفقه أن كل مواطن في الخارج يحمل معه جزءا من تربة الدولة- وهو ما يؤكد قيمة الروابط التي تجمع الشخص بدولته إذ لا تنحصر في تواجده بالإقليم بل تمتد إحاطتها ورعايتها حتى في صورة مغادرة الإقليم- ولكن خلال القرن الرابع عشر اعترض بارتول على هذه الفكرة وكان من رأيه أن المقاطعة لا تستطيع أن تحكم خارج إقليمها الأشخاص الذين لا يخضعون لها، بالإضافة إلى أنه لا يمكن تشبيه الشخص بالإقليم، وقد لاقى إعتراض بارتول تأييدا من الفقيه Balde الذي لم يعترف بهذا المبدأ إلا إذا وجد المجرم على أرض الدولة.

وفي سنة 1926 عرضت قضية الباخرة « Lotus » التي اصطدمت بالباخرة التركية إذ قضت المحكمة التركية باختصاصها على أساس أن المتضرر من الجريمة أحد مواطنيها، فطعنت فرنسا في هذا القرار أمام محكمة العدل الدولية فأصدرت بتاريخ 08 سبتمبر 1927 حكمها الذي جاء فيه “إن لكلّ دولة بناء على سيادتها أن تحدد اختصاصها كما تشاء بشرط الخضوع للقيود التي يوردها القانون الدولي وأنه لا يوجد قيد دولي على اختصاص تركيا بالنسبة لهذا النزاع”[147] .

كما أنه سنة 1927 أقرّ مؤتمر توحيد قانون العقوبات المنعقد في فارسوفيا هذا المبدأ بالإجماع، وتم تبرير الاختصاص الشخصي السلبي كنتيجة للاختصاص الإيجابي إذ أنه طالما تلزم الدولة أفرادها بالوفاء والمحافظة على سمعتها بالخارج فإنه بالمقابل تحرص على توفير حماية جزائية لهم بكل مكان ينتقلون إليه.

ولكن وجّه الفقه العديد من الانتقادات تنحصر أساسا في نقده كمبدأ عام، والصعوبات التي تعترض تطبيقه- إذ اعتبر أنه لا يمكن اعتماده كمبدأ طالما أن الاختصاص يتحدّد بمكان الجريمة أو مكان إقامة المتهم أو مكان القبض عليه ولم يؤخذ أبدا بمحل إقامة المجني عليه، بالإضافة إلى أنّ هذا المبدأ يعتبر تدخلا في السيادة التشريعية للدول داخل إقليمها- وإنّ جعل الاختصاص يتحدّد بالنسبة إلى جنسية المجني عليه من شأنه أن يضع عراقيل أمام بقية الاختصاصات المعترف بها- وأما عن الصعوبات التي تعترض تطبيقه فإنه في حالة تعدّد المجني عليهم في جريمة واحدة وانتمائهم في نفس الوقت إلى جنسيات مختلفة، فهل يجوز تجزئة الجريمة في هذه الحالة؟- ومن ناحية أخرى فمتى يعتد بجنسية المجني عليه في الجريمة، هل يؤخذ بجنسيته وقت ارتكاب الجريمة أم وقت رفع الدعوى؟.

ومن ناحية ثالثة تبدو الصعوبات بطريقة واضحة بالنسبة للأشخاص المعنوية في الخارج، فهل يعتدّ برأس المال الوطني أم بالمركز الرئيسي أم بفكرة الرقابة؟

لذلك لم يعتمده مؤتمر كمبردج سنة 1930، كما لم تأخذ به بعض التشريعات على الإطلاق مثل القانون المجري والقانون المصري[148].

ولكن رغم هذه الانتقادات الموجهة إلى مبدأ حماية المواطنين فقد أخذت به تشريعات كثيرة ومنها قانون العقوبات الإيطالي والقانون الألماني.

والملاحظ أن هذه التشريعات التي كرست المبدأ قيدته بشروط معينة، فمنها ما قصر تطبيقه على بعض الجرائم التي لها خطورة معينة ومنها ما حتم شرط ازدواج التجريم ومنها ما أخضع رفع الدعوى إلى إجراءات معينة ومنها إعتمد تطبيقه على الحالات التي يجوز فيها التسليم ولم يقدم طلب التسليم من الدولة الأجنبية ومنها ما اشترط حضور المتهم إلى إقليم القاضي .

الفقرة الثانية : شروط تطبيق الإختصاص الشخصي السلبي

يتضح من خلال منطوق الفصل 307 مكرر من م.إ.ج أنه لتتبع الجرائم المرتكبة بالخارج ضدّ المواطن التونسي، يجب توفرّ جملة من الشروط الإجرائية (أ) و أخرى موضوعية (ب).

الشروط الإجرائية :
يرى البعض أن المبدأ الشخصي السلبي يقتصر فقط على الحالات التي لم يتخذ فيها أيّ إجراء تجاه المجرم، بمعنى أنه إذا ما ارتكب المجرم الأجنبي جريمة في الخارج ضد شخص وطني دون أن يتخذ حيال المجرم أي إجراء سواء من ناحية رفع الدعوى عليه، أو من ناحية طلب تسليمه، ففي هذه الحالة تظهر فائدة مبدأ حماية المواطنين، ومن خلال ذلك يعتبر الفقه[149] أنه لا يمكن أن يكون لهذا المبدأ صفة مستقلة بل يجب أن يكون له صفة احتياطية يطبّق فقط إذا لم تستعمل الدولة التي يتبعها المجرم حقها في المحاكمة.

وأشار المشرع التونسي لهذا الشرط بالفقرة الأخيرة من الفصل 307 من م.إ.ج، إذ أنه من صحة التتبع أن لا يكون قد سبق اتصال القضاء بالموضوع نهائيا في الخارج، إذ أنّ إثارة الدفع بوجود حكم سابق يوقف التتبع أمام المحاكم التونسية، وذلك تطبيقا لقاعدة عدم جواز محاكمة شخص مرتين عن تلك الأفعال.

وكذلك من أهمّ الشروط الإجرائية أن تكون إثارة الدعوى العمومية بطلب من النيابة العمومية إثر شكاية من المتضرر أو ورثته. وهو ما اعتمده التشريع الإيطالي الصادر سنة 1930 وقانون العقوبات اليوناني لسنة 1950. وهذا الشرط وضع أساسا للحدّ من سوء استعمال هذا الحق بالنسبة لحماية المواطنين، وفحوى هذا الإجراء هو وجوب التقدّم بشكوى من طرف المجني عليه أو ورثته إلى النيابة العمومية،

ولا تتم إثارة الدعوى الجنائية إلاّ بطلبها إذ أن اختصاصها إقصائي طالما أنه لا يمكن للمتضرر القيام على مسؤوليته الخاصة، أما إذا تمت إثارة الدعوى من قبل النيابة العمومية فلا شئ يمنع المتضرر من القيام بالحق الشخصي ولعلّ إفراد جهاز النيابة العمومية بإثارة التتبع يضمن تقدير ظروف كلّ جريمة على حدة، وإجراء رقابة شاملة عن كيفية رفع الدعوى من حيث الآجال، والمصلحة وصفة القائم بالتتبع، على أنه في صورة رجوع المتضرر في شكايته، تنقضي الدعوى العمومية طبقا للفصل 04 من م.إ.ج. كما أنّ بعض التشاريع إشترطت وجوب حضور المجرم إلى إقليم القاضي من ذلك قانون العقوبات البولوني والقانون المكسيكي، فإنّ المشرع التونسي لم يقف عنده.

ب- الشروط الموضوعيّة :

اعتبرت معظم التشاريع أنه من الضروري أن يكون الفعل منصوصا عليه في قانون دولة محل الجريمة، وذلك قصد بيان خطورة الجريمة. وذهبت تشريعات أخرى إلى تكريس شرط إزدواج التجريم، ودول أخرى لم تشترط بالنسبة لهذا المبدأ عامة كون الفعل معاقبا عليه في قانون الدولة التي ارتكب فيها وأحسن مثال على ذلك المشرع البلغاري.

ولئن أشار المشرع التونسي صلب الفصل 307 مكرّر إلى أن تكون الفعلة جريمة أو جنحة لكن يبدو أنه لم يقصد شرط أن يكون الفعل منصوص عليه في قانون دولة مسرح الجريمة، إذ أنه لا يهتم بالتكييف القانوني الذي يسنده القانون الأجنبي إذ يكفي أن تكون الفعلة مجرّمة طبقا للقانون التونسي، ومن خلال هذا المقصد يتضح مدى الحماية التي يخوّلها القانون التونسي للمواطنين بالخارج، وهو نفس المنحى الذي اتخذه المشرع الفرنسي صلب المادة 113 فقرة سابعة من القانون الجنائي، إذ أنّه لم يشترط ازدواج التجريم بل اقتضى فقط أن يكون المتضرر فرنسيّا لحظة ارتكاب الجريمة[150].

ويتضح أن الشرط الجوهري لإجراء التتبع في الجرائم المرتكبة بالخارج ضدّ التونسي أن يكون المتضرّر لحظة وقوع الجريمة يتمتع بالجنسية التونسية، لا أن يكون اكتسبها عند إثارة التتبع.

وصفوة القول فإن كانت الجنسية سببا جديا لتتبع المواطن التونسي بالخارج وتتبع الجرائم التي من الممكن أن يتعرض لها، فإنّ هناك سبب آخر يخوّل للدولة أن تفرض اختصاصها بالخارج إذا ما تم المساس بأحد مصالحها الأساسيّة.

المبحث الثاني : تطبيق القانون التونسي بسبب حماية مصالح الدولة
إن بعض الجرائم ترتكب في الخارج ويكون لموضوعها أهميّة خاصّة في نظر الدولة لأنها تمسّ مباشرة مصالحها الكبرى، ويعتبر كلّ ما يمسّ الدولة من أفعال يضع في الميزان مصلحة حفظ بقاء الدولة وسيادتها لذلك نصّت معظم التشاريع الحديثة على زجر هذه الجرائم التي تهدّد أمنها الداخلي والخارجي أو اقتصادها الوطني، وأصبح المبدأ العيني يقرّ الاختصاص للقضاء الوطني تجاه كلّ الاعتداءات المرتكبة ضدّ أمن الدولة ووضعها المالي مهما كان مكان وقوع الجريمة وجنسية فاعلها، ويتضح أنّ هذا المفهوم يميل منذ اللحظة التي توضع هذه المصالح العليا موضع الرّعاية أن تعزل جانبا كلّ القواعد المتعلقة بمبدأ الإقليمية، وهو ما يوضّح الرؤية حول ضرورة تراجع مبدأ الإقليمية لتحلّ محلّه مسائل أجدر بالحماية، ولكن الفقه يخشى استعمال مبالغ فيه لهذا المبدأ لذلك لا بدّ من تحديد مقاصده والأهداف السامية التي يرمي إليها.

وإتجه المشرع التونسي بالفصل 307 من م.إ.ج. إلى تأكيد حماية المصالح الأساسية للدولة التونسية إذ كرّس مبدأ الإختصاص العيني (الفرع الأوّل) وأضاف الفقه أنّه للمحافظة على حماية هذه المصالح العليا لا بدّ من مراعاة مصالح بقية الدّول الأخرى طالما أنّ هناك جرائم تهدّد سيادة كلّ الدول، ولا يتحقق ذلك إلاّ بإعتماد مبدأ العالمية (الفرع الثاني).

الفرع الأوّل : تكريس مبدأ الاختصاص العيني

إنّ النتيجة التي يؤدي إليها مبدأ الإقليمية تجعل القانون الجزائي عاجزا عن حلّ العديد من الصّعوبات إذ نجده يقف بمنأى عن الجرائم التي ترتكب ضدّ المصالح الحيويّة الخاصة للدولة التي يصيبها ضرر ما من الجريمة التي ترتكب على إقليم دولة أجنبية والتي قد لا تهتم بها تلك الدولة بقدر إهتمام الدولة التونسية التي يقع عليها الضرر مباشرة لذلك يصبح من حقها الدفاع عن وجودها في حدّ ذاته، وهي وحدها التي يمكن أن تقدّر مدى خطورة الجريمة المرتكبة ضدّها، وهو ما يؤكدّ أهمية المبدأ العيني (الفقرة الأولى) ولكن هذا لا يمنع من إلتزام الدولة بأن لا تخضع للمبدأ إلاّ الجرائم الخطيرة التي تهدّد سلامتها أو منشآتها أو العملة الرائجة بها(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مدلول الاختصاص العيني

يعتبر الفقه الفرنسي[151] إنّ الاختصاص العيني يجسّّّد في التطبيق أحد مظاهر الإقليمية الافتراضية، إذ أنّ الجريمة مرتكبة بالخارج ولكنّها تمسّ مباشرة النظام الداخلي للدولة، ولذلك تحمل على أنها أرتكبت بإقليم الدولة المتضررة (أ) وهو ما يعكس نجاعة المبدأ العيني في إسناد الاختصاص القضائي إليها(ب).

أ : تبرير المبــدأ

يقصد بمبدأ العينية أو الذاتية. “هو تطبيق القانون الجزائي الوطني على كل جريمة تمسّ مصلحة أساسية للدولة، وذلك أيا كان مكان ارتكابها وجنسية من ارتكبها”[152]. واعتبر الأستاذ : Von Bar “أنّ لكل دولة الحق في عقاب الأفعال المرتكبة حتى خارج إقليمها ومن أجانب ضدّ قوانينها الجنائية إذا كانت هذه الأفعال تكون اعتداء على وجودها أو إخلالا بأمنها حتى ولو كانت هذه الأفعال غير منصوص عليها في قانون الدولة التي أرتكبت على إقليمها”[153].

كما أنه رغم الاعتراضات التي قيلت بداخل مؤتمر كمبردج سنة 1931، فقد أقرّ مبدأ حماية الدولة في حدود الجرائم التي تظهر أي اعتداء على سلامتها وتزييف عملتها وطوابعها وأختامها الرسمية. وخوّل للدولة المجني عليها تسليط العقاب على مرتكبيها. وهو ما أكده مؤتمر القانون الدولي المنعقد بباريس سنة 1978.

ويرى الأستاذان Huet et Koering “إنّ الجرائم الواردة بالفصل 113 الفقرة العاشرة من المجلة الجنائية والفصل 694 م إ ج قديم تخضع للاختصاص العيني، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يسند الاختصاص للقانون الأجنبي ويرجع ذلك لطبيعة وخطورة تلك الجرائم بالإضافة إلى أنها تمسّ مباشرة المصالح الأساسيّة للدولة”[154].

وهو ما يبيّن أن الأساس الذي يقوم عليه هذا المبدأ هو أن الدولة لا يمكن أن تترك لدولة أخرى العناية بمصالحها الشخصية، لذلك تحرص كل دولة على مصالحها الأساسية وتهتم بإخضاع الجرائم التي تمسّها لتشريعها وقضائها لأنها لا تثق في اهتمام الدول الأخرى بالعقاب عليها.

وعلى أي حال فإنّ المبدأ اعتمدته جلّ التشاريع الحديثة نظرا لأهميته في تتبع الجرائم المرتكبة بالخارج والتي تهدّد كيان الدولة أو وجودها نفسه، ولكن انتقده البعض على أساس أن هذا المبدأ يعطي للقانون الجنائي إختصاصا غير محدد، بالإضافة إلى أن مبدأ الاختصاص على أساس مصلحة الدولة يمكن أن يكفي وحده دون حاجة إلى مبدأ الإقليمية أو الشخصية باعتبار أن الدولة تحدّ سلطان قانونها الجنائي بناء على مصلحتها الذاتية.

مميزات المبدأ
إنّ خطورة بعض الجرائم التي ترتكب بالخارج جعلت المشرع التونسي يطلق إختصاص القاضي الوطني ويفرض زجر تلك الأفعال التي من شأنها أن تخلّ أمن الدولة ومصالحها الأساسيّة.

والملاحظ أن المشرع استثنى بعض القواعد الأساسية في القانون الجنائي قصد المحافظة على كيان الدولة وسلامة ترابها من الجريمة. وبيّــن الأستـاذان Desportes et le Gunehec “إن الجرائم المنصوص عليها بالفصل 113 الفقرة العاشرة من المجلة الجنائية تخضع بالضرورة للقانون الجنائي الفرنسي مهما كان جنسية مرتكبها أو مكان ارتكابها وزجرها يتحدّد بدون التقيد بالشروط التي يفرضها الإختصاص الشخصي وهو ما ينفي شرط ازدواج التجريم وقاعدة عدم محاكمة الشخص مرتين من أجل نفس الفعلة”[155].

ويتضح من خلال عبارات الفصل 307 من م.إ.ج أنّه لا يشترط أن تكون الأفعال المكوّنة للجريمة معاقبا عليها في قانون الدولة التي إرتكبت فيها، ومردّ ذلك طبيعة هاته الجرائم وخطورتها التي تكون أساسا موجّهة لسيادة الدولة. كما تتميّز هذه الجرائم بكونها مرتكبة بالخارج، بمعنى إذا ما تمّ إرتكابها بالتراب التونسي فإنها تخضع بطبيعتها لمبدأ الإقليمية بالإضافة إلى أنّ مبدأ حجيّة الشيء المقضي به في دولة أخرى لا يمكن أن يكون حائلا في إثارة الدعوى الجزائية من جديد، وسبب ذلك أن تقديرات القضاة الأجانب للفعل المرتكب من قبل مواطنيهم مطعون فيها بعدم الإهتمام. لذلك فإن المبدأ العيني له صفة مستقلّة وأصلية عن باقي القوانين الأجنبية بل يجب أن يكون مستقلا عن كل حكم جنائي أجنبي، ويفرض على الدّول الأخرى أن تتخلّى للدّولة المجني عليها عن محاكمة هذه الأفعال وأن تسلّم المجرم إليها لمحاكمته حتى ولو كان من رعاياها وذلك من وجهة نظر التعاون الدّولي.

وخلاصة القول فإن المبدأ العيني يهدف أساسا للحفاظ على مصلحة الدولة التي لا يمكن أن تبقى رهين مشيئة ذوي الأهواء وتعليقها على إرادة سلطة أخرى. ولكن وضعت الدّول عدّّّة قيود لتطبيق المبدأ وذلك بتحديد الجرائم على سبيل الحصر وإمّا بتحديد المصلحة المعتدي عليها.

الفقرة الثانية : شروط تطبيق الإختصاص العيني

إنتقد الفقه المبدأ العيني في حدّ ذاته على أساس أنّه يدخل فوضى في العقاب وبصفة عامة يتضارب مع المبادئ الأساسية للقانون الجنائي. وهو ما جعل معظم التشاريع تعتمد شروط مشدّدة لتطبيقه، فاتجه المشرع التونسي نفس المنحى وأكدّ على أن يكون المجرم أجنبيا (أ) وتأثر بفكرة تحديد الجرائم التي تعتبر إعتداد على مصالح الدولة التونسية (ب).

أ – الشـروط المتعلقة بصفـة الجانـي :

يتضح من طالع الفصل 307 م.إ.ج أنّه لا يصحّ التتبع الجزائي إلاّ إذا كان مرتكب الجريمة أجنبيا ولا يؤثر على ذلك أن يكون فاعلا أصليا أو شريكا.

الشرط الأول : أن يكون الجاني أجنبيا :
جاء بالفصل 307 م.إ.ج :” أن كلّ أجنبي يرتكب خارج الجمهورية سواء بوصفة فاعلا أصليا أو شريكا”. نتبين من خلال هذه الفقرة أنّه لا يتم التتبع والمحاكمة في هذه الجرائم المعيّنة إلاّ إذا إتضح أن الجاني أجنبيا. وهو ما يؤكد تحديد مفهوم الأجنبي، ولقد نظم المشرع التونسي حالة الأجانب بالقانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 وعرّف الفصل الأول منه، الأجنبي بأنه الشخص الذي ليست له الجنسية التونسية سواء كانت له جنسية أجنبية أم عديم الجنسية. مع الملاحظة أن المشرع التونسي إقتصر في مجلة الجنسية على تحديد الأصل التونسي دون أن تعرّض لتعريف الأجنبي، ومن ثمّ فإن من عدا من هو تونسي بحكم هذه القوانين يعدّ أجنبيا لا بإعتباره ذا جنسية أجنبية وإنّما بوصفه غير تونسي، وإذا صحّ القول فإنّ عدم الجنسية ينطوي في المدلول العام لمعنى الأجنبي فلا ريب أن صفة الأجنبي بالنسبة إليه ليست نسبية كما هو الحال فيما يتعلّق بالأجنبي العادي وإنّما هي مطلقة، إذ الواقع أنّه أجنبي عن كلّ الدول، وهو بهذا الوصف لا يتمتع بأي نظام قانوني دولي مما يتمتع به الأجنبي المعتبر عضوا أصيلا في مجتمع معيّن يستمدّ منه الرابطة القانونية القائمة على إنتمائه إلى هذا المجتمع حقوقا يلتزم مقابلها بواجبات ولا يعني إعتبار عديم الجنسية أجنبيا بالمعنى المتقدّم أنه يصبح هو وغيره من الأجانب على حدّ سواء في المركز القانوني أي أنّ حالته ووضعه لا تحكمهما مجموعة القواعد القانونية التي تقرّر في دولة معينة نظاما خاصا بالأجنبي يختلف به الوطني من حيث التمتع بالحقوق العامة والخاصة وإنما يخضعان لنظام لا يسوّّى في المعاملة أو في المركز القانوني بينه وبين الأجنبي ذي الجنسية المحدّدة والمهمّ هنا أنّه يعتبر أجنبيا كل من لا يحمل الجنسية التونسية، ويصبح محلّ التتبع والمحاكمة إذا ما ارتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها بالفصل 307 من القانون التونسي.

والملاحظ أن المشرع التونسي اعتنى بالمجرم الأجنبي وسكت عن إمكانية اقتراف التونسي لهذه الجرائم بالخارج- فهل يعني ذلك أنه يجب الرجوع للمبدأ الشخصي لزجر هذه الجرائم؟

لقد أشارت التشاريع المقارنة بكل وضوح لإمكانية تتبع ومحاكمة مواطنيها إذا ما إرتكب إحدى الجرائم العينية بالخارج، فنصت المادة التاسعة عشرة من قانون العقوبات السوري على أنّه : “يطبق القانون السوري على كل سوري أو أجنبي فاعلا كان أو محرّضا أو متدخلا…” وكذلك القانون اللّبناني والقانون المصري، وأضاف المشرع الفرنسي فقرة جديدة للفصل 694 من م.إ.ج وخوّّل تتبع ومحاكمة الفرنسي الذي يرتكب إحدى الجرائم المدرجة بالإختصاص العيني، وأمّا المشرع التونسي نظم الإختصاص العيني في إطار الفصل 307 من م.إ.ج وجعله مقتصرا على الأجنبي ونظرا لخطورة هذه الجرائم حدّد شروط لا تتوافق مع الإختصاص الشخصي كغياب شرط إزدواج التجريم وشرط الأثر السلبي للحكم الجنائي الأجنبي، وأما التونسي الذي يرتكب إحدى هذه الجرائم لا يمكن تتبعه على أساس الفصل 307 بل يبقى ممكنا فقط على أساس الفصل 305 م.إ.ج لكن هذا الإطار يختلف عن الجرائم العينية طالما أنّه يمكنه الإحتجاج بحجية الشيء المقضي به في الخارج كما يمكنه الطعن بعدم محاكمته مرّتين من أجل نفس الفعلة وهو ما يتعارض مع خطورة هذه الجرائم وكذلك مع مبدأ المساواة بين التونسي والأجنبي.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ المشرع التونسي أقرّ مبدأ المساواة بين الفاعل والشريك عند ارتكاب هذه الجرائم، وبذلك يصبح تحت طائلة الفصل 307 كل من ساهم في تنفيذ الجريمة سواء بالتحريض أو الإرشاد أو ساعد على إنجازها بتخبئة شخص أو تصريف أشياء ناجمة عنها- وفي كل الحالات يمكن تحديد أفعال المشاركة طبق الفصل 32 من المجلة الجنائية.

الشرط الثاني : ضرورة حضور المجرم الأجنبي بالتراب التونسي.
تضمنت الفقرة الأخيرة من الفصل 307 : أنه “يمكن تتبعه ومحاكمته طبق القوانين التونسية إذا ألقي عليه القبض بالجمهورية التونسية أو تحصلت الحكومة على تسليمه.”

ويتضح من خلال ذلك أنّه لا بدّ من حضور المجرم الأجنبي بالبلاد التونسية لإجراء التتبع أو المحاكمة، وهو شرط منطقي حاول من خلاله المشرع أن يتجاوز بعض النقائص بمعنى أن حضور المتهم يضمن محاكمة عادلة ويخوّل له ممارسة حق الدفاع، ويتفادى صدور الأحكام الغيابية التي يصعب تنفيذها بالخارج. على أنّ بعض القوانين لا تشترط وجود الجاني على أراضيها لمعاقبته وتسمح بمحاكمته غيابيا مما قد يؤدي إلى محاكمته مرتين وتوقيع عقوبات مختلفة على نفس الفعل إذا كانت الدولة المجني عليها لا تعترف بالسلطة السلبيّة للحكم الأجنبي. وأكّدت محكمة التعقيب الفرنسية في العديد من القرارات أهمية هذا الشرط، لكن إتجهت إلى أن الدفوعات التي يقدّمها المتهم لا تبرأ ذمته من المسؤولية، فمثلا لا يمكنه التمسك بأن يبرر الجريمة طبق قانونه الشخصي : قرار Trib. Corr . Brest المؤرخ في 18 أكتوبر 1949 أو أن يبرّرها بالعرف المتعامل به إفريقيا : قرار 10-07-1987، ولا أن يتمسك بجهله للقانون الجنائي الفرنسي قرار 29 مارس 2000.[156]

كما لاحظ الأستاذ Lombois لئن تظهر هذه الجرائم على أنها إعتداء على دولة معيّنة فإنّه في حقيقة الأمر تمسّ هيبة وسلطة كلّ الدول وهو ما يبرهن الإعتراف باختصاص عيني ذو بعد عالمي.[157]

ب- الشروط المتعلقة بالجريمة

لقد حافظ المشرع التونسي على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إذا أكّد على أن تكون الجناية أو الجنحة المرتكبة بالخارج معاقبا عليها في القانون التونسي، وأشار إلى الجرائم العينية بأنها كل ما من شأنه النيل من أمن الدولة وتقليد طابعها وتدليس العملة الوطنية الرائجة.

والملاحظ أن صيغة هذه الجرائم جاءت عامة، إذ أنّه خلافا لبعض التشاريع الأخرى لم يفرّق بين أمن الدولة الداخلي وبين أمنها الخارجي بدليل ورود النص مطلقا “أمن الدولة” وعلى ذلك فإن اختصاص المحاكم التونسية تشمل كل الأفعال المندرجة ضمن الفصول 60 إلى 79 من المجلة الجنائية وأمّا جريمة تقليد طابع الدولة جاءت به الفصول 179 إلى 184 من نفس المجلة وكذلك جريمة تدليس العملة تضمنته الفصول من 185 إلى 192 من المجلّة الجنائية.

والسؤال المطروح في هذا الإطار يتعلق بمعرفة هل أنّ الجرائم الواردة بالفصل 307 جاءت على سبيل الذكر أم على سبيل الحصر؟.

يبدو أن التعداد الذي إعتمده المشرع التونسي جاء على سبيل الذكر إذا ما تأملنا في مكوّنات تلك الجريمة وصور ارتكابها، بمعنى أنّه لا يمكن التوقف على حرفية عناوين الجرائم بل لا بدّ من البحث عن جملة الأفعال التي تندرج في وصف تلك الجرائم ولكن يبدو واقرب إلى المنطق القانوني أن تلك الجرائم جاءت على سبيل الحصر بالإستناد إلى أن الدولة مقيدة بحدود معينة في إخضاع الجرائم إلى المبدأ العيني ومردّ ذلك أن الدولة عليها التزامات وحدود في ممارسة سلطاتها في الخارج، إذ اعتبر الفقيه Brierly “إن هناك بعض الإستثناءات المعترف بها من حيث إخضاعها لسلطات الدولة المجني عليها بحيث يكون الحكم الصادر فيها هو حكم قانوني ومشروع ولكن ضرورة تحديد الجرائم التي تخضع لفكرة الإمتداد الإقليمي”. بالإضافة إلى ذلك لا يجوز للقاضي أن يضيف إليها جرائم أخرى ولو على سبيل القياس حتى ولو كانت في نظره تمس مصلحة أساسية للدولة التونسية.

ولقد اعتمدت جلّ التشاريع فكرة حصر الجرائم العينية من ذلك القانون السويسري الصّادر في 12 أفريل 1894 وقانون العقوبات الإيطالي في المادة السابعة وكذلك قانون العقوبات المصري في المادة الثانية من قانون العقوبات.

في حين كرّست بعض التشاريع فكرة إطلاق النص مثل قانون العقوبات البلغاري بالمادة 67 وقانون العقوبات الدانماركي بالمادة الثامنة التي تضمنت “تخضع أيضا للسلطات الدانماركية الجرائم التي ترتكب في الخارج بغضّ النظر عن محلّ إقامة الفاعل في الأحوال الآتية :

إذا نتج عن الفعل ضرر بإستقلال وأمن ودستور السلطات العامة للدولة الدانماركية أو واجبات الموظفين حيال الدولة أو المصالح التي تحميها الدولة الدانماركية.”

وتجدر الإشارة إلى أنه ثمّة جرائم عديدة ظلّت خارج نطاق الفصل 307 إذا كانت مرتكبة خارج الأراضي التونسية وهي، الجرائم المرتكبة ضد أمن دولة أجنبية أو تقليد خاتم دولة معينة، وهو ما يطرح أهمية مبدأ العالمية.

الفرع الثاني : أهميّة مبدأ العالمية

يقصد بهذا المبدأ خضوع الأجنبي لقانون عقوبات الدولة التي يقبض عليه فيها أو يوجد على أرضها بعد إرتكابه جريمة في الخارج، ويحقق هذا المبدأ التعاون بين الدول في مكافحة الجريمة إذ يسمح بملاحقة أي مجرم وعدم تمكينه الإفلات من العقوبة أيّا كانت جنسيته وأيّا كان مكان إرتكاب الجريمة وأيّا كان نوع الجريمة ووصفها، فلقد عرف المجتمع الدّولي ظاهرة العصابات الدولية التي تستفيد من تقدّم وسائل المواصلات بين الدّول وسهولتها في تنفيذ مخططاتها الإجرامية، مثل الإتجار في المخدّرات وتزييف النقود ونشر المطبوعات المخلّة بالحياء وغيرها من الجرائم التي أبتليت بها الإنسانية، ويلجأ أفراد هذه العصابات إلى مغادرة الدّول التي يرتكبون فيها جرائمهم وتغيير جنسياتهم حتى يتجنّبوا محاكمتهم عن تلك الجرائم مستغلين في ذلك إختلاف التشريعات الجنائية للدّول المختلفة في ملاحقتهم.

ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تعاون الدّول فيما بينها لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة، ولئن نشأ مبدأ العالمية منذ القدم في المدن اللومبارديّة فعاد مع فجر القرن السابع عشر على يد الفقيه غروسيوس الذي إعتبر “أن الجريمة هي خرق للقانون الطبيعي الذي هو عبارة عن حاجز يحيط بالمجموعة البشريّة كلّها وأي خرق لهذا الحاجز يهمّ كل الدول”.[158]

ويمكن القول إنّ الظهور الحقيقي للمبدأ العالمي كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حينما ظهر في نصوص تشريعات كثيرة منها القانون النمساوي الصادر سنة 1852 والقانون الإيطالي الصادر سنة 1889 كما أخذ به التشريع الفرنسي منذ القانون الصادر في 31 ماي 1924 المتعلق بالجنايات والجنح التي تحدث على الطائرات الأجنبية.

ويتضح أن سلطة الدّولة لا تقتصر على الجرائم التي ترتكب بإقليمها أو حمل الفاعل أو المتضرّر لجنسيتها وإنّما يمكن لها في إطار الدفاع عن مصلحة مشتركة أخلت بها الجريمة أن تتدخل وتفرض العقاب المناسب على مرتكبها، وأعطى الفقه عدّة أسس لمبدأ العالمية (الفقرة الأولى) وهناك شروط لتطبيقه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : أساس المبدأ

يقوم هذا المبدأ على أساس فكرة الخطر الاجتماعي الذي يحدثه وجود مجرم غير معاقب على إقليم الدولة التي هرب إليها وكذلك على فكرة التضامن الإنساني بين الدول وبصفة عامة على أساس حماية المصالح المشتركة بين الدول (أ) ولكن وجّهت للمبدأ العديد من الإنتقادات الفقهية (ب)

تحديد الأساس
إعتمد Bartol فكرة الخطر الإجتماعي كأساس للمبدأ، إذ أنّه في بعض الجرائم الخطيرة مثل القتل تظلّ لاصقة بالمجرم أينما حلّ ويجب تتبعه في كل الأماكن التي وقعت فيها نتائجها الضارة كما أن وجود المجرم على إقليم دولة ولديه حصانة ضدّ العقاب يحدث ضررا بليغا للدولة نفسها، وفي هذا المعنى يقول Carrara :”إنه إذا كانت الدولة لا تنظر في العقاب على الجريمة إلا لمصالحها الخاصة فقط فإنها سوف تكون مأوى للمجرمين الهاربين كما أن خطر المجرم على أرضها وذكرى الجريمة والآثار التي نتجت عنها يولد الشعور بموجب العقاب، بل إن شعور المجرم بأنّه إذا ما إلتجأ إلى أية دولة فإنّه سوف يقع تحت طائلة العقاب يقلل من فرصة هربه أن لم يمنعه على الإطلاق.[159]

فإختصاص محل القبض إذن يمكن تبريره على أساس المصلحة الإجتماعية للدولة، في دفع الخطر الإجتماعي الذي يحدثه وجود المجرم الفار بدون عقاب، غير أن الفقيه الألماني Von Rohland يرى أن هذا الأساس نظري ولا يمكن الأخذ به، إذ أن وجود الشخص غير المعاقب في دولة أخرى غير التي وقعت الجريمة على إقليمها هو أمر إستثنائي ولا يحدث ضررا أو خطرا إلاّ إستثنائيا كما أن قاضي محلّ القبض لن يطبّق إلاّ قانونه وهو قانون لم يكن في حسبان المجرم وقت إرتكاب الجريمة وبذلك تكون قاعدة الجهل بالقانون ليس بعذر، ويبقى نظام تسليم المجرمين هو الذي يجب الأخذ به إذا طلبت السلطات الأخرى ذلك.

ولكن أنصار هذا المبدأ يردون على هذه الاعتراضات بقولهم إن الدولة قد يكون لها مصلحة مباشرة إذا كان المجني عليه في الجريمة وطنيا ومصلحة غير مباشرة إذا كان المجني عليه أجنبيا وذلك بسبب وجود المجرم على أرضها دون عقاب. كما أن الأجنبي الذي يمرّ مجرد مرور عابر على إقليم دولة معيّنة يلزم أن يخضع لقانونها دون النظر في حقيقة علمه أو عدم علمه بالقانون.

وأمّا الأساس الثاني جاء به جروسيوس وهي فكرة التضامن الإنساني إذ أن الدولة تدخل في جمعية باختيارها لتحقيق مصلحة الإنسانية وتحقيق العدالة وتخضع لذلك لقانون أعلى من الدول إذا ما عاقبت المجرم. وهي نفس الفكرة التي قال بها Kant إذ أوجد فوق الدول ما يسمّى بسيادة قانون الأخلاق والعدالة الجنائية التي تمارس بواسطة السيادة، ولكن هذه الفكرة انتقدها أصحاب المدرسة التقليدية الحديثة والتي يتزعمها Broglin و Guizot و Remusat[160] وانتحوا إلى فكرة الإقليمية المطلقة ولم يعترفوا بمبدأ إمتداد قانون العقوبات خارج الإقليم إلا في حدود ضيقة بالنسبة لمبدأ الشخصية- واعتبروا أن فكرة وجود قانون أعلى للدول لم يتحقق بعد.

لكن يرى بيكاريا أن القانون الجنائي وضع لحماية الإنسانية ولا يهم مسألة تقسيم الإقليم والحدود، وهو نفس الاتجاه الذي سلكه :Ortolan و Faustin-Helie وإعترفا بامتداد الإختصاص الجنائي على أساس المنفعة، واتضح أن أساس عقاب المجرم على أرض الدولة التي هرب إليها لا لأنه أضرّ ببلد أو بآخر ولكن لأنه أضرّ بالإنسانية جمعاء فهو يخضع لذلك لكل المحاكم.

وأمّا أساس المصالح المشتركة، يقول الأستاذ ديفابر : يمكن استخلاص فكرة العالمية من فكرة حقيقية ودنيوية وهي أن هناك عدة مصالح مشتركة بين الناس جميعا تقضي بوجوب حمايتها والاتفاق على توحيد الاختصاص في العقاب على كلّ إعتداء يقع عليها.

ويمكن القول أن هناك مجموعة من القيم Valeurs كما يقول الألمان Rechsguter تستحق الحماية القانونية ومراعاة هذه القيم يهم في نفس الوقت وبدرجة واحدة كل الدّول ويبرّر تدخلها المشترك ولا يمكن تحديد هذه الحماية إلا بالإختصاص العالمي.

ويرى أصحاب المدرسة الهولندية أن المجتمع العالمي يعتبر مصدرا من مصادر قانون الشعوب ولكن هذه الفكرة انتقدت من ناحية أنها بعيدة عن علم القانون الدولي وعلم القانون الجنائي، ويقول الأستاذ Piltet إنه لا يمكن تصوّر الإنابة في ممارسة السيادة، كما أن فكرة الاختصاص العالمي هي فكرة منشؤها تضامن الدول جميعا للوقوف أمام المجرمين العالمين والتقليل من فرص هربهم والإلتجاء إلى دولة أخرى- فالدولة التي تعاقب على هذه الجرائم تمارس إختصاصها العالمي دون أن تستند إلى حق السيادة المطلق لها ودون أن تستند إلى فكرة حماية مصالحها ولكنها تمارس هذا الاختصاص بقصد حماية مصلحة البشرية.

ب- الإنتقادات الموجّهة للمبدأ :

رغم أن مبدأ العالمية أصبح أمرا متفقا عليه بعد المؤتمر الثالث للجمعية الدولية للقانون الجنائي الذي عقد في Palerme سنة 1933 إلا أنه لاقى عديد الاعتراضات الفقهية : إذ اعتبر الفقيه الألماني Rohland أن هذا المبدأ مبالغ فيه لأنّ وجود مجرم غير معاقب على أرض الدولة هو أمر قليل الحدوث وإذا حدث فإنه يخلّف ضجّة. بالإضافة إلى أن إبعاد المجرم عن مكان إرتكاب الجريمة يعدّ تعقيدا لمسألة التحقيق وجمع الإستدلالات ويفتح المجال إلى الخطأ القضائي، لذلك يكون من الأفضل تسليم المجرمين وهو ما يكفي لسدّ هذه الثغرة بدلا من الإلتجاء إلى هذا الإختصاص المبالغ فيه- كما أن مسألة تقدير العقوبة بالنسبة للقاضي تكون في غاية الصعوبة لأنها لن تكون على أساس الخطر أو أهمية الضرر ولكنها تكون مرتبطة بظروف أخرى لاحقة ومستقلة عن النتيجة المباشرة للفعل- والقاضي لا يمكنه معرفة الظروف الأصلية، لذلك تكون سلطة التقديرية تحكيميا وبالتالي غير عادل.

وعلى حدّ رأي الأستاذ ديفابر يجب إستبعاد هذا المبدأ من القانون الجنائي باسم حسن تنظيم العدالة، وأن تعطي إلى القاضي الشخصي أو القاضي الإقليمي الذي يملك وسائل التحقيق وجمع الشهود والأدلّة، في حين أن قاضي محل القبض ليست لديه إلا ميزة واحدة وهي ميزة الوضع المتوقع وهي غير كافية لإعطاء حكم عادل.

كما أن بعض الفقهاء يعتبرون هذا المبدأ يخالف العدالة لأنه غير متصل بمحلّ إرتكاب الجريمة ولا يشترط سوى إرتكابها فقط، فإخضاع مجرم لقانون دولة لا يعرفه من الصعب قبوله لأن فيه إهدار لحق دفاعه، وقانون الإنسانية يفرض محاكمة المجرم أمام قاضيه الطبيعي-

الفقرة الثانية : شروط تطبيق المبدأ
إن مبدأ العالمية أخذت به بعض التشريعات الحديثة كما انشغلت به عدّة مؤتمرات دوليّة وانتهت إلى بعض قرارات هامّة خاصة بتأكيد هذا المبدأ وبتعريف الجرائم التي تخضع له وتطبيق أقسى العقوبات على مرتكبيها كما أبرمت عدّة إتفاقيات دولية لمحاربة بعض الجرائم العالمية[161]. ونصّ في بعض منها صراحة على إختصاص الدولة التي تقبض على المجرم. والملاحظ أنّ معظم التشاريع نصّت صراحة على شروط تطبيق المبدأ سواء منها المتعلقة بالمجرم (أ) أو بالجريمة في حدّ ذاتها (ب).

الشروط المتعلقة بالمجرم :
إن كل التشريعات تشترط القبض على المجرم فيها وهذا الشرط حتمي لانعقاد الاختصاص العالمي إذ أنه عبارة عن اختصاص محلّ القبض ولا يمكن تصوّر إنعقاد الاختصاص العالمي لدولة معيّنة دون أن تقبض على المجرم، فالاختصاص العالمي لأيّة دولة تأخذ بهذا المبدأ هو اختصاص موقوف على شرط أساسي وهو القبض على المجرم على إقليمها- ولذلك لا يمكن لأية دولة أن تحاكم مجرما عالميّا غيابيّا استنادا إلى هذا الاختصاص وحده دون غيره، على أنه من الممكن أن يتمّ القبض على المجرم وينعقد اختصاص الدولة التي قبضت عليه حتى لو فرّ بعد ذلك ويجوز محاكمته غيابيّا ويجب على باقي الدول في هذه الحالة أن تعمل على تسليم المجرم إلى الدولة التي حاكمته أولا.

وأكد الأستاذ القهوجي : “أنه لتطبيق مبدأ العالمية يجب أن يكون مرتكب الجناية أو الجنحة في الخارج أجنبيّا وجد على الأرض اللبنانيّة”[162] .

ومن ناحية أخرى فإن الغالبية العظمى من التشريعات وقرارات المؤتمرات الدولية اشترطت لمباشرة الاختصاص العالمي ألاّ يكون المتهم محلاّ للتسليم، وهذا يعني ألاّ يكون تسليم الأجنبي قد طلب أو قبل، فقد تطلب الدولة التي يحمل جنسيتها الأجنبي تسليمه أو قد تطلب ذلك الدولة التي ارتكبت الجريمة على أرضها وأية دولة أخرى، ولكن قد تقبل الدولة مثل هذا الطلب وقد ترفضه، ويفترض هذا الشرط أن طلب التسليم لم يتم أي لم تطلب أي دولة تسليم الأجنبي أو طلبته إحدى الدول ورفضت السلطات المختصة في الدولة هذا الطلب.

وهذا الشرط هو الذي دعا كثير من الفقهاء إلى القول بأنّ الإختصاص العالمي هو إختصاص إحتياطي، يقوم فقط في حالة عدم وجود قضاء آخر يختصّ بمحاكمة الجريمة، لكن الأسس التي يقوم عليها مبدأ العالمية يجعله مبدأ أصليّا يطبّق دون نظر إلى مسألة إمكان أو عدم إمكان تسليم المجرم.

وعلى أي حال فإن الدولة التي قبضت على المجرم وابتدأت في إجراءات محاكمته قد أثبتت حرصها على التعاون الدولي خاصة إذا لم يكن أصابها ضرر من جرّاء الجريمة، ووجب على باقي الدول أن تقدم لها ما تحتاجه من إجراءات لجمع الأدلة والشهود وليس لأية دولة أخرى أن تطلب تسليم هذا المجرم، ولا ننسى أن الدولة التي تمارس هذا الإختصاص تمارسه بقصد حماية مصلحة البشريّة ومدفوعة بدافع التضامن الإنساني دون نظر إلى المصالح الخاصة.

وأشار الأستاذان Desportes et le Gunehec أنه “لا موجب للتتبع إذا ما ثبت أنه تمت محاكمة المجرم بالخارج وذلك تطبيقا لقاعدة عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن نفس الفعلة وخلافا لذلك لا يمكن التمسّك بشرط إزدواج التجريم إذ يكفي أن تكون الأفعال مجرّمة طبق القانون الفرنسي ومتماشيا مع ما اقتضته الإتفاقيات المحدّدة لهذا الإختصاص وهو ما اتجه إليه القرار التعقيبي المؤرخ في 06 جانفي 1998”[163].

الشروط المتعلّقة بالجريمة :
لقد إختلفت الدول في الجرائم الواقع إخضاعها للاختصاص العالمي فمنها من اقتصر على بعض الجرائم ومنها إعتمد الجرائم الخطيرة وآخر أطلق المبدأ ليشمل كل الجنايات والجنح، فظهرت فكرة حصر الجرائم في قانون العقوبات اليوناني بالمادة الثامنة وفي قانون العقوبات السويسري بالمادة الخامسة، ونصّت هذه التشريعات على تطبيق المبدأ العالمي بالنسبة لجرائم : القرصنة وتزييف النقود والإتجار في الرقيق والإتجار في النساء والأطفال والتعامل في المخدّرات والتعامل في المطبوعات المخلّة بالآداب.

وهناك بعض التشريعات تطلق النصّ بحيث يشمل المبدأ على عدد كبير من الجرائم وتحدّه فقط بجرائم ذات حدّ أدنى للعقوبة دون حصر هذه الجرائم من ذلك القانون النمساوي الصادر سنة 1852 وكذلك القانون الإيطالي الصادر سنة 1930، بالمادة 10/2 فقد اقتصر على الجرائم المقرّر لها عقوبة الإعدام أو السجن مدى الحياة أو السجن الذي لا تقلّ مدته في حدّها الأدنى عن ثلاث سنوات[164].

على أن هناك بعض التشريعات طبقت مبدأ العالمية وجعلته يشمل الجنايات والجنح دون اشتراط حدّ أدنى للعقوبة، ومنها من قصر تطبيق المبدأ على الجنايات والجنح التي ترتكب على الطائرات وهو ما أكّده المشرع التونسي بالفصل 48 من القانون عدد 76 الصادر في 19 جوان 1959.

ووسّع المشرع الفرنسي في نطاق الجرائم بإبرام عديد الإتفاقيات الدولية الرامية لمكافحة الإرهاب ومنها إتفاقية نيويورك المؤرخة في 12 جانفي 1998. وأمّا فكرة إطلاق النص على الجنايات والجنح بوجه عام بغض النظر عن مكان ارتكابها ، فقد أخذ بها القانون المجرى القديم المؤرخ في 28 ماي 1878 في فصله التاسع كما أخذ القانون الألماني بنفس الفكرة هذه الفكرة صلب الفقرة الثانية من المادة الرابعة. وأشار الأستاذ القهوجي : “إلى أنه من شروط تطبيق المبدأ أن ترتكب جريمة في الخارج لها وصف الجناية أو الجنحة ، والمرجع في تحديد هذا الوصف هو قانون العقوبات اللبناني لا قانون الدولة التي وقعت فيها الجريمة، كما يشترط ألا تكون من الجنايات أو الجنح التي نصت عليها المواد 21.20.19 عقوبات، وتتعلق هذه المواد بالجرائم التي تخضع لقانون العقوبات اللبناني وفقا لمبدأي الذاتية والشخصية”[165].

وخلاصة ما تقدم أن المبدأ العالمي يجب أن يطبّق بالنسبة لجرائم تتحدّد لا بالعقوبات الموضوعة لها ولكن بطبيعتها الخاصة ولكونها إعتداء على مصالح مشتركة للدول، ولا يشترط تعريف هذه الجرائم بأسمائها وتحديدها على سبيل الحصر ولكن يكفي أن يكون النص متضمنا عبارة “جرائم الإعتداء على المصالح المشتركة للدول” ويترك الأمر بعد ذلك إلى تقدير النيابة العمومية في رفع الدعوى وإلى قاضي محلّ القبض في التعرف على كلّ حالة على حدّة، على أن يكون الإختصاص في هذه الحالة إختصاصا أصليّا وليس إحتياطيا ودون أن يكون متوقفا على طلب التسليم أو قبوله أو رفضه، وهو ما يفضّ مشكلة تنازع الإختصاص بالنسبة لهذه الفئة من الجرائم إذ أنه بمجرّد قيام حق مباشرة الإختصاص العالمي للدولة التي قبضت على المجرم يسقط حق الدول الأخرى في المحاكمة.

على أن الصعوبة قد تتلاشى في صورة وجود إتفاقية دولية تنظم هذه الجرائم من ذلك المادة 14 من المعاهدة التي عقدتها دول أمريكا الجنوبية في 19 مارس 1940فقد نصت على إختصاص قاضي مكان الإعتقال في الجرائم الدولية كالقرصنة والإتجار في المخدرات، ومن ذلك أيضا المادة 14 من إتفاقية جنيف لأعالي البحار سنة 1958 بخصوص جريمة القرصنة.

كما أن الجرائم الواردة بالفصل 05 من قانون المحكمة الجزائية الدولية تعتبر موضوع تتبع ومحاكمة على أساس عالمي، ويخوّل الفصل 17 من الإتفاقية للدول المصادقة عليها تتبع الجرائم وإثارة الدعوى الجزائية على أساس إقليمي.

كما تساءل البعض عن القانون المنطبق عند التعهد على أساس عالمي، فاعتبر البعض أن قاضي دولة الإيقاف لا يكون مطالبا بتطبيق قوانينه على الجريمة التي يتعهد بالنظر فيها، واتجهت بعض التشاريع المقارنة لتطبيق قانون القاضي وفي ذلك إقصاء للقوانين الأجنبية[166].

وخلاصة ما تقدم أنه إذا كان تتبع الجرائم بالخارج ممكنا، فإنه هناك بعض الجرائم ترتكب داخل الإقليم لا يصحّ تتبعها.

الفصل الثاني : عدم تطبيق القانون الجزائي الوطني على بعض الجرائم المرتكبة داخل الإقليم :

إن القانون الجنائي، تطبيقا لمبدأ الإقليمية ينطبق على كافة الأشخاص الذين يوجدون بإقليم الدولة لأن في ذلك استخداما لحقها الطبيعي في صون وجودها وبقائها ويستوي في ذلك الشخص أن يكون وطنيا أو أجنبيا.

على أنّ هناك حالات لا يسري فيها القانون الجنائي على الجريمة المرتكبة في إقليم الدولة وذلك إذا وقعت هذه الجريمة من أشخاص معيّنين تقرّر إعفاؤهم من الخضوع للقضاء الجنائي إما بمقتض القانون الداخلي أو إما بمقتضى القانون الدولي العام (المبحث الأول) بالإضافة إلى أنه بدخول معاهدة روما حيّز التنفيذ أصبح من الممكن للدول المتعاقدة أن تتخلّى عن اختصاصها لتلك المحكمة الجزائية رغم أن الجريمة مرتكبة بإقليمها (المبحث الثاني).

المبحــــث الأول : الحصانــــة
تهدف الحصانة بصورة عامة إلى عدم إخضاع بعض الأشخاص للتتبع القضائي فوق إقليم الدولة لديها العون لتمثيل دولته أو منظمته، وتعددت النظريات الفقهية لتبرير الإعفاء من تطبيق القانون الإقليمي ومنها أساسا نظرية إمتداد الإقليم، ونظرية النيابة ونظرية الوظيفة التي ظهرت بوضوح في إتفاقية فيانا لسنة 1961، واتضح أن هناك أسباب نظرية تنبع من مبدأ سيادة الدول واستقلال بعضها عن بعض وتساويها في السيادة وأسباب عملية تتصل بضرورة تمكين ممثلي الدول الأجنبية والمنظمات الدولية وهم بصدد تمثيل دولهم أو منظماتهم لدول أخرى من القيام بمهامهم بكلّ حرية ودونما ضغط أو إكراه[167]. ولكن نظرا للتعسّف الحاصل من بعض المستفيدين من الحصانة القضائية وما تدخله بعض التصرفات من اضطراب على النّظام الداخلي للدول المعتمد لديها وتصبح بمثابة التحريض على الإجرام والإخلال بمبادئ الشرعية والإقليمية اتجهت أغلب الدول منذ القرن الماضي إلى الأخذ بمبدأ الحصانة النسبية أو المقيدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحصانة لا تعني إفلات هؤلاء الأشخاص من العقاب إذ أن المشمولون بها بمجرد رجوعهم إلى دولهم الأصلية يصبحون خاضعين لتشريعاتهم الوطنية.

وعرفت الحصانة و الامتيازات منذ القدم حتى أن أكثر الكتاب[168] اعتبروا أنها مستمدة من قانون الطبيعة وأكدها الفقه الإسلامي وإعتبرها البعض ضرورية في كل عصر.

فرغم إرتكاب الجريمة داخل التراب الوطني فإنه من الممكن عدم تطبيق القانون الجنائي المحلي نظرا لصفة الشخص أو وظيفته، وتأكيدا لأهمية الإعفاء من التتبع الجزائي فإنه يتجه ضبط الأشخاص المشمولون بها (الفرع الأول) وتحديد التصرفات المشمولة بالإعفاء (الفرع الثاني).

الفرع الأول : الأشخاص المشمولون بالحصانة

نظرا للطابع الاستثنائي للحصانة فإنه من الصعب تحديد الأشخاص المستفيدين منها قبل صدور إتفاقيتي فيانا المؤرختين في 18 أفريل 1961 و 24 أفريل 1963 والتي صادقت عليها تونس بالقانون عدد 67 – 39 الصادر بتاريخ 21 نوفمبر 1967 و المتعلقتين بالعلاقات الديبلوماسية والقنصلية- بالإضافة إلى أن هناك دول تعتمد شيئا من التضييق عند تطبيق الحصانة وأخرى تتجه نحو التوسّع.

وعلى أي حال فإن هناك إعفاءات مستمدة من القانون الدّاخلي (الفقرة الأولى) وإعفاءات مستمدة من القانون الدّولي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الإعفاءات المستمدة من القانون الداخلي

أكّد الدّستور التونسي بالفصل السادس مبدأ مساواة الجميع أمام القانون وذلك تماشيا مع المادة السابعة من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ولكن تعدّ الحصانة أمرا ضروريا بإسناد امتيازا لأقلية من الأفراد قصد حمايتهم من الضغوطات، وإنجاح مهامهم على أحسن وجه كما يبرّرها الفقه بأنها نشأت من أجل المحافظة على السيادة وخدمتها وهو ما يؤكد حصانة رئيس الدّولة (أ) وبعض الأشخاص[169] بصفة استثنائية (ب).

أ : حصانة رئيس الدّولة :

تستمد هذه الحصانة جذورها من القانون الإنقليزي الذي يعتبر أن الملك لا يخطئ وهو مصدر العدالة[170] وهذه القاعدة مفادها أن رئيس الدّولة يجب أن تكون شخصيته فوق كلّ اعتبار بأن تمنح له عديد الامتيازات تبرهن الاحترام والتقدير ويظهر للحاكم مهابته في أعين المحكومين. فإقتضت طبيعة التنظيم السياسي للدولة ضمان إستقلال رئيس الدّولة من السيطرة التشريعية والقضائية حتى يتمكن من مباشرة وظائفه بكلّ حريّة وذلك خشية تدخّل باقي سلطات الدّولة وتأثيرها عليه.

كما لا ننسى أن رئيس الدّولة له مركز خاص بوصفه الرأس الأعلى للدولة والضامن لاحترام الدستور لذلك يجب أن يعامل معاملة خاصّة.

والملاحظ أنه لا يوجد نص تشريعي يضبط هذه الحصانة ولعلّ سبب ذلك أنها مفترضة بطبيعتها ولا تحتاج إلى أن يقع التنصيص عليها.

على أن بعض القوانين المقارنة نصت صراحة على هذه الحصانة من ذلك الدستور اللبناني في المادة 60 الذي تضمن “لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلاّ عند خرقه للدّستور أو في حال الخيانة العظمى.”

وأشار الأستاذ القهوجي إلى أنّ “الهدف من تقرير هذه الحصانة هو تحقيق الإستقلال لرئيس الجمهورية حتى يمكنه القيام بمهام وظيفته وأهمها تحقيق التوازن بين سلطات الدّولة المختلفة”[171] ونستشف أن رئيس الدّولة يتمتع بهذا الامتياز من تاريخ تولّيه لمنصبه ولو كان غير مباشر لصلاحياته، وهي حصانة مطلقة بالنسبة للتقاضي الجزائي بإستثناء الجرائم الدولية والأعمال الموجهة ضدّ سلم الإنسانية وأمنها طبق ما حددته المادة الخامسة من إتفاقية روما للمحكمة الجنائية الدولية الموقع عليها بتاريـــــخ 17/07/1998، مثل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان فإن مرتكبها لا تعفيه صفته من المسؤولية طبق أحكام المادة 27 من الإتفاقية المذكورة.

ب- حصانة بعض الأشخاص بصفة استثنائية ”

تقتضي طبيعة النظام البرلماني عدم محاكمة أعضاء البرلمان جنائيا بسبب الآراء والأفكار التي يبدونها أثناء قيامهم بوظائفهم وهذه الحصانة تعبير عمّا إستقر عليه العرف الدّستوري بالإضافة إلى أن تقرير الحصانة لأعضاء مجلس النوّاب ضرورة لتمكينهم من أداء أعمالهم على النحو الذي يحدده الدستور.

وهذه الحصانة مقتصرة على الجرائم القولية والكتابية بشرط ارتكابها أثناء تأدية العضو عمله وثبوت ضرورتها أو ملاءمتها لأداء العمل.

وأقر الدستور التونسي بالفصل 27 الحصانة البرلمانية إذ تضمن أنه لا يمكن إجراء تتبع أو إيقاف أحد النواب طيلة نيابته في تهمة جنائية أو جناحية ما لم يرفع عنه مجلس النواب الحصانة، أمّا في حالة التلبّس بالجريمة فإنه يمكن ايقافه ويعلم المجلس حالا على أن ينتهي كلّ إيقاف إذا طلب المجلس ذلك.

ونتبين أن الغاية من هذه الحصانة هي توفير الحرية الكاملة لممثلي الشعب في أداء مهامهم والاضطلاع بمسؤولياتهم ولكن تبقى إثارة التتبع ممكنة كلّما وافق المجلس على ذلك. كما شمل الإعفاء قضاة المحاكم العدليّة فقد جاء القانون رقم 29 المؤرخ في 14 جويلية 1967 ضابطا لنظام القضاء ومهنة القضاة واقتضى الفصل 22 منه أنه : “لا يمكن بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء تتبع أي قاض من أجل جناية أو جنحة أو سجنه لكنه في صورة التلبّس بالجريمة يجوز إلقاء القبض عليه ويعلم عندئذ المجلس الأعلى للقضاء فورا.”

ويتضح من خلال ذلك أنه يمكن رفع الحصانة كلما استوجب الأمر ذلك فتتم إثارة التتبع ضد القاضي ومحاكمته ولكن بعد إذن المجلس المذكور.

الفقرة الثانية : الإعفاءات المستمدة من القانون الدولي :

هذه الإعفاءات أقرّها القانون الدولي العام والتقاليد السائدة بين الدول إذ أصبح من الممكن إعفاء بعض الأشخاص الذين يمثلون دولتهم لدى دولة أخرى من الخضوع لقضاء الدولة المعتمدين لديها بناءا على أن كل الدول ممثلة في الأقاليم الأخرى أو بالأحرى لاعتباره تراب أجنبي، ولئن أسّست الحصانة في البعض منها على فكرة المجاملة فقد اقتضتها الاتفاقيات الدولية في البعض الآخر.

أ‌- حصانة رؤساء الدول الأجنبية

إن هذه الحصانة أصبحت قاعدة مقررة في العرف الدولي وأساسها فكرة المجاملة لرئيس الدولة، نظرا لتمثيله أعلى هرم السلطة في علاقاتها مع الخارج، ولهذا وجب أن يكون محلّ رعاية كاملة من سائر الدول الأخرى. فإن وجود الرئيس أو الملك على إقليم دولة أخرى يلزمها بأن تحفظ استقلاله وتوفر له الحماية والرعاية اللازمة، ومن الطبيعي إعفائه من الخضوع للقضاء الجنائي الإقليمي وعدم التعرّض للمسكن الذي يقيم فيه إلا بعد موافقته. واعتبر البعض أن أساس هذه الحصانة هو المبدأ المعروف في القانون الدولي العام أنه “ليس للمتساوين سلطان بعضهم على بعـض Par in Parem non habet imperium » ويقصد بذلك أن رئيس الدولة يمثل دولته في علاقتها مع الخارج ولذلك يتمتع بهذا الإمتياز في الدولة الأخرى سواء وجد بها بصفة رسمية أم بصفة خاصة.

والملاحظ أن حصانة رؤساء الدول مرتبطة في كل الحالات بقواعد المعاملة بالمثل والمجاملة والتقاليد التي تتبعها كل دولة، كما تمنح هذه الحصانة لأفراد أسرته وحاشيته، وتنتهي هذه الإمتيازات والحصانات إذا زالت عنه صفته على أنه ليس هناك ما يمنع الدول أن تحتفظ له بها في كل الحالات من باب المجاملة. كما يتمتع رؤساء الحكومات والوزراء بالحصانة القضائية طالما كانوا في مهمة رسمية أي أنه إذا مثلوا هؤلاء الرؤساء دولهم في الخارج.

الديبلوماسيون :
لقد اختلفت الآراء حول الأساس القانوني لحصانات المبعوثين الديبلوماسيين المتبادلة بين الدول فاعتبرت النظرية التقليدية، أن العون الديبلوماسي حينما يوجد على إقليم الدولة الموفد إليها يفترض كأنه لا يزال في إقليم دولته- وذهبت نظرية النيابة أن الديبلوماسي يندب عن رئيس الدولة صاحب السيادة في أثناء مباشرته لعمله ومن ثم يتمتع بنفس الامتيازات المقررة له، ثم تم اعتماد نظرية الوظيفة خاصة في اتفاقية فيانا المؤرخة في 18 أفريل 1961 وتقول هذه النظرية بأن أساس الإعفاء هو تمكين الممثل الديبلوماسي من مباشرة وظيفته وأداء عمله بدون عائق وأن هذه الحصانة مقررة للوظيفة ذاتها وليست لفائدة ممثل الشخصية.

وعلى أي حال فإن هذه الحصانة اقتضتها ضرورة التعاون الدولي وهي مستمدة من استقلال الدولة وسيادتها- وتهدف هذه الحصانة إلى ضمان استقلال الممثل الديبلوماسي ليتمكن من القيام بوظائفه التمثيلية بوجه مرضي- وهو ما يؤكده الأستاذ الغنيمي :

“إن الديبلوماسي يجب أن يسمح له بقدر من الحرية يبعده عن قبضة الاختصاص المحلي لدولة الاستقبال في حدود ما هو لازم لعدم تعكير حريته في أن يمثل السيادة التابع لها وأن يوافيها بتقاريره”[172]

ولقد حدّد الفصل الأول من إتفاقية فيانا المتعلقة بالعلاقات الديبلوماسية المستفيدين من الحصانة فتشمل البعثة الديبلوماسية فضلا عن رئيسها مجموعة من الأشخاص الموظفين بها. ولا تتوقف الحصانة على هؤلاء بل تمتد إلى أعضاء عائلة الممثل الديبلوماسي وخدمته بشرط أن لا يكونوا من رعايا الدولة المعتمد لديها طبقا للفصل 37 من الإتفاقية المذكورة.

والملاحظ أن هذه الامتيازات ليست مقصورة على السفراء والوزراء فقط بل تشمل أيضا زوجاتهم وأفراد أسرتهم المقيمين معهم في نفس المسكن وكذلك جميع أعضاء البعثة الديبلوماسية وزوجاتهم وأفراد عائلاتهم المقيمون معهم كما تشمل جميع خدم البعثة فيما يتعلق بالأعمال التي تصدر عنهم في أثناء تأدية وظائفهم وذلك بشرط ألا يكونوا متمتعين بجنسية الدولة المعتمد لديها البعثة.

ونتبين أن هذه الامتيازات والحصانات جاءت موسعة للغاية، ولكن من الممكن إعتماد قائمة الممثلين السياسيين بكتابة الدولة للخارجية للتحقق من توافر صفة التمثيل الديبلوماسي.

ج- القناصل :

لقد جرى العرف الدولي على أن هذا الصنف يعدّ من الموظفين الإداريين ولذلك فإنهم لا يتمتعون بالحصانة القضائية إلا أن إتفاقية فيانا المؤرخة في 24 أفريل 1963 المتعلقة بالعلاقات القنصلية منحت هؤلاء الأشخاص حصانة شخصية تعفيهم من التتبعات القضائية فيما يتعلق بالأعمال الرسمية التي يأتيها القنصل أثناء مباشرة وظائفه، وهو ما أكده منشور كتابة الدولة للعدل بتاريخ 04 ماي 1964 والذي جاء فيه: “أن القناصل ليسوا معدودين من بين أعضاء السلك الديبلوماسي ولا يتمتعون بالحصانة إلا بالنسبة للأعمال التي يقومون بها أثناء مباشرتهم لوظائفهم ما لم تكن هناك إتفاقية ديبلوماسية تقتضي خلاف ذلك”[173]

واعتبر الأستاذ الغنيمي : “إن القنصل ليس سوى وكيل تجاري، فإن هذه الإمتيازات والحصانات لا تمتد إلى أسرته لأن هذا غير لازم لمباشرة الوظيفة القنصلية وهذا ما يدعو بعض الفقهاء لأن يقول أن الامتيازات والحصانات القنصلية حكومية اكثر منها شخصية”[174].

والملاحظ أن الحصانة القضائية لا تمتد إلى أعضاء عائلة الموظفين والعملة القنصليين بل تقتصر عليهم فقط إما بموجب الوظيفة أو إذا كانت هناك إتفاقية تقتضي شمول الأعمال التي ترتكب بصفة شخصية.

د- الهيئات والمنظمات الدولية :

يعتبر الفقه أن المجتمع الدولي يتألف من الدول والمنظمات الدولية، وعرفت المنظمات بأنها : “تنظيمات تقوم في أكثر من دولة واحدة وتتمتع بشخصية قانونية تؤهلها للقيام بمهامها باستقلالية عن الأعضاء فيها”[175] ومع مطلع هذا القرن إزداد النشاط الدولي في إنشاء الهيئات والمنظمات الدولية وهي منظمات عالمية كمنظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة، وإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الأوروبي.

ولا شك أن هذه المنظمات والهيئات الدولية لا تتمتع بالحصانة القضائية إلا في نطاق المعاهدات المبرمة بينها وبين البلاد التونسية، وقد إنظمت تونس إلى هيئة الأمم المتحدة المنظمة بالإتفاقية المؤرخة في 13 فيفري 1946 واقتضى الفصل 105 منها أنه “تتمتع الهيئة في أرض كل عضو من أعضائها بالإمتيازات والإعفاءات التي يتطلبها تحقيق مقاصدها وكذلك يتمتع المندوبون من أعضاء الأمم المتحدة وموظفو الهيئة بالإمتيازات والإعفاءات التي يتطلبها إستقلالهم في القيام بمهام وظائفهم المتصلة بالهيئة”[176].

والملاحظ أن هذه الحصانة مقررة لممثلي الدول الأعضاء ليس بهدف مصلحتهم الخاصة وإنما ضمانا لتمتعهم بكامل الاستقلال في أداء مهامهم بهيئة الأمم المتحدة وهو ما أكدته المادة 14 من الإتفاقية المذكورة.

ويتضح من خلال هذه المعاهدة أنه تمنح الحصانة لكل من الأمين العام للأمم المتحدة والأمناء المساعدين وزوجاتهم وأولادهم القصر وموظفي المنظمة بالنسبة لما يصدر منهم بصفتهم الرسمية من أعمال ويستمر ذلك معهم بالنسبة للأعمال التي قاموا بها أثناء مباشرتهم لوظائفهم ولو بعد انتهاء مأموريتهم طبقا للمادة 12 من الاتفاقية.

كما صادقت تونس على إتفاقية21 نوفمبر 1947 المتعلقة بامتيازات وحصانات الوكالات المختصة للأمم المتحدة وذلك بمقتضى القانون المؤرخ في 10 مارس 1958. ومن أهم هذه الهيئات، هيئة العمل الدوليّة، وهيئة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة وهيئة الطيران الدّولي، والبنك الدّولي للتعمير والتنمية.

ونصت المادة 21 على تمتع الرئيس التنفيذي لكلّ وكالة بالمزايا والإعفاءات الممنوحة للمبعوثين الدبلوماسيين طبقا للقانون الدولي.

كما يتمتع ممثلو الدول الأعضاء في الاجتماعات التي تدعو إليها أي وكالة مختصّة أثناء قيامهم بوظائفهم وأثناء سفرهم من وإلى مقر الاجتماع بالحصانات والامتيازات ولكن للدول الأعضاء رفع الحصانة عن ممثلها في جميع الأحوال التي يتضح فيها أن تلك الحصانة تحول دون تحقيق العدالة وهو ما نصت عليه المادة 16 من إتفاقية 1947.

كما أن جامعة الدول العربية تربطها بتونس الإتفاقية الموقعة في 18 جوان 1980 والمصادق عليها بالقانون عدد 29 لسنة 1981 بتاريخ 15 أفريل 1981[177] واقتضت المادة 14 من ميثاق الجامعة على منح الحصانة لممثلي الحكومات فيها وكذلك الموظفين الدوليين، ونصّت المادة 11 من الإتفاقية التي اعتمدها المجلس في 10 ماي 1953 على الحصانة الشخصية التي تمنع القبض على الممثل وحبسه بالنسبة لما يصدر من ممثلي الدول الأعضاء في الجامعة قولا أو كتابة أو عملا.

الفرع الثاني : الأعمال المشمولة بالحصانـــــة :

رغم أن الحصانة فرضتها السيادة الدولية بمعنى أن الدولة صاحبة سيادة حتى خارج حدودها، فقد وجّه لها الفقه العديد من الإنتقادات نظرا للتعسّف في استعمالها من قبل بعض المستفيدين بها وأثرها على النظام الداخلي للدولة المعتمدين لديها وكذلك على سمعة دولتهم الأصلية، لذلك اتجه الرأي إلى أخذها بشيء من الحذر وتحديد الأعمال المشمولة بالحصانة. ولئن تعدّد المستفدين من الحصانة القضائية فإن هناك فرضيّة تقضي بتقديمهم كجناة في بعض الجرائم وهي في حقيقة الأمر حصانة نسبيّة، لكن هذا لا ينفي إعفاء بعض الأشخاص بصفة مطلقة (الفقرة الأولى) واعتبر الفقه أن الإعفاء من الخضوع للتشريع الجنائي للدولة المرتكبة بها الجريمة ما هو إلا مانع إجرائي يحول دون تتبع شخص معيّن بصدد فعل يعدّ جريمة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : حالات الإعفاء

اقتضى العرف الدولي وبعض الاتفاقيات الدولية منح بعض الأشخاص حصانة مطلقة على أساس المجاملة أو المعاملة بالمثل أو لمصلحة الوظيفة (أ) وخلافا لذلك اتجهت الدول للتضييق من نطاق الحصانة وحصرها في حدود بعض التصرفات التي تقتضي حسن إدارة الوظيفة (ب).

أ‌- الإعفاء المطلق

إقتضى مبدأ الفصل بين السلط أن يتمتع رئيس الدولة بحصانة مطلقة تحقيقا للتوازن بين سلطات الدولة وضمانا لإستقلاليته من السيطرة التشريعية والقضائية حتى يتمكن من القيام بوظائفه وأكد القانون الدولي العام حصانة رؤساء الدّول أثناء تواجدهم بدول أخرى وذلك إحتراما لسيادة الدولة التي يمثلونها.

والملاحظ أن هناك من الدول من يتوسع في نطاق الحصانة، فالإجتهاد الإنقليزي يميل إلى منح حصانة كاملة لرؤساء الدول بينما يميل فقه القضاء الفرنسي إلى التفرقة بين الأعمال الخاصة الصرفة وهذه لا حصانة فيها لرئيس الدّولة والأعمال التي يقوم بها في إطار ممارسته لوظائفه الأساسية وهذه فقط التي يتمتع فيها بالحصانة.

ونصت بعض التشاريع صراحة على محاكمة رئيس الدولة إذا إرتكب عملا من أعمال الخيانة العظمى أو عند خرقه للدستور مثل نص المادة 90 من الدستور الإيطالي الصادر سنة 1948 والمادة 60 من الدستور اللبناني.[178]

وأما في القانون التونسي فإن حصانة رئيس الجمهورية تكون مطلقة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون محلّ تتبع جزائي وأن الفصل 68 من الدستور المتعلق بجريمة الخيانة العظمى يتعلق فقط بأعضاء الحكومة.

وجاء بديباجة إتفاقية فيانا لسنة 1961 “إن الهدف من إقرار الحصانة للسلك الديبلوماسي ليس هو تخويل إمتياز لبعض الأفراد وإنّما هو فقط تمكين البعثات الديبلوماسية من ممارسة وظائفها في نجاعة كاملة”[179]

ونص الفصل 31 بفقرته الأولى من الإتفاقية المذكورة على أنّ :” المبعوث الديبلوماسي يتمتع بالحصانة الديبلوماسية أمام المحاكم الجزائية الدولية المعتمد لديها”.

ويتضح أنه لا يخضع المبعوث الديبلوماسي لسلطات القضاء الجنائي في الدولة المعتمد لديها، ولا يجوز إقامة الدعوى الجزائية ضدّه أو إتخاذ أي إجراء قبلهم أو توجيه أي إستدعاء إليهم سواء تعلقت التتبعات بعملهم الرسمي أو لم تتعلق به- وهو ما أكّده المنشور عدد 1970 المؤرخ في 24 أكتوبر 1960- فيتمتع رجال السلك السياسي بحصانة مطلقة تشمل كلّ أفعالهم سواء تعلّقت بالعمل الدبلوماسي أم لم تكن متعلقة به – ويشير الأستاذ الغنيمي إلى أنّه : “لما كانت الظروف المعاصرة تجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نفرق بين ما هو خاصّ وما هو عامّ بالنسبة لنشاط الممثل الديبلوماسي وحتى لو كانت هذه التفرقة ممكنة، فإن إخضاع نشاطه الخاص لاختصاص القضاء المحلّي قد يعوق نشاطه العام فإن الاتجاه يسير نحو جعل هذه الحصانة كاملة حتى أنّ العمل جرى على منحه قدرا كبيرا من الامتيازات يزيد عمّا يمنح لصاحب السيادة الذي يمثله.”[180]

ونصّت صراحة المادة 22 من قانون العقوبات اللبناني على أنّه لا تطبق الشريعة اللّبنانية على الجرائم التي يقترفها موظفو السلك الخارجي والقناصل الأجانب ما تمتعوا بالحصانة التي يخوّلهم إيّاها القانون الدّولي العام.

والمؤكد أنّه لا يجوز تفتيش مسكن المبعوث الديبلوماسي أو إلزامه بأداء شهادته أو إجراء التحقيق ضدّه إلاّ بعد موافقة السلط المختصة بوزارة العدل.

فالحصانة القضائية بالنسبة للممثل الديبلوماسي تعتبر شخصية وتستمدّ من تمثيل الدولة المرسلة. وأكّد القرار التعقيبي عدد 7071 المؤرخ في 17 أفريل 1971[181] على أنّ الحصانة تعامل على وجه المجاملة بين الدول وتخصّ أشخاص بعثاتها الديبلوماسية ولا تشمل إطلاقا المجرمون العاديون الذين يقترفون جرائمهم داخل المبنى المتمتع بالحصانة.

ولئن إتضح أن أعضاء السلك الديبلوماسي يخرج عن التتبع الجزائي داخل الدولة فإنه بالمقابل يبقوا خاضعين لمحاكمهم الجزائية.

ب- الإعفاء النسبي :

أكّد الدستور التونسي أن نوّاب الشعب لا يتمتعوا بحصانة قضائية مطلقة، إذ من الممكن إثارة التتبع ضدّهم ومحاكمتهم بعد إذن مجلس النواب، وكذلك الشأن بالنسبة للقضاة فقد أقر القانون التونسي إمكانية تتبع القاضي ومحاكمته بعد إذن المجلس الأعلى للقضاء.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ وظيفة القنصل تختلف عن وظيفة المبعوث الديبلوماسي في أنّه ليس للقنصل صفة تمثيلية بالمعنى الصحيح إذ أنه مجرّد وكيلا عن الدولة ولكن هذا لا يعني أنّه لا يشمله الإعفاء، إذ أقرت الإتفاقيات الدولية إعفائهم من الخضوع للقضاء الجنائي فيما يتعلّق بالأعمال الرسميّة التي يأتيها القنصل أثناء مباشرته لوظائفه ويجوز القبض عليه ومحاكمته من أجل ارتكاب الجريمة إذا خرجت عن الأفعال المذكورة.

وتطبيقا لمبدأ جواز محاكمة القنصل في حالة خروجه عن دائرة أعماله قضت المحاكم الفرنسية في قضيّة الأميرة زيزيانون بإدانة القنصل الأمريكي لإرتكاب جريمة قذف في حق هذه الأميرة، مستندة إلى أن القذف لا يدخل في أعمال القنصل الرسمية.

كما قضت المحاكم الأمريكية بإدانة القنصل الألماني لإتهامه بتدبير المؤامرات، مصرحّة أنّ هذه الأعمال لا تتصل بوظيفته الرسمية.

ويتضح أنّ حصانة القنصل تبقى نسبية نظرا لإستنادها لنظرية الوظيفة.

الفقرة الثانية : تطبيق الإعفاء

إن الحصانة لا تعني إباحة الأفعال التي يرتكبها بعض الأشخاص، وإنّما نظرا لضمان وإستقلال أو إحترام هؤلاء الأشخاص أثناء مباشرة أعمالهم تقتضي إخراج هؤلاء من عداد من يوجّه إليهم المشرّع قواعده الجزائية، فهو إعفاء اجرائي (أ) ولكن من الممكن أن يتنازل الشخص عن الإنتفاع بالحصانة (ب).

أ : الطبيعة القانونية للحصانة

يتجه الرأي الغالب في الفقه إلى تكييف الحصانة بأنها إعفاء من الخضوع لذلك التشريع والمستفيد يخرج من عداد من يوجّه إليه المشرع أوامره ونواهيه، ونتيجة لذلك أصبحت الأفعال في حكم الإباحة، ويؤدي هذا الإتجاه إلى نتائج غير مقبولة خاصة إذا ساهم في الفعل الإجرامي شخص لا يستفيد من الحصانة ويصبح من غير الممكن تسليط العقاب على هذا الأخير.

على أن هذا الإتجاه إنتقده الأستاذ نجيب حسني[182] إذ يرى أن التكييف الصحيح لهذه الحصانة أنها تقرر خروج بعض الأفعال عن الولاية القضائية للدّولة، فمجال هذه الحصانة هي الإجراءات الجنائية وهي لا تعدو غير أن تكون مقررة لمانع إجرائي يحول دون إتخاذ الإجراءات ضد شخص معين بصدد فعل يعد جريمة.

ولكن الأستاذ F.Antolosei يخالف هذا الرأي ويقول بأن الحصانات هي لأسباب شخصية تمنع من تطبيق العقوبة، ولكنها تترك الفعل على حاله ويظل ممنوعا- وكذلك هذا الإتجاه منتقد على أساس أنّ هؤلاء ليسوا متميزين من التشريع وأن هؤلاء الأشخاص ومراكزهم مقيدون بالقانون أكثر من الجميع وبأن هذه الحصانة وضعت لا لأشخاصهم ولكن لمقتضيات الوظيفة.

والمؤكد أن أثر هذه الحصانة هو عدم قيام سلطة الدّولة في معاقبة الفاعل ومن ثمّ لا يجوز إتخاذ أي إجراء من إجراءات مباشرة الدعوى أو التحقيق، ولكن يبقى للدولة الحق في إتخاذ الإجراءات الإدارية أو الديبلوماسية ما يكفل إبعاد مرتكب الفعل عن الإقليم وهو ما تضمنه المنشور عدد 1970 المتعلق بالحصانة الديبلوماسية المؤرخ في 24 أكتوبر 1960- وعلى فرض أنه اتخذت إجراءات التتبع فإنّ الدعوى تحفظ لعدم جواز رفعها، ولكن هذا لا يمنع من أن يكونوا خاضعين لقضاء دولتهم- وهو ما يؤكد القول بأن الحصانة وظيفيّة تعفي أصحابها من الخضوع للقضاء الإقليمي.

ولكن الدولة المضيفة جملة من الحقوق، فبالإستناد إلى حقها الشرعي في الدفاع عن نفسها يمكنها إيقاف المبعوث الديبلوماسي إذا كان هذا الإجراء يحقق دفع الخطر عنها، ولكن لا تستطيع أن تحاكمه أمام محاكمها بل عليها تسليمه إلى سلطات الدولة التابع لها.

بالإضافة إلى أنه قد يسيئ بعض المنتفعين بالحصانة استعمالها كأن يرتكبوا جرائم تجسس على إقليم الدولة المضيّفة أو تهريب بضاعة محجّرة، ففي هذه الحالات ليس للدولة المضيّفة أن توقف التمتع بالحصانة عمّن أساء استعمالها لمجرّد حصول التجاوز وتقدم على محاكمته، وإنما لها أن تلفت نظر المخالف إلى إحترام قوانين البلاد أو أن تتقدم بشكوى إلى الدولة أو المنظمة التي أوفدته أو أن تعلن أنه شخص غير مرغوب فيه، أو أن تدعو إلى رفع الحصانة عنه. ونص الفصل 24 من إتفاقية الوكالات المتخصصة على أنه للدولة التي تلاحظ مثل هذه الإساءة أن تطلب من الوكالة المعنية وضع حدّ للتجاوزات، وإن لم يصل إلى إتفاق خلال أجل معقول يمكن رفع الأمر إلى محكمة العدل الدولية.

التنازل عن الحصانة :
اعتبر البعض أن الإعفاء يبقى شخصي وذاتي يخوّل للشخص إمكانية التنازل عن الحصانة قصد إثبات براءته أمام محاكم الدولة المعتمد لديها.

واتجه شقّ آخر إلى أنه لا يمكن إعتماد التنازل إلا في صورة صدوره عن الدولة التي يمثلها. على أن المنشور الصادر سنة 1960 تحت عدد 1970 اقتضى أن الإعفاء من السلطة القضائية الجزائية لا يمنع العون الديبلوماسي من أن يقوم بطلب التتبعات لدى تلك السلطة بالبلاد التي هو معتمد لديها ولا يطلب منه تقديم إجازة من حكومته لإتمام إجراءات هذا القيام.

وتجدر الإشارة إلى أن الحصانة إجراء يهمّ النظام العام وتثيرها المحكمة من تلقاء نفسها.

وفي كل الحالات يشترط أن يكون التنازل صريحا بدون لبس، ونتيجة لذلك يخوّل للمحاكم الجزائية أهلية النظر في الجريمة، ولا يمكنه التمسك بعدم الاختصاص بعد أنّ عبّر بصفة صريحة عن تنازله.

واتضح تراجع مبدأ الإقليمية من خلال عدم تتبع ومحاكمة بعض الأشخاص بسبب الحصانة القضائية وتأكد التراجع بدخول معاهدة روما المؤرخة في 17 جويلية 1998 حيز التنفيذ.

المبحث الثاني : انعقاد اختصاص المحكمة الجزائية الدوليــــــة
منذ أن خرجت الإنسانية من جحيم الحرب العالمية الثانية ولا يزال العالم يعيش في مرحلة عدم التوازن أدى إلى تزايد الإجرام الدولي، كما نتج عن تقدم العلم والتكنولوجيا زيادة حدة خطورة هذا الإجرام المتجاوز حدود الدولة.
وبتضامن الشعوب وتدعيم الأخلاق الإنسانية ظهر فرع جديد من القانون أطلق عليه إصطلاحا “القانون الدولي الجنائي” يقضي على روح الجريمة ويهدف أساسا لتنظيم العدالة الجنائية الدولية ومعاقبة المجرمين من جهة ووقاية المجتمع الدولي من الإجرام من جهة أخرى.
ويقصد بالقانون الجنائي الدولي : “مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق بالعقاب عن الجرائم الدولية أي الجرائم التي تشكل إنتهاكا للقانون الدولي مثل الجرائم التي تهدد التنظيم الدولي أو النظام الاجتماعي العام كخطف الطائرات أو انتهاك المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بحفظ السلام أو الأمن أو إبادة الشعوب”[183].
وإن كان البعض يرى أن قواعد القانون الدولي الجنائي تعلو على قواعد القوانين الوطنية إلا أن الواقع أن هذه القواعد المتمثلة في المعاهدات الدولية تنبع من إرادة كل دولة، والملاحظ أن الدول في نطاق القانون الجنائي الدولي تتنازل عن سلطاتها لمنظمات دولية أو عالمية ولكن بدون أن ينتقص ذلك من سيادتها.
وتمت تجربة المحاكمات الجنائية الدولية منذ إنعقاد اختصاص المحكمة العسكرية الدولية في نورمبرغ وفي طوكيو وفي راستات Rastatt[184] وتواصلت بصدور قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإنشاء محكمتين جنائيتين، تتمثل الأولى في المحكمة الجنائية الدولية المكلفة بملاحقة الأشخاص المفترض مسؤولياتهم عن الإنتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت في أراضي يوغسلافيا السابقة منذ عام 1991 عملا بالقرار عدد 827 مؤرخ في 25 ماي 1993 وأما الثانية تتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية المكلفة بمحاكمة الأشخاص.الذين يعتبرون مسؤولين عن أعمال إبادة الأجناس أو الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقانون الدولي الإنساني المقترفة في الأراضي الرواندية والتي تم إنشاؤها بمقتضى القرار عدد 955 مؤرخ في 8/11/1994.
وطالبت الدول بإنشاء محاكم دولية متخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب في الشيشان أو الكونقو كما تم إقتراح محاكمة بول بوت المسؤول عن جرائم إبادة الاجناس في كمبوديا. وأصبحت الضرورة ملحّة أمام عجز الدول في مجابهة وضمان معاقبة الجرائم التي ترتكب فوق أقاليمها لإنشاء جهاز قضائي دولي من شأنه أن يدعّم الملاحقات الدولية وتوطيد الإختصاص العالمي للمحاكم الجنائية الوطنية ولكن اتجهت بعض المواقف الدولية إلى اعتبار أنّ إحداث هذه المحكمة يتعارض مع ضرورة الحفاظ على مقومات السيادة الوطنية.
وتمّ انعقاد مؤتمر دولي بروما تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 15 جوان إلى 17 جويلية 1998 إنتهي لصياغة مشروع معاهدة متعدّدة الأطراف تتعلّق بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، وبعد توفّر النّصاب المعيّن بالمادة 126 من قانونها الأساسي دخلت هذه المعاهدة حيز التنفيذ وتجدر الإشارة إلى أن المشرع التونسي لم يقم بالمصادقة على المعاهدة المذكورة رغم تصويته عليها وإمضائه مباشرة بعد المؤتمر، كما عبّر عن قبوله لهذا الجهاز منذ إعلان داكار المؤرخ في 06/02/1998 الذي وقعته 24 دولة إفريقية ومغاربية من بينها البلاد التونسية.[185] وتبقى إمكانية الانضمام ممكنة ولكن اقتضت الفقرة الثانية من المادة 126 أجل أحادى يتعلّق فقط بالدول التي صادقت على المعاهدة بعد اكتمال نصاب بدء نفاذها أي أن حق هذه الدّول لا يسري إلاّ بعد انقضاء سنتين من تاريخ إيداع صكوكها لدى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة. كما كرّست المعاهدة مبادئ العدالة الجنائية وهو ما يدعو للبحث عن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية (الفقرة الأولى) والكشف عن إجراءات تعهدّها (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : اختصاص المحكمة الجنائية الدوليّة
تضمنت توطئة المعاهدة 11 فقرة تنطوي على أهم المبادئ التي تقوم عليها العدالة الجنائية، واحتوت المعاهدة على 128 مادة نظمت إجراءات الإنضمام والمصادقة والانسحاب، وأكّدت جملة من المبادئ لاختصاصها سواء منها التقليدية أو الحديثة (أ) وحدّد نطاق اختصاصها (ب).

أ – مبادئ الإختصاص

كرّس النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية عدّة مبادئ لعلّ أهمّها مبدأ شرعية الجرائم المضمّن بالمادة 22 إذ لا يسأل الشخص جنائيا بموجب هذا القانون ما لم يشكل السلوك المعني وقت وقوعه جريمة تدخل في اختصاصها. وهو يتماشى مع ما كرّسته الدساتير وأغلب التشاريع. ويهدف أساسا لحماية حقوق الأفراد.

ولئن تناست القوانين المنظمة للمحكمتين الجنائيتين بروندا و يوغسلافيا سابقا مبدأ عدم تقادم الجرائم رغم أنّه من الثوابت الأساسية للقانون الدولي الإنساني، فقد نصّت عليه المادّة 29 من معاهدة روما.

واتجهت أغلب المبادئ المذكورة لحماية حقوق المتهم سواء عند التتبع أو أثناء المحاكمة إذ تضمنت المادة 24 على أنّه لا يسأل الشخص جنائيا عن سلوك سابق لبدء نفاذ هذا النظام. وعلى ذلك الأساس لا يمكن لهذه المحكمة أن تمارس اختصاصها للنظر في الجرائم المنصوص عليها بالمادة الخامسة إذا ما تم ارتكاب الجريمة قبل دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ. وأضافت الفقرة الثانية أنّه في حالة حدوث تغيير في القانون المنطبق قبل صدور الحكم النهائي يطبق القانون الأصلح للمتهم.

ويتضح الأمر أكثر باعتماد المحكمة للمبدأ التقليدي لا يمكن محاكمة الشخص عن الجريمة التي نسبت إليه مرتين.

وكما لاحظ الأستاذان Desportes et le Gunehec أنّ مقاصد هذه المعاهدة حققت تقدما واضحا يرمي أساسا لتأكيد التعاون الدولي لمكافحة الجريمة وهو ما اتجه إليه النظام الأساسي لمحكمة رو ندا ومحكمة يوغسلافيا السابقة.

ونتبين أن إرادة الدّول اتجهت لإنشاء جهاز قضائي دولي يحرص على سلامة أراضيها، وهو ما اقتضته المادة الثامنة من النظام الأساسي لمحكمة روندا، إذ خوّل للمحكمة الدولية أسبقية على المحاكم الوطنية ويجوز لها في أيّة مرحلة من مراحل الدعوى أن تطلب رسميّا من هذه المحاكم التنازل لها عن اختصاصها وفقا للنظام الأساسي وللقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات بالمحكمة الدوليّة بروندا. وهو تقريبا ما جاء بالمادة الرابعة فقرة ثانية من معاهدة روما للمحكمة أن تمارس وظائفها على النحو المنصوص عليه في إقليم أية دولة طرف ولها بموجب اتفاق خاص مع أيّة دولة أخرى أن تمارسها في إقليم تلك الدولة.

ونستشف من خلال ذلك أنه نظرا لخطورة بعض الجرائم يمكن إسناد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة رغم ارتكاب الجريمة بإقليم تلك الدولة وهو ما يؤكد القول بتراجع مبدأ الإقليمية لكن مع ضرورة المحافظة على مقوّمات السيادة بالإضافة إلى أنّ هناك تكامل بين اختصاص المحكمة الجزائية الدولية والمحاكم الوطنية على الأقلّ من ناحية التعاون الدّولي الذي يفرض بموجب المعاهدة المتعدّدة الأطراف أو بالاتفاق بتسليم واعتقال بعض الأشخاص المرتكبين لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وأكدت الدائرة االاستئنافية بالمحكمة الدولية ليوغسلافيا سابقا بقرارها المؤرخ في 29 أكتوبر 1997 على أنّه لا يمكن للمحكمة أن تتخذ ضدّ أيّة دولة أو ضدّ مواطنيها السامين بسبب عدم تنفيذ الأوامر أو المطالب المتعلّقة بتقديم بعض عناصر الإثبات، وعلى المحكمة الدولية أن تحيل المسألة على مجلس الأمن لاتخاذ التدابير اللاّزمة للدولة الرافضة للتعاون مع المحكمة.

ب – نطاق الاختصاص :

ظهر مبدأ المسؤولية الجنائية الشخصية منذ محاكمات نورمبرغ وطوكيو، إذ أصبح من الممكن للمحاكم الدولية أن تتبع أي شخص وجّهت له تهمة انتهاك القانون الدولي حتّى إذا ارتكب هذه الجرائم داخل أراضي أيّة دولة وهو ما أكّدته المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وتدعّمت أركان المسؤولية بصفة موسّعة إذا لا تهمّ صفة الشخص طبق المادة 27 ولا الحصانات والامتيازات المعمول بها إلاّ إذا كانت سنّ المتهم أقلّ من ثمانية عشر عاما أو ثبت قصور ذهني لديه.

كما ضبطت المادة الخامسة الجرائم التي تتعهّد بها المحكمة وهي أساسا تتصل بحفظ السلم والأمن الدوليين وتتمثل في جرائم الإبادة وجرائم الحرب وجرائم العدوان وجرائم ضدّ الإنسانية، إلاّ أنّ المادة 124 أجازت للدّول الأعضاء وقف تطبيق المعاهدة بصفة انفرادية لمدة 07 سنوات بالنسبة لجرائم الحرب التي أرتكبت فوق إقليمها أو من رعاياها[186].

كما عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية باعتبارها أي فعل من الأفعال التي ترتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنيّة أو عرقيه أو دينية. ويقصد بالجرائم ضدّ الإنسانية كل أعمال القتل أو الإبادة أو الاسترقاق وأي أعمال غير الإنسانية الأخرى ضدّ أي سكان مدنيين قبل الحرب أو أثنائها أو الاضطهاد لأسباب عرقيّة أو سياسية أو دينية.

الفقرة الثانية : إجراءات تعهّد المحكمة الجزائية الدولية

تكريسا للمحاكمة العادلة اقتضت المادة 51 أن لا يقع تطبيق التعديلات التي أدخلت على القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات بأثر رجعي من شأنه أن يمس بحقوق المشتبه فيه خلال سير إجراءات التقاضي.

ووضعت معاهدة روما عدة قواعد إجرائية تهدف إلى تسيير المحاكمة خلال طوري التحضيري (أ) والقضائي للدعوى الجزائية أمام هذه المحكمة الدولية (ب).

الطور التحضيري :
خصصت هذه المرحلة لاتخاذ بعض الاجراءات الأولية قصد التثبت من صحة إثارة الدعوى الجزائية والتحقق من توفر أركان الجريمة فحددت المادة 13 الأطراف المخول لهم إثارة التتبع وهم أساسا الدول الأطراف المستهدفة لإحدى الجرائم المنصوص عليها بالمادة الخامسة وأجازت الفقرة الأولى من المادة 14 لجميع الدول إحالة الاختصاص للمدعي العام إذا ما تعرضت للجرائم الخطيرة التي ترجع إليها بالاختصاص.

كما نظمت المادة 42 جهاز الإدعاء العام، ومنح له سلطة التتبع ومراقبة قبول الدعوى إذ يتولى تقدير الوقائع المعروضة عليه، واستنطاق ذي الشبهة وإجراء التحقيق فوق إقليم الدولة المرتكبة بها الجريمة، وبعد أن يصدر قراراته يتولى توجيهها إلى الأطراف المعنية وإلى الدائرة التمهيدية.

وأشارت المادة 56 إلى مهام الدائرة التمهيدية التي تأذن بسماع الشهود وجمع الأدلة وإجراء الاختبارات، وتتولى إتخاذ التدابير اللازمة لضمان فاعلية الإجراءات ونزاهتها، وتختص بإصدار أمر القبض على المتهمين.

ويتم توجيه التهمة على المعني بالأمر إثر جلسة تعقد للغرض وتكون بحضور جميع أطراف الدعوى.

الطور القضائي :
كرّس النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مبدأ التقاضي على درجتين وذلك بتخصيص دوائر ابتدائية واستئنافية للنظر في الدعوى الجزائية.

واقتضت المادة 63 أن لا تتم المحاكمة إلا بحضور المتهم كما أقرت له عديد الضمانات أثناء المحاكمة منها حق الإطلاع على طبيعة التهم المنسوبة إليه وحق إعداد وسائل الدفاع بمعية محاميه، كما يمكن له أن يتولى بنفسه استجواب شهود الإثبات وحجرت المادة 67 إكراه المتهم على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بالذنب، وأن الامتناع عن الإدلاء بتصريحاته لا يؤثر على إتخاذ حكم الإدانة أو البراءة.

وأجاز النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لجميع الأطراف تقديم الأدلة التي تتصل بالدعوى قصد الوصول للحقيقة.

وتختص الدائرة الاستئنافية بالنظر في جميع الأحكام الصادرة عن الدوائر الابتدائية، وكذلك بمراقبتها عن طريق الطعن بإعادة النظر طبقا للمادة 84- والملاحظ أن إنشاء هيكل قضائي جنائي دولي يعتبر محطة هامة للمحافظة على المجتمع الدولي من بعض الجرائم الخطيرة وهو ما يفرض على الأقل تكاتف الجهود بين الدول للقضاء على الجريمة.

خلاصــــــــــــــــــــــــة : البـــــــــاب الثانـــــــي

إتضح مما سبق بيانه أنه حفاظا على السيادة الدولية خرجت معظم التشاريع الحديثة عن حدود الإقليمية الضيقة وذلك بتكريس مبادئ الشخصية والعينية والعالمية، قصد تتبع الجرائم المرتكبة بالخارج التي تستهدف إحدى المصالح الأساسية للدولة أو مصالح مواطنيها بالإضافة إلى تفشي ظاهرة الإجرام الدولي التي تفترض تضامن الشعوب لمقاومتها والتصدي لها.

الخاتمـــــــــــة

مبدأ إقليمية القانون الجزائي أصبح بمثابة القاعدة العامة المعمول بها في اغلب التشريعات الحديثة، ولعلّ أهميته تكمن في تكريس سيادة الدولة على إقليمها والمحافظة على التوازن الاجتماعي ووقاية الأفراد من ظاهرة الإجرام ولما يحققه من نجاعة قصد فضّ تنازع الإختصاص بين الدول- ولكن تطبيق هذا المبدأ بصورة مطلقة نتج عنه عديد الإشكالات حول تحديد مكان ارتكاب الجريمة إذا ما وقع نشاط المجرم الإجرامي في دولة وحدثت نتيجته في دولة أخرى وكذلك تحديد الاختصاص بعقاب الجرائم التي ترتكب على الطائرات والسفن إذ من الممكن أن توجد في إقليم دولة أخرى، بالإضافة إلى ارتباط الجرائم وعدم انقسامها أو أفعال المشاركة التي ترتكب فوق عدة أقاليم مختلفة.

والملاحظ أن المشرع التونسي سكت عن تنظيم هذه الوضعيات، ولعلّه يصعب إعتماد حلول فقه قضائية خاصة وأن المادة الجزائية تقتضي التأويل الضيّق.

وتعددت النظريات الفقهية قصد تقريب وجهات النظر بين الدول عند تطبيق القانون الجزائي في المكان خاصة فيما يتعلق بتحديد مكان ارتكاب الجريمة- فاعتبر البعض أنه يمكن تحديد مكان الجريمة بالنظر لنشاط الجاني الإجرامي باعتبار أن الفاعل يجهل المكان الذي تحدث فيه هذه النتائج، ولكن طبقا لذلك تتغير العقوبة بسبب لا دخل لإرادة الجاني فيه وهو تنقل المجني عليه من مكان لآخر، وإتجه البعض الآخر إلى تحديد مكان الجريمة استنادا لنتيجة الفعل لأن المكان الذي وقع فيه الضرر هو الأثر الذي قصد المجرم إحداثه أما مكان حصول الفعل فلم يكن سوى المكان الذي حدث فيه مسبّبات الضرر. ولكن ذهب شق آخر إلى إعطاء الاختصاص لكلا المكانين : مكان الفعل والمكان الذي حدثت فيه نتيجته أو المكان الذي كان ينتظر أن تحدث فيه، غير أن الفقه انتقد هذه النظرية الأخيرة على أساس أن معيار النتيجة غير محدد، فرأى البعض تحديد هذا المكان بمكان ارتكاب الواقعة الأولى من الوقائع المرتبطة التي تتكون منها النتيجة المقصودة، واتجه البعض الآخر إلى أن تحديد النتيجة بالنسبة للاختصاص المكاني يكون بالنتيجة التي تغيّر في وصف الجريمة أو في تحديد العقوبة.

أما الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات، اعتمدت بعض الدول مبدأ الإقليمية المطلق وأسند الاختصاص للدولة التي تحلق فوقها الطائرة وقت وقوع الجريمة، ومنها من أخذ بقانون العلم ويعطي الاختصاص للدولة التي تتبعها الطائرة بجنسيتها وتحمل علمها أيا كان مكان الطائرة وقت وقوع الجريمة- وأخذ المشرع التونسي بالنظام المختلط، ولعلّ هذا الاختلاف بين التشاريع يؤدي حتما إلى وجود مشكلة تنازع في الاختصاص الجنائي بين الدول المختلفة ونفس الاختلاف تقريبا بخصوص الجرائم المرتكبة على متن السفن وقد كان الاتجاه قبل إنعقاد مؤتمر لاهاي سنة 1930 هو إسناد الاختصاص لقانون العلم إلا إذا أحدثت الجريمة ضررا بمصالح الدولة الساحلية أو أحد رعاياها أو إذا طلب منها التدخل- وبانعقاد مؤتمر لاهاي نصت المادة الثانية على أنه من حق الدولة الساحلية القبض على الأشخاص الموجودين على السفن المارة في إقليمها عن جريمة وقعت عليها وتعدت آثارها خارجها أو كان من شأنها تهديد أمن وإستقرار الدولة في البحر الإقليمي وكذلك إذا طلب قائد السفينة التدخل من الدولة.

وأما مسألة التصادم البحري فقد تعرّض لها مؤتمر القانون التجاري البحري المنعقد في بروكسل سنة 1952 وأسند الاختصاص بالنسبة للحوادث التي تقع في عرض البحار للدولة التي ترفع السفينة علمها إذا كان الحادث يستتبع مسؤولية الربّان والضباط وكل شخص آخر فوق السفينة، أما الحوادث التي تقع في المياه الإقليمية تبقى من حق الدول التي وقعت على المعاهدة في أن تحتفظ لنفسها بحق تعقّب الجرائم التي تقع في إقليمها- وفي كل الحالات نتبيّن تراجع مبدأ الإقليمية وخاصة أمام الجرائم التي تحدث خارج الإقليم- وهو ما جعل أغلب الدول تعتمد مبادئ أخرى أكثر حماية لسيادتها وحفاظا على مصالحها- فاعتمد المشرع التونسي مبدأ الشخصية سواء من ناحيته الإيجابية أو السلبية، ولكن لم ينصّ على تتبع الجرائم العينيّة إلا بالنسبة للشخص الأجنبي، أما التونسي فلا يمكن إثارة التتبع ضدّه إلا طبقا للفصل 305 م إ ج.

كما اتجهت الدول إلى إعتماد مبدأ العالمية الذي يعطي الاختصاص لقاضي محلّ القبض بالنسبة لبعض الجرائم المرتكبة ضد المصالح المشتركة للدول أيا كان مكان ارتكابها أو جنسية مرتكبها، وأسس هذا المبدأ على فكرة التضامن الإنساني بين الدول وأن القانون الجزائي إنما وضع لحماية الإنسانية دون إهتمام بمسألة تقسيم الحدود، وهو ما جعل الأفكار تتجه لمؤسسات وقوانين جنائية دولية لمعاقبة مرتكبي الجرائم التي تهدّد الإنسانية.

وخلاصة القول إن مبدأ الإقليمية يبعد كل البعد عن مقاصد وأهداف القانون الجزائي إذ إتجهت أغلب التشاريع لتكريس المبادئ الحمائية الأخرى والإعتناء بالجريمة المرتكبة بالخارج نظرا لخطورتها ومؤثراتها على المجتمع وعلى كيان الدولة- ولذلك يبدو من الضروري إسناد الأولوية لبقية المبادئ الأخرى وخاصة لمبدأ الجنسية وتكريس التعاون الجنائي الدولي للقضاء على الجريمة.