انطلاق موقع محاماة نت بحلة جديدة و نظام مطور

محاماة نت بحلة جديدة

اطلقت محاماة نت , الموقع القانوني التابع لها بحلة جديدة و نظام مطور , و قال مسؤول الموقع أنه استغنى عن النظام البرمجي الذي يوفر سؤال و جواب قانوني , لكن صرح أنه سيطلق نظام برمجي مخصص لإستشارات القانونية على نفس نظام وردد بريس العالمي , و محاماة نت بحلتها الجديدة ستحقق عدد ضخم من الزوار في الفترة المقبلة بسبب الإمكانيات البرمجية العالية في هذا النظام, و يسعى محاماة نت أن يحلق كأكبر موقع قانوني بالعالم ناطق بالعربية , و قال مسؤول النظام البرمجي في الموقع , أن الموقع تدريجي سيوفر عدد من الخدمات المباشرة سواء للزوار او المحامين العرب , و من ضمن ميزات الموقع الجديد إمكانية إضافة صورة على كل موضوع , و ايضا سهولة في التصفح و سرعة في الأداء .

www.mohamah.net/law

مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين يحتضر و المؤشر يتجه نحو انتخابات مبكرة

ساخن : : حالة من التخبط و تضارب في المعلومات تعيشها نقابة المحامين الفلسطينيين

في ضوء التطورات الأخيرة التي شهدتها نقابة المحامين الفلسطينيين , اعلن 3 أعضاء بارزين استقالتهم بشكل رسمي من مجلس النقابة و اعلن اخرين أن استقالتهم أصبحت مرهونة بالوقت , فيما دعا اخرين الى عقد اجتماع طارىء في  محاولة لتصويب الأمور نحو المسار الصحيح , و اعتبر اخرين أن إعلان الإستقالة هو بمثابة تهرب من المسؤولية و ليس حل للأزمة فيما قال اخرون ان الإستقالة هو بمثابة إنسحاب مشرف و للان لم يصدر أي بيانات رسمي من قبل النقابة حول موقفها من الأحداث الأخيرة المتصاعدة , و كيف ستبدو الأمور بعد استقالة عدد من أعضاء النقابة .

و في ذات السياق دعا عدد من المحامين الفلسطينيين الى ضرورة حل المجلس في أسرع وقت و تعيين مجلس لتسيير الاعمال , و اجراء انتخابات مبكرة حسب الأصول و القانون , فيما قال اخرون أنه يستوجب أن يتم سد النقص من خلال دعوة المرشحين الأكثر عدد للأصوات , فيما قال دعا اخرون الى ضرورة انعقاد اجتماع موسع مع الهيئة العامة لإعادة السيطرة على الأمور .

و دعا الأستاذ أنطون سلمان عضو نقابة المحامين الفلسطينيين : في محاولة لإصلاح الوضح الحالي , دعا  أعضاء مجلس النقابة أن يثبتوا في مواقعهم وأن يسحبوا استقالاتهم أو يعودوا عنها وأن يواجهوا الخطأ بصبر وموضوعية، وأن يتصدوا لأسلوب التسويف والمماطلة في تنفيذ قرارات المجلس باتخاذ قرارات جريئة لإلزام ذوي الشأن بالعمل بموجب الأنظمة والقوانين بنزاهة وموضوعية, ومحاسبة من يخالف ذلك وفق الأنظمة والقوانين النافذة.

و على صعيد اخر و بعد اعلان موقع النيابة العامة الرسمي عبر فيسبوك بيان يتضمن الوصول الى حلول مع نقابة المحامين الفلسطينيين , و أن نقابة المحامين قد علقت كافة الإحتجاجات و الإجراءات التصعيدية امام النيابة العامة و الدوائر الرسمية و الشرطية , اعتبر عدد من المحامين أن النقابة لم تعلق على البيان و لم تنفي من ورد على موقع النيابة و هذا بدوره يعتبر اقرار بصحة ما جاء في ذلك البيان , الا انه و بعد أن اجرى الأستاذ سهيل عاشور اتصال مع نقيب المحامين , أكد أن النقيب ان الإجراءات الإحتجاجية مستمرة و نفى هاتفيا أن يكون هناك اي تفاهمات و انما كان هناك حلول ينتظر عرضها على المجلس للموافقة عليها او رفضها  , و تعيش الهيئة العامة حالة من التخبط في ظل عدم توفر اي معلومات رسمية , و ما اذا كان يوم غد يتخلله اي اجراءات تصعيدية او إحتجاجية .

موجة غضب بين أوساط المحامين في الخليل و تهديدات بحجب الثقة عن المجلس

موجة غضب بين أوساط محامين الخليل ,

دعا المكتب الحركي للمحامين في الخليل الى إجتماع طارىء  لجميع المحامين أعضاء الهيئة العامة في محافظة الخليل و ذلك  عقب التطورات و التداعيات الأخيرة التي شهدتها نقابة المحامين الفلسطينيين و قد حضر الإجتماع عدد من المحامين البارزين في المحافظة  , وألقى العديد من المحامين الكلمات التي تعبر عن غضب كبير من الإجراءات النقابية التي وصفها البعض بالفردية و التي لا تنسجم مع تطلعات الهيئة العامة  , كما تم الدعوى للإجتماع ايضا على خلفية طلب الإستقالة المقدم من المحامي حاتم شاهين , وقد رفض الغالبية تلك الإستقالة و دعا الكثير حاتم شاهين الى العدول عن موقفه , تماشيا مع الشرعية .

و بعد موجه من الغضب  التي سادت بين الحشد الكبير من المحامين و بعد دعوات بحجب الثقة عن المجلس الحالي  قال المحامي البارز سهيل عاشور أن  نقابة المحامين و على لسان النقيب نفت ما جاء في الإعلام  في التوصل الى تسوية لا بل أكد أن جميع الإجراءات الإحتجاجية و النقابية فعالة و انه لم يصدر أي بيان أو تصريح رسمي من نقابة المحامين في التوصل الى إتفاق , و ما نشر ما هو الا مجرد طرح للحلول و لكن لم يكن هناك أي تصريح رسميا من نقابة المحامين حول أي حلول  , كما قال عاشور أن نقابة المحامين هي مؤسسة وطنية يجب الحفاظ عليها و قال انها وصلت الى ما هي عليه بعد تضحية الكثير من المحامين و أنه يتوجب على  الجميع أن يلتف ضمن الإطار النقابي و أن يتماشى مع الشرعية .

و قال المحامي الدكتور بسام القواسمة و بعد إجراء إتصالات مع الجهات المسؤولة و على لسان النقيب أن هناك نفي لأي تفاهمات او اتفاقات و ان ما تم بثه من الإعلام ما هو الا موقف من طرف واحد و انه لم يتم التوصل الى اي اتفاق بهذا الخصوص و عليه  تبقى فعاليات النقابة الإحتجاجية سارية , و دعا القواسمة الى المحامين الى ضبط النفس و التصرف بحكمة في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها الجسم النقابي .

و قال أمين سر المكتب الحركي للمحامين الأستاذ عمران محفوظ , دعونا الى هذا الإجتماع بعد التطورات الأخيرة في النقابة و التجاهل الكبير و التهميش المتعمد بحق المحامين و قال أن من يلعب في توجيهات و خيارات الهيئة العامة كمن يلعب في النار و أن اي قرار لا يتماشى ولا ينسجم مع مطالب الهيئة العامة هو غير شرعي و كما اشار الى مبنى محكمة الخليل و قال أنه يعاني من ظروف صعبة للغاية و يجب إتخاذ قرارات حاسمة و فعالة نحو ايجاد مبنى جديد للمحامين و في ذات السياق قال المحامي سهيل عاشور , أنه من المحزن أن يكون مبنى المحكمة بهذه الصورة المؤسفة و من المحزن أن تكون مقر النيابة في المحكمة عبارة عن سقف لمحل تجاري , و أن المبنى ينتقص لكافة الخدمات الضرورية  و أصبح من اللازم و الضروري ايجاد مبنى بديل يليق بهيبة العدالة في مدينة الخليل و أوضح  و كما ورده من مسؤول رفيع المستوى انه للان لا يوجد اي قرار بشأن مبنى محكمة الخليل و هذا يدفع المحامين في الخليل الى الإحباط الشديد .

نتركم مع الصور و ايضا البيان الرسمي لهذا الإجتماع

و هذا البيان ورد رسميا الى محاماة نت من المكتب الحركي للمحامين في وسط مدينة الخليل

اجتاحت اليوم موجة غضب عارمة ما بين افراد الهيئة العامة للمحامين في فلسطين عامة وفي محافظة الخليل خاصة على اثر البلبلة الاعلامية التي اشاعت خبر تراجع النقابة عن فعالياتها الاحتجاجية دون حل ازمة نقابة المحامين مع الاجهزة الامنية والنيابة العامة ودون حل الخروقات القانونية حيث تم الدعوة على اثره لاجتماع عاجل لمحامي محافظة الخليل وتم تبني موقف واضح ومانع للإلتباس حيث تم اصدار البيان التالي : انطلاقاً من حرص المكتب الحركي للمحامين في الخليل و الهيئة العامة في محافظة الخليل وعلى اثر البيانات الاعلامية المتناقضة وبعد مراجعة نقابة المحامين بخصوص اجراءات النقابة التصعيددية التي سبق ان اعلن عنها فإن النقابة اكدت ان جلسة اليوم مع النائب العام هي احدى سلسة الجلسات التباحثية للوصول لحل للخروقات القانونية من قبل النيابة العامة والاجهزة الامنية وانه لغاية اللحظة لم يتم التوصل لاتفاق نهائي لحل هذه الازمة وعليه اكدت نقابة المحامين على استمرار الفعاليات الاحتجاجية ودعت الى الحشد لفعالية الاعتصام امام الداخلية في رام الله وتعليق الدوام من الساعة ١١:٠٠يوم غدٍ وعليه تؤكد الهيئة العامة في محافظة الخليل على الاستمرار في الفعاليات وصولاً لنيل الحقوق المسلوبة المعلن عنها في المؤتمر الصحفي السابق لنقابة المحامين اضافة الى رفع كتاب لنقابة المحامين في ادراج قضية مبنى نقابة المحامين ضمن الفعاليات التصعيدية القادمة .

نائب نقيب المحامين حاتم شاهين سيقدم استقالته رسميا خلال ساعات

خبر عـــــــــــــــــــــاجل : حاتم شاهين سيقدم استقالته رسميا من مجلس النقابة خلال ساعات

ورد معلومات من مصادر رفيعة المستوى أن المحامي البارز حاتم شاهين نائب نقيب المحامين الفلسطينيين سيقدم استقالته خلال ساعات من الان و سنورد لكم أي جديد خلال الساعات القادمة , في حين لم توضح تلك المصادر سبب هذه الخطوة من الأستاذ حاتم شاهين .

و يذكر أن الأستاذ حاتم شاهين يحتل مركز هام في نقابة المحامين الفلسطينيين و ايضا يتمتع بشعبية كبيرة بين أوساط المحامين .

كلمة الأستاذ حاتم شاهين عبر صفحته الرسمية على فيسبوك

زميلات … الزملاء الكرام
تحية الحق والعروبة ،،،،
تحية الحق الذي هان عندما هنا، تحية الحق الذي اصبح من يدافع عنه طريد ومن ينتهكه ذو رأي سديد ، تحية الحق الذي أصبحت المطالبة به بخوف وعلى استحياء والباطل جهارا نهارا مدعاة فخر.
اقسم بمن رفع السماء بلا عمد ، انني حرصت على مدار سنوات مضت ان تتبوء نقابتكم مكانها الطبيعي في طليعة مؤسسات هذا البلد حامية للحق والعدل وقلعة للحريات، اما وان تصبح مطية بلا قيمة وانا لا املك نجاتها فإنني والحالة هذه أرد الأمانة التي شرفتني ورفعت من قدري إليكم طالبا من كل من يرى انني قصرت في يوم من الأيام التماس المعذرة لي .
مع احترامي ومحبتي لكم جميعا زميلاتي زملائي

هذا و قد تقدم كل من الأستاذ سليمان ياسين و الأستاذ غسان مساد بالإستقالة رسميا من مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين , و أعلن كلاهما من خلال الصفة الرسمية عبر فيسبوك .

و في ذات السياق أعلن مجلس نقابة المحامين الفلسطينيين اليوم عن تعليق كافة الأعمال الإحتجاجية امام الدوائر و الأجهزة الرسمية , و أمام كافة النيابات , و هذا يفتح باب التساؤل اذا ما كان سبب تلك الإستقالات بسبب الإعلان الأخير عن وقف الإحتجاجات و الإجراءات التصعيدية .

عـاجل و بالفيديو : نقابة المحامين تعلن بدء التصعيد و تعليق مفتوح عن العمل

محاماة نت : الأوضاع القانونية في طريقها للتدهور , و نقابة المحامين الفلسطينيين تبدأ رسميا بإتخاذ سلسلة من الردود على التجاهل غير المبرر

في كلمة موحدة من المحامين الفلسطينيين و على لسان نائب نقيب المحامين الأستاذ حاتم شاهين  , قال أن بعض أحكم القانون لم تعد فعالة و غير منطبقة في بلادنا في الفترة الأخيرة , و قد ضرب مثالا حول عدم امكانية المحامي من الإلتقاء بموكله , دون وجه حق او مسوغ قانوني و قال أن في بعض الأحيان لا يتمكن المحامي من الأساس من الحصول على وكالة من موكله , و ايضا حرمان المحامي من تقديم شكوى لدى النيابة العامة صاحبة الإختصاص , و اشار ايضا الى التعيينات الأخيرة في النيابة العامة التي تمت دون اتباع الخطوات السليمة و التسلسل المألوف أو إجراء المسابقة , و تحدث شاهين ايضا عن التضييق على حرية المواطن الفلسطيني و ايضا اللجنة الأمنية المتواجدة في أريحا .

و في ذات السايق قال حاتم شاهين , أنه بالرغم من الإجراءات و الإحتجاجات التي قامت بها نقابة المحامين لم تتلقى أي رد من أي جهة بإستثناء جهتين , الأولى هي القضاء العسكري و الجهة الثانية هي الشرطة الفلسطينية  .

جانب من القرارات المهمة في المؤتمر الصحفي لنقابة المحامين الفلسطينين

1- تعليق العمل امام كافة المحاكم و كافة الدوائر الرسمية يومي الإثنين و الأربعاء

2- استمرار تعليق العمل أمام محاكم الجنايات المدنية و العسكرية

3- تعليق تمثيل الأحداث أمام الشرطة

4- اعتصامات أمام المحاكم في كافة محافظات الوطن و النيابات يوم الخامس من نيسان الساعة 1 ظهرا

5- عمل اعتصام مركزي أمام وزارة الداخلية يوم الخميس القادم الساعة ال 1 ظهرا

و قال في النهاية الأستاذ حاتم شاهين في حال عدم التجاوب ستدخل النقابة في اجراءات إحتجاجية أكثر شدة طالما كانت الإحتجاجات الهدف منها تطبيق سيادة القانون

فيديو المؤتمر الصحفي

و من جانبها محاماة نت , تدعو كجهة قانونية كافة الأطراف الى احترام النصوص القانونية و عدم تجاوز الصلاحيات الممنوحة بموجب القانون أو حتى عدم التعسف في استخدام تلك الصلاحيات , و قال ممثل محاماة نت في فلسطين , أن المحامي الفلسطيني يشعر أنه في تحدي دائم مع الجهات الرسمية و كأن المحامي مجرم و يجب التضييق عليه و هذا يقلل من بدوره قدرته على الإستمرار في القضية و ايضا قدرته من تحديد الوقائع و هيكلة الأمور بما ينسجم مع العدالة و الذي بدوره سينعكسا سلبا على المواطن الفلسطيني و على ثقته بالقانون , و قال  من واجب الشرطة حماية المحامي و تقديم كافة التسهيلات له فلا يمكن لدولة أن تنمو و تزدهر طالما هناك تجاوز للصلاحيات او التضييق على الحريات كما أن  التضييق على المحامي هو مسألة خطيرة جدا , فكافة الدول تقدر المحامي و تحترمه و تقدم لوظيفته المعهوده له تسهيلات شاملة ,, فكل الجهات سواء قضاء او نيابة او باحثين ,, هم قانونيين و حقوقيين و تلقو نفس الدراسة التي تلقاها المحامي , لهذا يدركون جيدا أن القانون فوق الجميع , و كافة الأطراف  سواء القضاء أو النيابة العامة او المحامي او الشرطة او حتى باحثي القانون ,, ملزمين بالصلاحيات الممنوحة لهم , وإن إخلال أحدهم بالدور و الصلاحيات الممنوحة له بالقانون سيؤثر على كافة الأطراف و من هذا القبيل تسهيل مهمة المحامي يساعد في نمو و ازدهاء القضاء الفلسطيني بشكل عام

 بيان نقابة المحامين الفلسطينيين

لنا حق .. ان اعطيناه .. والا ركبنا اعجاز الابل .. وان طال السرى
الزميــــــــلات .. والزمــــــلاء الكـــــــــــرام
تحيــــة الحـــــق والعروبـــــــة ،،،،

بخطى الواثق بحقه وبعزم المؤمن بواجبه بدأتم نضالكم للوصول الى حقين اصيلين للمواطن الفلسطيني، اولهما تكريس مبدا سيادة القانون والتصدي للفلتان القانوني خاصة تفعيل ما ورد في قانون الاجراءات الجزائية وقانون مراكز الاصلاح والتأهيل وثانيهما حماية الحقوق والحريات العامة وهذا واجب المواطن على حماة القانون.. فرسان العدل.
من الطبيعي ان يقاتل المحامي لإحقاق حق تشوب صورته الغموض او تختلف وجهات النظر فيه، اما وكما هو حالنا اليوم نخوض معركة الحق فيها واضح جلي اقره القانون وكافة الشرائع والمواثيق الدولية ولا يختلف في تفسيره اثنان فانه امر يعلو مرتبة عن الواجب ويتنزل تحت اطار الفرض علينا جميعا، اما المستغرب والمستهجن ان يكون اختراق القانون واضحا ظاهرا معلنا وبالرغم من اعلاء الصوت وقرع الجرس صمت الاذان واقفلت القلوب علنا نستكين او نتراخى في مسعانا او نتهاون في احقاق الحق و حمل الواجب، ولكننا ومنذ هذه اللحظة نعلن للكافة اننا وفي اطار هذه المساعي لدينا الكثير من القضايا التي لم نفصح عنها بعد املا ان يستجيب صناع القرار ولكن ليعلم الجميع اننا ومن خلال مساعينا لم نقصد الا احقاق الحق وازهاق الباطل ولن نخاف في ذلك لومة لائم.
ان المرحلة القادمة ستشهد نوعا اخر من التصعيد ووضع الجميع امام مسئولياتهم من خلال طرح العديد من القضايا التي في ادراجنا والتي كنا نامل ان تعالج بعيدا عن الراي العام ولكن وكونهم ارتضوا هذا الاسلوب فإننا وعما قريب سنعلنها للراي العام.
اما في المرحلة الحالية فقد اعلن مجلس النقابة وثقته دائما راسخة انكم الاوفياء لوطنكم ونقابتكم عن سلسة من الفعاليات وهي كما يلي.
11- الاستمرار في تعليق العمل امام محاكم الجنايات النظامية والعسكرية بما فيها محاكم الاستئناف الجزائية وتعليق العمل في تمثيل الاحداث امام الضابطة القضائية والنيابات العامة حتى نهاية يوم 6/4/2017 ويستثنى من ذلك طلبات اخلاء السبيل.
22- تعليق العمل امام كافة المحاكم والنيابات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية طيلة يوم الاثنين الموافق 3/4/2017.
33- الاعتصام امام جميع المحاكم والنيابات في كافة محافظات الوطن الساعة الثانية عشرة ظهرا من يوم الثلاثاء الموافق 4/4/2017.
44- تعليق العمل امام كافة المحاكم والنيابات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية طيلة يوم الاربعاء الموافق 5/3/2017.
5- الاعتصام المركزي امام مقر وزارة الداخلية في رام الله يوم الخميس 6/4/20177 الساعة الواحدة ظهرا ولهذه الغايات تعليق العمل امام كافة المحاكم والنيابات والمؤسسات في ذلك اليوم ابتداء من الساعة الحادية عشرة باستثناء محافظة رام الله والبيرة حيث يبدا التعليق ابتداء من الساعة الثانية عشرة ظهرا.
الزميلات والزملاء الكرام ،،،
نهيب بكم جميعا كل من موقعه وانتم الحصن المنيع الذي به يتحصل الحق ودونكم يهلك، الالتزام الكامل بكافة الفعاليات المذكورة اعلاه.
مع الاحترام

استشارات في قضايا العمل و إصابات العمل و التعويضات و الدعاوي و الحقوق العمالية

 

محاماة نت – استشارات قانونية عمالية – (Labor issues)

افرزت شبكة محاماة نت محامين متخصصين للمساعدة في القضايا العمالية و محاولة التوفيق و تقديم النصح و الإرشاد للعمال و نظرا للظروف العمالية و ظروفة الإقتصادية الصعبة و كون أغلب القوانين تتعاطف مع العامل , فقد قررنا أن نقدم استشاراتنا للعمال بشكل مجاني و سريع و تقديم كافة الإرشادات للعمال و ذلك اما من خلال نظامنا الإستشاري هذا او من خلال صفحتنا عبر فيسبوك أو من خلال المحامي المختص لدينا في القضايا و الدعاوي العمالية , حيث يقدم فريق العمل لدينا الإستشارات في كافة القضايا العمالية بشتى أنواعها و تفاصيلها ,, في حالات الطرد التعسفي و فصل العامل و حساب التعويضات العمالية و إصابات العمل و محاولة التوفيق و الإصلاح بين رب العمل و العامل و تنظيم العقود العمالية و تهدف محاماة نت من وراء إطلاق هذه الخدمة الى مساعدة العامل بالدرجة الأولى و الحرص قدر الإمكان على عدم ضياعة حقوقه و مواجه كل من يحاول أن يمس كرامل العامل .

يمكنكم إستشارة المحامي المختص في القضايا و الحقوق العمالية – تفضل رابط صفحة المحامي :

http://lawyers-directory.mohamah.net/advocate.php?vid=1567

 

hsjahvhj rhk,kdm

 

بواسطة محامي
نعم بالفعل نحن نقدم خدمة الإستشارات القانونية للجميع من خلال موقعنا الإلكتروني

توجة الان الىhttp://www.mohamah.net/و احصل على خدمة إستشارية متكاملة مع طواقم متميزة من الحقوقيين و القانونيين و نرحب بجميع الأشخاص الذين يرغبون في الإستشارات القانونية.

تم كتابة العنوان بهذه الطريقة و ذلك لمحاولة تقديم الخدمة للباحثين باللغة الإنجليزية , الذين يكون مقصدهم الكلمات التالية

إستشارات قانونية Ysjahvhj rhk,kdm استشارات قانونية hsjahvhj rhk,kdm
بواسطة باحث قانوني
شكرا جزيلا جدا على جميع الخدمات المقدمة من الموقع و إلى الأمام إن شاء الله

بحث قانوني هام حول إثبات أو نفي النسب بالوسائل العلمية الحديثة

إثبات أو نفي النسب بالوسائل العلمية الحديثة

ذ. زريويل محمد
أستاذ بكلية الحقوق بمكناس

تعتبر الوسائل العلمية التي توصل إليها العلم الحديث وسيلة فعالة تصل إلى حد اليقين في مجال إثبات النسب نظرا للتطور الهائل الذي عرفته هذه الوسائل، ولقد كانت المناداة دائما من طرف أغلب الفقه من أجل الأخذ بالوسائل العلمية في مجال إثبات النسب نظرا للمزايا التي لها في هذا المجال وكذلك لوجود أساس شرعي يمكن الاستناد عليه في الأخذ بها . وقد ا ستبشر المهتمون خيرا في بداية العقدين الأخيرين، من القرن الماضي عندما حققت العلوم البيولوجية طفرة منقطعة النظير حيث أصبح بالإمكان الاعتماد على ما لا يقل عن عشرين نظاما لفحص الدم فتكون داخل علم البيولوجيا مجموعة من العلوم مثل علوم الأجنة والخلايا البيولوجية الطبية والهندسة الوراثية1، التي تفيد الجزم وتحسم في مسألة الإثبات لخدمة الحقيقة القانونية والعلمية2 ، مسايرة بذلك روح العصر ومتطلباته. وهو ما استجابت له مدونة الأسرة باعتبارها خرجت من محيط التطورات التي عرفتها الحياة المجتمعية في المغرب في شتى الميادين، وإلى الاهتمام البالغ بالأسرة كنواة أولى في المجتمع. فالمدونة أكدت على إمكانية الاعتماد على الخبرة في مجال إثبات النسب بتوافر شروط معينة متجاوزة بذلك الوضع الذي كان في ظل مدونة الأحوال الشخصية حيث لم تنص هذه الأخيرة على إمكانية اعتماد الخبرة إضافة إلى العمل القضائي الذي كان يستبعدها في دعاوي النسب 3.
فما هي الوسائل العلمية الحديثة التي يمكن اللجوء إليها في إثبات النسب؟ وما مدى نجاعتها باعتبارها وسائل لإثبات ونفي النسب؟ وما هو موقف كل من التشريع والقضاء المغربي والمقارن من الخبرة الطبية ؟

المحور الأول
البصمة الوراثية كوسيلة قاطعة لإثبات ونفي النسب

جاء في بيان ختام أعمال المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة, الذي انعقد بمكة المكرمة في 31 أكتوبر1998, حول موضوع البصمة الوراثية و مجال الإستفادة منها على أنه لو تنازع رجلان على أبوة طفل فإنه يجوز الإستفادة من استخدام البصمة الوراثية. ولعل هذا ما حذا بالمشرع المغربي إلى أن يتبنى هذه الوسيلة – البصمة الوراثية-لإثبات ونفي النسب محققا بذلك قفزة نوعية في النظام القانوني المغربي الذي يكون بذلك قد ساير أهم المستجدات العلمية، سابقا في ذلك تشريعات أخرى وهو ما سنتعرض له في بيان مفهوم ومزايا البصمة الوراثية وما موقعها من الأدلة الشرعية في إثبات أونفي النسب.

أولا : مفهوم ومزايا البصمة الوراثية ADN.
تلقت البشرية ميلاد وسيلة إثبات جديدة تعرف بإسم البصمة الوراثية لم تكن تعرفها من قبل و أن النتائج التي حققها الخبراء تؤكد ضرورة اتساع الشريعة الإسلامية لكل المحدثات التي يفرزها العلم بكل يسر واقتدار. سنقف أولا على ما المقصود بهذه الوسيلة العلمية ثم إلى إبراز أهمية ومزايا الأخذ بالبصمة الوراثية ثانيا.

– I مفهوم البصمة الوراثية.
عرفت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية البصمة الوراثية بأنها “البنية الجنينية نسبة إلى الجينات المورثات التفصيلية التي تدل على هوية كل فرد بعينه، وهي وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية والتحقق من الشخصية” والصفات الوراثية تنتقل من الأصول إلى الفروع والتي من شانها تحديد شخصية كل فرد عن طريق تحليل جزء من حامض ADN 4 الذي تحتوي عليه خلايا جسميه وهو اختصار للاسم العلمي Acide Nucleaire doxy أي الحامض النووي الديبي الديوكوسي وسمي بذلك لأنه منزوع الأوكسجين وقد استخلص العلماء أنها تختلف من شخص إلى آخر، رغم أنها تتكون من مكونات واحدة، وإنما التركيب مختلف.
وأساس البصمة الوراثية يقوم على أن طبيعة الشخص والأمراض التي يصاب بها تكون محفوظة على هيئة جينات على شريط ADN. وقد اتضح أن هذا الحامض النووي ADN سلسلة طويلة تبلغ حوالي المتر، مرصوص عليها جينات يتراوح عددها من خمسين إلى مائة ألف، وكل جين مرتب في موقع معين على كروموزم معين كما أن الجين يتركب من زوجين متكررين من القواعد الزوج الأول يتكون من الأدنين والتايمين والزوج الثاني يتكون من الجوانين والسيتوزين كل زوج يتعاشق مع نفسه ثم يلتف مع الزوج الآخر بشكل حلزوني كشريط الأسطوانة حيث يبلغ عدد القواعد في الجين الواحد ثلاثين ألفا، وبذلك يكون الحامض النووي في الخلية الواحدة محتويا على مائة ألف جين. وهذا يتألف من ثلاثة بلايين زوج من القواعد كما ثبت أن هذه الجينات هي الشفرة التي تحمل سيرة الإنسان الذاتية في أدق التفاصيل الوراثية.
ويتم انتقال هذه المعلومات الوراثية من الأبوين إلى الطفل، وذلك باندماج كل من الحيوان المنوي الذي يحمل 23 صبغيا والبويضة التي تحتوي بدورها على 23 صبغي عن طريق الإخصاب مستكملة بذلك البويضة 46 صبغي الذي هو العدد الواجب للخلية في جسم الإنسان.
وللإشارة فإن هذه السلاسل تختلف من شخص لآخر، بحيث أن إمكانية التشابه بين شخصين في هذه السلاسل تكاد تكون معدومة أي أن لكل إنسان على وجه الأرض بصمته الوراثية الخاصة به باستثناء التوائم المتطابقة فهو تركيب ينفرد به الشخص تماما مثل بصمة الأصبع.
ومعرفة البصمة الوراثية أو الجنينية لشخص ما يتم عن طريق فحص الحمض النووي لأحد المواد السائلة في جسمه كاللعاب والدم في حالة إثبات البنوة والمني في حالة الاغتصاب أو لأحد أنسجة الجسم كاللحم أو الجلد أو المواد الأخرى كالشعر والعظام سواء كان الإنسان حيا أو ميتا أو حتى ولو كان رفاتا.
وأهم ميزة تنفرد بها هذه التقنية أنها لا تقتضي سوى الحصول على جزئي المادة الوراثية ولو من رفات وهي بذلك تسمح بالتعرف على النسب الحقيقي للأبناء حتى ولو كان آباؤهم متوفين على خلاف الاستنساخ البشري الذي يتطلب حسب الغالب خلية حية تستطيع أن تتضاعف 5.
وهكذا فإن التقنية العلمية التي تقوم على التحليل الجيني للبصمات الوراثية توفر بالنسبة لإثبات النسب أو نفيه معا نتائج متطابقة للحقيقة بشكل قاطع لا مجال فيه لأية نسبة من الخطأ6.

-IIمزايا البصمة الوراثية
إذا كان التحليل للرموز الدموية A.B.O للإنسان لا يكفي في نظر جل العلماء للقطع بثبوت نسب الولد أو نفيه والتي كانت تستعمل في الغالب لنفي وليس للإثبات فإن البصمة الوراثية ترقى إلى هذه الدرجة. وأصبح تحديد أب الطفل أو أمه بواسطة هذا النوع من العلم على درجة عالية من الدقة وبالتالي توفر بالنسبة لإثبات النسب أو نفيه نتائج مطابقة للحقيقة بشكل قاطع لا مجال فيه لآية نسبة من الخطأ7. بل أن هناك أحكاما عديدة صدرت عن المحكمة الإبتدائية بالمحمدية نورد منها حكم رقم 564 في الملف رقم 764/03 بتاريخ 24 غشت 2004 (حكم غير منشور) “…..وحيث أمرت المحكمة بإجراء خبرة كلف للقيام بها مختبر الشرطة بالبيضاء وحيث أفاد تقرير الخبرة بكون جينات الطفل المهدي تتطابق و جينات المدعى عليه وأن هناك علاقة أبوية بين الأب و الطفل, وحيث يتعين تتابعا لذلك الحكم بإلحاق نسب الطفل بالمدعى عليه وبتسجيله هي الحالة المدنية”.
على اعتبار أن نسبة الإيجابية فيها تصل إلى 99,99% أي أن النسبة السلبية لم يتجاوز 0,01% وأن احتمال أن يكون شخص له نفس البصمة الوراثية لشخص آخر كما سبقت الإشارة إلى ذلك هو احتمال معدم باستثناء التوائم المتطابقة.
ومما لا يخفى على أحد أن اعتبار البصمة الوراثية وسيلة لإثبات النسب أونفيه سوف يكون له مزايا كثيرة،
-إلى جانب قوته الثبوتية- لا مناص من ذكر بعضها على سبيل الاستئناس :
– تعين الأم الحقيقية في حالة اختلاط الأطفال داخل حيز مكاني واحد كمصحة للولادة8
– إذا ادعى الزوج بأنه لم يلتق زوجته التي عقد عليها والتي أنجبت ولد بعد مرور أدنى مدة الحمل منذ العقد.
– التنازع بين نسب شرعي ناتج عن شهادة الميلاد ونسب طبيعي ناتج عن إقرار وأيضا التنازع بين نسبين طبيعيين في حالة وجود إقرارين متتاليين ويتم الحسم في استحقاق الأبوة بين أبوين من خلال إقصاء أحدهما والاعتراف بأبوة الآخر.
– قد تتزوج امرأة في عدة طلاق أو وفاة ثم يظهر عليها حمل وقد تحصل الولادة في الآجال القانونية التي تفيد احتمال كون الأب هو الزوج الأول أو كون الأب هو الزوج الثاني كما إذا ولدت هذه المرأة داخل ستة أشهر من دخول زوجها الثاني وبعد أقل من سنة من فراقها مع الزوج الأول9.
وإلى جانب أهميته في إثبات النسب ونفيه، وجد هذا الاكتشاف تطبيقاته السريعة والقوية في مجال الجريمة حين البحث عن الفاعل الحقيقي. فعن طريق البصمة الوراثية ثم القبض على مجرم في قرية بريطانية اغتصب إحدى الفتيات من بين حوالي 20 ألف رجل يسكنون تلك القرية، وذلك بعد مقارنة البصمة الوراثية المستخرجة من مني الجاني بالبصمة المأخوذة من الدم من جميع المشتبه فيهم.
ولعل هذا ما أخذ به القضاء المغربي، حيث جاء في قرار صادر عن محكمة الاستئناف بورزازات بأن “… الخبرة تقنية ولا مطعن وجيه يقدم في صحتها إذا تم الأخذ أو اخذ عينات من لعاب عدد من الأشخاص وتوصل التحاليل إلى أن اللعاب الذي تم إغلاق الأظرفة به هو يعود للظنين دون غيره”10.
هذا ويثارا لتساؤل حول الحالة التي يرفض فيها المطلوب الخضوع للتحليل الجيني، فهل يمكن في هذه الحالة القياس على هذا المنوال واعتبار رفض المطلوب الخضوع للتحليل الجيني قرينة على أبوة المدعاة.
لقد دأب الاجتهاد القضائي المغربي في الموضوع على الإتجاه في نفس السياق حيث قضت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بأنه “وحيث بناء على امتناع المدعى عليه عن الامتثال للخبرة الطبية المأمور بها بمقتضى الحكم التمهيدي وكذا بناء على ما جاء في مضمون الشواهد الطبية… يجعل طلب المدعي لكل ذلك غير مؤسس قانونا ويتعين بالتالي رفضه”.
إلا أنه وللوصول إلى نتائج مطمئنة يجب أن يتم الفحص في مختبرات تخضع لإشراف الدولة، وأن لا تكون تابعة لقطاع خاص وأن لا يجري هذا الفحص إلا بناءا على أمر أو حكم قضائي وألا ينتدب في هذه المسائل كخبراء لدى المحاكم سوى المعتمدين رسميا المتخصصين في هذا المجال11 ، وأن يجري الفحص على أكثر من عينة لضمان الحصول على نفس النتائج وإعطاء الحق للمعترض في إجراء الفحص مرة أخرى.

ثانيا : موقع البصمة الوراثية من الأدلة الشرعية

قد يظهر لأول وهلة للباحث أو المهتم في هذا المجال أن النتائج التي تتوصل إليها الخبرة الطبية في مجال النسب معارضة لقاعدة الولد للفراش ومعارضة لحق الزوج في اللعان لنفي الولد أو لحق في الإقرار ليثبت النسب ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، بل تعتبر دعما وتقوية لتلك القاعدة وذلك الحق. لذلك ارتأينا أن نقف عندها لأجل إبراز دور البصمة الوراثية في تعزيز تقوية إثبات أو نفي النسب .

I – البصمة الوراثية وقاعدة الولد للفراش
يقصد بالفراش من الناحية الاصطلاحية الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة أو كون المرأة معدة للولادة من رجل معين، ولا يكون ذلك عادة إلا بالزواج الصحيح (المادة 153 من المدونة) أو ما ألحقه به المشرع استثناء كالنكاح الفاسد (المادة 154) أو الوطء عن طريق الشبهة (المادة 155).
ولا يكفي لكي يلحق النسب بالزواج لدى جمهور الفقهاء ووفقا لأحكام المدونة الجديدة أن يكون هناك عقد زواج يربط بينه وبين زوجته وإنما لابد من تحقق مدة الحمل المفروضة شرعا، (المادة 154 من المدونة) وهي:
– أن يولد الولد داخل ستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال سواء كان العقد صحيحا أم فاسدا، – باستثناء الزواج المجمع فساده فهذا الأخير لا يثبت فيه النسب وكذلك المختلف في فساده مع وجود نية سيئة- وهذا ما كرسه أيضا المجلس الأعلى في عدة مناسبات إذ جاء في أحد قراراته “الولد للفراش متى ولد لستة أشهر من عقد الزواج وهي أدنى مدة الحمل”12.
– أن يزداد الولد خلال سنة من الفراق كيفما كان سبب ذلك الفراق طلاق أم وفاة أم فسخ.
والفراش بذلك متى استوفى الشروط، يعد قرينة قانونية قاطعة على إثبات نسب الأولاد المزدادين خلاله إلى أبيهم فهي بذلك غير قابلة لإثبات العكس بأية وسيلة من وسائل الإثبات إلا عن طريق اللعان أو بواسطة خبرة طبية تفيد القطع إذا استجمعت شروطها المحددة قانونا في المادة 153 من المدونة، إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه صدور أمر قضائي بهذه الخبرة.
وعليه يمكن القول أن البصمة الوراثية لا تغني عن قاعدة الفراش في شيء من حيث الإثبات للنسب فكلما توفر الفراش كان قرينة قاطعة لإثبات النسب يغني بذلك اللجوء إلى الخبرة الطبية، هذه الأخيرة التي لا يمكن اللجوء إليها إلا إذا طعن في النسب بالفراش من أجل نفي ذلك.
ومن القرارات المتعلقة بالموضوع والتي نشرت مؤخرا للمجلس الأعلى “…لئن كان الفراش الشرعي قرينة قاطعة على إثبات النسب فإن ذلك مشروط بأن تكون الولادة ثابتة بتاريخ وداخل الأمد المعتبرة شرعا بشكل لا مراء ولا جدال فيه.
يوجب على المحكمة أن تبحث بوسائل الإثبات المعتمدة شرعا ومنها الخبرة التي لا يوجد نص قانوني صريح يمنعها والاستعانة بها..”13.

-II البصمة الوراثية واللعان

اللعان نظام قانوني يهدف من ضمن ما يهدف إليه إلى نفي النسب ودرء الحد وهو نظام إسلامي خالص، ثابت بالكتاب والسنة والإجماع لا نظير له في باقي التشريعات السماوية أو القوانين الوضعية غير الإسلامية الأخرى.
إن طلب اللعان قديما كان يقبل وقائع علمية تؤيده لعدم وجود وسيلة يقينية تدعمه، ومن ثم كان انتفاء النسب عن طريق اللعان يقوم على الشك، لا على اليقين فهو مبني على شعور أو اقتناع لدى الزوج بأن الولد ليس منه ويحدث اللعان رغم تحقق شروط الفراش14. وهذا ما جعل الفقه يتشدد في تطبيقه بتوافر عدة شروط من أبرزها الإسراع بالنفي والتعجيل به وذلك للحد من الشك الذي يحوم نسب الولد، ولعل هذا ما سايره المجلس الأعلى أيضا في إحدى قراراته الذي جاء فيه “… إذا علم الزوج بالحمل وسكت فلا يسمع قوله بنفي النسب ولا يمكن من اللعان…”15 .

والشك يظهر لنا من خلال أن الزوج إذا كان في استطاعته أن يشهد على زوجته على سبيل القطع أنها قد ارتكبت الزنا، كما يشهد الشاهد على الزنا. فبالمقابل تشهد الزوجة أيضا على أن زوجها كاذب فيما يقول فإن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة لواقعة نفي الولد، لأن الزوج لا يستطيع أن يؤكد على سبيل القطع أن الولد ليس منه حتى ولو كان صادقا في اتهامه لزوجته بواقعة الزنا. إذ قد تكون الزوجة مرتكبة للزنا فعلا، لكن الولد قد يكون ابنه و أن الحمل قد حدث منه، وبالتالي إن واقعة نفي الولد لا يمكن أن يرد عليها يمين أو شهادة الزوج على سبيل القطع أو البث ومن هنا يتضح لنا أهمية البصمة الوراثية فإذا جاءت نتيجة الفحص تؤكد على انتفاء النسب فلا توجد أصلا مشكلة حيث يصبح اللعان سببا موجبا للفرقة، وذلك إذا استجمعت الخبرة القضائية شروطها المحددة في المادة 153 من المدونة16 أما إذا علم من تلك النتائج أن الولد منه فلا يمكن من إجراء اللعان لأجل نفي الولد، وإنما يمكن اللعان كإجراء شرعي لدرء الحد عن الزوجين وللتفريق بينهما لأن الزوج لربما قد يكون متأكدا من صلة زوجته غير المشروعة بغيره، وهنا يكون من حقه إجراء اللعان دون نفي الولد.

وفي هذا الصدد نورد ما أكده مفتي الجمهورية التونسية أمام المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية حول موضوع حجية البصمة الوراثية في إثبات ونفي النسب :”إن هذه الحجة تكون سببا مغنيا عن اللعان, فالزوج يلجأ إلى اللعان لنفي النسب عند فقد من يشهد له بما رمى به زوجته من أن الحمل ليس منه (و لم يكن لهم شهود إلا أنفسهم). فمع التقدم العلمي في هذا الميدان لم يبق الزوج وحيدا لا سند له, بل أصبح له شاهدا وهو الخبرة التي ستنجز في هذا الشأن” 17.

III- البصمة الوراثية و الإقرار

الإقرار بالنسب هو ادعاء المدعي المقر أنه أب لغيره18 وقد اعتبر – كما هو معلوم- سيد الأدلة، فهو ينسجم مع تصور الشريعة الإسلامية إلى حفظ الأنساب بدل قطعها وعليها فإنه لمن الطبيعي أن يعتد به الفقه الإسلامي والمدونة في إثبات النسب19 وقد نظمه المشرع المغربي بمدونة الأسرة الجديدة وسماه بالاستلحاق في المواد من 160 على 162 من المدونة.
وقد أخضع الإقرار بالبنوة لمقتضيات خاصة مستمدة من الفقه الإسلامي تختلف عن قواعد الإقرار الواردة في قانون الالتزامات والعقود.
ولعل هذا ما يتضح لنا جليا من وضع العديد من الشروط والمقومات حتى يعتد بالإقرار كوسيلة لإثبات النسب.
وبرجوعنا إلى المواد 160و 161و162 من مدونة الأسرة، يمكن اختزال هذه الشروط فيما يلي:
1- أن يكون الأب المقر أو المستلحق عاقلا، ويقصد بالعقل أن يكون المقر بالنسب كامل الأهلية، فلا يكون صبيا أو مجنونا أو معتوها أو مكرها.
2- أن يكون المقر به أي الولد مجهول النسب بأن لا يكون معروف النسب من أب آخر، فإن كان ثابت النسب من أب معروف غير المقر كان هذا الإقرار باطلا.
3- أن لا يكذب المستلحق عقل أو عادة فبالنسبة للعقل لا يصح أن يستلحق الصغير الكبير، لأن الواقع والمنطق يكذبان مثل هذا الإقرار، ولعل هذا أيضا ما تكذبه العادة، وهو أن يقرر رجل نسب ولد من بلد أو مكان ما لم يسبق له مطلقا أن زاره أو أن يثبت الرجل المقر الذي لم يسبق له مطلقا أن تزوج.

4- أن يوافق المستلحق إذا كان راشدا حين الاستلحاق وأما إذا لم يكن راشدا فإنه يبقى من حقه عند بلوغه سن الرشد أن يرفع دعوى نفي النسب.
5-أن يصرح المقر بأن هذه البنوة قد نشأت في إطار عقد زواج صحيح كان أو فاسدا فقد ورد في أحد قرارات المجلس الأعلى على أنه “… لا يلحق نسب البنت المولودة قبل عقد النكاح وإن أقر الزوج بنوتها لأنها بنت زنا وابن الزنى لا يصح الإقرار ببنوته ولا استلحاقه…”20.
6- أن يكون الإقرار صادرا من الأب المعني بالإقرار شخصيا إذ لا يصح إقرار غيره (المادة 161 من المدونة) وجاء في قرار المجلس الأعلى “إقرار الأب بالبنوة يحمل به في لحوق النسب وهذه القاعدة مؤسسة على الأصول العامة في مذهب الإمام مالك…”21.

كما يجب أن يكون الإقرار في شكل رسمي أو بخط يد المقر الذي لا شك فيه (المادة 162 من المدونة).
فمتى استوفى الإقرار هذه الشروط ثبت به النسب، وهو نفس المنهج الذي سلكه المجلس الأعلى “.. النسب يثبت بالإقرار كما يثبت بالفراش أو بالبينة، لو بنكاح فاسد أو بشبهة ويترتب عنه جميع نتائج القرابة وتستحق معه النفقة والتوارث ولا تمييز في إثباته…”22.
وعليه فإن موقع البصمة الوراثية من الإقرار، لا يثير أي لبس إذ كلما أقر الأب ببنوة ابنه يغني عن اللجوء الى الخبرة الطبية ما لم يكن هناك فراغ كما لو أنكرت الأم بذلك إذ في هذه الحالة يمكن اللجوء إلى الخبرة الطبية لتأكيد إقرار الأب المقر أو تصديق الأم المنكرة بذلك.
وبعد كل هذا نتساءل عن دور الخبرة الطبية في إثبات ونفي النسب سواء بالنسبة للمشرع المغربي أو المقارن.

——–

1 ادريس الفاخوري” نفي و إثبات النسب بالتحاليل الطبية” رسالة الدفاع العدد3 ، طبعة 2002، ص 98.

2 عبد االله الرطب “إثبات النسب وآثاره في مدونة الأسرة”. بحث نهاية التمرين , المعهد العالي للقضاء. 2003-2005، الفوج 33، ص 11.

3 – أحمد ميدة و محمد رافع “إثبات النسب بين الوسائل الشرعية والتطور العلمي”. بحث نهاية التمرين , المعهد العالي للقضاء الفوج 33، 2003-2005 ص 37.

4 يرمز لها في اللغة الإنجليزية بحروف D.N.A وفي اللغة الفرنسية بحروف A.D.N وعلم الوراثة مجموعة كبيرة منها ما هو متخصص بالدراسات الوراثية يدرس بذلك الكروموزومات فقط، ومنها ما هو مختص بدراسة التركيب الكيماوي للكروموزمات ويسمى A.D.N وهو الحمض النووي أساس المادة الوراثية في كل المخلوقات أي أنه المكون الأساسي لكل الكروموزمات على اعتبار أن كل جسم يتكون من مجموعة من الخلايا وداخل الخلية توجد النواة التي تسيطر على الجسم كله وداخل النواة يوجد A.D.N.. إثبات البنوة بين الشك واليقين, مؤتمرالطب الشرعي بالقاهرة جريدة الإتحاد الإشتراكي 1/1/1995.

5 كريمة بارودي “الإستنساخ من الناحية القانونية”. مجلة المعيار, 2002 ص 18 . عبد الكريم بوسكسو ” إثبات النسب بالخبرة الطبية في مدونة الأسرة”. مجلة المنتدى العدد الخامس يونيو 2005 ص 179 -187.

6 اللعب بالجينات كارثة الهندسة الوراثية سلاح ذو حدين مجلة صحتك عدد 4 أكتوبر/ دجنبر 1997 ص 32.

7 إدريس الفاخوري “إثبات ونفي النسب بالتحاليل الطبية” مجلة رسالة الدفاع العدد الثالث 2002 ص 45.

8 يوسف وهابي : تحليل البصمة الوراثية ADN ودورها في إثبات أو نفي النسب قراءة في مواقف القضاء والتشريع (مدونة الأسرة) دراسة مقارنة مجلة الملف، العدد 8 مارس 2006 ص14.

9 ادريس الفاخوري مرجع سابق ص 45..

10 ملف جنحي تلبسي العدد 963/03 صدر بتاريخ 31/07/2003 ,مجلة الملق العدد 6 ماي 2005 ص 42.

11- محمد الكشبور “مركز الخبرة الطبية في مادة الأحوال الشخصية” مجلة المحاكم المغربية العدد 77 و 78 ص 38.

12- قرارا المجلس الأعلى رقم 195 بتاريخ 3-2-1987، ملف شرعي 5420/85 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 40، ص 167.

13- قرار المجلس الأعلى عدد 186 بتاريخ 12/1/2007 ملف شرعي عدد 815/05 أورده الطلبة لعكيدي نورا و حموشن ياسر ” دعوى إثبات النسب على ضوء مدونة الأسرة” بحث لنيل الإجازة في الحقوق-جامعة المولى إسماعيل كلية الحقوق. مكناس. 2006-2007 ص 52-53.

14- ادريس الفاخوري “نفي وإثبات المنسب بالتحاليل الطبية مقارنة شرعية قضائية وفقهية” المجلة المغربية الفضائية للاقتصاد والقانون المقارن، العدد 40 2003 ص 47.

15- قرار المجلس الأعلى الصادر في 5 يوليوز 1976 بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 23 ص 34.

16- ادريس الفاخوري م.س ص 46-47.

17- محمد المختار السلامي مجلة الوعي الإسلامي . عدد 435 يناير/فبراير 2002.

18- محمد الكشبور مرجع سابق ص 414.

19- الحسين بلحسايني : قواعد إثبات النسب والتقنيات الحديثة المجلة المغربية للاقتصاد والقانون العدد 6، 2002 ص 95-116.

20- قرارا المجلس الأعلى رقم 446 بتاريخ 30-3-1983 ملف شرعي 54758 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 40 ص 370.

21- قرار المجلس الأعلى عدد 12 بتاريخ 29 أكتوبر 1962، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 65 ص 108.

22- القرار عدد 435 الصادر بغرفتين بتاريخ 22/09/2004 الملف الشرعي 235/2/1/2002، ادريس بلمحجوب، قرارات المجلس الأعلى بغرفتين أو جميع الغرف ج الثالث، الطبعة الأولى 2005 مطبعة الأمنية الرباط ص 269..

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني هام حول تبليغ الأحكام القضائية وفق القانون المغربي

تبليغ الأحكام القضائية وفق القانون المغربي

يعتبر حق الدفاع حقا مقدسا و ركيزة أساسية في القانون الإجرائي، ويحرص العمل القضائي أشد الحرص على احترامه، و يهدف حق الدفاع إلى تحقيق المساواة في المراكز الإجرائية للأطراف أمام المحاكم، وإذا اختلت هذه المساواة اختلت فكرة العدالة، لدا بات من الضروري والواجب إتاحة الفرصة للخصوم للتعبير عن وجهة نضرهم فيما قدمه كل منهم في مواجهة الآخر، وذلك بتمكينهم من مناقشته، و دحضه أملا في إقناع المحكمة بإصدار حكمها لصالحه ،ومن أهم حقوق الدفاع الحق الذي يهدف إلى إخبار الخصم بما سيتخذ في الخصومة من إجراءات، وما يطرح فيها من طلبات، ودفوع، وأوجه الدفع حتى يتمكن من الرد عليها أو يتخذ في شأنها الموقف المناسب لمصلحته ولن يتأتى له ذلك إلا عن طريق التبليغ إليه .
والتبليغ يعتبر من أهم مراحل المسطرة حيث يؤدي عدم التبليغ أو التبليغ غير القانوني إلى بطئ وتأخير في الإجراءات وبالتالي التأجيل في النطق بالحكم. لذا يتعين على المبلغ أن يسهر بنزاهة وجدية على تبليغ جميع الأحكام و الاستدعاءات في أجلها القانوني وإرجاع شواهد التسليم قبل انعقاد الجلسة ليتأتى لكاتب الجلسة ترتيبها و إدخال بعض الملفات المدرجة بالجلسة و تتجلى هذه الأهمية في جميع مراحل المسطرة بحيث إن لم يبلغ الاستدعاء لا يمكن للقضاء أن يقول كلمته وإذا لم يقع تبليغ القرارات والأحكام لا يمكن للأطراف أن تطلع عليها لاستعمال حق الطعن الذي ينص عليه القانون.

إن عملية التبليغ إجراء قانوني محدد زمنيا يعطي للمحكوم له فرصة الحصول على حقه وللمحكوم عليه فرصة الدفاع عن هذا الحق .
إذن ما المقصود بإجراءات التبليغ؟
إجراءات التبليغ
سنناول في هذا المبحث تعريف التبليغ( المطلب الأول) و أنواعه( المطلب الثاني ) و طرقه (المطلب الثالث).
المطلب الأول: تعريف التبليغ
التبليغ أو الإعلان بصفة عامة هو إجراء محله إخبار المعني بالأمر بشيء معين ، والتبليغ القضائي يقصد به تلك العملية القانونية بين المبلغ والمبلغ إليه ومصلحة التبليغ، أو تلك الشكلية التي يتم بواسطتها إعلام المبلغ إليه بالإجراءات التي تتخذ ضده.
وتبليغ الاستدعاء هو إعلان قانوني عن بداية الخصومة أو عن إجراء مسطري محدد زمنيا ويتشكل فعليا في إيصال واقعة قانونية إلى علم المبلغ إليه:
– ليكون موجودا بالجلسة وليهيئ مواجهته مع الخصم.
– ليناقش الدعوى التي تمكنه من الوصول إلى مرماه في التقاضي.
– لتفرض عليه التزاما عليه تنفيذه أو القيام به .

أما تبليغ الحكم أو القرار الصادر في الدعوى فهو إعلام المحكوم عليه بصدور الحكم في حقه إما لينفذه طوعا أو لينهج فيه سبل الطعن المتاحة.
فالتبليغ إذن مرتبط بمبدأ المواجهة الذي يقوم على عدم جواز اتخاذ أي إجراء ضد شخص معين دون إعلامه به وإعطائه الفرصة للدفاع عن نفسه.
وحرصا على حقوق الأطراف وحمايتها فقد جعل المشرع تقنية التبليغ تتسم بالشكلية، فهي لا تكون صحيحة وقانونية إلا إذا تمت بواسطة الجهات التي أوكل لها القانون تلك المهمة وداخل الآجال التي حددها القانون ولذلك يمنع على الخصوم القيام بها وإلا كانت باطلة .
وتكمن أهمية التبليغ في عدم جواز احتجاج المبلغ بجهله لما تم تبليغه به حتى أن بعض الفقه اعتبر حجية التبليغ كحجية نشر التشريع بالجريدة الرسمية إذ لا يجوز الاعتذار بجهل ما تم تبليغه قياسا على قاعدة عدم الاعتذار بجهل القانون.
لكن يجب التذكير بأن التبليغ الذي يكتسي الحجية المذكورة هو ذاك المستجمع لكل البيانات والشكليات المنصوص عليها قانونا وهي:
1- الأسماء العائلية والشخصية ومهنة وموطن أو محل إقامة الطرفين، ولهذا البيان أهمية قصوى في تحديد الاختصاص المكاني، فضلا عن أنه يحدد الآجال بحسب وجود موطن المبلغ في المغرب أو في الخارج ، إلى جانب ذلك يساعد البيان المذكور الطرف المدعى عليه على معرفة خصمه الذي رفع الدعوى ضده، ولا يخفى أن لمعرفة الخصم في النزاع أهمية بالغة، إذ تجعل المدعى عليه مستعدا للرد على ادعاءات المدعي بالوقائع والقانون على حد سواء .
2 – موضوع الطلب، وهذه الشكلية في أهميتها لاتقل عن البيان السابق، إذ بمقتضاها يتوصل الطرف المبلغ (المدعى عليه) إلى طبيعة النزاع الذي أصبح طرفا فيه، هل هو مدني أم جنائي، وإذا كان مدنيا هل هو متوصل بالعلاقات المالية بالأسرة، وكل هذا ذو أهمية خاصة يساهم في تأهب واستعداد المدعى عليه لإعداد الدفاع عن نفسه.
3- المحكمة التي يجب أن تبت في النزاع، وتكمن خصوصية هذا البيان في الحيلولة دون معانات المتقاضين من مشاكل الاختصاص، فبيان المحكمة المختصة يجعل من السهل على الطرف المبلغ اللجوء إلى المحكمة التي عليه أن يمثل أمامها دفاعا عن حقوقه ومصالحه دون مشقة وعناء.
4 – يوم وساعة الحضور.
5 – التنبيه إلى ضرورة اختيار موطن في مقر المحكمة عند الاقتضاء، وهذه شكلية ترمي إلى الحد من مزاعم بعض الأفراد وادعاءاتهم بعدم توصلهم بالتبليغ لعدم توفرهم على إقامة يراسلون ويبلغون فيه، فمتى تم تنبيه المبلغ باختيار موطن –وغالبا ما يكون لدى محام- أصبح يسيرا استدعاؤه و الاتصال به كلما اقتضى الأمر ذلك.
ولا تكفي البيانات السابق ذكرها لاعتبار تبليغ الاستدعاء صحيحا، وإنما لابد من أخذ مقتضيات الفصل 39 من ق م م بعين الاعتبار، إذ ينص هذا الفصل على أنه:
ترفق بالاستدعاء شهادة يبين فيها من سلم له الاستدعاء. وفي أي تاريخ، ويجب أن توقع هذه الشهادة من الطرف أو من الشخص الذي تسلمها في موطنه.وإذا عجز من تسلم الاستدعاء عن التوقيع أو رفضه أشار إلى ذلك العون أو السلطة المكلفة بالتبليغ، ويوقع العون أو السلطة على هذه الشهادة في جميع الأحوال ويرسلها إلى كتابة ضبط المحكمة.
إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر .
المطلب الثاني: أنواع التبليغ
تجدر الإشارة إلى أن التبليغ إما أن يكون تلقائيا أو بناء على طلب، فالتبليغ القضائي يتم بالجلسة أو بواسطة التبليغ بالمحكمة إلا أنه وقع العدول عنه بمقتضى قانون 5 /10/1984 المتعلق بتعديل فصول 428-429-433-435-440 وأصبح التبليغ بناء على طلب من أحد الخصوم أو ممن له المصلحة في ذلك مع أداء واجبات التبليغ للعون القضائي .
الفرع الأول:التبليغ التلقائي:
قد يقع التبليغ إثر صدور الحكم وداخل الجلسة وذلك في الحالات المقررة بمقتضى القانون وهو ما يعرف بالتبليغ التلقائي أو بتبليغ الأحكام بالجلسة، وقد أشارت إلى ذلك الفقرة 2 من المادة 134 من ق م م وهي الحالة التي يحضر فيها الأطراف وقت صدور الأمر الإستعجالي .
فقد نص الفصل 54 من ق م م على القاعدة العامة لتبليغ الأحكام الصادرة عن القضاء الابتدائي حيت جاء فيه ما يلي ” يرفق تبليغ الحكم بنسخة منه مصادق على مطابقتها لهذا الحكم بصفة قانونية .ترسل وتسلم طبق الشروط المحددة في الفصول 37 و38 و39. وإذا تعلق الأمر بتبليغ إلى قيم، وقع ذلك ضمن المقتضيات المشار إليها في الفصل 441.”
فبعد صدور ظهير رقم 182.222 بتاريخ 15/10/84 المتضمن الأمر بتنفيذ القانون رقم 18.82 طرحت إشكالية التبليغ التلقائي فيما يخص احتساب أجل الطعن ودون أداء المصاريف.
بينما حين يتعلق الأمر بإعذار المحكوم عليه بأن ينفي بما قضى به الحكم أو يعرف بنواياه طبقا للفصل 440 من ق.م.م فينبغي أن يتم بناء على طلب من المستفيد من الحكم. إلا أن الواقع العملي يؤكد أن جل كتابات الضبط تذهب إلى اعتبار كلا النوعين من التبليغ ( سواء فيما يتعلق باحتساب أجل الطعن أو الإعذار ). ينبغي ان يتم بناء على طلب من المستفيد من الحكم.
إضافة إلى أن طريقة التبليغ بالجلسة المنصوص عليها في الفصل 50 من ق م م الذي جاء فيه ” يبلغ كاتب الضبط حالا عند صدور الحكم ومعاينة حضور الأطراف ووكلائهم بالجلسة الحكم الذي صدر ويسلم لهم نسخة من منطوق الحكم ويشار في آخره إلى أن التبليغ والتسليم قد وقعا” لازالت تثير العديد من الإشكالات لها انعكاسات على سير المسطرة ولا تفي بالغرض المطلوب رغم أن المشرع قصد منها الإسراع في إنهاء النزاع حتى يتم التنفيذ . [u]
الفرع الثاني:التبليغ بناء على طلب:
مباشرة بعد صدور الحكم وتوقيعه من طرف الهيئة المصدرة له يتقدم المستفيد من الحكم إلى كتابة الضبط بطلب يطلب فيه نسخا بعدد المحكوم عليهم ويسهر مكتب التبليغ على ذلك حيث يفتح ملف تبليغي ثم يشرع في مسطرة التبليغ حالا لسريان آجال الطعن . ويكون تاريخ تبليغ الحكم هو المعتبر كتاريخ بداية لاحتساب الآجال حتى بالنسبة لطالب التبليغ.
وقد أكد المجلس الأعلى على هذه القاعدة في قراره الصادر بتاريخ 06/06/95 تحت عدد 716 والذي جاء فيه أنه إذا تم تبليغ القرار من الخصم فإن مواعيد الطعن تبدأ بالنسبة للمبلغ إليه من تاريخ التبليغ على حد سواء وذلك وفقا لقاعدة نسبية الآثار المترتبة على إجراءات التبليغ.
وكقاعدة عامة تسري آجال الطعون ابتداء من تاريخ التبليغ طبقا للقانون غير أن لهذه القاعدة بعض هذه الاستثناءات وتتجلى هذه الاستثناءات :
1. طلب تقديم المساعدة القضائية أمام المجلس الأعلى:
فقد نص على ذلك الفصل 358 من ق م م على أن اجل الطعن يوقف ابتداء من إيداع طلب المساعدة القضائية بالمجلس الأعلى ويسري هذا الأجل من جديد من يوم تبليغ مقرر مكتب المساعدة القضائية للوكيل المعين تلقائيا ومن يوم تبليغ قرار الرفض للطرف عند اتخاذه.
2. تغيير أهلية احد الأطراف:
حيث تنص المادة 139 من ق م م على انه إذا وقع أثناء اجل الاستئناف تغيير في أهلية احد الأطراف أوقف الأجل و لا يبتدئ سريانه من جديد إلا بعد 15 يوما من تاريخ تبليغ الحكم لمن لهم الصفة في تسلم هذا التبليغ.
3. وفاة احد الأطراف:
ينص الفصل 138 من ق م م على أن وفاة احد الأطراف توقف اجل الاستئناف لصالح ورثته ولا تقع مواصلتها من جديد إلا بعد مرور اجل 15 يوما من تاريخ تبليغ الحكم للورثة بموطن الشخص المتوفى طبقا للطرق المشار إليها في الفصل54 من ق م م.
4. التبليغ الباطل:
إن التبليغ الصحيح يقتضي شكليات معينة يجب بيانها في الحكم وآلا اعتبر التبليغ باطلا يتوقف معه سريان اجل الطعن وهكذا فان قرار التبليغ الباطل في أوامر الأمر بالأداء يوقف سريان موعد الطعن كما أن توصل المحامي بنسخة من الحكم وفق طلبه لا يعتبر تبليغا قانونيا لان التبليغ القانوني لا يكون إلا لأطراف الدعوى وانه لا محل للمحامي في تبليغ الأحكام خارج قاعدة المحكمة. كما أن تبليغ الحكم بواسطة محامي الطرف هو تبليغ غير صحيح و لا تترتب عنه أثار قانونية عملا بمقتضيات المادة 137 من ق م م.
المطلب الثالث: طرق التبليغ.
بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 37 من ق م م نجده حدد طرق التبليغ سواء تعلق الأمر بقرار أو حكم أو استدعاء ووفق ما يلي:
أولا- التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط .
ثانيا-التبليغ عن طريق البريد المضمون.
ثالثا-التبليغ عن طريق الأعوان القضائيين.
رابعا- التبليغ بالطريقة الإدارية.
خامسا-التبليغ بواسطة القيم.
سادسا- التبليغ عن الطريقة الدبلوماسية.
سابعا-التبليغ الإلكتروني.
بعد سرد محتوى نص الفصل 37 سوف نتطرق إلى كل طريقة من طرق التبليغ بالشرح والتفصيل.

أولا :التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط
إن المشرع المغربي أعطى لهذه الطريقة الأسبقية في التبليغ عن باقي أنواع التبليغ الأخرى بذكرها هي الأولى معروفة إذ يقوم عون التبليغ بإبلاغ الحكم إلى الشخص المراد التبليغ له في المكان الذي يوجد بدائرة نفوذ المحكمة، وإذا تعلق الأمر بتبليغ للمحامي فإن هذا الأخير أو كاتبه هو من يتولى تسلم طي التبليغ
المختصة لإلحاقها بالملف أو يتوصل بالطي عن طريق وضعه في خزانة خاصة لكل محام في المحكمة وهذه الطريقة تسهل التبليغ وتوفر الوقت.وعلى كتابة الضبط والأعوان القضائيين الذي خول لهم الظهير الشريف المتعلق بالأعوان القضائيين في فصله الثاني صلاحية القيام بعملية التبليغ وفق القانون مع مراعاة تواريخ الجلسات حتى تنجز الأعمال والإجراءات في وقتها وان أي تبليغ لم ينجز في وقته المحدد سيؤخر الفصل في الدعوى وتعاد إجراءاتها بسبب عدم التبليغ وما يترتب عن ذلك من تراكم القضايا على رفوف المحاكم .
ثانيا: التبليغ عن طريق البريد المضمون
تعد هذه الطريقة الوسيلة الثانية التي نص المشرع على سلوكها في حالة عدم الاستدعاء بواسطة الأعوان المكلفين بالتبليغ، بل إنها تعد الوسيلة الأنجع في التبليغ إذا ما رجعنا إلى الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 39 من ق.م.م فقد جاء فيهما ما يلي:
” إذا تعذر على عون كتابة الضبط أو السلطة الإدارية تسليم الاستدعاء لعدم العثور على الطرف أو على أي شخص في موطنه أو محل إقامته أشار إلى ذلك في الشهادة التي ترجع إلى كتابة ضبط المحكمة المعنية بالأمر .”
وحينئذ توجه كتابة الضبط الاستدعاء بالبريد المضمون مع الأشعار بالتوصل.و يقوم الإشعار بالتوصل الذي يرفق بالطي البريدي مقام شهادة التسليم وتحتسب الآجال من تاريخ التوصل وقد يرجع الإشعار بملاحظة غير مطلوب. و أن ذلك يعني نية المبلغ إليه في عدم قبول سحب الرسالة المضمونة من المصلحة المذكورة، وإذا رجعت الرسالة المضمونة مؤشرا عليها بعبارة “غير مطلوب” فانه لا يصح اعتبارها بمثابة توصل كما هو الحال بالنسبة لرفض التسليم، ويعتبر اجتهاد المجلس الأعلى بان الحكم الذي يعطي لعبارة غير مطلوب صبغة رفض التسليم يكون مرتكزا على تعليل خاطئ يستوجب النقض .

و تطبيقا لهذه المقتضيات, يمكن القول بأن المشرع المغربي اعتبر التبليغ عن طريق البريد المضمون إجراء استثنائي لا يمكن اللجوء إليه إلا إذا تعذر على عون التبليغ أو العون القضائي العثور على المبلغ إليه أو من له الصفة في التوصل نيابة عنه بموطنه الحقيقي .د هذه ا
ثالثا:التبليغ بواسطة المفوضين القضائيين..
حددت المادة 15 من القانون رقم 81.03 المتعلق بتنظيم مهنة المفوضين القضائيين مهام واختصاص المفوض القضائي والتي من بينها القيام بعمليات التبليغ، وفي هذا الإطار يتعين على الأطراف أو نوابهم عند تقديم طلبهم للمحكمة أن يبينوا فيه اسم المفوض القضائي المختار الذي يضع طابعه وتوقيعه في أعلى الصفحة الأولى من الطلب أو يسلم للمعني بالأمر إشهادا موقعا باسمه يلتزم فيه بالقيام بالإجراء المطلوب وعندئذ تقوم كتابة الضبط بتسليم الاستدعاءات وشواهد التسليم والطيات المتعلقة بالتبليغ والوثائق المرتبطة بها إلى المفوض القضائي بواسطة سجل يعد لهذا الغرض، وبعد إنجاز التبليغ يرجع المفوض القضائي المرجعات لكتابة الضبط مقابل توقيع وفي حال تعذر إنجازه للمطلوب يعرض الأمر على رئيس المحكمة أو من ينوب عنه .
والعون القضائي ملزم بالقيام بمهامه وفق القواعد العامة للتبليغ، وقد وفر له المشرع الحماية القانونية اللازمة أثناء مزاولة مهامه، كما هو الشأن بالنسبة للموظف العمومي وهو بذلك يتمتع بالحماية الجنائية المنصوص عليها بالمادتين 263 و 267 وفي مقابل ذلك أوجب عليه بعض الالتزامات التي يتعين عليه القيام بها، ومن ذلك عدم مباشرته لأي إجراء لنفسه أو لحساب أزواجه أو أقاربه أو لأي شخص تربطه به مصلحة مشتركة أو متعارضة ( المادة 15 و 16 من القانون 41/80 ).
رابعا : التبليغ بالطريقة الإدارية.
لاشك أن للسلطات الإدارية دورا مهما في القيام بالتبليغ، ذلك أن التبليغ بالقرى والبوادي والمناطق النائية
يرتكز بالأساس على أعوان السلطة (المقدم، الشيخ) بل إن لهؤلاء أهمية كبرى حتى في التبليغ في المجال الحضري .
إن المشرع المغربي لم يبين لنا عناصر السلطة الإدارية التي خول لها القيام بالتبليغ في الفصل 37 من ق م م إلا إن العمل جرى على إسناد هذه المهمة إلى الشرطة والدرك الملكي ورجال الشرطة بوزارة الداخلية من شيوخ ومقدمين، والتبليغ الإداري بواسطة الشرطة والدرك الملكي كثيرا ما تتوفر في شهادة التسليم التي ترجع إلى المحكمة سائر البيانات اللازمة إلا انه يلاحظ بان جزءا منها يتعرض للإهمال والتلف ومنها ما يرجع بعد فوات الأجل المحدد أو الجلسة و ما يعني ذلك من تأخير للقضايا و تراكمها بالمحاكم .وقد أثبتت التجربة فشل هذه الطريقة لعدة أسباب منها ضعف المستوى التعليمي والتأطيري لفئة المقدمين والشيوخ، وعدم إلمامهم بالقواعد الأساسية لمسطرة التبليغ مما يترتب عنه عدة مشاكل تمس إجراءات التبليغ في وقت محدد، وإغفال بعض البيانات الضرورية كعدم ذكر اسم وتوقيع العون الذي أنجز التبليغ والاكتفاء بطابع السلطة وبداخله قائد أو خليفة قائد إضافة إلى عدم تفرغ أعوان السلطة لمثل هذه الإجراءات ، وغير ذلك من العوامل التي تدعو إلى إعادة النظر في هذه الطريقة.
وللأسف فقد جاء المشروع الجديد لقانون المسطرة المدنية ليكرس من جديد هذه الطريقة في التبليغ بالرغم من الانتقادات الموجهة لها وبيان قصورها وما تسببه من مشاكل تؤثر سلبا على إجراءات التبليغ، وهكذا نص المشروع الجديد في المادة 47 منه على ما يلي: “يبلغ الاستدعاء بواسطة أحد المفوضين القضائيين أو عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية أو بأي وسيلة يمكن للمحكمة أن تأمر بها عند الاقتضاء بتبليغ الاستدعاء عن طريق أحد أعوان كتابة الضبط .
خامسا:التبليغ بواسطة القيم
يتم تعيين القيم لتبليغ الاستدعاء في الأحوال التي يكون فيها موطن أو محل إقامة الطرف غير معروف، ويعين القيم من بين أعوان كتابة الضبط ، وإن كان في نظرنا أنه يجوز تعيين هذا الأخير من بين الأعوان القضائيين، مادام هؤلاء مختصين بالتبليغ كذلك.
وتكمن مهمة القيم في البحث عن الطرف، وتقديم المعلومات والمستندات المفيدة للدفاع عنه، ويساعد القيم في مهمته النيابة العامة والسلطات الإدارية.
وفي حالة ما إذا عرف موطن أو محل إقامة الطرف الذي لم يكن موطنه معروفا، يخبر القيم القاضي بذلك، ويخطر إضافة إلى ذلك في سبيل رفع النيابة التي كان يقوم بها القيم لفائدة الطرف ذي الموطن المجهول.
ولتعيين القيم، وقيامه بالتبليغ أهمية قصوى بالنسبة لسريان آجال الاستئناف أو النقض بالنسبة للأحكام والقرارات المبلغة إلى هذا الأخير، إذ لا تسري إلا بعد تعليقها في لوحة معدة لهذا الغرض بالمحكمة.
سادسا: التبليغ بالطريقة الدبلوماسية .
هذه الطريقة في التبليغ نصت عليها الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية كما نص عليها المشروع الجديد للمسطرة المدنية في الفقرة الأخيرة أيضا من الفصل 47 وهكذا نص الفصل 37 على مايلي:
” إذا كان المرسل إليه يسكن خارج المغرب فإن الاستدعاء يوجه إليه بواسطة السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية عدا إذا كانت مقتضيات الاتفاقيات الدولية تقضي بغير ذلك”
ويتعين التمييز في هذا الإطار بين التبليغ لمن يسكن ببلد أجنبي لا تربطه مع المغرب أية اتفاقية للتعاون القضائي، وبين التبليغ لمن يسكن ببلد أجنبي تربطه مع المغرب اتفاقية ثنائية للتعاون القضائي.
ففي الحالة الأولى يعتبر التبليغ بالطريقة الدبلوماسية إجراءا بطيء المفعول يمر عبر مراحل كثيرة قصد إنجازه داخل الأجل المطلوب، وفي كثير من الأحيان لا يتم إنجازه، فتوجيه الاستدعاء مثلا من المحكمة الابتدائية على الطريقة الدبلوماسية يتطلب بعثه تحت إشراف السلم الإداري إلى محكمة الاستئناف التي تحيله على وزارة العدل التي تبعثه بدورها إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية لتبعث به إلى السفارة أو القنصلية المعنية التي تعمل على إرساله إلى الوزارة المكلفة بالشؤون الخارجية للبلد مكان التبليغ التي تحيله على الجهة المعنية حسب أنظمتها الداخلية، وقد تكون هذه الجهة وزارة العدل التي تعمل على بعثه إلى المحكمة المختصة لتحيله على الجهة التي تتولى التبليغ، ثم بعد إنجاز التبليغ ترد الوثيقة المثبتة لإنجاز التبليغ أو تعذر إنجازه بنفس الطريقة. وهو إجراء طويل جدا ومن شأنه أن يؤدي إلى عدم احترام الآجال المنصوص عليها في الفصل 41 من ق م م.وقد فطنت وزارة العدل لإشكالية التبليغ تحت إشراف السلم الإداري حيث أصبح الاستدعاء يوجه مباشرة من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف إلى البعثة الدبلوماسية أو القنصلية في شخص السيد السفير.
أما بخصوص التبليغ لمن يسكن ببلد أجنبي تربطه مع المغرب اتفاقية للتعاون القضائي فإنه ينبغي أن يتم وفق ما تقضي به هذه الاتفاقية، وقد صدرت عن وزارة العدل مديرية الشؤون المدنية عدة دوريات في الموضوع حددت الطرق و القنوات الواجب إتباعها في عملية تبليغ الطيات القضائية لأصحابها المقيمين بالخارج تطبيقا لمقتضيات الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين المغرب وعدد من الدول الأوربية.
سابعا:التبليغ الالكتروني.
ولتفعيل مسطرة التبليغ القضائي في إطار مسلسل التحديث الذي يسعى الجميع إلى العمل على ترجمة العديد من الأفكار و التصورات على ارض الواقع, و بما إن مسالة التحديث أصبحت مرتبطة بعالم التكنولوجيا و المعلوميات, و نظرا لما عرفته الدول الصناعية المتقدمة من سبق في هذا الميدان جاء نتيجة لتعميم المعلوميات و التواصل عبر شبكة الانترنيت, و بما أن الأمر لا يتوقف على الجانب العملي كما يعتقد البعض, بل لا بد من التفكير في الجانب القانوني و تدخل المشرع, طبعا لإضفاء طابع الشرعية على التبليغ الالكتروني, و ذلك باعتباره من طرق التبليغ القانونية إلى جانب الطرق السابق شرحها و محاولة تحليلها. و تدخل المشرع في هذا الباب قد يحقق عدة فوائد و منها حماية المعلومات المتعلقة بالأشخاص المبلغ إليهم, و ذلك بالتمييز بين ما هو شخصي و ما هو عام و من حق المواطنين الاطلاع عليه, و لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التراكمات المعرفية و العلمية و منها مثلا العمل على معالجة موضوع التوقيع الالكتروني من الناحية التقنية و القانونية, لأنه بدون ذلك لا يمكن أن نتصور نجاح عملية التبليغ بواسطة الوسائل التكنولوجية
كما تجدر الإشارة إلى أن تبادل الوثائق و الرسائل بواسطة الشبكات الالكترونية و عبر الانترنيت , قد اثبت نجاعته و فعاليته في هذا العصر الذي أصبح عصر المعلوميات بامتياز, نظرا لسهولة و سرعة تداول المعلومات بالإضافة إلى ضمان الأمن و الضبط, و هذا الأمر لا يخص التبليغ القضائي فقط بل أصبح يشمل
جميع الأنشطة التجارية و المدنية و الضريبية و غيرها.
لكن موضوع إثبات التوصل أو التسليم بواسطة التوقيع الالكتروني, لا بد لتحقيقه من الاعتراف القانوني التبليغ الالكتروني, و من الطرق المستعملة أو المعمول بها غالبا التوقيع بواسطة الرموز التي توجه عبرالوسائل و الطرق الالكترونية و لا يمكن أن يباشر ذلك إلا عبر المفتاح الخاص الذي لا يعرفه إلا المعني بالأمر و المفتاح العام الذي يعرفه باقي المستعملين لتوجيه الرسائل و الوثائق الرقمية .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني كبير حول أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام

أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

المبحث الأول: أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

لقد بذل علماء الإجرام الذين عنوا بدراسة الجريمة والمجرم، وتدابير الوقاية من الجريمة والعقاب عليها، جهودا مضنية فى معرفة أسباب الجريمة ودوافع المجرمين لارتكاب الجرائم..

واستعانوا بكل ما استطاعوا من العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية، للوصول إلى معرفة تلك الأسباب والدوافع.

وقد أنكروا الوسائل التى اتخذت فى القديم لمعرفة أسباب الجريمة والتي كان يغلب عليها الطابع التجريدى..

فقالوا:
“كان الطابع التجريدى هو الغالب على جهود الإنسان، خلال قرون طويلة من بحثه عن تفسير السلوك الإجرامي، وفى مراحل متعددة من هذه الجهود ظل النظر إلى الجريمة غيبا أو خرافيا.. فالجريمة عندهم رجس من عمل الشيطان، ومن الأرواح الشريرة يدخل جسد المجرم فيفسد نفسه وروحه…” [علم الإجرام وعلم العقاب للدكتور عبود السراج ص:157 ـ ط1].

وتطورت النظرة إلى أسباب الجريمة مما سموه بالخرافة كما مضى، إلى أن الإنسان يملك عقلا واعيا وإرادة حرة يملك بهما اختيار سلوكه، ويختار ما نفْعُه عنده أكبر من ضرره، وذلك هو سبب إقدامه على الجريمة. [المراجع السابق].

أي إذا رأى أن منفعته من الإقدام على الجريمة، أعظم من الضرر الذى يتوقعه من إقدامه، أقدم عليها.

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة، هي عوامل جغرافية، فترتفع نسبة الجريمة وتنخفض حسب تغير المناخ، كالحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة والأمطار، والطقس، والضغط الجوى والعواصف والرياح….. الخ..

وقالوا:
إن جرائم العنف – وبخاصة الاعتداء على الإنسان – تزداد فى المناطق والفصول الحارة وتنخفض فى المناطق والفصول الباردة..

وجرائم الأموال تزداد فى المناطق الباردة وتنخفض فى المناطق الحارة، وبنوا اتجاههم هذا على إحصائيات فى بعض الدول كفرنسا.

وقال بعضهم:
إن نسبة الجريمة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، فالمناطق التى تكون أقرب إلى خط الاستواء تكثر فيها جرائم العنف، والمناطق القريبة من القطبين تكثر فيها جرائم المسكرات والمخدرات.

وقال بعضهم:
إنها تتفاوت باختلاف التضاريس، فتقل الجرائم فى المناطق السهلة والأرض المنبسطة، وتزيد فى المناطق الجبلية، وتصل ذروتها فى قمم الجبال.. [المرجع السابق.. ص173ـ176 وص: 233ـ242].

وذهب آخرون إلى:
أن السبب وراثي – أي إن المجرم يعود بسبب الوراثة إلى الانسان البدائي الأول – هكذا – الذى كان يحمل صفات دونية شبيهة بصفات القردة والحيوانات الدنيا، ويعيش حياة بدائية خالية من القواعد والنظم.. [المرجع السابق ـ ص: 184].

ومعلوم أن هذا افتراض معارض للأديان السماوية، التى تدل كتبها كلها، وآخرها القرآن الكريم، على أن الإنسان خلق مصحوباً بهدى الله تعالى، منذ آدم عليه السلام إلى أن جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذهب آخرون إلى:
إرجاع سبب الجريمة إلى الصفات العضوية..وأنه يمكن معرفة المجرم عن طريق بعض صفاته العضوية.

فجمجمة المجرم تكون أصغر أو أكبر من الحجم الطبيعي لغيره، وأن جبهته تكون ضيقة ومنحدرة، وحواجبه تكون كثيفة، وعيناه غائرتان، وأنفه أفطس وشفاهه دقيقة، وفكه عريض وأذناه عريضتان مائلتان إلى الأمام، ووجهه طويل وعريض، وشعر رأسه كثيف، وشعر ذقنه قليل وذراعاه طويلتان، يوجد فى إحدى قدميه أو يديه أصبع زائدة.. [المرجع السابق ـ ص: 185، وكتاب أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي للدكتور عدنان الدوري ص: 117].

وهذه إحدى طرق اكتشاف المجرم بالفراسة..

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة تعود إلى وظائف الأعضاء.

ومن أمثلة ذلك الغدد الصماء..قالوا:
إن اختلال إفرازاتها يؤدى إلى خلل فى التركيب الكيماوي للدم وللسوائل الأخرى التى تدخل فى تكوين أعضاء الجسم، وهذا الخلل يحدث اضطرابات فى أجهزة الفرد، وخاصة فى الجهاز العصبي ويؤثر فى سلوكه وانفعالاته، ويؤدى إلى أنواع من الإجرام.. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:220].

ورأى بعضهم أن أسباب الجريمة تعود إلى العاهات والأمراض، وبخاصة العمى والصمم والبكم، وتشوه الوجه، والقبح وقصر القامة والعرج، والشلل..

وأن تلك الحالات تؤدي إلى التألم والشذوذ، ويشعرون معها بنقص أنفسهم فى المجتمع، وضياع مراكزهم الاجتماعية، فيهيئهم هذا الوضع لارتكاب الجرائم.. [المرجع السابق ص:222].

ورد بعضهم أسباب الجريمة إلى العمر، ورأوا أن صغار السن أكثر إقداماً إلى الجرائم من كبار السن، واختلفوا فى السن التى تقع فيه أعلى نسبة من الجرائم..

فقال بعضهم: إنها تقع مابين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين..

وقال آخرون: إنها فى مرحلة المراهقة وهى – غالباً – ما بين سن أربع عشرة وسبع عشرة سنة وتقل فى مرحلة النضج.

ويرى آخرون أن أسباب الجريمة راجعة للجنس، أي للذكورة والأنوثة، فإجرام النساء أقل من إجرام الرجال بسبب اختلاف البيئة الداخلية للمرأة عن الرجل، واختلاف القدرات البدنية، ولأن الرجل أكثر احتكاكاً بالمحيط الخارجي من المرأة..[المرجع السابق ص 222]

وذهب آخرون إلى رد أسباب الجريمة إلى العرق، أي إلى الأجناس البشرية المختلفة، فالزنوج أعلى نسبة في جرائم العنف، وكذلك الشعوب التي تسكن في حوض البحر الأبيض المتوسط، وجرائم الأموال عند سكان المناطق الشمالية أكثر من غيرهم… [نفس المرجع ص 229-231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجرائم تعود إلى أسباب نفسية، كالضعف العقلي، والأمراض العقلية والنفسية والعصبية وعدم استطاعة الإنسان التوفيق بين شهواته التى تكره القيود، والواقع الخارجي الذى فرض المجتمع فيه قيودا، وهكذا.. فيدفع بسبب ذلك إلى إشباع غرائزه ولو بارتكاب الجريمة . [نفس المرجع ص 229—231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة عوامل اجتماعية منها الاقتصادية، كالفقر الذى يعد عاملاً أساسياً فى تكوين السلوك الإجرامي.. والبيئة التى تهيأ فيها الفرص لارتكاب الجريمة. [نفس المرجع ص 262-276]

ومنها انعدام الاستقرار الاقتصادى الذي يكون بين رخاء تقل فيه جرائم الأموال، وهبوط تكثر فيه تلك الجرائم وغيرها، ومنها تطور البناء الاجتماعي وازدياد نموه الذى يزداد بسببه نظامه تعقيداً، ينتج عنه عدم التجانس والتوافق، بسبب زيادة القيود والأنظمة، فتنطلق شهوات الأفراد ضد تلك القيود والأنظمة، ومن هنا تكون الجريمة ناشئة من عوامل اجتماعية.

ومنها أن الفرد فى المجتمع يقلد غيره، بحيث يقلد الصغير من هو أكبر منه، نتيجة اختلاط أفراد المجتمع الواحد فى العائلة والحي والرفقة والوظيفة والزمالة وغيرها.. [نفس المرجع ص 308-317]

ومنها الاختلاط التفاضلي، وهو أنه يوجد فى المجتمع ثلاثة أصناف:

الصنف الإجرامي المعادى للقوانين والأنظمة..

والصنف المؤيد للقوانين والمطيع لها..

والصنف المحايد..

والفرد يختلط بهولاء وأولئك، فإذا رجحت عنده كفة معاداة القوانين تتوثق علاقته بصنف المجرمين، وتزداد عزلته عن الأصناف المعادية للإجرام، فيصبح مجرماً. [نفس المرجع ص 318-329]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة ترجع إلى عوامل سياسية، فيرى التفسير الماركسي أن التناقضات التى تحدث داخل المجتمع الرأسمالي، تخلف أشكالاً من الصراعات التى تكون الجريمة فيها تعبيراً عن الصراع بين الفرد والظروف المحيطة به. [نفس المرجع ص 336]

هذه بعض الأسباب التى ذكرت فى كتب علماء الإجرام، حاولت تلخيصها من صفحات طويلة ولم ألتزم بكثير من مصطلحاتهم، ولا ذكر أصحاب النظريات، خشية الإطالة من جهة، وتيسير الفهم للقارئ من جهة أخرى.

منقول من منتديات الامام الغزالي التعليمية

أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

المبحث الأول: أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

لقد بذل علماء الإجرام الذين عنوا بدراسة الجريمة والمجرم، وتدابير الوقاية من الجريمة والعقاب عليها، جهودا مضنية فى معرفة أسباب الجريمة ودوافع المجرمين لارتكاب الجرائم..

واستعانوا بكل ما استطاعوا من العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية، للوصول إلى معرفة تلك الأسباب والدوافع.

وقد أنكروا الوسائل التى اتخذت فى القديم لمعرفة أسباب الجريمة والتي كان يغلب عليها الطابع التجريدى..

فقالوا:
“كان الطابع التجريدى هو الغالب على جهود الإنسان، خلال قرون طويلة من بحثه عن تفسير السلوك الإجرامي، وفى مراحل متعددة من هذه الجهود ظل النظر إلى الجريمة غيبا أو خرافيا.. فالجريمة عندهم رجس من عمل الشيطان، ومن الأرواح الشريرة يدخل جسد المجرم فيفسد نفسه وروحه…” [علم الإجرام وعلم العقاب للدكتور عبود السراج ص:157 ـ ط1].

وتطورت النظرة إلى أسباب الجريمة مما سموه بالخرافة كما مضى، إلى أن الإنسان يملك عقلا واعيا وإرادة حرة يملك بهما اختيار سلوكه، ويختار ما نفْعُه عنده أكبر من ضرره، وذلك هو سبب إقدامه على الجريمة. [المراجع السابق].

أي إذا رأى أن منفعته من الإقدام على الجريمة، أعظم من الضرر الذى يتوقعه من إقدامه، أقدم عليها.

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة، هي عوامل جغرافية، فترتفع نسبة الجريمة وتنخفض حسب تغير المناخ، كالحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة والأمطار، والطقس، والضغط الجوى والعواصف والرياح….. الخ..

وقالوا:
إن جرائم العنف – وبخاصة الاعتداء على الإنسان – تزداد فى المناطق والفصول الحارة وتنخفض فى المناطق والفصول الباردة..

وجرائم الأموال تزداد فى المناطق الباردة وتنخفض فى المناطق الحارة، وبنوا اتجاههم هذا على إحصائيات فى بعض الدول كفرنسا.

وقال بعضهم:
إن نسبة الجريمة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، فالمناطق التى تكون أقرب إلى خط الاستواء تكثر فيها جرائم العنف، والمناطق القريبة من القطبين تكثر فيها جرائم المسكرات والمخدرات.

وقال بعضهم:
إنها تتفاوت باختلاف التضاريس، فتقل الجرائم فى المناطق السهلة والأرض المنبسطة، وتزيد فى المناطق الجبلية، وتصل ذروتها فى قمم الجبال.. [المرجع السابق.. ص173ـ176 وص: 233ـ242].

وذهب آخرون إلى:
أن السبب وراثي – أي إن المجرم يعود بسبب الوراثة إلى الانسان البدائي الأول – هكذا – الذى كان يحمل صفات دونية شبيهة بصفات القردة والحيوانات الدنيا، ويعيش حياة بدائية خالية من القواعد والنظم.. [المرجع السابق ـ ص: 184].

ومعلوم أن هذا افتراض معارض للأديان السماوية، التى تدل كتبها كلها، وآخرها القرآن الكريم، على أن الإنسان خلق مصحوباً بهدى الله تعالى، منذ آدم عليه السلام إلى أن جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذهب آخرون إلى:
إرجاع سبب الجريمة إلى الصفات العضوية..وأنه يمكن معرفة المجرم عن طريق بعض صفاته العضوية.

فجمجمة المجرم تكون أصغر أو أكبر من الحجم الطبيعي لغيره، وأن جبهته تكون ضيقة ومنحدرة، وحواجبه تكون كثيفة، وعيناه غائرتان، وأنفه أفطس وشفاهه دقيقة، وفكه عريض وأذناه عريضتان مائلتان إلى الأمام، ووجهه طويل وعريض، وشعر رأسه كثيف، وشعر ذقنه قليل وذراعاه طويلتان، يوجد فى إحدى قدميه أو يديه أصبع زائدة.. [المرجع السابق ـ ص: 185، وكتاب أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي للدكتور عدنان الدوري ص: 117].

وهذه إحدى طرق اكتشاف المجرم بالفراسة..

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة تعود إلى وظائف الأعضاء.

ومن أمثلة ذلك الغدد الصماء..قالوا:
إن اختلال إفرازاتها يؤدى إلى خلل فى التركيب الكيماوي للدم وللسوائل الأخرى التى تدخل فى تكوين أعضاء الجسم، وهذا الخلل يحدث اضطرابات فى أجهزة الفرد، وخاصة فى الجهاز العصبي ويؤثر فى سلوكه وانفعالاته، ويؤدى إلى أنواع من الإجرام.. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:220].

ورأى بعضهم أن أسباب الجريمة تعود إلى العاهات والأمراض، وبخاصة العمى والصمم والبكم، وتشوه الوجه، والقبح وقصر القامة والعرج، والشلل..

وأن تلك الحالات تؤدي إلى التألم والشذوذ، ويشعرون معها بنقص أنفسهم فى المجتمع، وضياع مراكزهم الاجتماعية، فيهيئهم هذا الوضع لارتكاب الجرائم.. [المرجع السابق ص:222].

ورد بعضهم أسباب الجريمة إلى العمر، ورأوا أن صغار السن أكثر إقداماً إلى الجرائم من كبار السن، واختلفوا فى السن التى تقع فيه أعلى نسبة من الجرائم..

فقال بعضهم: إنها تقع مابين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين..

وقال آخرون: إنها فى مرحلة المراهقة وهى – غالباً – ما بين سن أربع عشرة وسبع عشرة سنة وتقل فى مرحلة النضج.

ويرى آخرون أن أسباب الجريمة راجعة للجنس، أي للذكورة والأنوثة، فإجرام النساء أقل من إجرام الرجال بسبب اختلاف البيئة الداخلية للمرأة عن الرجل، واختلاف القدرات البدنية، ولأن الرجل أكثر احتكاكاً بالمحيط الخارجي من المرأة..[المرجع السابق ص 222]

وذهب آخرون إلى رد أسباب الجريمة إلى العرق، أي إلى الأجناس البشرية المختلفة، فالزنوج أعلى نسبة في جرائم العنف، وكذلك الشعوب التي تسكن في حوض البحر الأبيض المتوسط، وجرائم الأموال عند سكان المناطق الشمالية أكثر من غيرهم… [نفس المرجع ص 229-231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجرائم تعود إلى أسباب نفسية، كالضعف العقلي، والأمراض العقلية والنفسية والعصبية وعدم استطاعة الإنسان التوفيق بين شهواته التى تكره القيود، والواقع الخارجي الذى فرض المجتمع فيه قيودا، وهكذا.. فيدفع بسبب ذلك إلى إشباع غرائزه ولو بارتكاب الجريمة . [نفس المرجع ص 229—231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة عوامل اجتماعية منها الاقتصادية، كالفقر الذى يعد عاملاً أساسياً فى تكوين السلوك الإجرامي.. والبيئة التى تهيأ فيها الفرص لارتكاب الجريمة. [نفس المرجع ص 262-276]

ومنها انعدام الاستقرار الاقتصادى الذي يكون بين رخاء تقل فيه جرائم الأموال، وهبوط تكثر فيه تلك الجرائم وغيرها، ومنها تطور البناء الاجتماعي وازدياد نموه الذى يزداد بسببه نظامه تعقيداً، ينتج عنه عدم التجانس والتوافق، بسبب زيادة القيود والأنظمة، فتنطلق شهوات الأفراد ضد تلك القيود والأنظمة، ومن هنا تكون الجريمة ناشئة من عوامل اجتماعية.

ومنها أن الفرد فى المجتمع يقلد غيره، بحيث يقلد الصغير من هو أكبر منه، نتيجة اختلاط أفراد المجتمع الواحد فى العائلة والحي والرفقة والوظيفة والزمالة وغيرها.. [نفس المرجع ص 308-317]

ومنها الاختلاط التفاضلي، وهو أنه يوجد فى المجتمع ثلاثة أصناف:

الصنف الإجرامي المعادى للقوانين والأنظمة..

والصنف المؤيد للقوانين والمطيع لها..

والصنف المحايد..

والفرد يختلط بهولاء وأولئك، فإذا رجحت عنده كفة معاداة القوانين تتوثق علاقته بصنف المجرمين، وتزداد عزلته عن الأصناف المعادية للإجرام، فيصبح مجرماً. [نفس المرجع ص 318-329]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة ترجع إلى عوامل سياسية، فيرى التفسير الماركسي أن التناقضات التى تحدث داخل المجتمع الرأسمالي، تخلف أشكالاً من الصراعات التى تكون الجريمة فيها تعبيراً عن الصراع بين الفرد والظروف المحيطة به. [نفس المرجع ص 336]

هذه بعض الأسباب التى ذكرت فى كتب علماء الإجرام، حاولت تلخيصها من صفحات طويلة ولم ألتزم بكثير من مصطلحاتهم، ولا ذكر أصحاب النظريات، خشية الإطالة من جهة، وتيسير الفهم للقارئ من جهة أخرى.

منقول من منتديات الامام الغزالي التعليمية

أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

المبحث الأول: أسباب الجريمة في كتب علماء الإجرام..

لقد بذل علماء الإجرام الذين عنوا بدراسة الجريمة والمجرم، وتدابير الوقاية من الجريمة والعقاب عليها، جهودا مضنية فى معرفة أسباب الجريمة ودوافع المجرمين لارتكاب الجرائم..

واستعانوا بكل ما استطاعوا من العلوم الإنسانية والعلوم التجريبية، للوصول إلى معرفة تلك الأسباب والدوافع.

وقد أنكروا الوسائل التى اتخذت فى القديم لمعرفة أسباب الجريمة والتي كان يغلب عليها الطابع التجريدى..

فقالوا:
“كان الطابع التجريدى هو الغالب على جهود الإنسان، خلال قرون طويلة من بحثه عن تفسير السلوك الإجرامي، وفى مراحل متعددة من هذه الجهود ظل النظر إلى الجريمة غيبا أو خرافيا.. فالجريمة عندهم رجس من عمل الشيطان، ومن الأرواح الشريرة يدخل جسد المجرم فيفسد نفسه وروحه…” [علم الإجرام وعلم العقاب للدكتور عبود السراج ص:157 ـ ط1].

وتطورت النظرة إلى أسباب الجريمة مما سموه بالخرافة كما مضى، إلى أن الإنسان يملك عقلا واعيا وإرادة حرة يملك بهما اختيار سلوكه، ويختار ما نفْعُه عنده أكبر من ضرره، وذلك هو سبب إقدامه على الجريمة. [المراجع السابق].

أي إذا رأى أن منفعته من الإقدام على الجريمة، أعظم من الضرر الذى يتوقعه من إقدامه، أقدم عليها.

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة، هي عوامل جغرافية، فترتفع نسبة الجريمة وتنخفض حسب تغير المناخ، كالحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة والأمطار، والطقس، والضغط الجوى والعواصف والرياح….. الخ..

وقالوا:
إن جرائم العنف – وبخاصة الاعتداء على الإنسان – تزداد فى المناطق والفصول الحارة وتنخفض فى المناطق والفصول الباردة..

وجرائم الأموال تزداد فى المناطق الباردة وتنخفض فى المناطق الحارة، وبنوا اتجاههم هذا على إحصائيات فى بعض الدول كفرنسا.

وقال بعضهم:
إن نسبة الجريمة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، فالمناطق التى تكون أقرب إلى خط الاستواء تكثر فيها جرائم العنف، والمناطق القريبة من القطبين تكثر فيها جرائم المسكرات والمخدرات.

وقال بعضهم:
إنها تتفاوت باختلاف التضاريس، فتقل الجرائم فى المناطق السهلة والأرض المنبسطة، وتزيد فى المناطق الجبلية، وتصل ذروتها فى قمم الجبال.. [المرجع السابق.. ص173ـ176 وص: 233ـ242].

وذهب آخرون إلى:
أن السبب وراثي – أي إن المجرم يعود بسبب الوراثة إلى الانسان البدائي الأول – هكذا – الذى كان يحمل صفات دونية شبيهة بصفات القردة والحيوانات الدنيا، ويعيش حياة بدائية خالية من القواعد والنظم.. [المرجع السابق ـ ص: 184].

ومعلوم أن هذا افتراض معارض للأديان السماوية، التى تدل كتبها كلها، وآخرها القرآن الكريم، على أن الإنسان خلق مصحوباً بهدى الله تعالى، منذ آدم عليه السلام إلى أن جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وذهب آخرون إلى:
إرجاع سبب الجريمة إلى الصفات العضوية..وأنه يمكن معرفة المجرم عن طريق بعض صفاته العضوية.

فجمجمة المجرم تكون أصغر أو أكبر من الحجم الطبيعي لغيره، وأن جبهته تكون ضيقة ومنحدرة، وحواجبه تكون كثيفة، وعيناه غائرتان، وأنفه أفطس وشفاهه دقيقة، وفكه عريض وأذناه عريضتان مائلتان إلى الأمام، ووجهه طويل وعريض، وشعر رأسه كثيف، وشعر ذقنه قليل وذراعاه طويلتان، يوجد فى إحدى قدميه أو يديه أصبع زائدة.. [المرجع السابق ـ ص: 185، وكتاب أسباب الجريمة وطبيعة السلوك الإجرامي للدكتور عدنان الدوري ص: 117].

وهذه إحدى طرق اكتشاف المجرم بالفراسة..

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة تعود إلى وظائف الأعضاء.

ومن أمثلة ذلك الغدد الصماء..قالوا:
إن اختلال إفرازاتها يؤدى إلى خلل فى التركيب الكيماوي للدم وللسوائل الأخرى التى تدخل فى تكوين أعضاء الجسم، وهذا الخلل يحدث اضطرابات فى أجهزة الفرد، وخاصة فى الجهاز العصبي ويؤثر فى سلوكه وانفعالاته، ويؤدى إلى أنواع من الإجرام.. [علم الإجرام وعلم العقاب ص:220].

ورأى بعضهم أن أسباب الجريمة تعود إلى العاهات والأمراض، وبخاصة العمى والصمم والبكم، وتشوه الوجه، والقبح وقصر القامة والعرج، والشلل..

وأن تلك الحالات تؤدي إلى التألم والشذوذ، ويشعرون معها بنقص أنفسهم فى المجتمع، وضياع مراكزهم الاجتماعية، فيهيئهم هذا الوضع لارتكاب الجرائم.. [المرجع السابق ص:222].

ورد بعضهم أسباب الجريمة إلى العمر، ورأوا أن صغار السن أكثر إقداماً إلى الجرائم من كبار السن، واختلفوا فى السن التى تقع فيه أعلى نسبة من الجرائم..

فقال بعضهم: إنها تقع مابين سن الثامنة عشرة والخامسة والعشرين..

وقال آخرون: إنها فى مرحلة المراهقة وهى – غالباً – ما بين سن أربع عشرة وسبع عشرة سنة وتقل فى مرحلة النضج.

ويرى آخرون أن أسباب الجريمة راجعة للجنس، أي للذكورة والأنوثة، فإجرام النساء أقل من إجرام الرجال بسبب اختلاف البيئة الداخلية للمرأة عن الرجل، واختلاف القدرات البدنية، ولأن الرجل أكثر احتكاكاً بالمحيط الخارجي من المرأة..[المرجع السابق ص 222]

وذهب آخرون إلى رد أسباب الجريمة إلى العرق، أي إلى الأجناس البشرية المختلفة، فالزنوج أعلى نسبة في جرائم العنف، وكذلك الشعوب التي تسكن في حوض البحر الأبيض المتوسط، وجرائم الأموال عند سكان المناطق الشمالية أكثر من غيرهم… [نفس المرجع ص 229-231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجرائم تعود إلى أسباب نفسية، كالضعف العقلي، والأمراض العقلية والنفسية والعصبية وعدم استطاعة الإنسان التوفيق بين شهواته التى تكره القيود، والواقع الخارجي الذى فرض المجتمع فيه قيودا، وهكذا.. فيدفع بسبب ذلك إلى إشباع غرائزه ولو بارتكاب الجريمة . [نفس المرجع ص 229—231]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة عوامل اجتماعية منها الاقتصادية، كالفقر الذى يعد عاملاً أساسياً فى تكوين السلوك الإجرامي.. والبيئة التى تهيأ فيها الفرص لارتكاب الجريمة. [نفس المرجع ص 262-276]

ومنها انعدام الاستقرار الاقتصادى الذي يكون بين رخاء تقل فيه جرائم الأموال، وهبوط تكثر فيه تلك الجرائم وغيرها، ومنها تطور البناء الاجتماعي وازدياد نموه الذى يزداد بسببه نظامه تعقيداً، ينتج عنه عدم التجانس والتوافق، بسبب زيادة القيود والأنظمة، فتنطلق شهوات الأفراد ضد تلك القيود والأنظمة، ومن هنا تكون الجريمة ناشئة من عوامل اجتماعية.

ومنها أن الفرد فى المجتمع يقلد غيره، بحيث يقلد الصغير من هو أكبر منه، نتيجة اختلاط أفراد المجتمع الواحد فى العائلة والحي والرفقة والوظيفة والزمالة وغيرها.. [نفس المرجع ص 308-317]

ومنها الاختلاط التفاضلي، وهو أنه يوجد فى المجتمع ثلاثة أصناف:

الصنف الإجرامي المعادى للقوانين والأنظمة..

والصنف المؤيد للقوانين والمطيع لها..

والصنف المحايد..

والفرد يختلط بهولاء وأولئك، فإذا رجحت عنده كفة معاداة القوانين تتوثق علاقته بصنف المجرمين، وتزداد عزلته عن الأصناف المعادية للإجرام، فيصبح مجرماً. [نفس المرجع ص 318-329]

وذهب آخرون إلى أن أسباب الجريمة ترجع إلى عوامل سياسية، فيرى التفسير الماركسي أن التناقضات التى تحدث داخل المجتمع الرأسمالي، تخلف أشكالاً من الصراعات التى تكون الجريمة فيها تعبيراً عن الصراع بين الفرد والظروف المحيطة به. [نفس المرجع ص 336]

هذه بعض الأسباب التى ذكرت فى كتب علماء الإجرام، حاولت تلخيصها من صفحات طويلة ولم ألتزم بكثير من مصطلحاتهم، ولا ذكر أصحاب النظريات، خشية الإطالة من جهة، وتيسير الفهم للقارئ من جهة أخرى.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني ممتاز حول إشكالات القضاء المستعجل

إشكالات القضاء المستعجل

إعداد المحامية
معالي خليل

دار زهير خليل
للاستشارات القانونية وأعمال المحاماة

2006-2007

إهداء
أهدي بحثي هذا

إلى الذين أخذوا على عاتقهم حمل لواء الحق والعدالة
إلى كل من كانت نصرة المظلوم غايتهم .
إلى كل من يقف في ساحة القضاء ويدافع عن المظلوم .
إلى كل من يقف في ساحة القضاء ويحكم بالعدل والحق .
إلى كل من يعمل على أساس أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته .
إلى كل من كانت نفوسهم سامية عن كل إغراء هدّام .
إلى كل هؤلاء … إلى رجال القانون …
محامون وقضاة وأساتذة
إلى أهل الحق وأصحاب النوايا المخلصة .
بسم الله الرحمن الرحيم
( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون )

صدق الله العظيم

المقدمة
مع التسليم بأن الحكم الذي يصدره القاضي المستعجل لا يعدو أن يكون علاجاً وقتياً لا يمس أصل الحق ولا تتقيد به محكمة الموضوع . ألا انه غالباً ما تكون الأسباب التي يقوم عليها هذا الحكم بمثابة الخطوط الرئيسية الموصلة لحل النزاع ، وبهذا أصبح من المشاهد عملاً أن كثيراً من المسائل المعقدة التي يقوم القاضي المستعجل على دراستها ويوفق فيها إلى إيجاد علاج وقتي سديد – قد يغني عن اللجوء إلى القضاء الموضوعي ويهدي الخصوم إلى طريق الحق .
ويمكن توضيح هذه الأهمية التي تمتع بها القضاء المستعجل من خلال أمرين:
1- تمكين الخصوم من إصدار قرارات مؤقتة سريعة دون مساس بأصل الحق مع التقصير في الوقت والإجراءات .
2- وأيضاً قد يغني الحكم الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة عن الالتجاء إلى القضاء العادي للفصل في أصل النزاع كما أن حكم قاضي الأمور المستعجلة قد يحسم النزاع إذا وضع الخصوم في حالة يصبح معها الاستمرار في الخصومة أمام القضاء العادي غير منتج .
وقد ازدادت أهمية القضاء المستعجل في هذا العصر تبعاً للتقدم الاقتصادي والصناعي واتساع نطاق المعاملات وما يترتب على ذلك من نهضة تشريعية أخذت تساير هذا النشاط في مختلف اتجاهاته.
ولهذه الأهمية التي يتمتع بها القضاء المستعجل ارتأيت أن أكتب موضوع بحثي فيه . فالقضاء المستعجل يعتبر أسمى وأشرف أنواع القضاء لأنه يمس حقوق ومراكز الأفراد المحاطة بخطر محدق حيث لا يمكن تأخير البت فيه إلى حين انتهاء إجراءات القضاء العادي والتي غالباً ما تطول بصورة تؤثر في الحكم على هذه القضايا ، وهي قضايا كثر تعج بها ملفات القضاء في المحاكم وتحدث مع الكثيرين من الأفراد في نطاق المعاملات التي يباشرونها يومياً وتتصل بحقوق قانونية ومعاملات غاية في الأهمية والدقة والسرعة منها قضايا النفقة وطلب تعيين قيم أو وصي أو وضع حراسة قانونية على حق معين وكلها أمور تتطلب العدالة أن يتم القضاء فيها بصورة مستعجلة وسريعة.
وقد خصصت الموضوع في مناقشة المشكلات التي تتعرض لها هذه القضايا الموجودة في جلسات المحاكم ومرافعات المحامين وقرارات القضاة التي نتمنى دائماً أن تكون عادلة ومحققة لمصالح المظلومين لأن ” العدل أساس الملك ” .
وسوف أنتقل لعرض خطة البحث على النحو التالي :
التمهيد: وفيه نشأة القضاء المستعجل وتطوره عبر القوانين.
الفصل الأول: وفيه تعرضت لتعريف القضاء المستعجل وشروطه في مبحثين.
المبحث الأول: تعريف القضاء المستعجل وخصائصه.
المطلب الأول : تعريف القضاء المستعجل.
المطلب الثاني: خصائص القضاء المستعجل.
المبحث الثاني: الشروط القانونية الواجب توافرها في دعوى القضاء المستعجل واختص الفصل الثاني في بيان الصعوبات المتعلقة بإجراءات القضاء المستعجل وفيه مبحثين وكل مبحث احتوى على مطلبين .
الفصل الثاني: الصعوبات المتعلقة بإجراءات القضاء المستعجل.
المبحث الأول: الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى والحكم فيها
وقد احتوى هذا المبحث على مطلبين
المطلب الأول: الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى.
المطلب الثاني: الصعوبات المتعلقة بالحكم في الدعوى.
المبحث الثاني: الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن وتنفيذ الأحكام.
وقد احتوى هذا المبحث على مطلين
المطلب الأول: الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن.
المطلب الثاني: الصعوبات المتعلقة بتنفيذ الأحكام.
أما الفصل الثالث والأخير فقد اشتمل على أحكام قضائية لمحكمة الاستئناف في قضايا مستعجلة.
وقبل أن أترك هذه المقدمة أدعو الله العظيم أن أكون قد وفقت في عرضي لموضوع (إشكاليات القضاء المستعجل) وأسأل الله العلي القدير أن يتقبل منا أعمالنا ويجعلها في ميزان حسناتنا إذا كانت أعمالاً خيرة ومحققة لأغراض ومصالح الأمة.
تمهيد
نشأة القضاء المستعجل وتطوره …
من البديهيات في مجال القانون أن القضاء يضع حداً للمنازعات التي ترفع إليه بعد أن تتاح الفرصة الكافية للخصوم للتنازع في موضوعهم وتقديم الدليل على صحة آرائهم وبعد أن يمحص القضاء ما يتقدمون به إليه ويقوم بتطبيق القانون عليه يصدر قضاؤه في النزاع ويكون ذلك القرار فاصلاً في أصل النزاع القائم بين الخصوم وهذا يقتضي أن يكون بإمكان الخصوم إبداء أوجه دفاعهم . واقتضى ذلك أن تعرض الدعاوى في أغلب الأحيان على درجتين وهذا كله ترتب عليه إطالة أمد النزاعات وأصبح شيء راسخ أنه لا يقضى في منازعته إلا وقد تغير وجه الحق فيها واستحال في أغلب الأحوال أن يعود الحكم على المحكوم له بأي نفع ومن هذا المنطلق فإن المشرع رأى أن الاكتفاء بالالتجاء إلى القضاء العادي وضرورة اتباع إجراءاته قد يكون غير منتج في كثير من الحالات.
ولذلك تضمن التشريع نصوصاً تكفل تحقيق هذا الغرض وراعى فيها وجوب توفر الضرورة التي تقتضي هذا الإجراء الاستثنائي . ذلك أنّ تأخر حصول الأشخاص على الحماية القضائية قد يترتب عليه أن يعود عليهم ضرر للتوفيق بين وجوب التأني في الفصل في المنازعات والسرعة في منح الحماية القانونية تقرر أغلب التشريعات نظاماً للقضاء المستعجل يكون مختصاً بمنح الحماية العاجلة المؤقتة للأشخاص . والقضاء المستعجل لا يقوم على فكرة العدالة الكاملة وإنما يقوم على الحماية العاجلة التي لا تكسب حقاً ولا تهدره وإذا كان القاضي المستعجل قد يصدر حكماً وقتياً بإجراء وقتي مؤقت إلا أنه كثيراً ما ينفذ إلى صميم المنازعات وبعبارة أخرى إذا كان القاضي المستعجل يقرر الحماية القانونية بصيغة مؤقتة فإنه قد يمس أصل الحق من حيث الواقع في الحالات التي يضع فيها الخصوم في مركز لا يجدي بعده الالتجاء إلى القضاء الموضوعي.
فتكون الحماية القانونية المؤقتة التي منحها القضاء المستعجل حماية نهائية في واقع الأمر.
لقد ظهر القضاء المستعجل في بدايته في القضاء المصري وكان القانون الأصلي الملغي ينظم في المادة 28مرافعات اختصاص القاضي المستعجل ويمهد به القاضي الجزائي مباشرة مع اختصاصه القضائي الولائي.
وقد عالج المشرع اختصاص القضاء المستعجل منذ قانون المرافعات الأصلي الصادر سنة 1883 حتى القانون 13 سنة 1968 الحالي بنص واحد. وهذا قصور في التشريع لا يتفق إطلاقاً مع الأهمية القصوى للقضاء المستعجل وأن أصل وجوهر القضاء المستعجل أجمعت قوانين المرافعات الثلاثة عليه (قانون المرافعات الأصلي المادة 25،قانون المرافعات الملغي المادة 49، قانون المرافعات الحالي المادة45).
ونتيجة لهذا القصور التشريعي فقد نشط الفقه والقضاء في هذا المجال فكانت هناك العديد من الاجتهادات في القضاء المستعجل وقضاياه.
أما أصل القضاء المستعجل فيرجع إلى الأمر الفرنسي الصادر في 22 كانون أول عام 1685 المنظم لقواعد المرافعات المدنية التي كان معمولاً بها أمام محكمة شاكليه بباريس والذي رخص بمقتضاه لرئيس الدائرة المدنية أو من ينوب عنه في غيابه الحكم مؤقتاً في الأمور المستعجلة ثم جاء قانون المرافعات الفرنسي وأنشأ نظام قضاء مستعجل أدخل في اختصاصه جميع المواد المدنية المستعجلة وإشكالات التنفيذ مهما بلغت قيمة النزاع.
وقد ازدادت أهمية هذا النظام في العصر الحاضر تبعاً لاتساع نطاق المعاملات وتشعيبها من جهة وللسرعة التي يتسم بها هذا العصر من جهة أخرى ولذلك فقد كان موضوع القضاء المستعجل هو من أهم الموضوعات التي استحدثها التشريع الأردني الجديد في قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 24 لسنة 1988.

الفصل الأول
القضاء المستعجل وشروطه.
واشتمل هذا الفصل على مبحثين:
المبحث الأول:
تعريف القضاء المستعجل وخصائصه.
وقد تضمن هذا المبحث مطلبين:-
المطلب الأول:- تعريف القضاء المستعجل.
المطلب الثاني:- خصائص القضاء المستعجل.
المبحث الثاني:-
الشروط القانونية الواجب توافرها في القضاء المستعجل.

الفصل الأول
القضاء المستعجل وشروطه
المبحث الأول
تعريف القضاء المستعجل وخصائصه
المطلب الأول
القضاء المستعجل … تعريفه
من المؤسف حقاً أن المشرع لم يتصدى لتعريف القضاء المستعجل بل اكتفى بالتعريفات العديدة التي تناولها الفقهاء منذ نشأة القضاء المستعجل 1 فالبعض يعرفه على أنه الفصل في المنازعات التي يخشى عليها من فوات الوقت فصلاً مؤقتاً لا يمس أصل الحق وإنما ينص على الحكم باتخاذ إجراء وقتي ملزم للطرفين بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة أو احترام الحقوق الظاهرة أو صيانة مصالح الطرفين المتنازعين.
وهناك قسم آخر من الفقهاء يعرفه بأنه الخطر الحقيقي المحدق بالحق المطلوب المحافظة عليه والذي يلزم درؤه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي ولو قصرت مواعيده ، ويتوافر الاستعجال في كل حالة إذا قصد من الإجراء المستعجل فيه منع ضرر مؤكد لا يمكن إزالته إذا حدث.
وبالمقابل فإن هناك رأي آخر لمجموعة من الفقهاء تعرفه على أنه قضاء وقتي يهدف إلى حماية قضائية وقتية .
وحتى لفظ الاستعجال فإن المشرع لم يقم بتعريفه وإنما اكتفى بتعيين نوع الدعاوى التي يرتب عليها حكما بوصفه بهذه الصفة.
وبما أن الاستعجال مبدأ هام وركن أساسي للاختصاص فإن تعريفه أمر ضروري وقد كان ذلك مثار بحث الفقهاء والمحاكم . ومع أن ذلك ليس بالأمر السهل إلا أنه قد تم تبني عدة تعريفات من قبل أكثر من فقيه في محاولة جادة للوقوف على معناه.
فمثلاً من جهة محكمة النقض الفرنسية فقد جاءت بالقول بأن الاستعجال لا يتوافر إلا في الأحوال التي يترتب على التأخير فيها ضرر لا يحتمل الإصلاح والبعض الآخر عرفه بأنه الضرورة التي لا تحتمل التأخير أو أنه الخطر المباشر الذي لا يكفي في اتقائه رفع الدعوى بالطرق المعتادة حتى مع تقصير المواعيد وهناك من عرفه بأنه الخطر الحقيقي المحدق بالحق المراد المحافظة عليه والذي يلزم درؤه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي ولو قصرت مواعيده وفي الجهة الأخرى هناك من عرفه أنه ضرورة للحصول على الحماية القانونية العاجلة التي لا تحقق من اتباع الإجراءات العادية للتقاضي نتيجة لتوافر ظروف تمثل خطراً على حقوق الخصم أو تتضمن ضرراً قد يتعذر تداركه أو إصلاحه.

ونستطيع تعريف الطلب المستعجل ضمناً لذلك بأنه طلب اتخاذ إجراء وقتي يدرء خطر داهم أو ضرراً قد يتعذر أو يصعب إزالته إذا لجأ الخصوم إلى المحاكم بإجراءات الدعوى العادية .
والحقيقة أن الاستعجال حالة تتغير بتغير ظروف الزمان والمكان تتلازم مع التطور الاجتماعي في الأوساط المختلفة ولذلك فإنه من الصعب وضع أي تعريف منطقي لأنه ليس مبدأ ثابت مطلقاً .
المطلب الثاني
خصائص القضاء المستعجل
يعتبر القضاء المستعجل عملاً قضائياً بمعنى الكلمة وقد أنكر البعض عليه الصفة القضائية وقالوا باعتباره نشاطاً إدارياً إلا أن هذا الرأي لم يلق تأييداً في الفقه كما اعتبره البعض قضاء ولائياً وخاصة عندما يكون بإجراءات مستقلة عن إجراءات الخصومة المتعلقة بالدعوى الموضوعية إلا أن هذا الاتجاه غير صحيح أيضاً . وإذا كان القضاء المستعجل يرمي أحياناً إلى توقي نزاع في المستقبل ويتشابه في هذا مع بعض الأعمال الولائية فإن هناك فارقاً بينهما فالعمل الولائي ينشئ مركزاً قانونياً جديداً أما القضاء الوقتي أو المستعجل فيتعلق برابطة قانونية سابقة يحتمل وجودها ويرمي على ضمان حمايتها حماية وقتية.
يضاف إلى ذلك ورغم أن القضاء المستعجل صورة من صور الحماية القضائية إلا أنه يتميز عن القضاء الموضوعي بعدة خصائص هي: 1
1- أن القضاء المستعجل له وظيفة مساعدة : فهو يمنح بالنظر إلى إمكانية صدور قضاء موضوعي محتمل في المستقبل سواء كان هذا القضاء نتيجة دعوى موضوعية رفعت بالفعل أو تنتظر رفعها ذلك أن القضاء المستعجل إنما يرمي إلى ضمان تحقيق الدعوى الموضوعية لهدفها . ولهذا فإنه إذا فصل في الدعوى الموضوعية فإن الدعوى المستعجلة تصبح غير مقبولة.
2- القضاء المستعجل يمنح بصرف النظر عن وجود الحق الموضوعي . ولهذا فإن الدعوى المستعجلة دعوى مجردة . وعلّة ذلك أنها مجرد وسيلة للتحفظ أثر الاحتياط ويترتب على هذا التجريد نتيجة هامة هي استقلال الدعوى المستعجلة في شروطها عن شروط الدعوى الموضوعية التي تفترض بثبوت وجود الحق الموضوعي.
3- القضاء المستعجل ذو أثر مؤقت : فهو يرتب آثره إلى حين الفصل في الدعوى الموضوعية ولهذا فإن الحكم الصادر بالحراسة القضائية ينتهي أثره بصدور الحكم بالملكية لأحد الخصوم.
على أن القضاء المستعجل قد يؤدي في بعض الأحيان من الناحية الفعلية إلى الاستغناء عن رفع الدعوى الموضوعية.

المبحث الثاني
الشروط العامة للدعوى المستعجلة (الوقتية)
يشترط للدعوى المستعجلة توافر عنصر الاحتمال سواء بالنسبة للحق محل الحماية أو بالنسبة للاعتداء عليه:
1- احتمال وجود الحق: الدعوى المستعجلة هي دعوى مجردة لا تفترض وجود الحق أو وجود المركز القانوني وحتى تنشأ هذه الدعوى يجب أن يكون هناك احتمال لوجود هذا الحق أو المركز القانوني فإذا لم يتوافر هذا الاحتمال يجب رد الدعوى المستعجلة ويتوفر هذا الاحتمال بتوافر أمرين:
أ‌- وجود قاعدة قانونية تحمي حالاً – مما يطلب الوعي حمايته بالدعوى الموضوعية التي ترفع الدعوى المستعجلة لخدمتها . فيجب أن يكون حق الدائن من النوع الذي يحميه القانون فإذا كان يصرف النظر عن الوقائع مما لا يتمتع بحماية القانون وجب رد الدعوى المستعجلة . مثال: الدين غير مشروع.
ب‌- أن تدل وقائع القضية المستعجلة احتمالاً لوجود محل الحماية الموضوعية من الناحية الفعلية ولذلك فلا يطلب في القضاء المستعجل من المدعي اثبات الوقائع القانونية بسبب الحق بل يكفي منه أن يبين من الوقائع ما من شأنه أن يعطي احتمالاً لوجود هذا الحق.
وتطبيقاً لذلك تقول محكمة التمييز الأردنية 1 :-
” إنه من المبادئ الفقهية المستقرة أنه وإن كانت مهمة القضاء المستعجل عدم التعرض لأصل الحق أو صميم النزاع إلا أن هذا لا يمنع محكمة القضاء المستعجل من اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لحماية حقوق الطرفين ووضع الحل الموضوعي كلمته ولها في سبيل أداء مهمتها هذه أن تتناول موضوع الحق وأن تبحث ظاهر الأدلة المقدمة من الطرفين بحثاً عرضياً عاجلاً لمعرفة أي من الطرفين أجدر بالحماية الوقتية واتخاذ الإجراء التحفظي الذي يكفل هذه الحماية وهي من خلال ذلك لها أن تتعرف حكم القانون في طبيعة العلاقة القائمة بين الطرفين والتفضيل بين الآراء الفقهية المختلفة في نطاق الدعوى المستعجلة تفصيلاً المفروض فيه أن لا يقيد محكمة الموضوع ولا يحوز حجية قبلها وإنما تتحسس به محكمة القضاء المستعجل مبلغ الجد في النزاع ” .
2- الاستعجال – خطر من التأخير: فيجب أن يوجد خوف من احتمال وقوع ضرر بالحق الموضوعي – على فرض وجوده – إذا لم يتمكن المدعي من الحصول على الحماية الوقتية المطلوبة وينص قانون أصول المحاكمات المدنية في المادة 32 منه الفقرة (1) على ذلك 1:-
” يحكم قاضي الأمور المستعجلة بصيغة مؤقتة بالمسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت ” . ونلاحظ أن الخشية أو الخوف يجب أن تكون خشية حالّة ولهذا فالحاجة للحماية الوقتية بواسطة القضاء المستعجل هي حاجة حالّة وليست محتملة . وهذه الخشية في الخوف من أن معنى الوقت قد يؤدي بالنظر إلى خصومة موضوعية قائمة أو مستعجلة إلى الإضرار بالحق المحتمل وذلك إما لأنه قد لا يمكن الحصول على قضاء موضوعي لصالح المدعي كما في حالة سماع الشاهد وإما لأن القضاء الموضوعي قد يكون غير مجدي كما في حالة سماع الشاهد وإما لأن القضاء الموضوعي قد يكون غير مجدي كما في حالة دعوى الحراسة القضائية .
وقاضي الأمور المستعجلة هو الذي يقدر الخشية موضوعياً بالنظر إلى الظروف الموضوعية وليس بالنظر إلى اعتقاد المدعي أو رغبته أو توافقه مع المدعى عليه على وجودها .
أما الضرر الذي يخشى منه فهو محتمل . ويختلف مضمون الدعوى المستعجلة بحسب هذا الضرر إذ هذه تمنح بالقدر الكافي للوقاية منه على أنه يلاحظ أنه لا عبرة بأي ضرر محتمل بالمدعي ما لم يكن ضرراً بنفس الحق الموضوعي الذي ترفع الدعوى المستعجلة لتحقيق حماية وقتية له . ومن جهة أخرى يجب أن يكون ضرراً وشيك الوقوع وليس مجرد احتمال بعيد . وذلك كأن يكون مجرد احتمال بعيد فإن الخشية منه لا تكون حالّة . ولا تكون هناك حاجة للحصول على حماية القضاء المستعجل وأخيراً فإن هذا الضرر يجب أن لا يكون الحكم الموضوعي المحتمل كافياً لإزالته إذ لو كانت الحماية الموضوعية بصرف النظر عن تأخيرها-كافية- لم تقم الحاجة للحماية الوقتية.
3- المصلحة في الدعوى المستعجلة:وهي تثبت لمن به حاجة للحماية الوقتية المطلوبة في مواجهة من يحتمل أن يكون طرفاً سلبياً في الدعوى الموضوعية ولأن الصفة ليست سوى تمييز للجانب الشخصي للحق في الدعوى ولأنه قد يتصور أن تنشأ دعوى وقتية مستعجلة لشخص(بتوافر شروطها) ولا تنشأ الدعوى الموضوعية التي تتعلق بها تلك الدعوى (مثلاً لعدم ثبوت الحق الموضوعي) فإنه يتصور توافر المصلحة لشخص في دعوى مستعجلة وعدم توافرها له في الدعوى الموضوعية.
الفصل الثاني
الصعوبات المتعلقة بإجراء القضاء المستعجل
واشتمل هذا الفصل على مبحثين :
المبحث الأول: الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى والحكم فيها
وقد تضمن هذا المبحث مطلبين:-
المطلب الأول:
الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى
المطلب الثاني:
الصعوبات المتعلقة بالحكم في الدعوى
المبحث الثاني: الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن وتنفيذ الأحكام
وقد تضمن هذا المبحث مطلبين:-
المطلب الأول:
الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن
المطلب الثاني:
الصعوبات المتعلقة بتنفيذ الأحكام
الصعوبات المتعلقة بإجراءات القضاء المستعجل.
المبحث الأول
الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى والحكم فيها
المطلب الأول :
الصعوبات المتعلقة برفع الدعوى
أولاً: ميعاد الحضور في الدعوى المستعجلة.
يعرف ميعاد الحضور بأنه النهاية الصغرى للمدة التي يجب أن تمضي من يوم إعلان المدعى عليه بصحيفة الدعوى وبين الميعاد المحدد للجلسة 1 وهذا الميعاد يجب أن يكون كاملاً أي ينقضي قبل اليوم المحدد لنظر الدعوى وبالإضافة إلى ذلك فهو مقرر لمصلحة المدعى عليه ولذلك فيجوز له أن ينزل عنه أو يطلب من المدعي الحضور في جلسة أقرب دون الالتزام بموعد الجلسة المحدد في صحيفة الدعوى. ويجري العمل على أن يضاف إلى ميعاد الحضور سواء كان عادياً أو مقصراً ميعاد مسافة يتم تحديده على أساس المسافة بين المحل الذي أمكن فيه المدعي بصحيفة الدعوى وبين مقر المحكمة المطلوب الحضور أمامها .
وقد جاء في نص المادة 66 من قانون المرافعات الأردني مما معناه ( أن ميعاد الحضور في الدعاوى المستعجلة أربع وعشرون ساعة ويجوز في حالة الضرورة نقص هذا الميعاد وجعله إلى ساعة بحيث يحصل الإعلان للخصم نفسه).
وبناء على نص المادة السابقة فإنه يجوز لقاضي الأمور الوقتية نقص مواعيد الحضور في جميع الحالات لكنه بالمقابل غير ملتزم بالحدود الدنيا المذكورة في نفس المادة وهي ساعة على الأقل في المواد المستعجلة ولا يحق له أن يقصر مواعيد الحضور في الدعاوى البحرية بالإضافة إلى أن مواعيد المسافة لا يسري عليها مبدأ التقصير.
وبالمقابل فإنه وبناء على نص المادة 84 من قانون المرافعات( لا يشترط في الدعوى المستعجلة إعادة إعلان المدعى عليه إذا لم يكن قد أعلن لشخصه وتنظر المحكمة الدعوى في غيبته في أول جلسة ما دام قد أعلن إعلاناً صحيحاً وعلى المحكمة أن تتحقق من الإعلان من تلقاء نفسها فإن تبين لها أنه غير صحيح كلّفت المدعي بإعلان الصحيفة إعلاناً صحيحاً).
ويبقى لا بد من الإشارة إلى تعديل المدعي لطلباته وعلاقته بمواعيد التكليف بالحضور.
في هذا المجال فإنه إذا جاوز الطلب لمعدل الطلبات الأصلية تعتبر طلباً جديداً ولذلك يجب مراعاة مواعيد التكليف بالحضور.
أما إذا نقص الطلب المعدل عن الطلب الأصلي فلا يعطي ميعاداً لتكليفه الحضور.
ثانياً: مدى جواز وقف الدعوى المستعجلة جزاء.
تثير مشكلة وقف الدعوى المستعجلة جزاء أهمية من نوع خاص لكونها تتعلق بطبيعة الدعوى المستعجلة وما تتميز به من ركن الاستعجال الذي يحتم ضرورة الفصل في الدعوى بصورة سريعة وفاصلة دون التراضي والتباطؤ لأن ذلك يؤثر على الحقوق ويضيعها.
ومن هذا المنطلق انقسمت آراء الفقهاء في هذا المجال إلى قسمين:
فمعظم الفقهاء يجمعون على عدم جواز الحكم بوقف الدعوى المستعجلة لمدة معينة وذلك تطبيقاً لحكم المادة 2/99 مرافعات وذلك بنظرهم لأن الوقف الجزائي هو إجراء لا يجوز إلا في الدعاوى العادية ولا مجال للأخذ به في الدعاوى المستعجلة وذلك نظراً لطبيعة هذه الدعاوى بالإضافة على أن وقف الدعوى المستعجلة يزيل عنها وجه الاستعجال المبرر لاختصاص القضاء المستعجل.
ولم يقتصر أصحاب هذا الرأي على ذلك فقط وإنما رتبوا على ذلك أنه إذا وجد القاضي المستعجل أن طلب المدعي لتأجيل سببه إهماله في إعداد المستندات أو تهيئة دفاعه قبل أن يقوم برفع الدعوى فإنه من حق القاضي أن يحكم عليه بالغرامة الواردة في المادة 99 مرافعات.
أما الفريق الآخر من الفقهاء فإنه يرى أنه يجوز للقاضي المستعجل وقف الدعوى جزاء وذلك لأن آراء الفقهاء السابقين ليس لها سند قانوني وتعليلهم لذلك هو أن نص المادة 99 مرافعات جاء لمّاحاً وحكمه يسري على القضاء المستعجل والقضاء العادي . وحتى القول بان حالة الاستعجال تزول بمرور الوقت أيضاً هو قول غير صحيح والسبب هو أن مرور الوقت قبل رفع الدعوى أو قبل الفصل فيها لا يؤثر على ركن الاستعجال الذي يظل قائماً بقيام الخطر الذي يظل موجوداً حتى الفصل في الدعوى بل قد يزيد نتيجة التأخر في الفصل في الدعوى . 1
وهناك أمر آخر ضروري يجب أخذه في عين الاعتبار وهو أن الخصومة لا تنعقد إلا بالإعلان سواء أمام القضاء المستعجل أو قضاء الموضوع ولذلك فلا يجوز للقاضي المستعجل أن يقضي بعدم الاختصاص لزوال صفة الاستعجال.
والجدير بالذكر انه إذا أوقفت المحكمة الدعوى جزئياً فلا يجوز للمدعي تعجيلها قبل انقضاء مدة الوقف فإذا خالف ذلك كان على المحكمة أن تعيدها للوقوف حتى تنقضي مدة الوقوف وليس لتعجيل الدعوى من المدعي بعد إيقافها جزاء موعد محدد ولا يسري عليها الجزاء المنصوص عليه في المادة 128مرافعات.
ثالثاً: حق القاضي المستعجل في الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 99مرافعات أنه إذا مضت مدة الوقت ولم يقوم المدعي بتنفيذ ما أمرت به المحكمة فإنه يجوز الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن ولكن بشرط أن يبدي المدعى عليه هذا الدفع وأن يتحقق قاضي الأمور المستعجلة من أن المدعي نكل عن تنفيذ ما كلفته به المحكمة يجوز الطعن بالاستئناف عن الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن لأنه حكم للخصومة .
رابعاً: إعلان صحيفة الدعوى :-
نصت المادة 1/68 قانون المرافعات على أنه ” على قلم المحضرين أن يقوم بإعلان صحيفة الدعوى خلال ثلاثين يوماً على الأكثر من تاريخ تسليمها إليه إلا إذا كان قد حدد لنظر الدعوى جلسة تقع في أثناء هذا الميعاد فعندئذ يجب أن يتم إعلان قبل الجلسة وذلك كله مع مراعاة ميعاد الحضور”.
ويجب التنويه إلى أن عدم مراعاة الميعاد المقرر للإعلان في هذه المادة لا يترتب عليه البطلان بالاستناد إلى نص المادة 69 مرافعات.
ونص المادة 70 مرافعات على أنه ” يجوز بناء على طلب المدعى عليه اعتبار الدعوى كأن لم تكن إذا لم يتم تكليف المدعى عليه بالحضور في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب وكان ذلك راجعاً إلى فعل المدعي “1
ونص المادة هذا يسري على الدعوى المستعجلة أمام محكمة الأمور المستعجلة وأمام المحكمة المختصة بنظر الاستئناف ولكن هناك ثلاث شروط يجب توافرها لتطبيق هذا الجزاء : الأول أن يتمسك به المدعى عليه الذي أمكن به الميعاد. والثاني أن لا يكون قد سقط حقه فيه بالتكلم في الموضوع لأنه دفع شكلي. والثالث أن يكون عدم الإعلان راجع إلى فعل المدعي لأنه إذا كان راجع إلى إهمال المحضر أو إلى تضليل المدعى عليه فلا يقبل الدفع.
خامساً: أثر إقامة الدعوى المستعجلة في قطع التقادم.
– بالنسبة للحقوق المدنية والتجارية:-
من الواضح في الفقه والقضاء أن رفع الدعوى أمام القاضي المستعجل الذي يتبع جهة القضاء العادي بطلب وقتي لا يؤدي إلى قطع التقادم وذلك لأن الطلبات في الدعوى المستعجلة لا تنصب على المطالبة بالحق موضوع النزاع فمن المعروف أن ولاية القضاء المستعجل مصورة على المسائل الوقتية أو التحفظية وبالتالي فإنها لا تحوز الشيء المقضي.
ولكن إذا كان القضاء المستعجل لا ينظر في الطلبات الموضوعية إلا أنه إذا تم رفع دعوى موضوعية أمامه وقضى بعدم اختصاصه فيها فإن ذلك يقطع التقادم وذلك لأنها دعوى موضوعية أقيمت أمام محكمة غير مختصة وذلك وفقاً لنص المادة 383 من القانون المدني ويبقى التقادم متقطعاً طالما الدعوى مقامة ثم يعود إلى السريان من يوم صدور الحكم النهائي لتقديم الاختصاص.
– بالنسبة للقانون الإداري:
على العكس من الحال في القانون الخاص فإن المستقر فقهاً وقضاءً أن إبداء الطلب المستعجل أمام القضاء الإداري يكون قاطعاً للتقادم.

المطلب الثاني
الصعوبات المتعلقة بالحكم في الدعوى
أولاً: بسبب الأحكام المستعجلة :
هناك اتجاهين في الفقه في هذا المجال الأول وهو الأقرب للصواب ويرى أن الحكم الوقتي يعد عملاً قضائياً لأن القاضي عندما يصدره فإنه إما يقبل أو يرفض ادعاء قانوني حيث يوجد تنازع بين المصالح ولذلك فعناصر العمل القضائي إذاً متوفر في الأحكام الوقائية.
ومع ذلك فهناك حالات تقتضي فيها الأحكام الوقتية من الالتزام بالتسبيب ويرجع السبب في ذلك إلى أن القاضي يمارس سلطة ذات طابع تقريري محض فيها .
وبناء على ذلك فأنه لا يسبب الحكم الصادر برفض الأمر بالنفاذ المعجل رغم توافر حالة من حالاته فالمحكمة غير ملزمة بأن تذكر في حكمها أسباب رفض شمول الحكم بالنفاذ المعجل 1 .
وكذلك لا يسبب الحكم الصادر بوقف التنفيذ من محكمة النقض والسبب كما تم ذكره سابقاً هو أن المحكمة تتمتع بسلطة تقديرية إطلاقية بالنسبة لهذه الأحكام .
ولا يسبب أيضاً الحكم الوقتي الصادر بتقدير مقدار النفقة الوقتية وذلك فقط إذا كان وجود الالتزام الأصلي أكيد.
وهناك حالة أخرى لا يسبب فيها الحكم الوقتي الصادر في مسألة الغرامة التهديدية سواء كان الحكم صادراً بتقرير الغرامة أو بتعديلها أو بإلغائها 2.
وكذلك الأمر بالنسبة لنظرة الميسرة التي تمنح للمدين.
وبالاختصار فإنه يجب تثبيت الأحكام الوقتية التي تصدر بناء على سلطة تقديرية مقيدة أما الأحكام التي تتمتع المحكمة فيها بسلطة تقديرية محضة فلا داعي لتثبيتها.
ثانياً: حجية الأحكام الصادرة من القضاء المستعجل.
إن الأحكام الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة هي أحكام وقتية أي أنها لا تحوز قوة الشيء المقضي فيه ولذلك فإن محكمة الموضوع لا تلتزم بالأخذ بالأسباب التي استند اليها القاضي المستعجل في الحكم بالاجراء الوقتي.
ولكن هذا لا يؤدي على جواز إثارة النزاع الذي فصل فيه القاضي المستعجل من جديد متى كان مركز الخصوم لم يطرأ عليه تغيير.
وتوضيحاً لذلك فإنه جاء في (الطعن رقم 14سنة 39ق. أحوال شخصية جلسة 1973/3/14س24ص415):-
” الحكم المستعجل الصادر بغرض الحراسة على أطيان المورث لا يعتبر حجة على أن هذه الأطيان هي كل ما كان يملكه عند الوفاة لأن هذا الحكم لا يمس أصل الحق ولا يعتبر فاصلاً فيه ” 3.

المبحث الثاني
الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن وتنفيذ الأحكام.
المطلب الأول
الصعوبات المتعلقة بطرق الطعن.
بصورة عامة أجازت المادة 220 مرافعات استئناف الأحكام الصادرة في المسائل المستعجلة أياً كانت قيمة النزاع وأياً كانت المحكمة التي أصدرتها وعلى هذا إذا رفعت دعوى مستعجلة بطريق التبعية لدى الموضوع أمام المحكمة الابتدائية أو المحكمة الجزائية فيجوز استئناف الحكم الصادر في الطلب المستعجل حتى ولو كان الحكم الذي ستصدره المحكمة في الموضوع بعد ذلك غير قابل للاستئناف لدخوله في نصابها النهائي.
وقبل أن أبحث في إمكانية الطعن في القضايا المستعجلة وكيفيته فلا بد من الإشارة في البداية إلى ميعاد استئناف الأحكام المستعجلة .
ميعاد استئناف الأحكام المستعجلة:-
إن ميعاد استئناف الأحكام المستعجلة هي خمسة عشر يوماً تبدأ من تاريخ النطق بالحكم (م 2/2271 213مرافعات) وأيا كانت المحكمة التي أصدرت الحكم أي سواء كان الحكم المستعجل صادراً من قاضي الأمور المستعجلة أو من قاضي التنفيذ لصفته قاضياً للأمور المستعجلة أم من محكمة الموضوع إذا كان قد رفع إليها الطلب المستعجل بالتبع إلى دعوى الحق 1.
أولاً: الأحكام المستعجلة الصادرة من محكمة الموضوع .
الأحكام المستعجلة الصادرة من محكمة الموضوع غالباً ما يقدر قبل صدور الحكم في الموضوع مثل الحالة التي ترفع فيها الدعوى المستعجلة بالتبع للدعوى الموضوعية بوضع العين محل النزاع تحت الحراسة القضائية فعندئذ يكون الحكم الصادر في الشق المستعجل قبل صدور الحكم في اصل النزاع قابلاً للاستئناف استقلالا دون انتظار الفصل في الموضوع.
ومن هذا الحكم يتبين أن المشرع أخرج حالة القضايا المستعجلة من حكم المادة 212 مرافعات والتي تنص على عدم جواز الطعن على استقلال في الأحكام الصادرة أثناء سير الخصوم قبل الحكم المنهي لها وفي هذا يؤكد أن الأحكام الصادرة في الدعاوى المستعجلة لها كيانها الخاص الذي تستقل به مما لا يصح تعليق الطعن فيها على الحكم الموضوعي وعلى ذلك يكون ميعاد استئناف الحكم المستعجل خمسة عشر يوماً من تاريخ النطق به ، فإذا فوت الخصم على نفسه هذا الميعاد فقد أصبح الحكم المستعجل نهائياً فإذا صدر حكم الموضوع بعد ذلك وكان قابلاً للاستئناف فإن استئنافه لا يستتبع استئناف الحكم المستعجل.
ثانياً: الأحكام الصادرة من قاضي الأمور المستعجلة:-
أما هذه الأحكام وتعتبر صادرة في دعوى مستعجلة نهائية قد رفعت استقلالا عن دعوى الموضوع ولذلك فإنها لا تخلّف جدل حول ميعاد الاستئناف مثل الحالة التي سبقتها .
وهذا الحكم يترتب عليه أن الخصم إذا لم يستأنف هذا الحكم في ميعاده الخمسة عشر يوماً من تاريخ النطق بالحكم سقط حقه في الاستئناف يشترط في هذه الحالة أن يكون الحكم صادراً في منازعة مستعجلة حقيقية لأنها إن لم تكن كذلك فيكون ميعاد استئناف الحكم الصادر فيها طبقاً للقواعد العامة.
وفي هذا تقول محكمة النقض بأنه إذا اتضح أن الدعوى المطروحة هي دعوى منع تعرض وحكم فيها القاضي على هذا الاعتبار ثم جاء في أسباب الحكم بوصفها بأنها دعوى مستعجلة وصدر وصف غريب عن حقيقة موضوع الدعوى ولم يكن له عمل ولا تأثير في منطوق الحكم فلا يدخل هذا الحكم في عداد الأحكام المستعجلة التي يكون ميعاد استئنافها هو الميعاد القصير بل ميعاد استئنافه هو الميعاد العادي .1
ثالثاً: الأحكام الصادرة من قاضي التنفيذ في منازعات التنفيذ الوقتية :-
وأخيرا الحكم بشأن هذا النوع من الأحكام فهي في الأصل أحكام يصدرها قاضي التنفيذ بصفته قاضياً للأمور المستعجلة مثل اشكالات التنفيذ الوقتية ودعاوى التنفيذ المستعجلة الأخرى فيجوز استئنافها أياً كانت قيمة النزاع ويرفع عنها الاستئناف أمام المحكمة الابتدائية منحصرة بهيئة استئنافية وتطبق عليها القواعد والضوابط التي تطبق على الدعاوى المستعجلة من حيث إجراءات رفعها وكيفية الطعن فيه وبالتالي يكون ميعاد استئنافها خمسة عشر يوماً من تاريخ النطق بالحكم.
وينبغي بعدما بحثنا أنواع الأحكام المستعجلة وطريقة الطعن بكل نوع أن يتم الإشارة إلى بعض الأحكام التي تتعلق بموضوع الاستئناف والتي لا بد من التنويه لها وهي:-
طريقة إقامة الاستئناف:-
يكون رفع استئناف الحكم المستعجل بالأوضاع العادية المقررة لرفع ا لدعوى بمعنى أن الاستئناف يعتبر مرفوعاً بتقديم صحيفة إلى قلم الكتاب بعد أداء الرسم كاملاً . وعلى المستأنف أن يقدم لقلم الكتاب صوراً من صحيفة الاستئناف بقدر عدد المستأنف عليهم ، وصورة لقلم الكتاب وعليه أن يرفق لصحيفة الاستئناف جميع المستندات المؤيدة لاستئنافه ومذكرة شارحة ويقوم قلم الكتاب بقيد الاستئناف في اليوم ذاته في السجل الخاص بذلك ، بعد أن يثبت في حضور المستأنف أو من يمثله تاريخ الجلسة المحددة لنظره في أصل الصحيفة وصورها وعلى قلم الكتاب في اليوم التالي على الأكثر أن يسلم أصل الصحيفة وصورها إلى قلم المحضرين لإعلانها ورد الأصل إليه .(م67و230مرافعات).

ضم ملف الاستئناف:-
يجب أن يطلب قلم كتاب المحكمة المرفوع إليها الاستئناف ضم ملفات الدعوى الابتدائية في اليوم التالي الذي يتم فيه رفع الاستئناف فيه وعلى قلم كتاب المحكمة التي أصدرت الحكم المستعجل أن يرسل ملف الدعوى خلال ثلاثة أيام وتحكم المحكمة الاستئنافية على من يهمل في طلب ضم الملف أو في إرساله في الميعاد بغرامة لا تقل عن جنيه ولا تتجاوز عشرة جنيهات بحكم غير قابل للطعن (م231مرافعات) ويعتبر الاستئناف كأن لم يكن إذا لم يتم تكليف المستأنف عليه بالحضور خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الصحيفة على قلم الكتاب (م70مرافعات) ولا بد من الإشارة إلى أن صحيفة الاستئناف يجب ان تشتمل على البيانات الواجب توافرها في صحف الدعوى وهي المنصوص عليها في المادة 36 مرافعات وبالاضافة إلى هذه البيانات أوجبت المادة 230 مرافعات أن تشمل صحيفة الاستئناف على بيان الحكم المستأنف وتاريخه وأسباب الاستئناف والطلبات وإلا كانت باطلة.
ويجب أن تكون صحيفة الاستئناف موقعاً عليها من أحد المحامين المقررين للمرافعة أمام المحكمة المرفوع إليها الاستئناف م 37 ض قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983
ولكن يجوز للخصوم أن يحضروا بأنفسهم أمام محكمة الاستئناف من غير محام معهم. ويراعى في إعلان صحيفة الاستئناف القواعد المرسومة لتسليم الإعلانات والأصل أن يعلن الاستئناف لشخص الخصم أو لموطنه ولكن يجوز إعلانه في الموطن المختار إذا كان المستأنف ضده قد اتخذ في ورقة إعلان الحكم المستأنف محلاً مختاراً له .
ويتم رفع الاستئناف إلى المحكمة الاستئنافية المختصة بحسب قواعد الاختصاص النوعي والمحلي وإذا رفع الاستئناف أمام محكمة غير مختصة نوعياً أو محلياً وجب على المحكمة المرفوع إليها الاستئناف أن تحكم بعدم الاختصاص مع إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة نوعياً ومحلياً بنظر الاستئناف (م110 مرافعات).
*آثار رفع الاستئناف:-
يترتب على رفع الاستئناف إعادة طرح النزاع من جديد أمام محكمة الاستئناف في حدود اختصاص القاضي المستعجل فيكون على محكمة الدرجة الثانية أن تبحث من جديد توافر شرطي الاستعجال وعدم المساس بأصل الحق فإذا اختل هذان الشرطان او أحدهما عند نظر الاستئناف وجب على المحكمة الاستئنافية أن تقضي بعدم الاختصاص.
ولا يكفي مجرد توافر الاستعجال عند نظر الدعوى أمام المحكمة الابتدائية بل يجب أن يتوافر أيضاً عند نظر الدعوى أمام محكمة الدرجة الثانية فإذا كان قد زال وجه الاستعجال عند نظر الاستئناف تعين على المحكمة الاستئنافية أن تقضي بعدم الاختصاص.
*التدخل في استئناف الدعوى المستعجلة:-

يجوز التدخل في الاستئناف لمن يطلب الانضمام إلى أحد الخصوم ولو لم يكن خصماً في الدعوى الصادر فيها الحكم المستأنف متى كانت له مصلحة في الدفاع عن حقوقه لأن هذا التدخل لا يعدوا أن يكون تحفظياً.
والثابت من الناحية القانونية أنه لا يجوز لمحكمة الاستئناف أن تتصدى لموضوع الدعوى إذا لم تكن محكمة أول درجة فصلت فيه إلا أنه إذا كان القاضي المستعجل قد قضى في منطوق حكمه بعدم الاختصاص واقام قضاءه في ذلك على أسباب تناولت موضوع الطلبات بالدعوى المستعجلة من شأنها أن تؤدي إلى رفضها وكانت هذه الأسباب بالذات هي موضوع الاستئناف فإن استئناف الحكم في هذه الحالة يكون قد نقل إلى محكمة ثاني درجة موضوع1 .
*حق المحكمة الاستئنافية في وقف تنفيذ الحكم المستأنف:-
تجيز المادة 292 مرافعات للمحكمة الاستئنافية متى رأت أن أسباب الطعن في الحكم يرجح معها إلغاؤه أن تأمر بوقف النفاذ المعجل إذا كان يخشى منه وقوع ضرر جسيم وهذا النص يقرر حكماً عاماً يسري على جميع الأحكام المستأنفة أياً كانت المحكمة التي أصدرتها سواء في ذلك محكمة الموضوع أو محكمة الأمور المستعجلة 2.
وبناء على ذلك فإنه يجوز للمحكمة الاستئنافية في جميع الأحوال أن تأمر بناءً على طلب ذي الشأن بوقف النفاذ المعجل إذا كان يخشى ضرر جسم من التنفيذ وكانت أسباب الطعن في الحكم يرجح معها إلغاؤه.
وأيضاً من حق المحكمة عندما تأمر بوقف التنفيذ أن توجب تقديم كفالة أو تأمر بما تراه كفيلاً بصيانة حق المحكوم له .
*استئناف وصف النفاذ في الدعاوى المستعجلة:-
بالرجوع إلى نص المادة 288 فإن النفاذ المعجل بغير كفالة واجب بقوة القانون للأحكام الصادرة في المواد المستعجلة أياً كانت المحكمة التي أصدرتها وذلك ما لم ينص في الحكم على تقديم كفالة وقد نص المشرع في المادة 291 من قانون المرافعات على أنه ( يجوز التظلم أمام المحكمة الاستئنافية من وصف الحكم وذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى ويكون ميعاد الحضور ثلاثة أيام).
* وأخيراً سوف أوضح كيفية الطعن في الأحكام المستعجلة التي تقبل الطعن:-
أولاً: الطعن بالتماس إعادة النظر في الأحكام المستعجلة :
لقد اختلف الفقهاء في هذا الصدد فذهب الرأي الراجح إلى عدم جوازه وحجتهم في ذلك أن هذه الأحكام مؤقتة تصدر في مسائل تحفظية ويجوز للمتضرر منها أن يطلب تعديلها أو إلغائها من نفس القاضي المستعجل عند حصول تغيير في وقائع الدعوى المادية أو في مركز أحد الطرفين القانوني أو كليهما.
أو أن يلتجئ إلى قاضي الموضوع للفصل في أصل الحق وأن الطعن بطريق التماس إعادة النظر لا يجوز إلا عند عدم وجود طرق أخرى للطعن في الأحكام الأمر المنطبق فقط على الأحكام المدنية والتجارية الفاصلة في موضوع الحق وقد جرى العمل على ذلك في بعض المحاكم المستعجلة.3
أما الأمر الآخر فذهب إلى جواز الطعن بالتماس إعادة النظر في الأحكام المستعجلة أسوة بالأحكام العادية استناداً إلى نص المادة 241 مرافعات وأن الأحكام المستعجلة وإن كانت وقتية إلا أنها تفصل في نزاع بصفة مؤقتة وبالإجراءات التي نص عليها القانون وله أسبابه وقد استقر الرأي الثابت على أن نصوص قانون المرافعات تسري على الأحكام الموضوعية والمستعجلة على حد سواء ما لم يرد استثناء صريح ولما كانت نصوص التماس اعادة النظر لم تستثني من أحكامها الأحكام المستعجلة فإن قواعد التماس إعادة النظر تسري عليها هذا فضلاً عن أن هناك أحكاماً في حالات معينة لا يمكن إصلاح الخطأ فيها إلا بطريق التماس إعادة النظر أو النقض.
وما ذهب إليه الرأي الأول من ان الطعن بطريق التماس إعادة النظر لا يجوز إلا عند عدم وجود طرق أخرى للطعن في الأحكام وأن ذلك قاصراً على الأحكام الصادرة في الموضوع فلا سند له في القانون ذلك أنه من المقرر أن الطعن بالتماس إعادة النظر لا يرد إلا على الأحكام النهائية سواء كانت مستعجلة أم موضوعية 1.
ثانياً:- الطعن بالنقض على الأحكام المستعجلة:
يجوز للخصم أن يطعن أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله أو إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم (مادة 348 مرافعات) كما يجوز له الطعن بالنقض في أي حكم نهائي – أياً كانت المحكمة التي أصدرته – فصل في نزاع خلافاً لحكم آخر سبق أن صدر بين الخصوم أنفسهم وحاز قوة الأمر المقضي (مادة 349مرافعات).
ويتضح من هذين النصين أن الأحكام المستعجلة التي يجوز فيها الطعن بطريق النقض هي الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف كما لو رفع الطلب المستعجل أمام المحكمة الابتدائية بطريق التبع لدعوى الموضوع ثم استؤنف الحكم الصادر في هذا الطلب أمام محكمة الاستئناف فإن الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في المادة المستعجلة يجوز الطعن فيه بالنقض إذا توافرت حالة من الحالات المنصوص عليها في ( المادة 348 مرافعات).
أما الأحكام المستعجلة التي تصدرها المحاكم الابتدائية بهيئة استثنائية فلا تقبل الطعن فيها من الخصوم بطريق النقض ما لم تتوافر الحالة المنصوص عليها في (المادة 349 مرافعات) .
أما الأحكام المستعجلة التي تصدرها المحاكم الابتدائية بهيئة استثنائية فلا تقبل الطعن فيها من الخصوم بطريق النقض ما لم تتوافر الحالة المنصوص عليها في (المادة 349مرافعات) وذلك بشرط ألا تكون قد تغيرت الظروف بعد صدور الحكم الأول أما إذا كانت الظروف قد تغيرت وأدى هذا التغيير إلى صدور الحكم الثاني مخالفاً للحكم الأول فإن ذلك لا يبيح الطعن بالنقض لأن تغير الظروف أو المراكز القانونية للخصوم يبيح للقضاء المستعجل أن يعدل عن حكمه السابق 2.

المطلب الثاني
الصعوبات المتعلقة بتنفيذ الأحكام
أولاً:- زوال القوة التنفيذية للحكم المستعجل القاضي بطرد المستأجر بسبب التأخر في سداد الأجرة إذا سدد المستأجر الأجرة والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم.
لقد نصت المادة 18/ب من القانون رقم 136 لسنة 1981 على ” أن لا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطر المستأجر من العين المؤجرة بسبب التأخير في سداد الأجرة اكمالاً للشرط القاطع الصريح إذا ما سدد المستأجر والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر ” 1.
والجدير بالذكر أن اتمام التنفيذ في مواجهة المستأجر يقتضي أن يكون إعلان الصورة التنفيذية لحكم الطرد مع شخصه فلا يكفي إعلانها في مواجهة وكيل المستأجر أو من يعمل في خدمته أو الساكنين معه من الأقارب والأزواج والأصهار مثلما بينت المادة 10 ق. مرافعات.
ولكن لا يشترط لاعتبار أن التنفيذ قد تم في مواجهة المستأجر أن يقوم الأخير بالتوقيع على أصل الإعلان واستلام الصورة فقد يمتنع عن ذلك رغم أن المحضر قد خاطبه شخصياً وفي هذه الحالة يكفي أن يثبت المحضر امتناعه وأن يسلم الصورة في نفس اليوم إلى جهة الإدارة وأن يوجه إليه خلال أربع وعشرين ساعة في موطنه الأصلي خطاباً مسجلاً يخطره فيه أنه سلّم الصورة لجهة الإدارة وفقاً لنص المادة 11 مرافعات أما إذا لم يسلم المحضر الصورة لجهة الإدارة في نفس اليوم أو لم يخطره بكتاب مسجل كان جزاء ذلك البطلان وهو بطلان مقرر لمصلحة المستأجر فقط فلا يجوز لغيره التمسك به
والملاحظ أن هذا المبدأ الذي قررته المادة 18/ب هو استثناء من القواعد العامة المقررة في المادة 1/281 مرافعات بشأن إعلان السند التنفيذي والحكمة التي ابتغاها الشرع بهذا النص حماية المستأجرين من تحايل الملاك على طردهم باستصدار أحكام بإجراءات باطلة وتنفيذها في غيبتهم ودون علم منهم.
ولكن من شروط تطبيق هذا النص أن يكون الحكم صادراً من قاضي الأمور المستعجلة وأن يكون قضاؤه بطرد المستأجر من العين المؤجرة بسبب تأخيره في سداد الأجرة إكمالاً للشرط الصريح الفاسخ المنصوص عليه في العقد.
ثانياً : تغير مركز الخصوم عقب صدور الحكم المستعجل وأثره على وقف تنفيذ الحكم سوف أتعرض لهذا الإشكال من خلال واقعة عملية تثبت ذلك :
من أحكام محكمة التنفيذ في هذا الشأن:
إشكال في تنفيذ حكم مستعجل بالطرد للتأخير في سداد الأجرة المستحقة …
استلام المؤجر للأجرة عن شهور لاحقة للحكم بالطرد تغير به مركز الخصوم 1

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

ورقة بحثية حول طبيعة بيع العقار في القانون الوضعي

طبيعة بيع العقار في القانون الوضعي

إن الطبيعة القانونية لبيع العقار يتنازعها اتجاهين، اتجاه يقضي برضائية بيع العقار، واتجاه آخر ينادي بشكلية بيع العقار. وندرس هذين الاتجاهين في فرعين مستقلين.

الفرع الأول: الاتجاه القائل برضائية بيع العقار

يمثل هذا الاتجاه القانون المدني المصري، وقانون الموجبات والعقود اللبناني. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح من خلال النصوص الواردة في هذه القوانين.

ففي القانون المدني المصري، تنص المادة ( 204 ) على أن “الإلتزام بنقل الملكية أو أي حق عيني آخر ينقل من تلقاء نفسه هذا الحق، إذا كان محل الإلتزام شيئا معينا بالذات يملكه الملتزم وذلك دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالتسجيل” وتنص المادة ( 932 ) على أنه “تنتقل الملكية وغيرها من الحقوق العينية في المنقول والعقار بالعقد، متى ورد على محل مملوك للمتصرف طبقا للمادة ( 204 ) وذلك مع مراعاة النصوص الآتية”. أما المادة ( 937 ) من نفس القانون فهي تنص على أنه ” 1- في المواد العقارية لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية الأخرى سواء كان ذلك فيما بين المتعاقدين أم كان في حق الغير، إلا إذا روعيت الأحكام المبينة في قانون تنظيم الشهر العقاري. 2- ويبين قانون الشهر المتقدم الذكر التصرفات والأحكام والسندات التي يجب شهرها سواء كانت ناقلة للملكية أم غير ناقلة، ويقرر الأحكام المتعلقة بهذا الشهر”.

نجد أن المادة 1 وبالرجوع إلى قانون الشهر العقاري المصري رقم ( 114 ) لسنة 1946 التاسعة منه تنص على أن “جميع التصرفات التي من شأنها إنشاء حق من الحقوق العينية العقارية الأصلية أو نقله أو تغييره أو زواله وكذلك الأحكام النهائية المثبتة بشيء من ذلك يجب شهرها بطريق التسجيل ويدخل في هذه التصرفات الوقف والوصية. ويترتب على عدم التسجيل أن الحقوق المشار إليها لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة إلى غيرهم.

ولا يكون للتصرفات غير المسجلة من الأثر سوى الإلتزام ات الشخصية بين ذوي الشأن”.

من خلال هذه النصوص نستطيع الحكم على بيع العقار بأنه عقد رضائي يترتب عليه جميع آثاره عدا نقل الملكية، وبالتالي فإن بيع العقار غير المسجل في دائرة الشهر العقاري هو الآخر عقدا رضائيا تترتب عليه جميع آثاره، عدا الملكية التي لا تنتقل إلا بالتسجيل في الدائرة المختصة.

وفي هذا الشأن يرى الدكتور سليمان مرقس في عقد البيع عقدا رضائيا وليس شكليا، إذ أن إجراء التسجيل هو شرط لإمكان تنفيذ أحد آثار عقد البيع هو نقل الملكية إلى المشتري، وليس شرطا لانعقاد البيع. ويستند في قوله هذا إلى نص الفقرة الثالثة من المادة الأولى من قانون التسجيل لسنة 1923 التي نصت على أنه “يترتب على عدم التسجيل أن الحقوق المشار إليها وهي الحقوق العينية الأصلية العقارية، لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول إلا بالتسجيل لا بين ذوي الشأن ولا بالنسبة إلى غيرهم” والمقصود بذلك أن أثر البيع – نقل ملكية العقار المبيع – يتوقف على تسجيل عقد البيع، وأي التزامات أو آثار أخرى ينشئها عقد البيع في ذمة العاقدين لا تتوقف على تسجيل العقد.

لو تفحصنا نصوص القانون المدني المصري وقانون الشهر العقاري، لن نجد نصا واحدا يقضي ببطلان بيع العقار غير المسجل، إذ لا يوجد نص يفيد بأن تسجيل العق د يعتبر شرطا لانعقاد البيع، حتى يمكننا القول بأن جزاء تخلف هذا الشرط هو البطلان.

فضلا عن أن القانون لم يتضمن ما يفيد أن العقد غير المسجل ينشئ التزامات أو آثار أخرى غير الإلتزامات أو الآثار التي تترتب على عقد البيع، حتى يفهم من ذلك أن البيع غير المسجل يقع باطلا، وكل ما في الأمر يترتب على البيع غير المسجل التزامات شخصية تختلف عن الإلتزامات التي تترتب على عقد البيع في العادة.

وقد أكد القضاء المصري في أكثر من حكم قضائي على رضائية عقد بيع العقار، حيث جاء في قرار لمحكمة النقض المصرية “إن قانون تنظيم الشهر العقاري يتطلب لإ مكان نقل الملكية وجوب تسجيل عقد البيع، وأن ذلك لا يضفي على هذا العقد شكلا رسميا معينا، لأن القانون لم يغير شيئا من طبيعة ذلك العقد من حيث كونه من عقود التراضي التي تتم وتنتج آثارها القانونية بمجرد توافق الطرفين، وإنما عدل فقط من آثاره بالنسبة للمتعاقدين وغيرهم، فجعل نقل الملكية وحده غير مترتب على مجرد العقد، بل متراخيا إلى ما بعد حصول التسجيل، أما آثار البيع الأخرى فإنها تترتب على مجرد العقد ذاته ولو لم يسجل.

إذا نخلص في النهاية إلى اعتبار بيع العقار في ظل القانون المدني المصري عقدا رضائيا، وتطلب الشهر في مثل هذا البيع لا يجعل منه عقدا شكليا. كل ما في الأمر أن انتقال الملكية يتراخى إلى أن يتم التسجيل. والى نفس الموقف ذهب قانون الموجبات والعقود اللبناني.

الفرع الثاني: الاتجاه القائل بشكلية بيع العقار

يمثل هذا الاتجاه القانونين المدنيين العراقي والأردني والقوانين السارية المفعول في فلسطين. ويظهر هذا جليا في نصوص هذه القوانين، حيث تنص المادة ( 208 ) من القانون المدني العراقي على أن “بيع العقار لا ينعقد إلا إذا سجل في الدائرة المختصة واستوفى الشكل 2) من القانون ذاته على “والعقد الناقل لملكية / الذي نص عليه القانون” وتنص المادة ( 1126 2) من قانون / عقار لا ينعقد إلا إذا روعيت فيه الطريق المقررة قانونا” كما وتنص المادة ( 3 التسجيل العراقي رقم ( 43 ) لسنة 1971 على أنه “لا ينعقد التصرف العقاري إلا بالتسجيل في دائرة التسجيل العقاري”.

من جملة هذه النصوص يتضح لنا موقف المشرع العراقي من مسألة بيع العقار، حيث يجعل من هذا البيع عقد شكلي، لا ينعقد إلا باستيفاء الشكل الذي تطلبه له القانون وهو تسجيل البيع في دائرة التسجيل.

تأسيسا على ذلك نستطيع القول بأن تخلف التسجيل في البيوع العقارية يترتب عليه بطلان العقد واعتباره كأن لم يكن. ذلك أن المشرع العراقي جعل من تخلف الشكل سبب من أسباب البطلان. حيث تنص المادة ( 137 ) من القانون المدني العراقي على “ويكون باطلا أيضا إذا اختلت بعض أوصافه، كأن يكون المعقود عليه مجهولا جهالة فاحشة، أو يكون العقد غير مستوف للشكل الذي فرضه القانون”.

وهذا هو نفس ما اتجه إليه المشرع الأردني، حيث جعل التسجيل ركنا من أركان انعقاد البيع من قانون تسوية الأراضي والمياه رقم ( 40 ) لسنة 1952 / العقاري. حيث نصت المادة 16 3 على أنه ” في الأماكن التي تمت التسوية فيها لا يعتبر البيع، والمبادلة، والإفراز، والمقاسمة في الأرض، أو الماء صحيحا إلا إذا كانت المعاملة قد جرت في دائرة التسجيل”كما نصت المادة الثانية من قانون التصرف في الأموال غير المنقولة رقم ( 49 ) لسنة 1953 على أنه ” ينحصر إجراء جميع معاملات التصرف… وإعطاء سندات تسجيل بها في دائرة تسجيل الأراضي” كما نصت المادة الثالثة من نظام تسجيل الأراضي رقم ( 1) لسنة 1953 على أن ” (أ) تجرى معاملة بيع الحقوق والمنافع في الأراضي في دائرة تسجيل الأراضي بموجب عقد بيع لكل مشتري، وعندما يتم البيع تشطب أسماء البائعين من صحيفة سجل الأموال غير المنقولة، ويدون فيه اسم المشتري مع رقم وتاريخ عقد البيع”.

وقد أكد القضاء الأردني في أكثر من قرار على موقف قوانينه الخاصة، والتي جعلت من عقد بيع العقار عقد شكليا، أي لابد لإتمامه إجراء معاملة البيع لدى دوائر التسجيل حيث قضت محكمة التمييز بأنه “لا يعتبر البيع والمبادلة والإفراز والقسمة في الأرض أو الماء في المناطق التي تمت فيها التسوية صحيحا ما لم يسجل في دوائر التسجيل” وفي قرار آخر تقول محكمة التمييز “إن عقد بيع فيلا ستقام على أرض معينة هو بيع أموال غير منقولة بموجب عقد عرفي لم يسجل في سجلات دائرة التسجيل ولا يترتب عليه أي أثر، ويترتب على كل من ( 248 ) من القانون المدني”( 3 – المتعاقدين أن يرد ما استولى عليه عملا بالمادتين 168.

هذا وقد أكد ديوان تفسير القوانين في الأردن عند تفسيره الفقرة الثالثة عشرة من المادة الثالثة من قانون رسوم تسجيل الأراضي رقم ( 26 ) لسنة 1958 على شكلية البيوع العق ارية .

يبدو أن المشرع الأردني تأثرا منه بالمشرع المصري قد جاء في عبارات لا تلائم موقفه القانوني، حيث جاء في المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني “تنص المادة 1146 ) على أن الملكية في العقار والمنقول على السواء تنتقل بالعقد وان كانت الملكية في العقار لا تنتقل إلا بالتسجيل، إلا أن ذلك لا يمنع من انتقالها بالعقد طبقا للرأي الراجح ولكن أثره يتراخى إلى وقت التسجيل… كما نصت المادة ( 1148 ) على أنه لا تنتقل الملكية ولا الحقوق العينية في المواد العقارية إلا بالتسجيل، ومتى تم التسجيل، تعتبر الملكية منتقلة من وقت العقد لا من وقت التسجيل لأن سبب نقل الملكية هو العقد، وقد ترك تنظيم أحكام التسجيل إلى القوانين الخاصة في الأردن”.

والقول هذا ينطبق في الحقيقة على موقف المشرع المصري الذي جعل من عقد بيع العقار عقدا رضائيا وعلق انتقال الملكية فيه على التسجيل، ولا ينطبق على موقف التشريع الأردني الذي استخدم عبارات تدل على البطلان المطلق لكل عقد بيع عقار غير مسجل في دائرة التسجيل. من هذه العبارات مثلا “لا يعتبر البيع… صحيحا”.

إذا مما تقدم ننتهي إلى أن بيع العقار في القانونين الأردني والعراقي هو عقد شكلي وتخلف الشكلية فيه يؤدي إلى بطلان هذا البيع.

وفي فلسطين فإن حكم بيع العقار طبقا للقوانين المعمول بها، هو عقد شكلي أيضا. حيث تنص المادة الرابعة من قانون انتقال الأراضي رقم ( 39 ) لسنة 1920 على ما يلي:

-1 لا تعتبر معاملة التصرف في الأموال غير المنقولة صحيحة إلا إذا روعيت بشأنها أحكام ” هذا القانون. 2- على كل من يرغب في إجراء معاملة تصرف بمال غير منقول أن يحصل أولا على الموافقة الخطية المطلوبة في الفقرة التالية. 3- للحصول على الموافقة المشار إليها في الفقرة يقتضي تقديم عريضة للمدير بواسطة مكتب تسجيل الأراضي في المكان الواقعة فيه الأرض تبين شروط معاملة التصرف المراد إجراؤها، ويطلب فيها موافقته على المعاملة . -4 ترفق هذه العريضة بما يثبت ملكية الناقل أو مقدم العريضة، وبخارطة للمال غير المنقول المختص من أجل غايات التسجيل إذا طلب المدير ذلك، ويبقى أن تتضمن العريضة طلبا بتسجيل عقد ينظم تنفيذا لشروط معاملة التصرف. 5- ويجوز أن تتضمن العريضة فقرة تعين العطل والضرر الذي يدفعه الفريق المتخلف عن إنهاء معاملة التصرف بعد التصديق عليها”.

واضح من النص السابق أنه يجعل من كل تصرف عقاري غير مسجل ومؤشر عليه من قبل مدير تسجيل الأراضي باطلا. وهو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف العليا بغزة في الاستئناف القاضي بأن “كل بيع خارج دائرة الطابو للأراضي المسجلة يكون باطلا.

كما وأكد قانون تسوية حقوق ملكية الأراضي رقم ( 9) لسنة 1928 على شكلية بيع العقار من جديد في المواد( 39 ،44 ، 45).

حيث نص القرار على ما يلي “بالرجوع إلى القوانين الخاصة بالأموال غير المنقولة نجد أن الشارع قد اعتبر عقود التصرف بهذه الأموال من العقود الشكلية التي لا يتم العمل القانوني فيها إلا باستيفاء ركنها الشكلي الذي عينه القانون، وهو إجراء المعاملة في دائرة التسجيل والتوقيع عليها من ذوي الشأن أمام المأمور المختص وتسجيلها في السجل الرسمي بعد دفع الرسوم القانونية”.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني مفصل حول نشوء القانون الإداري في مصر

نشوء القانون الإداري في مصر

قبل نشوء مجلس الدولة في مصر عام 1946 لم تعرف مصر القضاء الإداري , وقد كانت المحاكم المختلطة والأهلية السائدة قبل هذا التاريخ في النظام القضائي المصري تطبق بعض القوانين على المنازعات بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة , ولم يكن من بينها القانون الإداري .
وقد ذهب جانب من الفقه الإداري المصري إلى أن أساس القانون الإداري ومبادئه قد بدأت تظهر من خلال أحكام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية , بينما خالف جانب آخر منهم, وذهب إلى أن مبادئ القانون الإداري لم تنشأ حقيقة إلا من خلال أحكام مجلس الدولة بعد أن إنشاؤه عام 1946 . ( )
وكان مجلس الدولة وقت إنشاؤه يتمتع بصلاحيات محددة وبمحكمة قضاء إداري واحدة , ثم ما لبث أن توسعت اختصاصاته إذ صدر القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي وسع اختصاصاته ثم أنشأت المحاكم الإدارية بالقانون رقم 147 لسنة 1954 , وبعد ذلك في عام 1955 تم إنشاء المحكمة الإدارية العليا لتكون في قمة القسم القضائي بمجلس الدولة .
ثم صدر القانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن تنظيم مجلس الدولة, وقد مر مجلس الدولة بتطورات عدة حتى صدر القانون الحالي رقم 47 لسنة 1972 وتعديلاته .
ووفقاً لهذا القانون يعد مجلس الدولة هيئة قضائية ملحقة بوزير العدل, ويتكون من رئيس وعدد من نواب الرئيس والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين ومن مندوبين مساعدين.
هذا ولم تؤثر تبعية المجلس لوزير العدل في استقلاله في ممارسة وظيفته إذ لا تتعدى هذه التبعية منح الوزير الأشراف الإداري وضمان حسن سير العمل الوظيفي , وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون رقم 47 لسنة 1972 ” مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ” .
ولم يولد المجلس قوياً منذ نشأته فقد كان القضاء الإداري صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وكانت اختصاصات مجلس الدولة محددة على سبيل الحصر في القوانين التي سبقت القانون الحالي .
ففي ظل القانون رقم 112 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 1949 كان القضاء العادي ينفرد بنظر دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية ويختص بالاشتراك مع المجلس في نظر طلبات التعويض عن القرارات الإدارية ، ويترتب على رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية وإذا ما رفعت دعوى الإلغاء أو التعويض إلى مجلس الدولة عدم جواز رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية فإنه يمتنع رفعها أمام مجلس الدولة .
كما كانت المحاكم العادية تنفرد بنظر المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية حتى صدور القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي منح المجلس النظر في منازعات عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد بالاشتراك مع المحاكم العادية . في ظل القانونين 165 لسنة 1955 و 55 لسنة 1959 استمرت المحاكم العادية تنفرد بالنظر في دعوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية في الوقت الذي استقل به مجلس الدولة بنظر المنازعات المتعلقة بالتعويض عن القرارات الإدارية والعقود الإدارية .
وبصدور القانون 47 لسنة 1972 أصبح مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بالنظر في المنازعات الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، فقد ورد في المادة 172 من القانون رقم 47 لسنة 1972 ” مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ، ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية ، وفي الدعاوى لتأديبية ويحدد اختصاصاته الأخرى ” .
وبذلك أصبح مجلس الدولة قاضي القانون العام المختص بالفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية وساهم بإرساء مبادئ القانون الإداري , وكان له دور رائد في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من عسف الإدارة وإلغاء قراراتها المعيبة والتعويض عنها .
الفصل الثالث خصائص ومصادر القانون الإداري
نبين في هذا الجزء من الدراسة الخصائص التي يتميز بها القانون الإداري والمصادر التي يستمد منها أحكامه وذلك في مبحثين .
المبحث الأول خصائص القانون الإداري
يتميز القانون الإداري ببعض الخصائص منها أنه قانون سريع التطور ، وقانون غير مقنن , وأنه من صنع القضاء .
أولاً : قانون سريع التطور .
يستم القانون الإداري بأنه قانون يتطور بسرعة تفوق التطور الاعتيادي في القوانين الأخرى ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة المواضيع التي يعالجها ، فقواعد القانون الخاص تتميز بالثبات والاستقرار ، وقد ثمر فترة طويلة قبل أن ينالها التعديل أو التغيير ، ويعود ذلك إلى أن العلاقات التي ينظمها القانون الخاص بفروعه المختلفة ” قانون مدني ، قانون تجاري ، قانون مرافعات ” تتعلق بقواعد عامة تتطلب قدراً من الاستقرار مع ترك الحرية للأفراد من تسيير الأمور الأخرى ذات الطابع المتغير في حدود القواعد العامة المنصوص عليها على عكس القانون الإداري الذي يعالج مواضيع ذات طبيعة خاصة لتعلقها بالمصلحة العامة وحسن تسيير وإدارة المرافق العامة وجانب من أحكامه غير مستمدة من نصوص تشريعية وإنما من أحكام القضاء وخاصة القضاء الإداري الذي يتميز بأنه قضاء يبتدع الحلول للمنازعات الإدارية ولا يتقيد بأحكام القانون الخاص إنما يسعى إلى خلق ما يتلائم مع ظروف كل منازعة على حده تماشياً مع سرعة تطور العمل الإداري ومقتضيات سير المرافق العامة .
ولعل من أسباب سرعة تطور القانون الإداري أنه يتأثر بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدولة وهي عوامل متغيرة باستمرار وغير مستقرة نسبياً ، فاتساع نشاط الدولة ونزعتها التدخلية وانتشار الحروب والازمات الاقتصادية وظهور المرافق العامة الاقتصادية , وما إلى ذلك من ظواهر اقتصادية وسياسية وإدارية ، وضرورة استيعاب القانون الإداري لهذه المتغيرات ومواجهتها أدى بالضرورة إلى التطور المستمر في أحكامه .
ثانياً : قانون من صنع القضاء .
يتميز القانون الإداري أيضاً بأنه قانون قضائي نشأ عن طريق المبادئ والقواعد الإدارية التي خلقها القضاء ، وقد ساعد على ذلك عدم تقنين أغلب قواعد القانون الإداري فكان لابد للقضاء أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسسه ونظرياته .
وإذا كان التشريع ينهض في الحقيقة ببعض مواضيع القانون الإداري خاصة ما يتعلق ببعض النصوص الدستورية والتشريعية واللائحية التي تحكم جوانب مهمة من علاقات الإدارية العامة مثل قانون الخدمة المدنية ولائحة العقود الإدارية ، فأن التشريع لا زال قاصراً عن مجالات أخرى كثيرة من قبل قواعد القرار الإداري وقواعد المسؤولية الإدارية وشروط الطعن بالإلغاء , وما إلى ذلك من مجالات لازال القضاء يمثل المصدر الرسمي الرئيس لأحكامه .
وقد كشف مجلس الدولة الفرنسي عن النظريات والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري وأستلم عنه القضاء الإداري في مصر العديد من أحكامه ، حتى أصبح دور المشرع في كثير من الأحيان مقتصراً على تسجيل ما توصل إليه القضاء الإداري من أحكام . ( )
ودور القضاء الإداري في هذا المجال كان متميزاً عن دور القضاء العادي ، الذي ينحصر بتطبيق القانون على المنازعة دون أن يتعداه لخلق الحلول المناسبة التي تتفق مع طبيعة منازعات القانون الإداري ، الأمر الذي أضفى على قواعد القانون الإداري الطابع العملي الذي يتماشى مع ظروف واحتياجات المرافق العامة ومقتضيات سيرها الحسن وتطورها المستمر .
ومع ذلك يتقيد القضاء في أداء مهامه وابتداعه لمبادئ وقواعد القانون الإداري يعدم مخالفة النصوص التشريعية القائمة على أساس أن القضاء أنما يعبر عن إرادة مفترضة للمشرع , أما إذا أفصح عن إرادته تلك بنصوص تشريعية فأنه يلتزم بتطبيق تلك النصوص في أحكامه . ( )
ثالثاً : قانون غير مقنن .
يقصد بالتقنين أن يصدر المشرع مجموعة تشريعية تضم المبادئ والقواعد العامة والتفصيلية المتعلقة بفرع من فروع القانون كما هو الحال في مدونة القانون المدني أو مدونة قانون العقوبات.
ولا يخفى ما لتدوين القواعد العامة والتفصيلة لقانون ما من أهمية من حيث إضفائه الثبات والاستقرار على نصوص التشريع وسهولة الرجوع إلى أحكامه.
وقد نشأ القانون الإداري في فتره انتشرت فيها حركة التقنين في أعقاب الثورة الفرنسية وتم تدوين قواعد القانون المدني في مدونة نابليون . ( )
إلا أن القانون الإداري لم تشمله هذه الحركة رغم رسوخ مبادئه واكتمال نظرياته ويرجع عدم تقنينه إلى سرعة تطوره وتفرع وسعة مجالاته مما يجعل من الصعوبة جمع أحكامه في مدونه واحدة خاصة وان أحكامه في الغالب ذات طبيعة قضائية ، ولا يخفى ما في أحكام القضاء الإداري من مرونة تتأثر بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع .
وإذا كان عدم التقنين يعني عدم جمع إحكام القانون الإداري في مجموعة أو مدونة واحدة فإن ذلك لا ينفي وجود تقنينات جزئية لبعض موضوعات القانون الإداري ، من ذلك وجود تشريعات خاصة بالموظفين وتشريعات خاصة بنزع الملكية للمنفعة العامة وقوانين خاصة بالتنظيم الإداري أو القضاء الإداري إلى غير ذلك من مواضيع يتعذر جمعها في تقنين شامل .
المبحث الثاني مصادر القانون الإداري
تشتمل مصادر القانون الإداري على مصادر القانون بصورة عامة ، وهي عادة أربعة مصادر ” التشريع – العرف – القضاء – الفقه ” .
وإذا كان التشريع والعرف يعدان المصدران الرسميان للقوانين الأخرى ، بينما يمثل القضاء والفقه المصدران التفسيريان للقواعد القانونية ، فإن القانون الإداري يمنح القضاء دوراً هاماً , بل يعده أهم مصادر القانون الإداري على الإطلاق ، ويكون مع التشريع والعرف مصدراً رسمياً للقانون الإداري , بينما يبقى الفقه مصدراً تفسيراً له .
وفيما يلي نعرض لهذه المصادر وبشيء من التفصيل .
أولاً : التشريع :يقصد بالتشريع كمصدر للقانون الإداري مجموعة القواعد القانونية المكتوبة الصادرة من السلطة المختصة في الدولة ، وقد تكون هذه السلطة سلطة تأسيسة فيكون التشريع دستورياً، أما إذا كانت السلطة تشريعية فيكون التشريع عادياً ويطلق عليه اصطلاح القانون ، وأخيراً إذا كانت هذه السلطة تنفيذية فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته بالتشريعات الفرعية أو اللوائح ، ويتميز التشريع عن غير من المصادر الأخرى بوضوحه وتحديده وسهولة تعديله .
1. التشريع الدستوري : تعد التشريعات الدستورية المصدر الأساسي والرسمي للقانون الإداري ، وتقع التشريعات الدستورية الدستورية في قمة الهرم القانوني ، وتسمو على القواعد القانوينة الأخرى جميعاً ، فهي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقتها بالمواطنين ، وتتضمن التشريعات الدستورية بعض الموضوعات المتعلقة بالقانون الإداري ، كتنظيم الجهاز الإداري في الدولة ونشاطه وحقوق الأفراد وحرياتهم .
ويتوجب على الإدارة بوصفها جهاز السلطة التنفيذية أن تلتزم بالمبادئ التي جاء بها الدستور ولا يحق لها مخالفتها وإلا عدت أعمالها مخالفة لمبدأ المشروعية مما يعرضها للإلغاء والتعويض عما تسببه من أضرار . والقواعد الدستورية يقصد بها مجموعة القواعد المكتوبة في وثيقة أو عدة وثائق دستورية فحسب فمن الممكن أن تكون تلك القواعد غير مكتوبة في ظل دستور عرفي يتمتع بسمو القواعد الدستورية المكتوبة ذاتها . كذلك تتمتع إعلانات الحقوق ما تضمنته هذه الإعلانات في حقوق وحريات الأفراد بقوة النصوص الدستورية فلا يجوز مخالفتها .
2. التشريع العادي .يأتي التشريع العادي أو القانون بالمرتبة الثانية بعد الدستور، من حيث التدرج التشريعي باعتباره صادراً من الهيئة التشريعية المعبرة عن الإرادة العامة وهي صاحبة الاختصاص في ذلك .
والإدارة بوصفها السلطة التنفيذية تخضع لأحكام القوانين فإذا خالفت حكم القانون أو صدر عمل إداري استناداً إلى قانون غير دستوري وجب إلغاء ذلك العمل . ( )
3. التشريع الفرعي أو اللوائح: يطلق على القواعد القانوينة التي تصدرها السلطة التنفيذية التشريع الفرعي ، وتسمى في مصر اللوائح الإدارية ، وهي قواعد عامة مجردة واجبة الاحترام تلي التشريع العادي في مرتبتها في سلم التدرج القانوني , وتخضع لرقابة القضاء الإداري على أعمال الإدارة باعتبارها قرارات إدارية يجب أن تكون متفقة مع القانون .
أ / اللوائح التنفيذية : تصدر الوزارات بصفتها الهيئة لتنفيذية في الدوله اللوائح التنفيذية المتعلقة بتنفيذ القوانين الصادرة عن السلطه التشريعيه لتوضيح ما يكتنفها من غموض وتسهيل تطبيقها .
ب/ اللوائح التنظيمية :تمارس الاداره أيضاً اختصاص إصدار اللوائح التنظيمية التي تتعدى تنفيذ القوانين إلى تنظيم بعض الأمور التي يتطرق إليها القانون فتقترب وظيفتها من التشريع , ومن ذلك قيامها بما يتعلق بتنظيم الجهات الإدارية ونظام العمل بها وشؤونها الإدارية والمالية , وهو من صميم عملا الوزاره بصفتها المختصة بتنظيم الجهاز الإداري في الدولة .
ج/ اللوائح الضبطية أو البوليسية:تختص الهيئة التنفيذية بإصدار لوائح الضبط الإداري المتعلقة بالمحافظة على الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة من ذلك اللوائح الخاصة بمكافحة الضوضاء أو غلق المحال المضرة بالصحة العامة .
د/ اللوائح التفويضية. تصدر الهيئة التنفيذية هذا النوع من اللوائح بتفويض من الهيئة التشريعية التي يمثلها البرلمان في العراق في موضوعات تدخل أصلاً ضمن اختصاصه ، ومن ذلك اختصاصها بإصدار اللوائح الخاصة بإنشاء وتنظيم المؤسسات والهيئات والمصالح والشركات العامة لممارسة الاختصاصات ذات الطبيعة الاستراتيجية وتحديد أهدافها واختصاصاتها .
ﻫ/ لوائح الضرورة . تصادف الهيئة التنفيذية في بعض الأوقات ظروفاً استثنائية تجبرها على إصدار لوائح إدارية تضمن حماية النظام العام وحسن سير المرافق العامة لتعذر صدروها من الهيئة التشريعية المختصة فعلاً بإصدارها ، لغيبتها أو لحصولها في غير فترة انعقادها على أن تعرض على الهيئة التشريعية خلال مدة معينة لكي تقرها .
ثانياً : العرف:العرف الإداري هو مجموعة القواعد التي درجت الإدارة على إتباعها في أداء وظيفتها في مجال معين من نشاطها وتستمر فتصبح ملزمة لها ، وتعد مخالفتها مخالفة للمشروعية وتؤدي إلى أبطال تصرفاتها بالطرق المقررة قانوناً .
ويأتي العرف الإداري في مرتبة أدني من مرتبة القواعد القانونية المكتوبة مما يستلزم إلا يخالف نصاً من نصوص القانون فهو مصدر تكميلي للقانون يفسر ويكمل ما نقص منه ولكي يصبح سلوك الإدارة عرفاً إدارياً و مصدراً من مصادر القانون الإداري ، يجب أن يتوافر فيه ركنان : ركن مادي و ركن معنوي .
1. الركن المادي : ويتمثل الركن المادي باعتياد جهة الإدارة على إتباع سلوك معين في نشاط معين وقد يكون هذا الاعتياد ايجابياً يظهر في صورة القيام بعمل ، كما يمكن أن يكون سلبياً في صورة الامتناع عن القيام بعمل ما ،على أن يكون هذا العمل أو الامتناع بشكل ثابت ومستقر ويتكرر في الحالات المماثلة بشرط أن يمضى الزمن الكافي لاستقراره ، وتقدير ما إذا كانت هذه المدة كافيه لوجود العرف من عدمه أمر مرجعه إلى القضاء .
2. الركن المعنوي : أما الركن المعنوي فهو اعتقاد الإدارة والأفراد بإلزامية القاعدة المتبعة وضرورة احترامها وعدم مخالفتها واعتبار ذلك مخالفة قانونية تتطلب الجزاء ، وبهذا المعنى تكون القرارات الإدارية التي تصدر مخالفة للعرف الإداري غير مشروعة وعرضه للإلغاء إذا طعن في مشروعيتها أمام القضاء . إلى جانب ذلك يجب أن يكون العرف الإداري عاماً تطبقه الإدارة بشكل منتظم ومستمر بلا انقطاع في جميع الحالات المماثلة وان يكون مشروعاً وغير مخالف لنص قانوني أو لائحي . ومن الجدير بالذكر أن التزام الإدارة باحترام العرف لا يحرمها من أمكان تعديله أو تغييره نهائياً إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة فالإدارة تملك تنظيم القاعدة التي يحكمها العرف بيد أن قيام العرف الجديد يتطلب توفر الركنين السابقين فلا يتكون بمجرد مخالفة الإدارة للعرف المطبق . ( )
أما إذا خالفت الإدارة العرف في حالة فردية خاصة دون أن تستهدف تعديله أو تغييره بدافع المصلحة العامة فإن قرارها أو إجراءها المخالف للعرف يكون باطلاً لمخالفته مبدأ المشروعية . ( )
ومع ذلك فأن دور العرف كمصدر رسمي للقانون الإداري أقل أهمية من المصادر الرسمية أخرى لصعوبة الاستدلال على القاعدة العرفية من جهة , ولأن الإدارة في الغالب تلجأ إلى اللوائح كوسيلة لتنظيم نشاطها الإداري من جهة أخرى .
ثالثاً : القضاء . الأصل في وظيفة القاضي تطبيق القوانين والفصل في المنازعات المعروضة أمامه ، وهو ملزم قانوناً بالفصل في المنازعة الداخلة في اختصاصه وإلا اعتبر منكراً للعدالة ، لذلك رسم المشرع للقاضي الأسلوب الذي يسلكه لفض المنازعة إذا لم يجد في القواعد القانونية حلاً للمنازعة .
وعلى ذلك لا يعد القضاء مصدراً رسمياً للقانون لدوره المتعلق بتطبيق النصوص التشريعية وتفسيرها وإزالة غموضها وإزالة التعارض المحتمل بينها ، ولا يتعدى القاضي هذا الأمر ليصل إلى حد خلق قواعد قانونية خارج نصوص التشريع . إلا أن الطبيعة الخاصة لقواعد القانون الإداري من حيث عدم تقنينه وظروف نشأته وتعدد مجالات نشاطه ، أدى إلى أن يتجاوز القضاء الإداري دور القضاء العادي ليتماشى مع متطلبات الحياة الإدارية فيعمد إلى خلق مبادئ وأحكام القانون الإداري ،
فيصبح القضاء مصدر رسمي للقانون الإداري بل من أهم مصادرها الرسمية، ويتعدى دوره التشريع في كثير من الأحيان . وتتميز أحكام القضاء الإداري بعدم خضوعها للقانون المدني، فالقاضي الإداري إذا لم يجد في المبادئ القانونية القائمة نصاً ينطبق على النزاع المعروض عليه يتولى بنفسه إنشاء القواعد اللازمة لذلك دون أن يكون مقيداً بقواعد القانون المدني.
ومن جانب آخر أن أحكام القضاء العادي ذات حجية نسبية تقتصر على أطراف النزاع وموضوعه ولهذا تحدد قيمتها بوصفها مصدراً تفسيراً على النقيض من أحكام القضاء الإداري التي تتميز بكونها حجة على الكافة. وفي ذلك يتبين أن للقضاء دوراً إنشائياً كبيراً في مجال القانون الإداري ومن ثم فهو يشكل مصدراً رئيسياً من مصادر المشروعية .
رابعاً : المبادئ العامة للقانون .
تعد المبادئ العامة للقانون مصدراً مهماً من مصادر القانون الإداري ويقصد بالمبادئ العامة للقانون تلك المبادئ التي لا تستند إلى نص مكتوب، وإنما يكون مصدرها القضاء وهي تختلف عن المبادئ القانونية التي يكون مصدرها التشريع. وقد لجأ القضاء الإداري إلى المبادئ العامة للقانون للفصل في العديد من المنازعات الإدارية لعدم تقنين قواعد القانون الإداري .
وتستمد أغلب هذه المبادئ من الطبيعة المتميزة للحياة الإدارية , كمبدأ دوام استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد ، والمساواة بين المنتفعين بخدمات المرافق العامة ، ونظرية الظروف الاستثنائية , أو تستمد في فكرة العدل والمنطق والتي بمقتضاها مارس القضاء الإداري رقابته على الوجود المادي للوقائع وصحة التكييف القانوني لها وضرورة التناسب بين جسامة الذنب الإداري والعقوبة المقررة لها . والقضاء الإداري بهذا المعنى لا يخلق المبادئ العامة للقانون إنما يقتصر دوره على كشفها والتحقيق من وجودها في الضمير القانوني للأمة ، ولذلك فمن الواجب على الإدارة والقضاء احترامها والتقيد بها باعتبارها قواعد ملزمة شأنها في ذلك شأن القواعد المكتوبة .
الفصل الرابع أساس القانون الإداري:سعى الفقه والقضاء نحو إيجاد أساس أو فكرة عامة تصلح أن تكون دعامة تقوم عليها مبادئ ونظريات القانون الإداري وتحديد المعيار المميز لموضوعاته عن موضوعات القوانين الأخرى . وإذا كان القانون الإداري في معناه التقليدي قد نشأ في ظل النظام القضائي المزدوج فإن البحث عن أساس القانون الإداري يساهم بالإضافة إلى بيان الأساس النظري والفني لأحكام ومبادئ القانون الإداري , إلى وضع الأسس الكفيلة بتعيين الاختصاص بين القضاء الإداري والقضاء المدني خاصة وقد فشل المشرع في تحديد معاني أو موضوع المنازعة الإدارية وإعداد قائمة باختصاص القضاء الإداري , لعدم تمكنه من التنبؤ مسبقاً بمختلف المنازعات ذات الطبيعة الإدارية ، كما أن القضاء الإداري لم يعد جهة قضاء استثنائي كما نشاء ابتداءً إنما أصبح نظام قضائي موزاي لنظام القضاء المدني وله أهميته وأصالته .
وعلى ذلك كان لابد من وضع معيار ثابت ومستقر لتحديد أساس القانون الإداري ، وظهر في هذا المجال عدة نظريات أو معايير رغم تعددها لم تعش طويلاً إنما راح بعضها يغلب على بعض تباعاً واندماج بعضها بالبعض الآخر لسد ما انكشف فيها من نقص أو قصور .
وسنعرض فيما يلي لأهم هذه المعايير …
المبحث الأول
معيار أعمال السلطة وأعمال الإدارة
يقوم هذا المعيار على أساس تقسيم أعمال الإدارة إلى صنفين أعمال سلطة Acte d’autorité وهي الأعمال التي تظهر فيها الإدارة بمظهر السلطة العامة وتتمتع بحق الأمر والنهي وهذا النوع من الأعمال تحكمه قواعد القانون الإداري ويخضع لاختصاص القضاء الإداري .
وأعمال الإدارة العادية Actte de gestion وهي الأعمال التي تباشرها الإدارة بذات الأساليب التي يلجأ إليها الأفراد وفي نفس ظروفهم , وتحكمها قواعد القانون الخاص ويختص بها القضاء العادي لأنها لا تتصف بطابع السلطة . وقد سادت هذه النظرية حتى نهاية القرن التاسع عشر وكان من أنصارها الفقيه لافيرير وبارتلمي Berthelemy ، واعتمد القضاء الفرنسي عليها فترة من الزمن أساساً وحيداً للقانون الإداري . إلا أن القضاء الإداري لم يلبث أن هجر هذا المعيار بفعل الانتقادات الموجه إليه ، وكان النقد الأساسي يتمثل في أنه ضيق إلى حد كبير من نطاق القانون الإداري ومن اختصاصات القضاء الإداري ، فطبقاً لهذه النظرية تقتصر أعمال السلطة على القرارات الإدارية والأوامر التي تصدرها سلطات الضبط الإداري لحفظ النظام العام ، وتستبعد من نطاق تطبيقها جميع الأعمال الأخرى من قبيل العقود الإدارية وأعمال الإدارة المادية .
كما أن هذا المعيار وبالرغم من بساطته ووضوحه صعب التطبيق في الواقع أو ليس من السهل التمييز بين أعمال السلطة وتصرفات الإدارة العادية نظراً لطبيعته وتداخل النشاط الإداري .
المبحث الثاني معيار المرفق العام ::
ظهر هذا المعيار وتبلور ابتداءً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، وأصبح الفكرة الأساسية التي اعتمدت عليها أحكام مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع كأساس للقانون الإداري ومعيار لاختصاص القضاء الإداري ، وكان حكم روتشليد Rotchild الصادر عام 1855 وديكستر Dekester الصادر عام 1861 من الأحكام الأولى في تقرير هذه الفكرة.
إلا أن حكم بلانكو Blanco الصادر عام 1873 يمثل في نظر الفقه والقضاء حجر الزاوية في نظرية المرفق العام Theorie de Service Public وتتخلص وقائع هذا الحكم في انه صدمت عربة صغيرة تتبع مصنع تبغ بوردو طفلة فأوقعتها وجرحتها , فرفع والد الطفلة النزاع إلى القضاء العادي طالباً التعويض من الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطاء الذي ارتكبه عمال المصنع التابع لها , إلا أن محكمة التنازع قررت أن الجهة المختصة بالنظر في النزاع هي القضاء الإداري وليس القضاء العادي , وقضى بأنه ” لا تختص المحاكم العادية أطلاقاً بنظر الدعاوى المقامة ضد الإدارة بسبب المرافق العامة أياً كان موضوعها , حتى لو كانت تستهدف قيام القضاء العادي بمجرد الحكم عليها بمبالغ مالية تعويضاً عن الأضرار الناشئة عن عملياتها دون إلغاء أو تعديل أو تفسير قرارات الإدارة ” .
ومن جانب آخر قرر هذا الحكم قواعد جديدة تحكم المسؤولية عن الأضرار التي تسببها المرافق العامة فورد ” ومن حيث أن مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تسببها للأفراد بفعل الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العام لا يمكن أن تحكمها المبادئ التي يقررها التقنين المدني لتنظيم الروابط بين الفراد بعضهم وبعض ، وأن هذه المسؤولية ليست عامة ولا مطلقة ، بل لها قواعدها الخاصة التي تتغير تبعاً لحاجات المرفق , ولضرورة التوفيق بين حقوق الدولة والحقوق الخاصة ” . ( )
وتطبيقاً لهذه النظرية فإن أساس القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، إنما يتعلق بكل نشاط تديره الدولة أو تهيمن على إدارته ويستهدف تحقيق المصلحة العامة .
والمرفق العام بهذا المعنى هو النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى مباشرة أو تعهد به إلى جهة أخرى تحت إشرافها ومراقبتها وتوجيهها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .
وقد عزز هذا الاتجاه أن وضع العميد (ديجي) Dugui لأسس نظريته عن المرافق العامة التي كان لها شأن كبير بين نظريات القانون الإداري حتى باتت تقوم على اعتبار المرفق العام ومقتضيات سيره المبرر الوحيد لوجود نظام قانوني خارج عن المألوف في قواعد القانون الخاص .
وقد تجاوزت هذه النظرية الانتقادات التي وجهت لمعيار التفرقة بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية ، فشملت جميع نشاطات الإدارة المتصلة مباشرة بالمرافق العامة التي يحكمها القانون الإداري
ويختص القضاء الإداري في نظر المنازعات الناشئة عنها من قبيل القارات والعقود الإدارية والأعمال المادية سواء أصدرت عن الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى التابعة لها , ما دامت تستهدف من هذه الأعمال إشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .
مع ضرورة الإشارة إلى استثنائين محدودين في هذا المجال يتعلق الأول بإدارة الدولة أو الأشخاص التابعة لها لأموالها الخاصة فلا تكون في نكون في هذه الحالة أمام مرفق عام , أما الاستثناء الأخر فيتعلق بعدول الإدارة عن استعمال وسائل القانون العام واستعمالها قواعد القانون الخاص في إدارة نشاط من نشاطاتها وفي هاتين الحالتين تطبق قواعد القانون الخاص, ويختص القضاء العادي بنظر المنازعات الناشئة عنها .
وقد أيد جانب كبير من فقهاء القانون الإداري هذه النظرية كأساس للقانون الإداري الذي أصبح يسمى ” قانون المرافق العامة ” وأطلق على أنصارها ” مدرسة المرافق العامة ” .
ومن أبرز فقهاء هذه المدرسة تيسيه Teissier , ديجي Duguit , وبونار Bonnard وجيز Jeze .
أزمة نظرية المرفق العام
رغم النجاح الكبير الذي حققته هذه النظرية كأساس للقانون الإداري ومبادئه وأحكامه ومعياراً لتحديد اختصاصات القضاء الإداري , واحتلالها مركز الصدارة بين النظريات الأخرى خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين , لم تلبث أن تراجعت بفعل تطور الحياة الإدارية , والتغييرات التي طرأت في القواعد التي قامت عليها فكرة المرافق العامة , بتأثير من سياسة الاقتصاد الموجه والمبادئ الاشتراكية وزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وما رافق ذلك من ظهور المرافق الاقتصادية والاجتماعية والصناعية والمرافق المهنية المختلفة . ( )
ومن الأسباب الأخرى لتراجع نظرية المرفق العام كما اصطلح على تسميتها ظهور مرافق عامة ذات نفع عام يديرها الأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة .
وأدت هذه التطورات مجتمعة إلى صعوبة تحديد مضمون المرفق العام , مما دعى الفقه والقضاء إلى البحث عن معيار آخر للقانون الإداري , إلا أنه مع ما أصاب هذه النظرية من نقد بقيت أحكام مجلس الدولة الفرنسي تؤكد دور المرفق العام كأساس للقانون الإداري إلا أن هذا الدور لم يعد كافياً أو حجر زاوية كما كان في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري .
المبحث الثالث معيار السلطة العامة وأمتياراتها
إزاء الانتقادات الموجة إلى معيار المرفق العام , طرح جانب من الفقه معياراً آخر بديل عنه هو معيار السلطة العامة , ومقتضاه أن فكرة السلطة , هي الأقدر في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري ونطاق اختصاص القضاء الإداري ، ذلك أن العنصر المهم في نظام القانون الإداري المميز له عن القانون الخاص لا يتعلق بالأهداف أو الغايات التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها المتمثلة بالمنفعة العامة كما ذهبت نظرية أو معيار المرفق العام، وإنما يقوم على أساس الوسائل التي تستعملها الإدارة في سبيل تحقيق تلك الأهداف، فإذا كانت هذه الوسائل تتميز بسلطات وامتيازات استثنائية لا نظير لها في علاقات الأفراد، كنا أمام نشاط يحكمه القانون الإداري ويختص بالمنازعات الناشئة عنه القضاء الإداري .( )
وقد أسس هذا المعيار العميد موريس هوريو Hauriou الذي أنشاء مدرسة مناهضة لمدرسة المرفق العام أطلق عليها ” مدرسة السلطة العامة ” ، ومبادئ هذه النظرية متميزة عن نظرية السلطة العامة التقليدية والتي تفرق بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية .
فنظرية السلطة العامة كما ذهب هوريو لا تتعلق بالأوامر والنواهي إنما تشمل كل نشاط إداري تمارسه الإدارة مع استعمالها لوسائل القانون العام غير المألوفة في القانون الخاص .
ومن الجدير بالذكر أن ” هوريو ” لم ينكر فكرة المرفق العام ، إنما جعلها ثانوية بالمقارنة مع دور السلطة العامة كأساس للقانون الإداري ومعيار لتحديد اختصاص القضاء الإداري , فهو غلب عنصر الوسائل التي تستخدمها الإدارة على عنصر الغاية أو الهدف.( )
المبحث الرابع: معيار المنفعة العامة
نادى بهذه الفكرة الأستاذ مارسيل فالين Waline الذي كان من أشد المدافعين عن معيار المرفق العام ثم تخلى عنه تحت تأثير الأزمة التي مر بها هذا المعيار ، واقترح محله فكرة المنفعة العامة .
وتقوم هذه الفكرة على أن أساس القانون الإداري ومعيار اختصاص القضاء الإداري إنما يقوم على تحقيق المنفعة العامة والمصلحة العامة ، فالنشاط الإداري يستهدف تحقيق النفع العام وهو ما يميزه عن النشاط الخاص .
وقد اعتمد فالين في تأسيس نظريته على حكم مجلس الدولة في قضية بلدية مونسيجور Commune de Monsegur الصادر في 10/6/1921 وتتلخص وقائع القضية أنه وقع حادث لصغير حرج في كنيسة مونسيجور بسقوط حوض ” ماء مقدس ” تسبب فيه بتعلقه واثنين من زملائه به ، مما أصابه بعاهة مستديمة تمثلت بقطع ساقه ، وقد حصل والد الطفل على حكم من مجلس الإقليم بإلزام البلدية المسئولة عن صيانة الكنيسة بالتعويض ، وقد استئنفت البلدية هذا الحكم من ناحية أنه منذ عام 1905 لم تعد البلدية مسؤولة عن دور العبادة لانفصال الدين عن الدولة بقانون 9/9/1905 ولم تعد الكنائس منذ هذا التاريخ مرافق عامة ، وبالتالي لا تدخل دعوى التعويض في اختصاص القضاء الإداري .
غير أن مجلس الدولة لم يأخذ بهذا الدفع وأسس قضائه على أنه وأن لم تعد مرافق العبادة مرفقاً عاماً منذ انفصال الدين عن الدولة ، فإن ترك الكنائس تحت تصرف المؤمنين والمكلفين بإقامة شعائر العبادة لممارسة ديانتهم إنما يكون تنفيذاً لغرض ذي نفع عام . ( )
وفكرة المنفعة العامة هذه أكثر اتساعاً من فكرة المرفق العام إلا أنها لم تسلم من النقد الشديد من حيث أن جل عمل الدولة إنما يتعلق بتحقيق المنفعة العامة أو المصلحة العامة .
كما أن تحقيق النفع العام ليس حكراً على الدولة وأجهزتها الإدارية ، وإنما قد يساهم الأفراد في تحقيقها وذلك من خلال المؤسسات والمشروعات الخاصة ذات النفع العام وهي مشاريع تخضع لأحكام القانون الخاص ويختص القضاء العادي بالمنازعات الناشئة عنها .
لذلك لم تعش هذه الفكرة طويلاً ولم تصلح أساساً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري لسعتها وعدم تحديدها وسرعان ما تخلى عنها فالين نفسه واتجه نحو معيار آخر .
المبحث الخامس معيار السلطة العامة الحديث
حاول جانب من الفقه إحياء فكرة السلطة العامة وتجديدها لتصلح أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، ومن هؤلاء الأستاذ جورج فيدل George Vedel الذي ذهب إلى أن فكرة السلطة العامة لا تعني فقط استخدام الإدارة لامتيازات وسلطات القانون العام باعتبارها سلطة آمره ، وإنما تشمل أيضاً القيود التي تحد من حرية الإدارة وتفرض عليها التزامات أشد من الالتزامات المفروضة على الأفراد في ظل القانون الخاص .( )
ومن هذه القيود عدم أمكان تعاقد الإدارة إلا بإتباع إجراءات وشروط معينة لا نظير لها في القانون الخاص ، كأتباعها أسلوب المناقصات أو المزايدات عند اختيار المتعاقد معها .
ومن ثم لا يكفي اتصال نشاط الإدارة بمرفق عام حتى تكون بصدد تطبيق القانون الإداري إنما يجب أن تكون لإدارة قد استخدمت في نشاطها امتيازات وسلطات استثنائية لا مثيل لها في القانون الخاص أو التزمت بقيود وحدود غير مألوفة في هذا القانون ، وفي الحالتين يختص القضاء الإداري بالمنازعات الناشئة عن مباشرة هذا النشاط .
وعلى عكس ذلك يختص القضاء العادي ويطبق القانون الخاص على كل نشاط تؤديه الإدارة مستخدمة أساليب مشابهة لتلك التي يستخدمها الأفراد أو لا تتضمن امتيازات أو شروط استثنائية .
وقد صادف هذا المعيار نجاحاً وقبولاً في الفقه والقضاء الإداريين وانحاز إليه فالين بعد أن تخلى عن معيار المرفق العام وبعده معيار النفع العام .
المبحث السادس
معيار الجمع بين المرفق العام والسلطة العامة
إزاء الانتقادات الموجهة لكل معيار من المعايير السابقة وعجزها في أن تكون أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، لم يعد الفقه والقضاء يتمسكان بفكره واحدة , واتجها نحو الجمع بين فكرتي السلطة العامة والمرفق العام .
وفي هذا المجال حاول الأستاذ De Laubadere تجديد معيار المرفق العام بعد ما أصابه من تفكك نتيجة الأزمات التي تعرض لها وذلك عن طريق الجمع بين فكرتي المرفق العام والسلطة العامة ، لكنه جعل الأولوية للمرفق العام ، ثم يأتي استخدام أساليب القانون العام في المرتبة الثانية لسد الفراغ في المجالات التي عجز معيار المرفق العام عن القيام بدوره فيها . ( )
بينما ذهب الأستاذ شابي Chapus إلى تغليب فكرة السلطة العامة على فكرة المرفق العام فقال أنه يجب أن لا نعتقد أن معيار الشروط المخالفة ” السلطة العامة ” دائماً معياراً مساعداً ، فالمعيار المأخوذ من الموضوع هو دائماً معيار مبدأ ، ففي كثير من الأحيان يفضل القاضي استخدام معيار الشرط غير المألوف وهذا يكون أسهل أو مناسباً أكثر . ( )
وعلى هذا الأساس فإن المرفق العام وأن كان عنصراً مهماً في تحديد أساس القانون الإداري إلا أنه لا يكفي لأداء هذا الدور بعد أن أتضح سعة مفهومة وعدم اقتصاره على المرافق الإدارية فظهرت فكرة المعيار المزدوج التي أيدها جانب كبير من الفقه وأخذ بها القضاء الإداري في فرنسا في أغلب أحكامه
وعلى ذلك فإن أساس القانون الإداري لا يرجع لمعيار واحد من المعايير السابقة , إنما يجب الجمع بين المعياريين المهمين المرفق العام والسلطة العامة ، ومن ثم ليكون العمل إدارياً وخاضعاً للقانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، يجب أولاً أن يكون عملاً إدارياً أو نشاطاً متعلقاً بمرفق عام ” نظرية المرفق العام ” .
وثانياً : أن تكون الإدارة في هذا النشاط قد استخدمت امتيازات أو وسائل وسلطات استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص ” نظرية السلطة العامة ” ـ مع ضرورة التنبيه أن السلطة العامة لا تبرز من خلال الامتيازات الممنوحة للإدارة حسب وإنما تشمل القيود الاستثنائية المفروضة عليها في أحيان أخرى قبل نشوء مجلس الدولة في مصر عام 1946 لم تعرف مصر القضاء الإداري , وقد كانت المحاكم المختلطة والأهلية السائدة قبل هذا التاريخ في النظام القضائي المصري تطبق بعض القوانين على المنازعات بين الأفراد أو بينهم وبين الإدارة , ولم يكن من بينها القانون الإداري .
وقد ذهب جانب من الفقه الإداري المصري إلى أن أساس القانون الإداري ومبادئه قد بدأت تظهر من خلال أحكام المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية , بينما خالف جانب آخر منهم, وذهب إلى أن مبادئ القانون الإداري لم تنشأ حقيقة إلا من خلال أحكام مجلس الدولة بعد أن إنشاؤه عام 1946 . ( )
وكان مجلس الدولة وقت إنشاؤه يتمتع بصلاحيات محددة وبمحكمة قضاء إداري واحدة , ثم ما لبث أن توسعت اختصاصاته إذ صدر القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي وسع اختصاصاته ثم أنشأت المحاكم الإدارية بالقانون رقم 147 لسنة 1954 , وبعد ذلك في عام 1955 تم إنشاء المحكمة الإدارية العليا لتكون في قمة القسم القضائي بمجلس الدولة .
ثم صدر القانون رقم 55 لسنة 1959 بشأن تنظيم مجلس الدولة, وقد مر مجلس الدولة بتطورات عدة حتى صدر القانون الحالي رقم 47 لسنة 1972 وتعديلاته .
ووفقاً لهذا القانون يعد مجلس الدولة هيئة قضائية ملحقة بوزير العدل, ويتكون من رئيس وعدد من نواب الرئيس والمستشارين المساعدين والنواب والمندوبين ومن مندوبين مساعدين.
هذا ولم تؤثر تبعية المجلس لوزير العدل في استقلاله في ممارسة وظيفته إذ لا تتعدى هذه التبعية منح الوزير الأشراف الإداري وضمان حسن سير العمل الوظيفي , وهو ما أكدته المادة الأولى من القانون رقم 47 لسنة 1972 ” مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ” .
ولم يولد المجلس قوياً منذ نشأته فقد كان القضاء الإداري صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات الإدارية وكانت اختصاصات مجلس الدولة محددة على سبيل الحصر في القوانين التي سبقت القانون الحالي .
ففي ظل القانون رقم 112 لسنة 1946 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 1949 كان القضاء العادي ينفرد بنظر دعاوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية ويختص بالاشتراك مع المجلس في نظر طلبات التعويض عن القرارات الإدارية ، ويترتب على رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية وإذا ما رفعت دعوى الإلغاء أو التعويض إلى مجلس الدولة عدم جواز رفع دعوى التعويض أمام المحاكم العادية فإنه يمتنع رفعها أمام مجلس الدولة .
كما كانت المحاكم العادية تنفرد بنظر المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية حتى صدور القانون رقم 9 لسنة 1949 الذي منح المجلس النظر في منازعات عقود الالتزام والأشغال العامة وعقود التوريد بالاشتراك مع المحاكم العادية . في ظل القانونين 165 لسنة 1955 و 55 لسنة 1959 استمرت المحاكم العادية تنفرد بالنظر في دعوى مسؤولية الإدارة عن أعمالها المادية في الوقت الذي استقل به مجلس الدولة بنظر المنازعات المتعلقة بالتعويض عن القرارات الإدارية والعقود الإدارية .
وبصدور القانون 47 لسنة 1972 أصبح مجلس الدولة صاحب الولاية العامة بالنظر في المنازعات الإدارية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ، فقد ورد في المادة 172 من القانون رقم 47 لسنة 1972 ” مجلس الدولة هيئة قضائية مستقلة ، ويختص بالفصل في المنازعات الإدارية ، وفي الدعاوى لتأديبية ويحدد اختصاصاته الأخرى ” .
وبذلك أصبح مجلس الدولة قاضي القانون العام المختص بالفصل في المنازعات الإدارية والتأديبية وساهم بإرساء مبادئ القانون الإداري , وكان له دور رائد في حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من عسف الإدارة وإلغاء قراراتها المعيبة والتعويض عنها .
الفصل الثالث خصائص ومصادر القانون الإداري
نبين في هذا الجزء من الدراسة الخصائص التي يتميز بها القانون الإداري والمصادر التي يستمد منها أحكامه وذلك في مبحثين .
المبحث الأول خصائص القانون الإداري
يتميز القانون الإداري ببعض الخصائص منها أنه قانون سريع التطور ، وقانون غير مقنن , وأنه من صنع القضاء .
أولاً : قانون سريع التطور .
يستم القانون الإداري بأنه قانون يتطور بسرعة تفوق التطور الاعتيادي في القوانين الأخرى ولعل ذلك يرجع إلى طبيعة المواضيع التي يعالجها ، فقواعد القانون الخاص تتميز بالثبات والاستقرار ، وقد ثمر فترة طويلة قبل أن ينالها التعديل أو التغيير ، ويعود ذلك إلى أن العلاقات التي ينظمها القانون الخاص بفروعه المختلفة ” قانون مدني ، قانون تجاري ، قانون مرافعات ” تتعلق بقواعد عامة تتطلب قدراً من الاستقرار مع ترك الحرية للأفراد من تسيير الأمور الأخرى ذات الطابع المتغير في حدود القواعد العامة المنصوص عليها على عكس القانون الإداري الذي يعالج مواضيع ذات طبيعة خاصة لتعلقها بالمصلحة العامة وحسن تسيير وإدارة المرافق العامة وجانب من أحكامه غير مستمدة من نصوص تشريعية وإنما من أحكام القضاء وخاصة القضاء الإداري الذي يتميز بأنه قضاء يبتدع الحلول للمنازعات الإدارية ولا يتقيد بأحكام القانون الخاص إنما يسعى إلى خلق ما يتلائم مع ظروف كل منازعة على حده تماشياً مع سرعة تطور العمل الإداري ومقتضيات سير المرافق العامة .
ولعل من أسباب سرعة تطور القانون الإداري أنه يتأثر بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الدولة وهي عوامل متغيرة باستمرار وغير مستقرة نسبياً ، فاتساع نشاط الدولة ونزعتها التدخلية وانتشار الحروب والازمات الاقتصادية وظهور المرافق العامة الاقتصادية , وما إلى ذلك من ظواهر اقتصادية وسياسية وإدارية ، وضرورة استيعاب القانون الإداري لهذه المتغيرات ومواجهتها أدى بالضرورة إلى التطور المستمر في أحكامه .
ثانياً : قانون من صنع القضاء .
يتميز القانون الإداري أيضاً بأنه قانون قضائي نشأ عن طريق المبادئ والقواعد الإدارية التي خلقها القضاء ، وقد ساعد على ذلك عدم تقنين أغلب قواعد القانون الإداري فكان لابد للقضاء أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسسه ونظرياته .
وإذا كان التشريع ينهض في الحقيقة ببعض مواضيع القانون الإداري خاصة ما يتعلق ببعض النصوص الدستورية والتشريعية واللائحية التي تحكم جوانب مهمة من علاقات الإدارية العامة مثل قانون الخدمة المدنية ولائحة العقود الإدارية ، فأن التشريع لا زال قاصراً عن مجالات أخرى كثيرة من قبل قواعد القرار الإداري وقواعد المسؤولية الإدارية وشروط الطعن بالإلغاء , وما إلى ذلك من مجالات لازال القضاء يمثل المصدر الرسمي الرئيس لأحكامه .
وقد كشف مجلس الدولة الفرنسي عن النظريات والمبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري وأستلم عنه القضاء الإداري في مصر العديد من أحكامه ، حتى أصبح دور المشرع في كثير من الأحيان مقتصراً على تسجيل ما توصل إليه القضاء الإداري من أحكام . ( )
ودور القضاء الإداري في هذا المجال كان متميزاً عن دور القضاء العادي ، الذي ينحصر بتطبيق القانون على المنازعة دون أن يتعداه لخلق الحلول المناسبة التي تتفق مع طبيعة منازعات القانون الإداري ، الأمر الذي أضفى على قواعد القانون الإداري الطابع العملي الذي يتماشى مع ظروف واحتياجات المرافق العامة ومقتضيات سيرها الحسن وتطورها المستمر .
ومع ذلك يتقيد القضاء في أداء مهامه وابتداعه لمبادئ وقواعد القانون الإداري يعدم مخالفة النصوص التشريعية القائمة على أساس أن القضاء أنما يعبر عن إرادة مفترضة للمشرع , أما إذا أفصح عن إرادته تلك بنصوص تشريعية فأنه يلتزم بتطبيق تلك النصوص في أحكامه . ( )
ثالثاً : قانون غير مقنن .
يقصد بالتقنين أن يصدر المشرع مجموعة تشريعية تضم المبادئ والقواعد العامة والتفصيلية المتعلقة بفرع من فروع القانون كما هو الحال في مدونة القانون المدني أو مدونة قانون العقوبات.
ولا يخفى ما لتدوين القواعد العامة والتفصيلة لقانون ما من أهمية من حيث إضفائه الثبات والاستقرار على نصوص التشريع وسهولة الرجوع إلى أحكامه.
وقد نشأ القانون الإداري في فتره انتشرت فيها حركة التقنين في أعقاب الثورة الفرنسية وتم تدوين قواعد القانون المدني في مدونة نابليون . ( )
إلا أن القانون الإداري لم تشمله هذه الحركة رغم رسوخ مبادئه واكتمال نظرياته ويرجع عدم تقنينه إلى سرعة تطوره وتفرع وسعة مجالاته مما يجعل من الصعوبة جمع أحكامه في مدونه واحدة خاصة وان أحكامه في الغالب ذات طبيعة قضائية ، ولا يخفى ما في أحكام القضاء الإداري من مرونة تتأثر بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السائد في المجتمع .
وإذا كان عدم التقنين يعني عدم جمع إحكام القانون الإداري في مجموعة أو مدونة واحدة فإن ذلك لا ينفي وجود تقنينات جزئية لبعض موضوعات القانون الإداري ، من ذلك وجود تشريعات خاصة بالموظفين وتشريعات خاصة بنزع الملكية للمنفعة العامة وقوانين خاصة بالتنظيم الإداري أو القضاء الإداري إلى غير ذلك من مواضيع يتعذر جمعها في تقنين شامل .
المبحث الثاني مصادر القانون الإداري
تشتمل مصادر القانون الإداري على مصادر القانون بصورة عامة ، وهي عادة أربعة مصادر ” التشريع – العرف – القضاء – الفقه ” .
وإذا كان التشريع والعرف يعدان المصدران الرسميان للقوانين الأخرى ، بينما يمثل القضاء والفقه المصدران التفسيريان للقواعد القانونية ، فإن القانون الإداري يمنح القضاء دوراً هاماً , بل يعده أهم مصادر القانون الإداري على الإطلاق ، ويكون مع التشريع والعرف مصدراً رسمياً للقانون الإداري , بينما يبقى الفقه مصدراً تفسيراً له .
وفيما يلي نعرض لهذه المصادر وبشيء من التفصيل .
أولاً : التشريع :يقصد بالتشريع كمصدر للقانون الإداري مجموعة القواعد القانونية المكتوبة الصادرة من السلطة المختصة في الدولة ، وقد تكون هذه السلطة سلطة تأسيسة فيكون التشريع دستورياً، أما إذا كانت السلطة تشريعية فيكون التشريع عادياً ويطلق عليه اصطلاح القانون ، وأخيراً إذا كانت هذه السلطة تنفيذية فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته بالتشريعات الفرعية أو اللوائح ، ويتميز التشريع عن غير من المصادر الأخرى بوضوحه وتحديده وسهولة تعديله .
1. التشريع الدستوري : تعد التشريعات الدستورية المصدر الأساسي والرسمي للقانون الإداري ، وتقع التشريعات الدستورية الدستورية في قمة الهرم القانوني ، وتسمو على القواعد القانوينة الأخرى جميعاً ، فهي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقتها بالمواطنين ، وتتضمن التشريعات الدستورية بعض الموضوعات المتعلقة بالقانون الإداري ، كتنظيم الجهاز الإداري في الدولة ونشاطه وحقوق الأفراد وحرياتهم .
ويتوجب على الإدارة بوصفها جهاز السلطة التنفيذية أن تلتزم بالمبادئ التي جاء بها الدستور ولا يحق لها مخالفتها وإلا عدت أعمالها مخالفة لمبدأ المشروعية مما يعرضها للإلغاء والتعويض عما تسببه من أضرار . والقواعد الدستورية يقصد بها مجموعة القواعد المكتوبة في وثيقة أو عدة وثائق دستورية فحسب فمن الممكن أن تكون تلك القواعد غير مكتوبة في ظل دستور عرفي يتمتع بسمو القواعد الدستورية المكتوبة ذاتها . كذلك تتمتع إعلانات الحقوق ما تضمنته هذه الإعلانات في حقوق وحريات الأفراد بقوة النصوص الدستورية فلا يجوز مخالفتها .
2. التشريع العادي .يأتي التشريع العادي أو القانون بالمرتبة الثانية بعد الدستور، من حيث التدرج التشريعي باعتباره صادراً من الهيئة التشريعية المعبرة عن الإرادة العامة وهي صاحبة الاختصاص في ذلك .
والإدارة بوصفها السلطة التنفيذية تخضع لأحكام القوانين فإذا خالفت حكم القانون أو صدر عمل إداري استناداً إلى قانون غير دستوري وجب إلغاء ذلك العمل . ( )
3. التشريع الفرعي أو اللوائح: يطلق على القواعد القانوينة التي تصدرها السلطة التنفيذية التشريع الفرعي ، وتسمى في مصر اللوائح الإدارية ، وهي قواعد عامة مجردة واجبة الاحترام تلي التشريع العادي في مرتبتها في سلم التدرج القانوني , وتخضع لرقابة القضاء الإداري على أعمال الإدارة باعتبارها قرارات إدارية يجب أن تكون متفقة مع القانون .
أ / اللوائح التنفيذية : تصدر الوزارات بصفتها الهيئة لتنفيذية في الدوله اللوائح التنفيذية المتعلقة بتنفيذ القوانين الصادرة عن السلطه التشريعيه لتوضيح ما يكتنفها من غموض وتسهيل تطبيقها .
ب/ اللوائح التنظيمية :تمارس الاداره أيضاً اختصاص إصدار اللوائح التنظيمية التي تتعدى تنفيذ القوانين إلى تنظيم بعض الأمور التي يتطرق إليها القانون فتقترب وظيفتها من التشريع , ومن ذلك قيامها بما يتعلق بتنظيم الجهات الإدارية ونظام العمل بها وشؤونها الإدارية والمالية , وهو من صميم عملا الوزاره بصفتها المختصة بتنظيم الجهاز الإداري في الدولة .
ج/ اللوائح الضبطية أو البوليسية:تختص الهيئة التنفيذية بإصدار لوائح الضبط الإداري المتعلقة بالمحافظة على الأمن العام والصحة العامة والسكنية العامة من ذلك اللوائح الخاصة بمكافحة الضوضاء أو غلق المحال المضرة بالصحة العامة .
د/ اللوائح التفويضية. تصدر الهيئة التنفيذية هذا النوع من اللوائح بتفويض من الهيئة التشريعية التي يمثلها البرلمان في العراق في موضوعات تدخل أصلاً ضمن اختصاصه ، ومن ذلك اختصاصها بإصدار اللوائح الخاصة بإنشاء وتنظيم المؤسسات والهيئات والمصالح والشركات العامة لممارسة الاختصاصات ذات الطبيعة الاستراتيجية وتحديد أهدافها واختصاصاتها .
ﻫ/ لوائح الضرورة . تصادف الهيئة التنفيذية في بعض الأوقات ظروفاً استثنائية تجبرها على إصدار لوائح إدارية تضمن حماية النظام العام وحسن سير المرافق العامة لتعذر صدروها من الهيئة التشريعية المختصة فعلاً بإصدارها ، لغيبتها أو لحصولها في غير فترة انعقادها على أن تعرض على الهيئة التشريعية خلال مدة معينة لكي تقرها .
ثانياً : العرف:العرف الإداري هو مجموعة القواعد التي درجت الإدارة على إتباعها في أداء وظيفتها في مجال معين من نشاطها وتستمر فتصبح ملزمة لها ، وتعد مخالفتها مخالفة للمشروعية وتؤدي إلى أبطال تصرفاتها بالطرق المقررة قانوناً .
ويأتي العرف الإداري في مرتبة أدني من مرتبة القواعد القانونية المكتوبة مما يستلزم إلا يخالف نصاً من نصوص القانون فهو مصدر تكميلي للقانون يفسر ويكمل ما نقص منه ولكي يصبح سلوك الإدارة عرفاً إدارياً و مصدراً من مصادر القانون الإداري ، يجب أن يتوافر فيه ركنان : ركن مادي و ركن معنوي .
1. الركن المادي : ويتمثل الركن المادي باعتياد جهة الإدارة على إتباع سلوك معين في نشاط معين وقد يكون هذا الاعتياد ايجابياً يظهر في صورة القيام بعمل ، كما يمكن أن يكون سلبياً في صورة الامتناع عن القيام بعمل ما ،على أن يكون هذا العمل أو الامتناع بشكل ثابت ومستقر ويتكرر في الحالات المماثلة بشرط أن يمضى الزمن الكافي لاستقراره ، وتقدير ما إذا كانت هذه المدة كافيه لوجود العرف من عدمه أمر مرجعه إلى القضاء .
2. الركن المعنوي : أما الركن المعنوي فهو اعتقاد الإدارة والأفراد بإلزامية القاعدة المتبعة وضرورة احترامها وعدم مخالفتها واعتبار ذلك مخالفة قانونية تتطلب الجزاء ، وبهذا المعنى تكون القرارات الإدارية التي تصدر مخالفة للعرف الإداري غير مشروعة وعرضه للإلغاء إذا طعن في مشروعيتها أمام القضاء . إلى جانب ذلك يجب أن يكون العرف الإداري عاماً تطبقه الإدارة بشكل منتظم ومستمر بلا انقطاع في جميع الحالات المماثلة وان يكون مشروعاً وغير مخالف لنص قانوني أو لائحي . ومن الجدير بالذكر أن التزام الإدارة باحترام العرف لا يحرمها من أمكان تعديله أو تغييره نهائياً إذا اقتضت ذلك المصلحة العامة فالإدارة تملك تنظيم القاعدة التي يحكمها العرف بيد أن قيام العرف الجديد يتطلب توفر الركنين السابقين فلا يتكون بمجرد مخالفة الإدارة للعرف المطبق . ( )
أما إذا خالفت الإدارة العرف في حالة فردية خاصة دون أن تستهدف تعديله أو تغييره بدافع المصلحة العامة فإن قرارها أو إجراءها المخالف للعرف يكون باطلاً لمخالفته مبدأ المشروعية . ( )
ومع ذلك فأن دور العرف كمصدر رسمي للقانون الإداري أقل أهمية من المصادر الرسمية أخرى لصعوبة الاستدلال على القاعدة العرفية من جهة , ولأن الإدارة في الغالب تلجأ إلى اللوائح كوسيلة لتنظيم نشاطها الإداري من جهة أخرى .
ثالثاً : القضاء . الأصل في وظيفة القاضي تطبيق القوانين والفصل في المنازعات المعروضة أمامه ، وهو ملزم قانوناً بالفصل في المنازعة الداخلة في اختصاصه وإلا اعتبر منكراً للعدالة ، لذلك رسم المشرع للقاضي الأسلوب الذي يسلكه لفض المنازعة إذا لم يجد في القواعد القانونية حلاً للمنازعة .
وعلى ذلك لا يعد القضاء مصدراً رسمياً للقانون لدوره المتعلق بتطبيق النصوص التشريعية وتفسيرها وإزالة غموضها وإزالة التعارض المحتمل بينها ، ولا يتعدى القاضي هذا الأمر ليصل إلى حد خلق قواعد قانونية خارج نصوص التشريع . إلا أن الطبيعة الخاصة لقواعد القانون الإداري من حيث عدم تقنينه وظروف نشأته وتعدد مجالات نشاطه ، أدى إلى أن يتجاوز القضاء الإداري دور القضاء العادي ليتماشى مع متطلبات الحياة الإدارية فيعمد إلى خلق مبادئ وأحكام القانون الإداري ،
فيصبح القضاء مصدر رسمي للقانون الإداري بل من أهم مصادرها الرسمية، ويتعدى دوره التشريع في كثير من الأحيان . وتتميز أحكام القضاء الإداري بعدم خضوعها للقانون المدني، فالقاضي الإداري إذا لم يجد في المبادئ القانونية القائمة نصاً ينطبق على النزاع المعروض عليه يتولى بنفسه إنشاء القواعد اللازمة لذلك دون أن يكون مقيداً بقواعد القانون المدني.
ومن جانب آخر أن أحكام القضاء العادي ذات حجية نسبية تقتصر على أطراف النزاع وموضوعه ولهذا تحدد قيمتها بوصفها مصدراً تفسيراً على النقيض من أحكام القضاء الإداري التي تتميز بكونها حجة على الكافة. وفي ذلك يتبين أن للقضاء دوراً إنشائياً كبيراً في مجال القانون الإداري ومن ثم فهو يشكل مصدراً رئيسياً من مصادر المشروعية .
رابعاً : المبادئ العامة للقانون .
تعد المبادئ العامة للقانون مصدراً مهماً من مصادر القانون الإداري ويقصد بالمبادئ العامة للقانون تلك المبادئ التي لا تستند إلى نص مكتوب، وإنما يكون مصدرها القضاء وهي تختلف عن المبادئ القانونية التي يكون مصدرها التشريع. وقد لجأ القضاء الإداري إلى المبادئ العامة للقانون للفصل في العديد من المنازعات الإدارية لعدم تقنين قواعد القانون الإداري .
وتستمد أغلب هذه المبادئ من الطبيعة المتميزة للحياة الإدارية , كمبدأ دوام استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد ، والمساواة بين المنتفعين بخدمات المرافق العامة ، ونظرية الظروف الاستثنائية , أو تستمد في فكرة العدل والمنطق والتي بمقتضاها مارس القضاء الإداري رقابته على الوجود المادي للوقائع وصحة التكييف القانوني لها وضرورة التناسب بين جسامة الذنب الإداري والعقوبة المقررة لها . والقضاء الإداري بهذا المعنى لا يخلق المبادئ العامة للقانون إنما يقتصر دوره على كشفها والتحقيق من وجودها في الضمير القانوني للأمة ، ولذلك فمن الواجب على الإدارة والقضاء احترامها والتقيد بها باعتبارها قواعد ملزمة شأنها في ذلك شأن القواعد المكتوبة .
الفصل الرابع أساس القانون الإداري:سعى الفقه والقضاء نحو إيجاد أساس أو فكرة عامة تصلح أن تكون دعامة تقوم عليها مبادئ ونظريات القانون الإداري وتحديد المعيار المميز لموضوعاته عن موضوعات القوانين الأخرى . وإذا كان القانون الإداري في معناه التقليدي قد نشأ في ظل النظام القضائي المزدوج فإن البحث عن أساس القانون الإداري يساهم بالإضافة إلى بيان الأساس النظري والفني لأحكام ومبادئ القانون الإداري , إلى وضع الأسس الكفيلة بتعيين الاختصاص بين القضاء الإداري والقضاء المدني خاصة وقد فشل المشرع في تحديد معاني أو موضوع المنازعة الإدارية وإعداد قائمة باختصاص القضاء الإداري , لعدم تمكنه من التنبؤ مسبقاً بمختلف المنازعات ذات الطبيعة الإدارية ، كما أن القضاء الإداري لم يعد جهة قضاء استثنائي كما نشاء ابتداءً إنما أصبح نظام قضائي موزاي لنظام القضاء المدني وله أهميته وأصالته .
وعلى ذلك كان لابد من وضع معيار ثابت ومستقر لتحديد أساس القانون الإداري ، وظهر في هذا المجال عدة نظريات أو معايير رغم تعددها لم تعش طويلاً إنما راح بعضها يغلب على بعض تباعاً واندماج بعضها بالبعض الآخر لسد ما انكشف فيها من نقص أو قصور .
وسنعرض فيما يلي لأهم هذه المعايير …
المبحث الأول
معيار أعمال السلطة وأعمال الإدارة
يقوم هذا المعيار على أساس تقسيم أعمال الإدارة إلى صنفين أعمال سلطة Acte d’autorité وهي الأعمال التي تظهر فيها الإدارة بمظهر السلطة العامة وتتمتع بحق الأمر والنهي وهذا النوع من الأعمال تحكمه قواعد القانون الإداري ويخضع لاختصاص القضاء الإداري .
وأعمال الإدارة العادية Actte de gestion وهي الأعمال التي تباشرها الإدارة بذات الأساليب التي يلجأ إليها الأفراد وفي نفس ظروفهم , وتحكمها قواعد القانون الخاص ويختص بها القضاء العادي لأنها لا تتصف بطابع السلطة . وقد سادت هذه النظرية حتى نهاية القرن التاسع عشر وكان من أنصارها الفقيه لافيرير وبارتلمي Berthelemy ، واعتمد القضاء الفرنسي عليها فترة من الزمن أساساً وحيداً للقانون الإداري . إلا أن القضاء الإداري لم يلبث أن هجر هذا المعيار بفعل الانتقادات الموجه إليه ، وكان النقد الأساسي يتمثل في أنه ضيق إلى حد كبير من نطاق القانون الإداري ومن اختصاصات القضاء الإداري ، فطبقاً لهذه النظرية تقتصر أعمال السلطة على القرارات الإدارية والأوامر التي تصدرها سلطات الضبط الإداري لحفظ النظام العام ، وتستبعد من نطاق تطبيقها جميع الأعمال الأخرى من قبيل العقود الإدارية وأعمال الإدارة المادية .
كما أن هذا المعيار وبالرغم من بساطته ووضوحه صعب التطبيق في الواقع أو ليس من السهل التمييز بين أعمال السلطة وتصرفات الإدارة العادية نظراً لطبيعته وتداخل النشاط الإداري .
المبحث الثاني معيار المرفق العام ::
ظهر هذا المعيار وتبلور ابتداءً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، وأصبح الفكرة الأساسية التي اعتمدت عليها أحكام مجلس الدولة الفرنسي ومحكمة التنازع كأساس للقانون الإداري ومعيار لاختصاص القضاء الإداري ، وكان حكم روتشليد Rotchild الصادر عام 1855 وديكستر Dekester الصادر عام 1861 من الأحكام الأولى في تقرير هذه الفكرة.
إلا أن حكم بلانكو Blanco الصادر عام 1873 يمثل في نظر الفقه والقضاء حجر الزاوية في نظرية المرفق العام Theorie de Service Public وتتخلص وقائع هذا الحكم في انه صدمت عربة صغيرة تتبع مصنع تبغ بوردو طفلة فأوقعتها وجرحتها , فرفع والد الطفلة النزاع إلى القضاء العادي طالباً التعويض من الدولة باعتبارها مسؤولة مدنياً عن الخطاء الذي ارتكبه عمال المصنع التابع لها , إلا أن محكمة التنازع قررت أن الجهة المختصة بالنظر في النزاع هي القضاء الإداري وليس القضاء العادي , وقضى بأنه ” لا تختص المحاكم العادية أطلاقاً بنظر الدعاوى المقامة ضد الإدارة بسبب المرافق العامة أياً كان موضوعها , حتى لو كانت تستهدف قيام القضاء العادي بمجرد الحكم عليها بمبالغ مالية تعويضاً عن الأضرار الناشئة عن عملياتها دون إلغاء أو تعديل أو تفسير قرارات الإدارة ” .
ومن جانب آخر قرر هذا الحكم قواعد جديدة تحكم المسؤولية عن الأضرار التي تسببها المرافق العامة فورد ” ومن حيث أن مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تسببها للأفراد بفعل الأشخاص الذين تستخدمهم في المرفق العام لا يمكن أن تحكمها المبادئ التي يقررها التقنين المدني لتنظيم الروابط بين الفراد بعضهم وبعض ، وأن هذه المسؤولية ليست عامة ولا مطلقة ، بل لها قواعدها الخاصة التي تتغير تبعاً لحاجات المرفق , ولضرورة التوفيق بين حقوق الدولة والحقوق الخاصة ” . ( )
وتطبيقاً لهذه النظرية فإن أساس القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، إنما يتعلق بكل نشاط تديره الدولة أو تهيمن على إدارته ويستهدف تحقيق المصلحة العامة .
والمرفق العام بهذا المعنى هو النشاط الذي تتولاه الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى مباشرة أو تعهد به إلى جهة أخرى تحت إشرافها ومراقبتها وتوجيهها وذلك لإشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .
وقد عزز هذا الاتجاه أن وضع العميد (ديجي) Dugui لأسس نظريته عن المرافق العامة التي كان لها شأن كبير بين نظريات القانون الإداري حتى باتت تقوم على اعتبار المرفق العام ومقتضيات سيره المبرر الوحيد لوجود نظام قانوني خارج عن المألوف في قواعد القانون الخاص .
وقد تجاوزت هذه النظرية الانتقادات التي وجهت لمعيار التفرقة بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية ، فشملت جميع نشاطات الإدارة المتصلة مباشرة بالمرافق العامة التي يحكمها القانون الإداري
ويختص القضاء الإداري في نظر المنازعات الناشئة عنها من قبيل القارات والعقود الإدارية والأعمال المادية سواء أصدرت عن الدولة أو الأشخاص العامة الأخرى التابعة لها , ما دامت تستهدف من هذه الأعمال إشباع حاجات ذات نفع عام تحقيقاً للصالح العام .
مع ضرورة الإشارة إلى استثنائين محدودين في هذا المجال يتعلق الأول بإدارة الدولة أو الأشخاص التابعة لها لأموالها الخاصة فلا تكون في نكون في هذه الحالة أمام مرفق عام , أما الاستثناء الأخر فيتعلق بعدول الإدارة عن استعمال وسائل القانون العام واستعمالها قواعد القانون الخاص في إدارة نشاط من نشاطاتها وفي هاتين الحالتين تطبق قواعد القانون الخاص, ويختص القضاء العادي بنظر المنازعات الناشئة عنها .
وقد أيد جانب كبير من فقهاء القانون الإداري هذه النظرية كأساس للقانون الإداري الذي أصبح يسمى ” قانون المرافق العامة ” وأطلق على أنصارها ” مدرسة المرافق العامة ” .
ومن أبرز فقهاء هذه المدرسة تيسيه Teissier , ديجي Duguit , وبونار Bonnard وجيز Jeze .
أزمة نظرية المرفق العام
رغم النجاح الكبير الذي حققته هذه النظرية كأساس للقانون الإداري ومبادئه وأحكامه ومعياراً لتحديد اختصاصات القضاء الإداري , واحتلالها مركز الصدارة بين النظريات الأخرى خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين , لم تلبث أن تراجعت بفعل تطور الحياة الإدارية , والتغييرات التي طرأت في القواعد التي قامت عليها فكرة المرافق العامة , بتأثير من سياسة الاقتصاد الموجه والمبادئ الاشتراكية وزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وما رافق ذلك من ظهور المرافق الاقتصادية والاجتماعية والصناعية والمرافق المهنية المختلفة . ( )
ومن الأسباب الأخرى لتراجع نظرية المرفق العام كما اصطلح على تسميتها ظهور مرافق عامة ذات نفع عام يديرها الأفراد أو الأشخاص المعنوية الخاصة .
وأدت هذه التطورات مجتمعة إلى صعوبة تحديد مضمون المرفق العام , مما دعى الفقه والقضاء إلى البحث عن معيار آخر للقانون الإداري , إلا أنه مع ما أصاب هذه النظرية من نقد بقيت أحكام مجلس الدولة الفرنسي تؤكد دور المرفق العام كأساس للقانون الإداري إلا أن هذا الدور لم يعد كافياً أو حجر زاوية كما كان في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري واختصاص القضاء الإداري .
المبحث الثالث معيار السلطة العامة وأمتياراتها
إزاء الانتقادات الموجة إلى معيار المرفق العام , طرح جانب من الفقه معياراً آخر بديل عنه هو معيار السلطة العامة , ومقتضاه أن فكرة السلطة , هي الأقدر في تحديد نطاق تطبيق القانون الإداري ونطاق اختصاص القضاء الإداري ، ذلك أن العنصر المهم في نظام القانون الإداري المميز له عن القانون الخاص لا يتعلق بالأهداف أو الغايات التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها المتمثلة بالمنفعة العامة كما ذهبت نظرية أو معيار المرفق العام، وإنما يقوم على أساس الوسائل التي تستعملها الإدارة في سبيل تحقيق تلك الأهداف، فإذا كانت هذه الوسائل تتميز بسلطات وامتيازات استثنائية لا نظير لها في علاقات الأفراد، كنا أمام نشاط يحكمه القانون الإداري ويختص بالمنازعات الناشئة عنه القضاء الإداري .( )
وقد أسس هذا المعيار العميد موريس هوريو Hauriou الذي أنشاء مدرسة مناهضة لمدرسة المرفق العام أطلق عليها ” مدرسة السلطة العامة ” ، ومبادئ هذه النظرية متميزة عن نظرية السلطة العامة التقليدية والتي تفرق بين أعمال السلطة وأعمال الإدارة العادية .
فنظرية السلطة العامة كما ذهب هوريو لا تتعلق بالأوامر والنواهي إنما تشمل كل نشاط إداري تمارسه الإدارة مع استعمالها لوسائل القانون العام غير المألوفة في القانون الخاص .
ومن الجدير بالذكر أن ” هوريو ” لم ينكر فكرة المرفق العام ، إنما جعلها ثانوية بالمقارنة مع دور السلطة العامة كأساس للقانون الإداري ومعيار لتحديد اختصاص القضاء الإداري , فهو غلب عنصر الوسائل التي تستخدمها الإدارة على عنصر الغاية أو الهدف.( )
المبحث الرابع: معيار المنفعة العامة
نادى بهذه الفكرة الأستاذ مارسيل فالين Waline الذي كان من أشد المدافعين عن معيار المرفق العام ثم تخلى عنه تحت تأثير الأزمة التي مر بها هذا المعيار ، واقترح محله فكرة المنفعة العامة .
وتقوم هذه الفكرة على أن أساس القانون الإداري ومعيار اختصاص القضاء الإداري إنما يقوم على تحقيق المنفعة العامة والمصلحة العامة ، فالنشاط الإداري يستهدف تحقيق النفع العام وهو ما يميزه عن النشاط الخاص .
وقد اعتمد فالين في تأسيس نظريته على حكم مجلس الدولة في قضية بلدية مونسيجور Commune de Monsegur الصادر في 10/6/1921 وتتلخص وقائع القضية أنه وقع حادث لصغير حرج في كنيسة مونسيجور بسقوط حوض ” ماء مقدس ” تسبب فيه بتعلقه واثنين من زملائه به ، مما أصابه بعاهة مستديمة تمثلت بقطع ساقه ، وقد حصل والد الطفل على حكم من مجلس الإقليم بإلزام البلدية المسئولة عن صيانة الكنيسة بالتعويض ، وقد استئنفت البلدية هذا الحكم من ناحية أنه منذ عام 1905 لم تعد البلدية مسؤولة عن دور العبادة لانفصال الدين عن الدولة بقانون 9/9/1905 ولم تعد الكنائس منذ هذا التاريخ مرافق عامة ، وبالتالي لا تدخل دعوى التعويض في اختصاص القضاء الإداري .
غير أن مجلس الدولة لم يأخذ بهذا الدفع وأسس قضائه على أنه وأن لم تعد مرافق العبادة مرفقاً عاماً منذ انفصال الدين عن الدولة ، فإن ترك الكنائس تحت تصرف المؤمنين والمكلفين بإقامة شعائر العبادة لممارسة ديانتهم إنما يكون تنفيذاً لغرض ذي نفع عام . ( )
وفكرة المنفعة العامة هذه أكثر اتساعاً من فكرة المرفق العام إلا أنها لم تسلم من النقد الشديد من حيث أن جل عمل الدولة إنما يتعلق بتحقيق المنفعة العامة أو المصلحة العامة .
كما أن تحقيق النفع العام ليس حكراً على الدولة وأجهزتها الإدارية ، وإنما قد يساهم الأفراد في تحقيقها وذلك من خلال المؤسسات والمشروعات الخاصة ذات النفع العام وهي مشاريع تخضع لأحكام القانون الخاص ويختص القضاء العادي بالمنازعات الناشئة عنها .
لذلك لم تعش هذه الفكرة طويلاً ولم تصلح أساساً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري لسعتها وعدم تحديدها وسرعان ما تخلى عنها فالين نفسه واتجه نحو معيار آخر .
المبحث الخامس معيار السلطة العامة الحديث
حاول جانب من الفقه إحياء فكرة السلطة العامة وتجديدها لتصلح أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، ومن هؤلاء الأستاذ جورج فيدل George Vedel الذي ذهب إلى أن فكرة السلطة العامة لا تعني فقط استخدام الإدارة لامتيازات وسلطات القانون العام باعتبارها سلطة آمره ، وإنما تشمل أيضاً القيود التي تحد من حرية الإدارة وتفرض عليها التزامات أشد من الالتزامات المفروضة على الأفراد في ظل القانون الخاص .( )
ومن هذه القيود عدم أمكان تعاقد الإدارة إلا بإتباع إجراءات وشروط معينة لا نظير لها في القانون الخاص ، كأتباعها أسلوب المناقصات أو المزايدات عند اختيار المتعاقد معها .
ومن ثم لا يكفي اتصال نشاط الإدارة بمرفق عام حتى تكون بصدد تطبيق القانون الإداري إنما يجب أن تكون لإدارة قد استخدمت في نشاطها امتيازات وسلطات استثنائية لا مثيل لها في القانون الخاص أو التزمت بقيود وحدود غير مألوفة في هذا القانون ، وفي الحالتين يختص القضاء الإداري بالمنازعات الناشئة عن مباشرة هذا النشاط .
وعلى عكس ذلك يختص القضاء العادي ويطبق القانون الخاص على كل نشاط تؤديه الإدارة مستخدمة أساليب مشابهة لتلك التي يستخدمها الأفراد أو لا تتضمن امتيازات أو شروط استثنائية .
وقد صادف هذا المعيار نجاحاً وقبولاً في الفقه والقضاء الإداريين وانحاز إليه فالين بعد أن تخلى عن معيار المرفق العام وبعده معيار النفع العام .
المبحث السادس
معيار الجمع بين المرفق العام والسلطة العامة
إزاء الانتقادات الموجهة لكل معيار من المعايير السابقة وعجزها في أن تكون أساساً وحيداً للقانون الإداري ومعياراً لتحديد اختصاص القضاء الإداري ، لم يعد الفقه والقضاء يتمسكان بفكره واحدة , واتجها نحو الجمع بين فكرتي السلطة العامة والمرفق العام .
وفي هذا المجال حاول الأستاذ De Laubadere تجديد معيار المرفق العام بعد ما أصابه من تفكك نتيجة الأزمات التي تعرض لها وذلك عن طريق الجمع بين فكرتي المرفق العام والسلطة العامة ، لكنه جعل الأولوية للمرفق العام ، ثم يأتي استخدام أساليب القانون العام في المرتبة الثانية لسد الفراغ في المجالات التي عجز معيار المرفق العام عن القيام بدوره فيها . ( )
بينما ذهب الأستاذ شابي Chapus إلى تغليب فكرة السلطة العامة على فكرة المرفق العام فقال أنه يجب أن لا نعتقد أن معيار الشروط المخالفة ” السلطة العامة ” دائماً معياراً مساعداً ، فالمعيار المأخوذ من الموضوع هو دائماً معيار مبدأ ، ففي كثير من الأحيان يفضل القاضي استخدام معيار الشرط غير المألوف وهذا يكون أسهل أو مناسباً أكثر . ( )
وعلى هذا الأساس فإن المرفق العام وأن كان عنصراً مهماً في تحديد أساس القانون الإداري إلا أنه لا يكفي لأداء هذا الدور بعد أن أتضح سعة مفهومة وعدم اقتصاره على المرافق الإدارية فظهرت فكرة المعيار المزدوج التي أيدها جانب كبير من الفقه وأخذ بها القضاء الإداري في فرنسا في أغلب أحكامه
وعلى ذلك فإن أساس القانون الإداري لا يرجع لمعيار واحد من المعايير السابقة , إنما يجب الجمع بين المعياريين المهمين المرفق العام والسلطة العامة ، ومن ثم ليكون العمل إدارياً وخاضعاً للقانون الإداري واختصاص القضاء الإداري ، يجب أولاً أن يكون عملاً إدارياً أو نشاطاً متعلقاً بمرفق عام ” نظرية المرفق العام ” .
وثانياً : أن تكون الإدارة في هذا النشاط قد استخدمت امتيازات أو وسائل وسلطات استثنائية وغير مألوفة في القانون الخاص ” نظرية السلطة العامة ” ـ مع ضرورة التنبيه أن السلطة العامة لا تبرز من خلال الامتيازات الممنوحة للإدارة حسب وإنما تشمل القيود الاستثنائية المفروضة عليها في أحيان أخرى

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني هام حول مفهوم الإجهاض و موضعه من السياسة الجنائية

مفهوم الإجهاض وموضعه من السياسة الجنائية

مفهوم الإجهاض وموضعه من السياسة الجنائية .

تمهيد وتقسيم:-
تحتاج فكرة الإجهاض في تحديد مفهومه وموضعه من السياسة الجنائية إلي بيان تعريف الإجهاض من الناحية اللغوية والطبيعية ، ثم لا سيما ، من الناحية القانونية التي قد تتفق أو تختلف مع تعريف الإجهاض عند أهل الطب ، ثم نرى وجهة القضاء سوء في الأردن أو في مصر لنستخرج من كل ذلك , ما يمكننا من تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال.
لذا اختلفت المجتمعات في كيفية معالجة الإجهاض باختلاف درجة الوعي الصحي والنضج العقلي عند أفرادها , كما أن الطوائف الدينية في العالم يشجعون عل زيادة النسل ويخصصون جوائز لمن ينجب عدداً أكبر من الأطفال 0 ولذلك كان حري بنا أن نتطرق لموقف التشريعات السماوية من الإجهاض وفق ترتيب نزولها السماوي , بادئين باليهودية مارين بالمسيحية ، مختتمين بشيء من التعمق الشريعة الإسلامية وموقفها من الإجهاض والعقاب عليه وفق المراجع المتاحة , ونتبعه بدراسة لموقف بعض القوانين الوضعية من الإجهاض .
ووفقاً لما سبق سنقسم هذا الفصل إلي مبحثان ويتناول كل مبحث مطلبين وهو على النحو التالي من التقسيم:-
المبحث الأول:- تعريف الإجهاض تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال .
المطلب الأول:- تعريف الإجهاض .
المطلب الثاني:- تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال .
المبحث الثاني:- موقف الشرائع السماوية والقوانين الوضعية في الإجهاض .
المطلب الأول:- موقف الشرائع السماوية في الإجهاض .
المطلب الثاني:- موقف القوانين الوضعية في الإجهاض .

المبحث الأول
تعريف الإجهاض وتميزه عما يشتبه به من أفعال
تمهيد وتقسيم:-
من الجدير بالذكر أنه لم يرد في القانون تعريف للإجهاض حيث أن القانونين محل المقارنة لم تعرف الإجهاض وإنما ترك أمر تعريف الإجهاض للفقه والقضاء مما أدى إلي الاختلاف في التعريف , كما أن دراسة الإجهاض كظاهرة اجتماعية توضح لنا الحدود الفاصلة بين الإجهاض وبين الأفعال المشابه له مثل منع الحمل والقتل , وعليه ينقسم هذا المبحث إلي مطلبين , نتناول في المطلب الأول تعريف الإجهاض , إما المطلب الثاني فيتناول تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال على النحو التالي من التقسيم:-
المطلب الأول: تعريف الإجهاض.
المطلب الثاني: تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال.

المطلب الأول
تعريف الإجهاض
معظم التشريعات لا تعرف الإجهاض , وإنما تترك ذلك للفقه والقضاء مما أدى إلي الاختلاف حول تعريف الإجهاض , وهذا ما سيدرسه الباحث على النحو التالي .
الفرع الأول
تعريف الإجهاض من الناحية اللغوية والطبيعية والقانونية .
أ – تعريف الإجهاض من الناحية اللغوية
الجنين في اللغة هو ” حمل المرأة ما دام في بطنها ” فإن خرج فهو ” ولد ” وأن خرج ميتا فهو ” سقط ” وقد يطلق عليه أنه جنين أيضا(1), كما يعني الإجهاض في اللغة إسقاط الجنين قبل أوانه بحيث يؤدي ذلك إلي وفاته ويسند الفعل إلي المرأة نفسها فيقال أجهضت المرأة فهي مجهض إذا أسقطت جنينها وألا يقال أجهضها بمعنى جعلها تسقط جنينها وأصلها الناقه فقد جاء في القاموس المحيط , المجهض هو الولد السقط أو ما تم خلقه ونفخ فيه روحه من غير أن يعيش , وأجهض الناقة ألقت ولدها وقد بنت وبره فهي مجهض(1), وقد جاء تعريف الإجهاض بمعني أخر وهو إسقاط الجنين ناقص الخلقة وناقص المدة سواء من المرأة أو من غيرها قبل الموعد المحدد للولادة (2) .
ب- تعريف الإجهاض من الناحية الطبيعية.
ويعني الإجهاض من الناحية الطبيعية الوضع المبتسر ، فالإجهاض وضع لأن فيه إخراج أو طرح ناتج الحمل وهو مبتسر لأنه يحدث قبل الأوان أي قبل أن يتم الجنين الأشهر الرحمية المقررة , لهذا يعرف الإجهاض بأنه خروج متحصلات الرحم قبل تمام الأشهر الرحمية(3), ما يعرف بأنه إخراج الجنين عمداً من الرحم قبل الموعد الطبيعي لولادته أو قتله عمداً في الرحم(4), كما أنه كل طرد للبويضة الملحقة (5), أو إنهاء الحمل قبل الأسبوع الثامن والعشرين أي في السبعة الأشهر الأولى من بدء الحمل(6).
جـ- تعريف الإجهاض من الناحية القانونية :-
ذهب البعض إلي اختلاف موقف التشريعات الوضعية من تعريف الإجهاض مثل قانون العقوبات الأردني وقانون العقوبات المصري شأنها في ذلك شأن الكثير من التشريعات الوضعية بحيث لم تضع تعريفاً للإجهاض(7), على عكس القانون الألماني الذي عرف الإجهاض بأنه قتل الجنين في الرحم(8), وقد أدى إلى هذا اختلاف نظرة الفقهاء نحو القيمة أو الحق الذي يحميه القانون من تجريم الإجهاض ذلك أن البعض يرى أن القانون أراد حماية الجنين(1)، بينما يرى البعض الآخر أن القانون أراد ضمان تطور الحمل الطبيعي(2).
فإذا أخذنا بالرأي الأول فإن الإجهاض هو نوع من القتل أو بالأحرى قتل الطفل والنتيجة المنطقية للأخذ بهذا الرأي هي أن الجريمة لا تقوم إذا لم تنعدم حياة الطفل لأن القتل لا يكون قد تحقق .
إما الرأي الثاني فيقول أن هناك إجهاض بالمعنى القانوني لهذا التعبير كلما أنقطع تطور الحمل بواسطة وسيلة غير طبيعية أيا كانت والظاهر أن أكثر المؤلفين الحديثين يؤخذون هذا الرأي ويرفضون نتائج الرأي الأول يعتبرون موت الطفل شرطاً أساسيا للجريمة)3(.
أما العلامة جارو فقد عرف الإجهاض بأنه “الطرد المبتسر الواقع إرادياً لمتحصل الحمل”(4), كما عرف الإجهاض على أنه إخراج الحمل من الرحم في غير موعده الطبيعي عمداً وبلا ضرورة وبأية وسيلة من الوسائل(5).
وقد عرف بعض الفقهاء الإجهاض “بأنه استعمال وسيلة صناعية تؤدي إلى طرد الجنين قبل موعد الولادة إذا تم بقصد أحداث هذه النتيجة”(6),ولكننا نرى أن هذا الرأي يعيبه أن الإجهاض لا يشترط أن يتم بوسائل صناعية ، بل ربما نتيجة نشاط على الرحم كإدخال اليد في الرحم أو الضرب المفضي إلي الموت وكذلك فقد عرفه البعض بأنه “القيام بأفعال تؤدي إلى إنهاء حالة الحمل لدى المرأة قبل الوضع الطبيعي إذا تمت تلك الأفعال بقصد أحداث هذه النتيجة”(7).
ويرى سير وليام – الفقيه الإنجليزي .. “أن الإجهاض هو تدمير متعمد للجنين في الرحم ، أو أي ولادة سابقة لأوانها بقصد أماتت الجنين”(8).
د- موقف القضاء من تعريف الإجهاض :-
يعرف القضاء المصري جريمة الإجهاض بأنها “تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان”(1) وقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنه تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان ، ومتى تم ذلك فان أركان هذه الجريمة تتوافر ولو ظل الحمل في الرحم الحمل بسبب وفاتها ، وليس في القانون ما يفيد أن لفظ الإسقاط تعني أن خروج الحمل من الرحم ركن من أركان الجريمة وذلك بأنه يستفاد من نصوص قانون العقوبات المتعلقة بجريمة الإسقاط افتراض بقاء الأم على قيد الحياة لذلك أستخدم لفظ الإسقاط ولكن ذلك لا ينفي قيام الجريمة متى انتهت حالة الحمل قبل الأوان ولو ظل الحمل في الرحم بسبب وفاة الحمل(2).
كما عرفت محكمة التميز الأردنية الإجهاض بأنه “تعمد إنهاء حالة الحمل قبل الأوان”(3) وفي نهاية التعريفات ذهب أهل الطب إلى تعريف الإجهاض أنه “انتهاء الحمل قبل حيوية الجنين وتقدر حيويته بثمانية وعشرين أسبوعاً ، وهي تساوي سبعة أشهر ويكون الجنين فيها مكتمل الأعضاء ، وله القدرة على الحياة(4), كما عرف بأنه خروج الجنين من الرحم قبل اكتمال نموه في وقت لا يستطيع العيش فيه خارج الرحم(5).
ويرى الباحث أن هذه الآراء , سوءا تلك الفقهية أو القضائية لم تختلف على محل الجريمة وهو الجنين , وإنما جاء الاختلاف حول ؛ مبررات التجريم من ناحية أولى عندما اختلفوا حول الحق المراد حمايته بتجريم الإجهاض , وجاء الاختلاف من ناحية ثانية نتيجة لمبررات قانونية ؛ ومن ذلك أن البعض أدخل فكرة العمد في الإسقاط , وزاد البعض وجوب أن يكون الإسقاط دون حالة الضرورة , وأضاف أهل الطب أن الإجهاض أو إنهاء الحمل يجب أن يأتي قبل حيوية الجنين ….. الخ , ويرى الباحث أن تعريف الإجهاض ؛ يختلف باختلاف رؤية المشرع في كل دولة باختلاف الأركان والشروط التي ينص عليها كل قانون على حده , وعليه فأنه يمكن وضع تعريف الإجهاض لكل قانون على حده وذلك بالاستعانة بفكرة التميز بين الإجهاض وما يشتبه به من جرائم أخرى كالقتل , ولا يصادر هذا الرأي على المطلوب ؛ لأن الحديث هاهنا ينصب على وضع تعريف للإجهاض لكل قانون على حده , ومن ثم فأن محددات عدة تبرز أمام الفقه لوضع هذا التعريف , ومثال ذلك أن يكون من ضمن العناصر التي تدخل في تعريف الإجهاض , فكرة وقوع الجريمة على جنين وليس على أنسأن حي , لنميز بين الإجهاض والقتل داخل القانون المصري على سبيل المثال … وهكذا الحال في كافة القوانين الأخرى وهذا ما سيتناوله الباحث فيما بعد عند الحديث عن تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال.
الفرع الثاني
تعريف الإجهاض في الشريعة الإسلامية
ذهب بعض الفقهاء إلي تعريف الإسقاط بأنه كل ما طرحته المرأة مما يعلم أنه طفل “ولد أو بنت”(1), كما عرف الجنين بأنه الحمل(2) . أو ما يعبر عنه عند الحنفية بالجناية ويطلق على ما هو نفس من وجهه دون وجه ، لأن الحنين من ناحية يعتبر نفسا لأنه أدمى ولا يعتبر نفسا من ناحية ثانية لأنه لم ينفصل عن رحم أمه وهو جزء منها ، أما جمهور الفقهاء فإن الإجهاض لديهم يعد جناية على الجنين محلها إسقاط الجنين أو إجهاض الحامل والاعتداء على حياة الجنين وهو كل ما يترتب عليه انفصال الجنين عن أمه(3) .
ولقد قسم الفقهاء الجناية في مفهومها الخاص بحسب خطورتها إلى ثلاث أنواع :-
أ?- جناية على النفس وهي القتل.
ب?- جناية على ما دون النفس وهي الضرب والجرح.
ج?- جناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهي الجناية على الجنين والإجهاض ، ذلك لأن الجنين يعد جزءا من أمه وليس نفسا مستقلة عنها في الواقع ومن جهة أخرى يعد نفساً مستقلة عن أمه بالنظر للمستقبل , لأن له حياة خاصة وهو يتهيأ لأن ينفصل عنها بعد حين ويصبح ذا وجود مستقل , أما الجناية بمفهومها العام فقد قسمها الفقهاء إلى ما يلي:-
1) جنايات على الأبدان والنفوس والأعضاء وهو المسمى قتلا وجرحاً.
2) جنايات على الفروج وهو المسمى زنا.
3) جنايات على الأموال وسواء أكان مأخوذا بالحرب أو كان مأخوذا على وجه الخفية أو كان مأخوذا بعلو الرتبة الذي يسمى غصبا .
4) جنايات على الأعراض وهو المسمي قذفاً.
5) جنايات بالتعدي على استباحة ما حرمه الله من المأكول والمشروب(1) .
والجنين عند مالك وأصحابه هو “كل ما طرحته المرأة مما يعلم أنه ولد سواء كان تام الخلقة أو كان مضغه أو علقه أو دما”ً(2), ويقول البستاني في دائرة المعارف : “الجنين هو الولد مادام في بطن أمه ، ويكون أولاً نطفة ثم يصير علقه ثم يصير مضغة ثم جنيناً “(3) .
أما الجنين عند الشافعية “هو ما فارق العلقة والمضغة وبدأت عليها دلائل التخلق , وكذا إذا كانت المضغة ولم يتبين فيها شئ من خلق فشهد ثقاة بأنه مبدأ خلق أدمي لو بقى لتصور”(4) قال تعالى : “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقه فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين”(5).
مما سبق نجد أن التعاريف السابقة شاملة لجميع الأفعال سواء وقع من الأم الحامل نفسها أم من غيرها وسواء كان فعلاً مادياً إيجابيا باستخدام وسائل دون حصر لها , أم فعلاً سلبياً على أن يكون من شأن هذا النشاط أن يؤدي لإحداث النتيجة وهي إنهاء حالة الحمل ، سواء بخروج الجنين حيا أو ميتا ، أو بقائه داخل الرحم ولكن بموت الأم والذي سيتتبع وفاة الجنين.
المطلب الثاني
تميز الإجهاض عما يشتبه به من أفعال .
قبل أن ندرس الإجهاض كجريمة ، وكظاهرة اجتماعية ، علينا أن نوضح الحدود الفاصلة بينة وبين الأفعال مشابهة له ، أو تتداخل معه ، لذلك فمن الحكمة أن نبين الحدود الفاصلة بين فعل الإجهاض وبعض الأفعال التي تقترب منه حيث يتدخل الإجهاض ومنع الحمل في نقطة هامة جداً ألا وهي متى يبدأ الحمل(1).
كما يتدخل الإجهاض مع جريمة القتل في نقطة هامة أيضا وهي متى ينتهي الحمل بمعنى متى تسقط عن الكائن البشري المنتظر صفة الجنين لتحل محلها صفة الإنسان(2).
الفرع الأول
الإجهاض ومنع الحمل :-
يقصد بمنع الحمل هو الحيلولة بوسيلة ما دون حصول الحمل عند المرأة , ويقول الأمام الغزالي وهو بصدد التفرقة بين منع الحمل والإجهاض : “وليس هذا – أي منع الحمل – كالإجهاض والوأد – لأن ذلك – أي الاستجهاض والوأد – جناية على موجود حاصل والوجود له مرتب ، أول مرتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة ، وتستعد لقبول الحياة ، وإفساد ذلك جناية ، فان صارت علقه أو مضغة ، كانت افحش ، وان نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ، ازدادت الجناية تفا حشا ، ومنتهى التفا حش في الجناية – هي بعد الانفصال حيا”(3).
بداهة أن منع الحمل قبل حدوثه لا يكون إجهاضا غير أنه إذا تم بعملية جراحية نجمت عنها أضرار وإصابات بالمجني عليه(4) ، كالعقم الدائم الذي يجعل صاحبه غير صالح للإنجاب عندها يعد الفاعل مرتكباً لجناية العاهة المستديمة ولا عبرة برضا المجني عليه(5), فالفرض هنا عدم وجود حمل ، وأن تلك الوسائل ينحصر عملها ووظيفتها في الحيلولة دون حدوث الحمل وعليه فان بدء الحمل هو النقطة الفاصلة بين اعتبار الوسيلة التي أمامنا وسيلة للإجهاض أو وسيلة لمنع الحمل أما الإجهاض فهو إنهاء الحمل قبل الموعد الطبيعي للولادة وفي الإجهاض يفترض وجود حمل ، ثم إنهاء نموه وتطوره ، فإذا لم يوجد حمل – فلا مجال للقول بحدوث الإجهاض(1), وبما أن الإجهاض ومنع الحمل يتدخلان عند نقطة هامة وهي بداية الحمل حيث يوجد اتجاهات في تحديد بدء الحمل .
الاتجاه الأول:-
يرى بان الحمل يبدأ من لحظة اللقاح أي التقاء البويضة بالحيوان المنوي ، فمنذ هذه اللحظة يصبح للبويضة الملقحة حرمة بحيث أن أي اعتداء عليها يعتبر إسقاطا للحمل(2).
الاتجاه الثاني :-
يرى أن الحمل يبدأ بتمام زراعة البويضة الملقحة في جدار الرحم أما الفترة ما بين التلقيح والزراعة فلا يكون هنالك حالة حمل(3), إذا فالرأي الأول يرى أن الحمل يبدأ بمجرد التلقيح أما الثاني يقرر أن الحمل يبدأ بعد عملية زراعة البويضة الملقحة بجدار الرحم.
فإذا علمنا أن اكثر الوسائل المستعملة لمنع الحمل ، تؤدي عملها بوجه عام أما بمنع التقاء السائل المنوي بالبويضة ، أو حتى بإعاقة خروج البويضة من المبيض أو عن طريق وقف السائل المنوي حتى لا يصل إلى البويضة ، فمثل تلك الوسائل لا تثير أي مشاكل(4), لذلك نجد أنه لا يوجد أي بويضة مخصبة ، وبالتالي فانه لا يوجد حمل سوءا بناءاً على الرأي الأول أو على الرأي الثاني ومن ثم فلا يوجد علاقة بين الإجهاض ومنع الحمل, ومن هنا يتبين لنا أن استعمال وسائل منع الحمل بحسب التشريع المصري وأغلب التشريعات الحديثة يعد عملا مباحاً يخرج من دائرة التحريم والتأثم(5)، ذلك بعكس استعمال الوسائل لمؤدية لإسقاط الحمل فهو في الغالب – يعد عملاً مجرماً(6).
كما لا يوجد في القانون الأردني ما يحظر استخدام موانع الحمل ، ألا إذا تم منع الحمل بعملية جراحية نجم عنها إصابة الشخص بالعقم الدائم ويصبح بعدها غير صالح للإنجاب عندها يعد الفاعل مرتكباً لجناية العاهة المستديمة وفقا لنص المادة (335) من قانون العقوبات الأردني(1).
الفرع الثاني
الإجهاض وجريمة القتل
تختلف جريمة الإجهاض عن جريمة القتل في أن المجني عليه في الجريمة الأولى هو الجنين بينما في الجريمة الثانية فان المجني عليه هو إنسان حي , إذاً الاختلاف هنا في محل الحماية الجنائية حيث أن الإجهاض يستهدف إزهاق روح الجنين قبل الموعد الطبيعي للولادة في حين يستهدف القتل إزهاق روح إنسان حي(2), وتبعاً لذلك تختلف الحماية التي يوفرها المشرع الجزئي لكل من الجنين والإنسان(3) .
لذا يحمي المشرع الجزائي الجنين من خلال النصوص التي تعاقب على ارتكاب جريمة الإجهاض ، بينما يحمي المشرع الجزائي الإنسان الحي من خلال النصوص التي تعاقب على ارتكاب جرائم القتل والجرح ، والضرب(4).
كما نجد من خلال النظر إلى العقوبات المقررة في القانون الجنائي للجرائم الخاصة بالقتل نجد أنها اشد أقصى من العقوبات المقررة في جرائم الإجهاض ، كما أن القتل الخطأ والقتل الغير مقصود معاقب عليه أيضا ، أما الإجهاض لا يكون إلا عمداً بحيث لو وقع عن خطأ يكون غير معقب عليه(5), كما هو الحال في التشريع المصري حيث أن المشرع يعاقب على الشروع في القتل العمد ، في حين أنه نص بصراحة في المادة (264) من قانون العقوبات المصري بأنه لا يعاقب على الشروع في الإجهاض(6), كما يتضح أيضا أن المشرع المصري وازن بين حياة الجنين وحياة الإنسان فرجح الثانية على الأولى , حيث أجاز التضحية بالحق ذي القيمة الأقل , إنقاذا للحق ذي القيمة الأكبر ، فهو يرى أن حياة الجنين احتمالية في حين أن حياة الإنسان يقينية وبالتالي اختلف مدى الحماية الجنائية لكل منهما(1), وبالرغم من أن المشرع الأردني يستمد بعض مفاهيمه التشريعية من القانون الإنجليزي فانه لم يأخذ بوضع حدود واضحة كما في التشريع الإنجليزي(2), ومع ذلك يتفقا المشرع الأردني مع المشرع المصري في جواز إباحة التضحية بحياة الجنين إنقاذاً لحياة الحامل إذا كان في بقاء حملها ضرر يلحق بها , وبذلك فهو فاضل حياة الأم على حياة الجنين الغير مؤكدة .
أما المشرع الإنجليزي فقد حدد بشكل واضح لا لبث فيه نطاق كل من جريمة الإجهاض وجريمة القتل حيث أن الإجهاض يقع على الجنين منذ لحظة التصاق البويضة الملقحة بجدار الرحم(3), في حين أن القتل يقع على الإنسان الحي ، ولا يكتسب الجنين صفة الإنسان إلا بانفصاله التام عن أمه ، وحتى لا يبقى الجنين بمعزل عن الحماية الجنائية في فترة انتقاله إلى العالم الخارجي أي أثناء عملية الولادة فقد أوجد المشرع الإنجليزي جريمة مستقلة نص عليه قانون حماية الطفولة الصادر سنة 1992 وهي جريمة تدمير الوليد(4).
لذا فأن أغلب الفقه يرى أن الحياة الإنسانية تبدأ بمجرد بدأ عملية الولادة وبالتالي لا كلام عن الإسقاط بعد عملية الولادة ، وإنما يبدأ مجال الاعتداء على حياة الإنسان وسلامة جسمه(5), وقد وازن المشرع بين حياة الجنين الاجتماعية وحياة الإنسان اليقينية فرجع الثانية على الأولى وأباحت التضحية بحياة الجنين إنقاذا لحياة الأم(6).
وهذا الاختلاف بين نوعي الحياة يؤدي بالضرورة إلى تفاوت القيمة القانونية لكل منهما بالتالي اختلاف مدى الحماية الجنائية لكل منهما(7).

المبحث الثاني
موقف الشرائع السماوية والقوانين الوضعية في الإجهاض
سيتناول الباحث في هذا المبحث كلاً من موقف الشرائع السماوية في الإجهاض ويتبعه بدراسة لموقف بعض القوانين الوضعية في الإجهاض ، في مطلبين يخصص الأول لدراسة موقف الشرائع السماوية في الإجهاض بادئين باليهودية , مارين بالمسيحية , مختتمين بشيء من التعمق الشريعة الإسلامية وموقفها من جريمة الإجهاض ، في حين يخصص المطلب الثاني لبيان موقف القوانين الوضعية من الإجهاض.
المطلب الأول
موقف الشرائع السماوية في الإجهاض
تمهيد وتقسيم:
لم يرد ذكر الإجهاض في التوراة آلا من معرض إسقاط الجنين بالتعدي على المرأة ، أما الديانة المسيحية فقد عملت على تحريم الإجهاض وأما عن خاتمة الرسالات السماوية فقد قسم الفقه الإسلامي حكم الإجهاض إلى قسمين ، يتناول القسم الأول حكم إسقاط الجنين قبل نفخ الروح ، ويتناول القسم الثاني حكم إسقاط الجنين بعد نفخ الروح ، وقد رسخ الفقه الإسلامي رؤيته للإجهاض من خلال الاختلافات العديدة في مسائل الإجهاض المختلفة خلافاً للشرائع الأخرى . وذلك على حسب ما أتيح للباحث من مراجع ؛ وسيعمد الباحث إلى دراسة هذه الشرائع وفق ترتيب نزولها كالآتي .
أولا: الشريعة اليهودية:-
لم يرد ذكر الإجهاض في التوراة إلا في معرض إسقاط الجنين الحاصل بالتعدي على المرأة الحامل من الغير من غير عمد (غير مقصود) ، حيث يعاقب الفاعل في مثل هذا الحال بالغرامة التي يفرضها زوج المرأة المجهض وتدفع هذه الغرامة أما القضاء ، أما إذا كان الفعل الواقع على المرأة الحامل قد ارتكب عمداً فان العقوبة تكون النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن(1), حيث جاء في سفر الخروج “……. وإذا تخاصم رجال وصدموا امرأة حبلى فسقط ولدها ، ولم تحصل أذية ، يغرّم كما يضع عليه زوج المرأة الحامل ، ويدفع عن يد القضاة أن حصلت أذية ، تعطي نفس بنفس ، وعين بعين ، وسنا بسن ، ويدا بيد ، ورجلاً برجل ، وكياً بكى وجرحاً بجرح ورضا برض”(1).
ولم تعاقب التوراة على الإجهاض الاختياري حيث اعتبرت أن الجنين جزء من جسم المرأة الحامل ، وطرحه لا يستوجب اكثر من عقوبة الغرامة البسيطة(2).
ثانيا:- الشريعة المسيحية:-
يهتم المسيحيون بكثير النسل ويحاربون تحديده ، ومما ينسب إلى البابا بيوس الثاني عشر قوله في الاتحاد الإيطالي لجمعيات العائلات الكثيرة العدد سنة 1958 “إن خصب الزوج شرط لسلامة الشعوب المسيحية ودليل على الأيمان بالله والثقة بعنايته الإلهية ومجلبه للأفراح العائلية”(3).
لذا عملت الديانة المسيحية على تحريم الإجهاض وكانت فلسفة الديانة المسيحية ترى أن الزواج شر لا بد منه وخطيئة لا يبررها ألا النسل ، وأن الجنين يجب أن يولد حياً ، وان أي اعتداء على الجنين كالقتل يعتبر قتلاً عمداً ، بل اعتبرته اشد أجراماً من قتل الطفل بعد ولادته وتعميده لان الجنين يفقد حياته الروحية بينما لا يفقد الطفل المعمد سوى حياته الجسدية حيث يرى القديس باسيل أن يعاقب مرتكب جرم الإجهاض مهما كان عمر الجنين ، ومعنى ذلك أن الجنين لا يستحق الحماية الجنائية إلا بعد مرور فترة زمنية معينة على الحمل ، حيث أن الكنيسة لا تعاقب على الإجهاض طالما أن الروح لم تدب في الجنين(4), كما يقول الفيلسوف اثنا غوراس ، وهو من آباء القرن الثاني للميلاد ، ” أن أولئك النسوة الأتي يستعملن العقاقير لإسقاط الجنين ، يرتكبن جريمة القتل . ولسوف يحاسبن أمام الله عن هذا الأمر ، لأنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى الجنين على أنه كائن مخلوق ، وبالتالي فهو موضوع العناية الله ….(5).
إما في عام 1588م فقد أصدر البابا “سيسكت كانت” بيانا ذكر فيه أن الإجهاض معاقب عليه عندما تدب الروح في جسد الجنين , بشعور المرأة بحركاته ومنذ ذلك الوقت أصبحت عقوبة الإعدام تطبق على المرأة المجهضة , وكثير ما شنقت النساء أو حرقت وهن على قيد الحياة لهذا السبب ، وبعدها أعلن البابا دءبيوس الحادي عشر” في المجمع المقدس عام 1930 أن حياة الأم وحياة الجنين مقدستان وأنه لا يصح القضاء على أي منهما ، وأن أي منع للولادة يعاقب كفعل مخالف للطبيعة(1).
لذا وعلى الرغم من ذلك فقد أباح الدين المسيحي الإجهاض في حالات الضرورة والمتمثلة في الحالات التي يكون فيها استمرار الحمل خطر على حياة الأم الحامل وصحتها ، أو أن يكون الجنين مشوهاً تشوهاً خطيراً(2). أما بالنسبة لحمل السفاح فنجد أن الكنيسة رفضت إباحة الإجهاض للتخلص من الحمل السفاح ، حيث وضعت عقوبات دينية ودنيوية على النساء الآتي يجهضن حملن الناتج عن سفاح(3).
ثالثا: موقف الشريعة الإسلامية من الإجهاض:-
نتناول في هذا المقام ثلاثة نقاط تتعلق الأولى بموقف الشريعة الإسلامية من تحليل حياة الجنين لدى الفقهاء ، ثم نتحدث عن عقوبة الإجهاض في الشريعة ونختتم ذلك ببيان موقف الشريعة الإسلامية من منع الحمل.
1/ موقف الشريعة من تحديد حياة الجنين.
الجنين هو الحمل والاعتداء عليه يشكل تعرضاً لمخلوق غافل عما يجري حوله ولذا يسمى الإجهاض في الفقه الإسلامي “إجهاض الجنين” ويقابلها في الفقه القانوني “جريمة الإسقاط” (4), ولكي يظهر حكم الشرعية الإسلامية في الإجهاض فلا بد من التعرض لأراء الفقهاء في مسائلة الإجهاض حيث قد فرق الفقهاء بين الإجهاض الذي يتم خلال مرحلة ما قبل نفخ الروح ومرحلة ما بعد نفخ الروح.
أ: حكم الإجهاض في مرحلة ما قبل نفخ الروح
لا توجد نصوص قطعية في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة تخبرنا بدقة عن موعد نفخ الروح في الجنين(1), وقد ذكر القرآن الكريم هذه المرحلة ، وحددها بستة أطوار إذ يقول سبحانه وتعالى : “ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقه ، فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً”(2) وللفقهاء في ذلك تفصيلاً سنورده أقوالهم وفق المذاهب الأربعة كما يلي .
أقوال السادة الحنفية ولهم رأيان في هذه المسألة :-
الرأي الأول : إباحة الإسقاط قبل نفخ الروح حيث أنه لم يستبين شئ ، من خلقه ويقول: الكمال ابن الهمام” يباح الإسقاط بعد الحمل ما لم يختلق شئ منه” ودليلهم في ذلك أن محصول الحمل قبل التخلق قطعة لحم قد لا تكون جنيناً حيث انه مجهول المستقبل ولا حياة فيه(3).
الرأي الثاني: يحرم الإجهاض قبل نفخ الروح بغير عذر على اعتبار أنه بذرة محترمة لا يجوز المساس بها(4).
أقوال السادة الشافعية:-
ذهبوا إلى إباحة الإجهاض قبل نفخ الروح وسندهم في ذلك أن متحصل الحمل خلال هذه المرحلة لم يدخل مرحلة التخلق ولم يبدأ التصور بعد ولا يتبين منه شئ(5), ويرى بعض الشافعية حرمه إخراج النطفة قبل نفخ الروح فيها قبل الأربعين يوماً, على اعتبار أن أول مراتب الوجود وقوع النطفة في الرحم فيختلط بماء المرأة فإفسادها جناية على موجود ، فإن صارت علقه أو مضغة فالجناية أفحش ، فإن نفحت الروح واستقرت الحلقة زادت الجناية تفا حشا(6).
أقوال السادة المالكية:-
هم أكثر تشدداً في أقوالهم حيث ذهبوا إلى تحريم الإجهاض في هذه المرحلة ومنعوا الإجهاض حتى لو كان قبل الأربعين يوما ، حيث جاء في كتاب الشرح الكبير : “لا يجوز إخراج المنى المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً”(1), وهذا يفيد الحرمة وعدم جواز الإجهاض ويتضح أن المالكية ترى أن محصول الحمل منذ بدايته له حق الحياة ، وانه لا يجوز التعرض له بحال من الأحوال(2).
أقوال السادة الحنابلة:-
ذهب الحنابلة إلى إجازة الإجهاض في هذه المرحلة أي إباحة الإجهاض حيث جاء في كتاب الأنصاف “يجوز شرب دواء لإسقاط نطفه”(3).
وإجمال الحديث أن الفقهاء ذهبوا في الإسقاط قبل النفخ إلى مذهبين, أولها المنع وهذا رأي الإمام مالك ، ودليلهم في ذلك أن العلقة والمضغة ابتداء خلق آدمي له حرمته ، ولا يحل انتهاكها, ثانيها يقول بالإباحة وهم جمهور الحنفية والشافعية والظاهرة من الحنابلة ودليلهم أن محصول الحمل قبل التخلق قطعة لحم قد لا تكون جنينا وحياتها البشرية في حكم المجهول كما
أن الجنين في هذه المرحلة لا حياة فيه.
ب: حكم الإجهاض بعد نفخ الروح
هذه المرحلة التي أشار أليها الله سبحانه وتعالى بقوله “ثم أنشأناه خلقا آخر”(4), وهو حرام مطلقا لم يخالف في ذلك أحد بل أنها جنحة شرعت لها عقوبتان ، هما الكفارة والدََية(5) وسوف نعرض أراء المذهب كما يلي .
مذهب الحنفية: يحرم الإجهاض بعد نفخ الروح وحجتهم في ذلك أن ماء الرجل بعد وقوعه في الرحم ليس حياة آدمية بل أنه أصل الحياة ، واعتبروا أن الحمل بعد نفخ الروح حياة كاملة مصانة لا يجوز المساس بها أو الاعتداء عليه وأي اعتداء فانه يوجب الغرة والدّية(6).
مذهب المالكية: يحرم الإجهاض ولا يجوز التعرض للحمل بعد نفخ الروح ، وجاء في الشرح الكبير للدردير انه “لا يجوز إخراج المنى المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً”(1). واعتبروا أن الاعتداء على الجنين بعد نفخ الروح قتلاً صريحاً(2).
مذهب الشافعية: الراجح عندهم تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح مطلقا ، ويتضح من أقوال فقهاء الشافعية العقاب على الإجهاض بعد التخلق ويصبح الحكم كراهية التحريم حتى نفخ الروح ثم يصبح الحكم الحرمة المطلقة بعد ذلك(3).
مذهب الحنابلة: عندهم حرمه الإسقاط بعد نفخ الروح ويقول أبن قدامه : “من ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ، وإذا شربت الحامل دواء فألقت به جنينا على كل منهما كفارة وغرة والحكم بموجب الكفارة يقتضي وقوع الآثم(4).
لذا نستخلص من أراء المذاهب السابقة أن الإجهاض بعد نفخ الروح حرام بالإجماع بدون عذر وتجب فيه عقوبة ، أما إذا وجد عذر قاهر جاز الإجهاض ومن تلك الأعذار ، أن يكون هنالك عذر قاهر كتحقق موت الأم إذا بقى الجنين في بطنها(5).
هذا وقد لخص د. محمد سيف الدين السباعي أراء العلماء في الإجهاض حيث ذهبوا في الإسقاط قبل نفخ الروح إلى مذهبين:-
أولهما: يقول بمنع الإجهاض قبل نفخ الروح وهم الأمام مالك والغزالي وبعض الحنفية ، ودليلهم وأن العلقة والمضغة ابتداء خلق أدمى له حرمته ولا يحل انتهاكها.
ثانيا: يقول بالإباحة وهم جمهور الشافعية والحنفية والظاهر من كلام الحنابلة ، ودليلهم أن محصول الحمل قبل نفخ الروح قطعة لحم قد لا تكون جنيناً, أما الإجهاض بعد نفخ الروح فهو حرام إطلاقا ولم يخالف في ذلك أحد(6).
2/ عقوبة الإجهاض في الشريعة الإسلامية
مما لا شك فيه أن كل حكم في الشريعة الإسلامية يستتبع آثاراً دنيوية وأخروية وأن هذا العقوبات أو الآثار الدنيوية التي يحكم بها الحاكم أو ولي الأمر تمثل العقوبة الرادعة التي يستحقها من تجاوز الخطوط وارتكب عملية الإجهاض سواء كان الفاعل المنفذ للجريمة أو المشاركون له(1), والعقوبة الشرعية لمرتكب الإجهاض على وجهين ، أولها تعويض يدفع لورثة الجنين لقاء خسارتهم لهذا الحمل ، وهذه العقوبة تدعى الغرة ، وثانيها هدى يقدم إلى الله سبحانه وتعالى استغفار عما أرتكبه الفاعل من ذنب وتدعى الكفارة(2) .
1/2 الغرة:-
الغرة بضم العين تطلق على الخيار من كل شئ وهي في اللغة بياض في وجه الفرس وتقدر الغرة بخمسة من الإبل(3)، وجاء في الحديث الشريف الوارد في وصف المؤمنين “أعرفهم غرا محجلين من أثار الوضوء”(4) , والغرة في اللغة: “عبد أو أمه ، وهذا يتفق مع ما فسرها رسول الله (ص) على عاقلة المغيرة بن شعبة أنه قال : كنت بين جارتين فضربت أحدهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا ، وماتت ، فقضى رسول الله (ص) على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين ، ولما سئل عليه السلام عن الغرة قال : عبد أو آمة”(5) , وغرة الشيء أوله وغرة الجنين أول مقدار ظهر في باب الدية وسميت غرة لان أول شئ يظهر منه الوجه(6) .
تقدر الغرة “بنصف عشر دية الرجل ، وعشر دية المرأة ، وكل منهما خمسمائة درهم ، لأن نصف العشر من عشرة الألف درهم ، وهو العشر من خمسة الآلف درهم” ، والدليل على ذلك , ما روى النبي (ص) قال “في الجنين غرة ، عبد أو أمة ، قيمته خمسمائة” وفي رواية أخره “أو خمسمائة”(7) .
2/2 فرضيتها ودليل وجوبها:-
ورد في السنة النبوية أحاديث صحيحة ومنها ما رواه الشيخان عن آبي هريرة رضي الله عنه قال : “اقتتلت امرأتان من هزيل ، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله (ص) ، فقضى رسول الله (ص) أن دية جنينها عبد أو أمي وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها ومن معهم”(1) .
كما أن عمر أبن الخطاب بعث إلى امرأة مغيبة (التي غاب زوجها) كان يدخل عليها فقالت يا ويلها . مالها ولعمر فبينما هي في الطريق إذ فزعت فضربها الطلق فألقت ولداً فصاح الصبي صيحتين ثم مات فاستشار عمر الصحابة فأشار بعضهم أن ليس عليك شئ إنما أنت وال مؤدب وصمت على أبن أبي طالب رضي الله عنه فأقبل عليه عمر فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال : إن قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم ، وإن كانوا قالوا في هوى فلم ينصحوا لك . إن ديته عليك لأنك أفزعتها فألقته ، فقال عمر: أقسمت عليك أن لا تبرح حتى تقسمها على قومك(2).
والغرة كانت عبداً أو أمه يوم كان هنالك أرقاء , أما وقد انقرض الأرقاء انتهى نظام الرق فقد قدر العلماء بدلهما نصف عشر دية القتيل أي خمساً من الاعتداء(3) .
3/2 شروط الغرة حتى تستحق
أولا: وجودا ما يعد جناية تستلزم انفصال الجنين عن أمه ميتاً.
لا يشترط في الفعل المرتكب من قبل الجاني أليها يكون من نوع خاص فيصح أن يكون عملاً أو قولاً ويصح أن يكون الفعل مادياً أو معنوياً سواء توافر قصد الفاعل أم لا، ومن الأمثلة على الفعل المادي الضرب والجرح والضغط على البطن ، وتناول دواء أو مواد تؤدي للإجهاض ، وإدخال مواد غربية في الرحم أو أن تحمل حملُّّ ثقيل، ومن الأمثلة على الأقوال والأفعال المعنوية التهديد والإفزاع والترويع كتخويف الحامل بالضرب أو القتل والصياح عليها فجأة ، وتوبيخ المرأة أو الصياح عليه، أو تشم ريحاً ضارة ، ونحو ذلك كأن تسب أو تشتم شتما مؤلما يؤدي إلى إسقاطها أو إجهاضها(4), وسواء وقع الإجهاض بفعل مادي أو معنوي فلا فرق بينهما كما ويصح أن يقع الفعل المكونة لجناية الإجهاض من الأب أو من الأم أو من غيرهما، وأيا كان الجاني فهو مسئول عن جناية ولا أثر لصفته على العقوبة المقررة للجريمة(1) .
ثانيا: أن ينفصل الجنين عن أمه ميتاً .
يتحقق ذلك إذا كان تلفه قد حدث من الجناية الواقعة عليه ، أما إذا أنفصل الجنين حياً وبقي لفترة بلا ألم ثم مات فلا ضمان ، وخاصة مع تقدم العلم والوسائل الطبية والتي تمكن من
الوقوف بسهولة على سبب الإجهاض وهل تقررت حياته في بطن أمه ، أم مات بسبب الجناية الواقعة عليه(2) .
ثالثا: أن يكون الحمل المنفصل بتأثير الجناية أو الإجهاض قد تجاوز المضغة وبدأ مرحلة التطور.
قال الإمام مالك: “كل ما طرحته من مضغة أو علقه مما يعلم أنه ولد ففيه لغرة سواء استبان الخلق أم لا” أي الغرة تجب بعد التخلق وقبل نفخ الروح ، ففيه الغرة كما تقدم معنا سواء كان عمداً أو خطأ.(3).
4/2 أما من يدفع الغرة:-
فهو المتسبب بالإجهاض أي الفاعل له سواء كان أبو الجنين أو أمه أو الطبيب أو غيرهم ، فلو اتفقت الأم مع الأب على إسقاطه وباشرت ذلك بشرب دواء أو غيره لو جبت عليها الغرة لورثة الجنين , ولو أنها أمرت امرأة أخرى بإسقاطه لها فإن ذلك لا يعفي المرأة التي باشرت الإجهاض من دفع الغرة(4) .
5/2 لمن تجب الغرة:
تجب الغرة لورثة الجنين حسب ما هو معروف في أحكام الفرائض والمواريث ويحرم منها من تسبب بالإجهاض حتى وأن كان المتسبب في الإجهاض أحد الورثة(5), فمن ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً تجب غرة نصف عشر الدية وإن ألقته حياً فمات فدية فإن ألقت ميتاً فماتت الأم فدية وغرة وإن ماتت فألقته ميتاً فدية فقط ، وما يجب فيه يورث ولا يرث الضارب فلو ضرب بطن امرأته فألقت أبناً ميتاً فعلى عاقلة الأب غرة ولا يرث منها وفي جنين الأم لو ذكراً نصف عشر قيمته لو كان حياً وعشر قيمته لو أنثى(1), وقد اتفقت ألأمه على إن الورثة الذين يسلم لهم الغرة وهي كحكم الدية انهم يقتسمونها على سنة المواريث بلا خلاف(2).
6/2 موقف أصحاب المذاهب من الغرة:-
تتفق جملة المذهب على أن عقوبة الإجهاض هي الغرة كما يلي:-
مذهب الحنفية إلى أنه إذا ألقت المرأة الجنين ميتا نتيجة ضرب من الغير وجب على العاقلة غرة وأن ماتت وألقت الجنين ميتا فعلى الجاني دية الأم وإذا أسقطت المرأة الجنين عمداً ودون أذن زوجها فعقابها الغرة وإذا أذن الزوج فلا غرة(3).
أما الحنابلة فإن الغرة واجبة في جنين الحرة المسلمة والكتابية دون الجنين المحكوم برقه فلا غرة فيه(4).
أما الشافعية : تجب الغرة عندهم في الجنين إذا أنفصل ميتا في جناية على أمه الحية أو مات جنينا خرج بعد انفصاله حيا ، أو دام ألمه ومات فيه فديه نفس كاملة ولو ألقت امرأة بجناية عليه جنينين ميتين فغرتان تجبان فيها ، أو ثلاثة فثلاثة وهكذا(5).
أما المالكية – فالغرة تجب عندهم إذا انفصل الجنين بكامل أجزاء عن أمه ميتا وهي حية ، فإن ماتت قبل انفصاله فلا شئ فيه لا ندارجه في دية الأم ، فإن عاش حياة قصير ومات بعدها فلا غرة ولا دية لأنه يحتمل موته بغير فعل الجاني(6), وقد اشترطوا في الغرة لإيابها شروطا هي :
1. أن ينفصل الجنين عن أمه ميتا ، وذلك لتحقق أن تلفه قد حدث من الجناية الواقعة علية .
2. أن يكون قد استبان خلقه أو بعض خلقه .
3. أن يكون الحمل حقيقة لا وهما ، فان اعتدى إنسان على امرأة منتفخة البطن ، فزال الانتفاخ لم يجب على الجاني شئ مما يجب في الجنين(7).
7/2 الكفارة
تعرف الكفارة: أنها حق فيه معنى العبادة والعقوبة فهي عبادة تؤدي بما هو عبادات محضة من عتق وصيام وصدقه ويشترط فيها النية ولا تقبل فيها النيابة ، أما معنى العقوبة فلأنها لم تجب إلا جزاءً على أفعال محددة ولذلك سميت كفارة لأنها ستارة للذنوب(1), والكفارة شرعت في قوله تعالى: “ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فديه مسلمة الآتي أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً “(2), وقد قررت الشريعة الإسلامية عقوبة أخرى عند الجناية على الجنين وهي عقوبة الكفارة سواء أنفصل الجنين حياً أو ميتاً وهذا هو رأي الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وقالوا بالكفارة مع الغرة أن حصل الإجهاض بعد التخلق سواء كان ذلك عمداً أو خطأ. أما الحنفية فقالوا بالغرة دون الكفارة أن كان الإجهاض عمداً وبالكفارة مع الغرة إن كان الإجهاض خطأ(3), وبهذا نرى أن عقوبة الإجهاض في الشريعة الإسلامية باتفاق المذاهب هي الغرة ، وإن كان الخلاف بينهم في حالة إسقاط الجنين حياً أو مقدار القيمة مع تفاوت الأقدار.
3/ حكم منع الحمل في الشريعة الإسلامية
عرفت البشرية منذ قديم الزمان بعض وسائل منع الحمل المؤقتة حيث استخدمت بعض الأمم قبل الإسلام عقاقير لمنع الحمل مثل المصريين، حيث لجأ بعضهم الآتي وسيلة العزل(4). في نهاية الاتصال الجنسي ومنهم الرومان والفرس كما اخذ العرب في الجاهلية هذا الطريقة عن جيرانهم الروم والفرس ، وبعد ما جاء الإسلام حث المسلمين على الزواج في سن مبكرة ما أمكن بقصد اعفاف النفوس وصيانة أخلاقهم من كل ما يمكن أن يدنسها من جهة وتكثير النسل من جهة أخرى(1), قال تعالى: “ومن آياته أن خلقنا لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليهم وجعل بينكم مودةً ورحمه”(2), كما قال (ص) “تزوجوا الودود الولود فآني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة” (3).
وهنالك العديد من الدواعي التي تقوم في المجتمعات الإسلامية تدعوا إلى استخدام بعض وسائل منع الحمل كفقر الزوجين ، أو الخشية على صحة المرأة الحامل من الحمل لذلك ذهب فقهاء المسلمين إلى إباحة موانع الحمل عندما تكون هنالك حاجة ضرورية طبقاً للقاعدة الشرعية “أن الضرورات تبيح المحظورات”(4), فذهب البعض إلى إباحة موانع الحمل ولكنه غير مستحبة ، لأنه منافيا للغاية التي قصدها الإسلام من الزواج وهي التكاثر وعمارة الأرض(5), في حين ذهب البعض الأخر إلى القول بإباحته على أن يكون استخدامه بصفة مؤقتة وهذا ما اتجهت إليه أغلبية المذهب الفقهية(6).
هذا وقد كان بعض من دخلوا الإسلام يتبعون وسيلة العزل وسأل بعضهم الرسول “ص” عن حكم العزل باعتباره وسيلة لمنع الحمل والتحكم به طالما وجدت الرغبة في عدم حصوله ، فأدلىّ الرسول (ص) بتصريحات تشعر عند المحققين من الأئمة بإباحته وهو ما قال به جمهور الفقهاء ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: “كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل” وجاء في صحيح مسلم أنه قال “فبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا”(7).
أما أقوال العلماء في العزل.
القول الأمام: ذهب جانب الآتي جواز العزل وهو رأي غالبية الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية لكنهم اشترطوا إذن الزوجة ورضاها.
القول الثاني: قدامه العزل وهو مذهب اكثر الشافعية.
القول الثالث: تحريم العزل وهو مذهب ابن حزم وبعض مشايخ الحنفية وبعض الشافعية(1).
هذا وقد أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر سنة 1953 إفتاء بعدم تحريم استعمال الدواء لمنع الحمل المؤقت تيسيراً على الناس ، ولا سيما إذا ضيق من كثرة الحمل ، أو ضعف في المرأة من الحمل المتتابع(2), ومن المبين أن منع الحمل ليس بواجب ولا مندوب فلم يبق إلا أن يكون مباحاً للأفراد أن يقدموا عليه حسب ظروفهم ورغباتهم على أن لا يكون بصفة دائمة فإنه حرام إلا إذا وجدت هنالك ضرورة حتى لا تكون هنالك مخالفة لمقاصد الشريعة الإسلامية من الزوج لذلك يجب الأخذ بالأسباب وموافقة الزوجين(3)، ويميل الباحث إلى هذا الاتجاه .

المطلب الثاني
موقف القوانين الوضعية في الإجهاض
تباينت موقف التشريعات الوضعية من الآثم(1), ومن ثم فسيتولى الباحث دراسة هذه المواقف والتي تنحصر في ثلاثة مواقف على النحو التالي :
الموقف الأول: يذهب هذا الموقف إلى منع الإسقاط على الجنين ولو تم برضاء المرأة الحامل ألا في حالة الضرورة فإنه مباح.
يأخذ هذا الموقف بمعاقبة كل من يعتدي على الجنين بعقوبة قاسية ، حيث أن الإسقاط على الجنين يعتبر خطراً اجتماعياً يرتب نقص في عدد السكان وتدهور خلقي وإجرام في حق كائن له الحق في الحياة(2), ولا يقيم هذا الاتجاه أي اعتبار لرضاء المرأة الحامل حيث أعتبر أن رضاء الحامل بالإجهاض لا يعتبر سبباً لأباحت الإجهاض ، فالأصل أن للإنسان الحق في التصرف فيما يملك ، والجنين ليس ملكاً للحامل تتصرف به كيفما تشاء ، بل أن له حرمه منذ لحظة استقراره في الرحم ، ولا يجوز الإسقاط عليه وتعريض حياته للخطر (3)
ألا أن هذه الاتجاه أباح الإجهاض إذا كان ذلك ضرورياً لإنقاذ حياة المرأة الحامل حيث أن استمرار الحمل يشكل خطر على حياة الحامل ، لذا يجوز التضحية بالجنين في سبيل الحفاظ على حياة المرأة الحامل(4) , ومن القوانين الوضعية التي أخذت بهذه المواقف معظم قوانين الدول العربية (5), وذلك بشرط رضاء المرأة الحامل عند بعض الدول ، بل وبغير رضاءها في دول أخرى كالنمسا حيث يبيح القانون النمساوي للطبيب إجراء عملية الإجهاض بدون موافقة الحامل مادام ذلك لازما وضرورياً لإنقاذ حياتها ، كما أخذت بهذه الموقف قوانين كل من كمبوديا والسنغال ، وباكستان والكثير من الولايات المتحدة الأمريكية والقانون التركي وتنزانيا وقانون هونج كونج ، وتكاد تكون جميع قوانين دول الكومنولث من أصحاب هذا الموقف(1).
هذه وقد اعتبرت بعض القوانين أن رضاء المرأة الحامل بالإجهاض يعتبر ظرفاً مخففا حيث نجد أن قانون العقوبات النرويجي الصادر سنة 1902 قد نص في المادة (235) على تخفيض العقوبة المقررة لجريمة الإجهاض التي تتم برضاء المرأة الحامل ، وكذلك فعل قانون أورجواي الصادر سنة 1933 في المادة (37) , منه حيث اعتبر رضاء المرأة الحامل عذراً مخففاً لجريمة الإجهاض وكذلك فعل المشرع الهندي(2) .
الموقف الثاني: إباحة الإجهاض إذا تم برضاء المرأة الحامل بصفة مطلقة.
أتجه هذا الموقف إلى إباحة الإجهاض ، وأعتبره حق من الحقوق اللصيقة بالمرأة لحامل بحيث منح المرأة الحامل الحق في إسقاط الحمل الغير مرغوب به ، على اعتبار أنها تتصرف بنفسها ، فالجنين ليس إلا جزء من جسد المرأة الحامل تتصرف به كما تشاء فلها الإبقاء على الجنين ولها كذلك التخلص منه (3) ومن التشريعات التي أخذت بهذه الموقف ، التشريع الفرنسي في المادة (244/2) الذي يعتبر المثال النموذجي لهذا الاتجاه ، وكذلك قانون العقوبات الإيطالي في المادة (257) وقانون العقوبات الألماني في المادة (260) وقانون العقوبات السويدي في المادة (177) والهولندي في المادة (218) وقانون العقوبات النرويجي في المادة (310)(4). وكذلك المشرع الإنجليزي وبعض الولايات المتحدة الأمريكية .
إما بالنسبة التشريعات العربية يعتبر المشرع التونسي أول مشرع عربي ينص على أباحه الإجهاض كما جاء في نص المادة 192 من قانون العقوبات التونسي على أن يتم مراعاة بعض الشروط والإجراءات(5).
كما ذهبت تشريعات أخرى إلى أباحه الإجهاض لمجرد طلب المرأة الحامل مثل التشريع الروسي (الاتحاد السوفيتي سابقا) وقانون المجر وبعض الولايات الأمريكية (كالاسكا, وهاواي ونيويورك) ، وكذلك القانون الياباني ، على أن يتم التقدم بهذا الطلب إلى لجنة طبية ، وان يقوم بالإجهاض طبيب متخصص ، وأيضا دول أمريكيا اللاتينية شرط أن ألا يكون الحمل قد جاوز 24 أسبوعا(1) .
الموقف الثالث: وقد وقف اتجاه ثالث في موقف وسط فلم يبح الإجهاض ولو برضاء الحامل ، لكنه توسع في نفس الوقت في الحالات التي تبيح الإجهاض لإنقاذ حياة الأم بحيث شمل الحفاظ على حياة الحامل من الناحية البدنية والنفسية .
حيث أن موقف التشريعات هنا لا يقتصر على إباحة الإجهاض عندما يكون هنالك ضرر جسيم يهدد الحامل في جسدها ، بل تبيح الإجهاض إذا كان هذا الضرر يهدد صحة الحامل البدنية والنفسية ، كأن يتسبب استمرار الحمل في إصابة الحامل بالجنون أو أقدامها على الانتحار وغيره من الأمراض النفسية الخطيرة مثل الاكتئاب الحملي(2), ومن تلك القوانين التي أخذت بهذه الموقف قوانين كل من غانا، ومالاوي ، وموريتيس (3) ويؤيد هذا الموقف المشرع الفرنسي في المادة (162) من قانون الصحة العامة . وكذلك المشرع الإنجليزي في قانون الخصوبة البشرية وعلم الأجنة 1990 حيث أباح الإجهاض إذا كان ضرورياً لمنع ضرر جسيم دائم يهدد صحة الحامل الجسدية أو النفسية ، وكذلك المشرع التونسي في المادة (214) من قانون العقوبات التونسي حيث ساوي بين الصحة الجسدية والنفسية للأم الحامل(4), وهنالك قوانين أخرى مثل قوانين كندا ، والأرجنتين ، وهندوراس ، وبعض الولايات المتحدة الأمريكية حيث تبيح تلك القوانين الإجهاض لإنقاذ حياة المرأة الحامل وكذلك لإنقاذ صحتها البدنية والنفسية(5), وكذلك المشرع السويسري وفقاً لمادة (120) من قانون العقوبات التي أجاز فيها للطبيب إجراء الإجهاض إذا كان ذلك لإنقاذ المجني عليه أو لتجنب خطر جسيم ودائم يهدد صحتها البدنية أو النفسية (1) .
بل وتوسعت تشريعات أخرى أكثر من ذلك في تحديد الحالات التي تبيح الإجهاض مثل اتقاء العار , حيث نصت قوانين بعض الدول على إباحة الإجهاض الناتج عن حمل سفاح أو جريمة اغتصاب ومن هذه القوانين قوانين كل من زيمبابوي وسيشل ونيوزيلندا وهونج كونج وفانيواتو وتشيكو سلوفيا ولسيلفادور وكذلك قانون المجر والهند وكشمير وماليزيا وسابا(2) وأيضا قانون الدانمارك والسويد وروسيا والأرجنتين والقانون البولوني والإيطالي والبرازيلي(3). وكذلك القانون الفرنسي وقانون المملكة المتحدة بالرغم من ذلك فأن بعض تلك الدول تشترط بعض الشروط الشكلية مثل أن يتم الإجهاض في مستشفى مرخصة ، وأن يتم الإجهاض قبل نهاية الأسبوع العاشر(4).
أما بالنسبة للتشريعات العربية فقد ذهب بعضها إلى أن الحمل الناشئ من علاقة غير شرعية لا يعتبر سببا لإباحة الإجهاض(5)، إنما اعتبرته عذراً مخففاً ومنها قانون العقوبات السوري في المادة (531) والمادة 324 من قانون العقوبات الأردني والمادة (394) من قانون العقوبات الليبي والمادة (262) من قانون العقوبات السوداني(6)، وكذلك المادة 417/4 من قانون العقوبات العراقي(7) .
أما بالنسبة للجنين المشوه أو المصاب بمرض خطير فقد أباحت بعض الدول هذا الإجهاض ومن تلك القوانين قوانين سيشل ، وهونج كونج وقانون بلغاريا والسلفادور وتركيا وكذلك بعض دول الكومنولث(8), كما أباح إجهاض الجنين المشوه أو المصاب بمرض خطير القانون الفرنسي في المادة 162 الفقرة 12 من قانون الصحة العامة الفرنسي وكذلك المشرع الإنجليزي في القانون الصادر عام 1967، ومن التشريعات العربية التي أباحت الإجهاض المصاب بتشوه القانون التونسي وقانون الصحة في الكويت(1) .
أما بالنسبة للإجهاض لأسباب اقتصادية أو اجتماعية فتبيح بعض الدول الإجهاض لأسباب اقتصادية واجتماعية ومنها قوانين الهند وقبرص والمملكة المتحدة وقانون المجر وتشيكوسلوفاكيا(2)، وكذلك المشرع الفرنسي أباح الإجهاض إذا كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية غير قانونية لاستقبال الجنين وقد نص على ذلك في الفقرة الأولى من المادة 162 من قانون الصحة العامة الفرنسي(

أركان جريمة الإجهاض
تمهيد وتقسيم :-
ذهب الفقه إلي تقسيم أركان جريمة الإجهاض إلي أربع أركان وهي الركن الشرعي وعناصره , الركن المفترض والذي يتمثل في وجود الحمل , والركن المادي وما يتضمنه من عناصر وهي السلوك (فعل الإسقاط) النتيجة , وعلاقة السببية , وإذا لم يكتمل الركن المادي يترتب عليه عدم توافر الجريمة أو اعتباره شروعاً إذا توافرت عناصر الشروع بحسب ما ينص عليه القانون , غير أن ارتكاب هذا الركن قد يتم بواسطة فاعل أصلي واحد أو يتعدد المساهمون ؛ وبالانتهاء من دراسة المساهمة الجرمية ننتهي من دراسة الركن المادي وننتقل لدراسة الركن المعنوي ويتمثل في القصد الجنائي العام وهو العلم والإرادة والقصد الاحتمالي فإذا توافرت هذه الأركان , توافرت الجريمة , مما يوجب أفراد مبحث مستقل لدراسة كل ركن على حدي , على النحو التالي من التقسيم:
المبحث الأول : الركن الشرعي .
المبحث الثاني : الركن المفترض – وجود الحمل .
المبحث الثالث : الركن المادي .
المبحث الرابع : الركن المعنوي .

المبحث الأول
الركن الشرعي في الإجهاض
تمهيد وتقسم:-
نصت المادة (66) من الدستور المصري على أنه “العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة ألا بناءاً على قانون ولا توقع العقوبة ألا بحكم قضائي , ولا عقاب آلا على الأفعال ألاحقه لتاريخ نفاذ القانون” .
كما نص المشرع الأردني في المادة الثانية من الدستور الأردني على أنه “لا يجوز أن يوقف أحد أو يحبس ألا وفقا أحكام القانون” وكذلك نص في المادة الثالثة من قانون العقوبات الأردني “لا يقضي بأية عقوبة لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة” .
يعني ذلك أن على المشرع أن يحدد سلفاً ما يعتبر من الأفعال الصادرة على الإنسان جريمة تستحق العقاب بحيث يحدد لكل جريمة نموذجها القانوني ويضمنها شق التكليف كما يحدد لكل جريمة عقوبتها سلفاً من حيث الكيف , آم حيث الكم , بحيث يعرف الفاعل التمييز مقدما بين ما يعد من الأفعال المباحة وما يعد مجرما , وذهب الفقه إلي أن للركن الشرعي عنصران هم خضوع الفعل لنص التجريم ويطلق عليه الوجه الإيجابي للركن الشرعي , وعنصر ثاني وهو زوال خضوع الفعل لنص التجريم ويطلق عليه الوجه السلبي , وعليه فقد خصص الباحث مطلباً أولا درس فيه مفهوم الركن الشرعي وعنصريه .
وإذا كان الأصل العام أن الرضاء لا ينفي الصفة الإجرامية عن الفعل ألا في جرائم معينة كالسرقة والإتلاف …. الخ , فأننا نجد أن المشرع المصري في المادة (262) وكذا الأردني في المادتين (321 , 322) , قد اتفقا مع هذا الأصل العام , وقررا صراحة أن رضاء الحامل للإجهاض لا يترتب عليه انتفاء الصفة الإجرامية , وعليه فلم يعتد به كسبب من أسباب الإباحة وأن كان القانون الأردني قد اعتبر رضاء الحامل عذراً مخففاً للعقوبة , سوءا بالنسبة للمرأة الحامل (م321) , أو بالنسبة للغير (م322) , لذا فقد صرح كل مشرعين بعدم اعتبار رضا الحامل سبباً من أسباب الإباحة .
وعليه فقد خصص الباحث مطلباً أولاً درس فيه مفهوم الركن الشرعي وعنصريه , وقد خصص المطلب الثاني لدراسة أثر رضاء الحامل للإجهاض , وعليه فأن هذا المبحث سينقسم إلي مطلبين على النحو التالي من التقسيم:-
المطلب الأول:- مفهوم الركن الشرعي وعنصريه.
المطلب الثاني:- أثر رضاء الحامل بالإجهاض.
المطلب الأول:
مفهوم الركن الشرعي وعنصريه
نتناول هنا تعريف الركن الشرعي واختلاف الفقهاء حوله ، حيث رتب على وجوب أن ينبني الركن الشرعي ، على فكرة مبدأ المشروعية الذي يعني, “أنه لا جريمة ولا عقوبة دون نص جنائي يجرم ذلك الفعل المرتكب” ، وهذا مؤداه إلي أن القاضي لا يستطيع أن يفرض عقوبة على شخص أرتكب فعل لا يشكل جريمة في قانون العقوبات كما أن القاضي أن يحكم لا يملك عليه بعقوبة تختلف في طبيعتها أو تقل أو تزيد في مقدارها عن العقوبة المنصوص عليها قانوناًًًً , وهذا معناه أن القاضي لا يملك الحق في خلق جريمة جديدة غير موجودة أصلاً أو إيجاد عقوبة جديدة لجريمة قائمة ، كما أنه لا يملك إكمال تشريع ناقص ولا استبدال الجزاء المقرر في القانون بجزاء أخر مهما كان ذلك عادلاً ، حيث أن التشريع وحدة من يملك خلق العقوبات والجرائم باعتباره مصدراً للقانون الجنائي ، وأن مهمة القاضي تكمن في تطبيق القانون كما هو بصرف النظر عن قيمته الموضوعية ومدى صلاحيتها مع مصالح المجتمع الأساسية .
ويعني ذلك أن على المشرع أن يحدد سلفاً ما يعتبر من الأفعال الصادرة عن الإنسان جريمة تستحق العقاب بحيث يحدد لكل جريمة نموذجها القانوني ويضمنه شق التكليف ، كما يحدد لكل جريمة عقوبتها سلفاً سواء من حيث الكيف ، أم من حيث الكم ، بحيث يعرف الفاعل التميز مقدماً بين ما يعد من الأفعال المباحة وما يعد مجرماً , وعليه فلا يجوز للقاضي أن يقرر عقوبة على فعل لم ينص القانون على اعتباره مجرماً أو يوقع أكثر من العقوبة المقرر في النص القانوني .
لذا نصت المادة (66) من الدستور المصري على أنه “العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة آلا بناء على قانون ولا توقع العقوبة آلا بحكم قضائي ، ولا عقاب آلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون” .
كما نص المشرع الأردني في المادة الثانية من الدستور الأردني الذي صدر عام 1952ومازال مطبقا حتى الآن على ما يلي “أنه لا يجوز أن يوقف أحد أو يحبس ألا وقف أحكام القانون” ثم جاء في المادة الثالثة من قانون العقوبات بالنص التالي “لا يقضي بأية عقوبة لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة” , وهذا معناه أن لا جريمة بلا نص ولا عقوبة آلا بنص ، فما العقوبة الأجزاء يوقع على الجاني مرتكب الفعل المجرم “الجريمة” .
وقد رتب البعض على ذلك ، ضرورة أن يتوافر في الجريمة ، ما أسموه الركن الشرعي وهو نص التجريم الذي يضفي على الفعل أو الامتناع صفته غير المشروعة ، فالجريمة لم تكتسب وصفها كجريمة إلا منذ تجريمها بنص قانوني ، وما عدم مشروعيتها إلا نتيجة لهذا التجريم وبدون نص التجريم يصبح الفعل أو الامتناع مشروعاً مهما بد ملوماً أو مؤثماً من وجهة نظر الدين أو الأخلاق أو الأعراف والعادات الاجتماعية .
كما ويتضمن الركن الشرعي عنصريه الإيجابي والسلبي ويعني الركن الشرعي في جانبه الإيجابي خضوع الفعل لنص التجريم وفقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات ، بينما يعني في جانبه السلبي زوال الخضوع لنص التجريم لأسباب الإباحة , وقد اختلف الفقهاء حول وجود الركن الشرعي إلى رأيين.
الرأي الأول:- الرأي الذي يأخذ بالركن الشرعي .
ذهب البعض إلى أنه ليس ثمة ما يحول دون اعتبار الركن الشرعي “أو ركن عدم المشروعية في المعنى الدقيق” ركناً في ثلاثية البناء القانوني للجريمة فلا تكتمل هذه الأخيرة إذن دون وجود ركن شرعي ، وركن مادي ، وركن معنوي , وقد أستند هذا الرأي إلى مبررات عديدة نذكر منها : من ناحية أولى تبدو دراسة عدم مشروعية الفعل أو نص التجريم كركن للجريمة أمراً يستجيب لاعتبارات الوضوح والاتساق النظري، لا سيما وأن دراسة الأركان العامة للجريمة هي في المقام الأول دراسة نظرية منهجية , ومن ناحية ثانية وأن كان صحيحاً أن نص التجريم هو خالق الجريمة وواهبها الوجود ، ولا يمكن أن يستساغ في المنطق أن يعتبر أحد عناصرها ، لأن الخالق لا يدخل فيما خلق , وأن كان هذا القول مقبولاً بصدد تحليل فكرة الجريمة في ذاتها ، بيد أن فكرة الجريمة ليست غاية منهجية في ذاتها ، بل تبدو سبباً لترتيب المسؤولية الجنائية لشخص فاعلها واستحقاقه العقاب .
ومن هذا المنظور الكلي يمكن اعتبار عدم مشروعية الفعل أو نص التجريم ركنا في الجريمة , فالركن الشرعي يعني التثبت ابتداء من نص التجريم ليس فحسب لأنه يضفي على السلوك الآثم أو الخاطئ صفة عدم المشروعية ، بل لأنه يحدد معالمها ، ويدقق عناصره, وينقله من طور حقائق الأشياء إلى مرتبة الكيان أو النموذج القانوني , ومن ناحية أخيرة ، فإن فكرة عدم مشروعية الفعل أو نص التجريم لا تستعصي على التحليل بوصفها ركناً شرعيا للجريمة شأنها شأن الركنين المادي والمعنوي . فلهذا الركن الشرعي عناصره ، له شروطه وضوابطه التي يجب توافرها في كل من هذه العناصر .
الرأي الثاني:- الاتجاه الذي لا يأخذ بمبدأ الركن الشرعي:
حيث يذهب هذا الاتجاه إلى أن اعتبار الركن الشرعي ركنا في الجريمة بوصفه نص التجريم من ثمة أدخل النص ذاته في البنيان القانوني للجريمة يعتبر قصور , ذلك مرجعه إلى أن النص هو الذي خلق الجريمة وواهبها الوجود وهو مستقل عنها ، ولا يمكن أن يعتبر أحد عناصرها لان الخلق لا يمكن أن يدخل فيما خلق ، إنما يظل له استقلالية ، فضلاً عن أنه من غير المنطقي إدراج قاعدة قانونية في فعل مادي يصطبغ بعدم المشروعية ، بينما النص القانوني مشروع في ذاته ، كما أن اعتبار النص عنصر في الجريمة يستتبع ضرورة العلم به لقيام القصد الجنائي ، وهو ما لا يسلم به أحد ، إذ لا عذر لأحد في جهله بأحكام القانون .
كما أن هنالك من أبتعد كل البعد عن دراسة الركن لشرعي في الجريمة ، مكتفيين بدراسة البناء القانوني للجريمة من خلال الركن المادي والركن المعنوي للجريمة , وهكذا يبدو التصور الصحيح للركن الشرعي , حيث أن نص التجريم ليس أحد مكونات الجريمة “المادي أو المعنوي للجريمة” من الناحية الفنية ولكن هذا لا ينفي أنه في حقيقته صفة تلازم كل من هذين الركنين غاية ما هنالك أن موضعها في بنيان الجريمة يتعين تغيره .
ويلاحظ ؛ الباحث ؛ أن كلا من الرأيين ، يمكن القول بصحته ؛ حيث أنه بالنظر للنص الجنائي المجرم للفعل نظرة ضيقه باعتباره خالقاً للجريمة فقط ، فها هنا لا يكون هنالك مجال لفكرة الركن الشرعي ، أما إذا نظرناً للنص الجنائي المجرم للفعل نظرة واسعة ، بحيث يكون وحدة من الوحدات المكونة للجريمة ككل ، فهنا يمكن إقحام الركن الشرعي داخل البنيان القانوني للجريمة ، ومع ذلك ، فإن الدراسة التقليدية للنص القانوني كمصدر للتجريم ، تغني عن دراسته في الركن الشرعي ، ويمكن ترك النصوص التي تبيح الفعل في مكانها التقليدي وهو القسم المخصص لدراسة أسباب الإباحة , منعا لما يثيره الركن الشرعي من لبس , ويرى الباحث ؛ أن الاتجاه الذي يذهب إلى الأخذ بالركن الشرعي تعوزه المبررات الجوهرية. فما ساقه لا يكفي بذاته للتدليل على وجود هذا الركن وهذا ما سيسببه الباحث فيما يلي:
1. فبالنسبة لقولهم بان الركن الشرعي أمر يستجيب لاعتبارات الوضوح والاتساق النظري فيكفي القول ، بأن الدراسة الهيكلية للجريمة لدى أغلب الفقهاء لم تتحمل إضافة هذا الركن ليس لصعوبة إقحامه ، ولكن نسبة لأن دراسته تخل بالتوضيح النظري للجريمة ومكوناتها نتيجة لما يؤدي إليه من خلط واضح بين القسم العام الذي يبين مصادر التجريم بصفة عامة وبين القسم الخاص الذي يأخذ بهذه المصادر بصورة مسلم بها.
2. إن قولهم بأن الركن الشرعي يجب توافره لترتيب المسؤولية الجنائية ، فإن هذا القول لا يتفق والواقع العملي ، فلم يعهد في القضاء أنه قد نفى المسئولية نتيجة لعدم توافر الركن الشرعي صحيح أن عدم وجود نص يجرم الفعل ، يؤدي إلى نفي الإدانة وتترتب البراءة ، وكذا أسباب الإباحة ، لكن القول بأن الجمع بين الشقين “النص ، والإباحة” باعتبارهما وجها الركن الشرعي يجب دراسته لاكتمال عناصر المسئولية الجنائية لم يحدث وإن قال القضاء به, لا سيما أن فكرة المسئولية قد تعددت مفاهيمها” وليس غريباً مع هذا التعدد من المعاني أن يجيء مفهوم المسئولية مشوباً بغموض يفضي إلى ارتباك بعض الباحثين إزاءه”.
3. أما القول أن لهذا الركن الشرعي عناصره وشروطه ، فهذا القول أن كان صحيحا بالنسبة لشروطه. ويقصد الباحث بالعناصر كما فهم ؛ الباحث ؛ وجها الركن الشرعي الإيجابي والسلبي ، ولكن ماذا عن شروط الركن الشرعي ، لا سيما تلك المتعلقة بنص التجريم ذاته تلك التي تشترط شروطاً نخاطب بها المشرع الجنائي حين يريد أن يخلق نص التجريم . فلو صدر نص جنائي خلافا للإجراءات القانونية لإصداره ، فهل يعني هذا أن هذه القواعد الإجرائية ؛ التي يجب أن يحترمها المشرع ؛ هل هي شرط من ضمن الشروط المتطلبة في الركن الشرعي إن القول بالإيجاب يؤدي إلى أننا اشترطنا شروطاً استجلبناها من القواعد التي يخاطب بها مجلس الشعب .
وهذا يؤدي بنا حين معالجة الركن الشرعي إلى وجوب التحقيق من احترام هذه القواعد وإذا كانت الإجابة بالنفي هي البديهية ، فإن هذا يؤدي إلى هدم المبررين السابقين ، فلا دراسة مثل هذه الشروط تؤدي إلى الوضوح والاتساق النظري ولا هذه الشروط تدخل في تكوين المسئولية الجنائية , وحيث أن هذا الدليل يتعلق بعنصر النص , كأحد وجهي الركن الشرعي فلا مجال للقول بأنه لا ينطبق على الرأي الذي يعرف الركن الشرعي بأنه عدم مشروعية الفعل لان الحديث أنصب على أحد العناصر المكونة للركن الشرعي ولم ينصب على وصف هذا الركن.
وتستلزم دراسة مفهوم الركن الشرعي: الحديث عن الوجه الإيجابي لهذا الركن , وكذا الوجه السلبي له ؛ حيث يتعرض الباحث في الأول لخضوع الفعل لنص التجريم وعدم خضوعه لنص إباحة .. في حيث يتعرض الباحث في الثاني إلي زوال خضوع الفعل لنص التجريم طبقاً لأسباب الإباحة .
أولا: الوجه الإيجابي:-
خضوع الفعل لنص التجريم وفقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات
لقد كفلت الطبيعة للجنين بتوفير حماية له التعرض للهلاك قبل الولادة وأثنائها وحتى بعد خروجه إلى الحياة فهذا الحق مصان من التعرض أو الاعتداء ، فشرط البقاء هو أمر ضروري للأفراد الذين هم نواة المجتمع ، وهذا الحق له قيمة اجتماعية كبيرة تتحمل السلطة العامة دوام بقائه والمحافظة على استمراره حتى خروجه سليماً إلى الوجود , ومن هنا عاقب كل من المشروع المصري في المواد (260- 263) والمشرع الأردني في المواد (321 – 325) كل من يقدم على الاعتداء على حق الجنين في الحياة بما في ذلك المرأة الحامل.
فبالنسبة لقانون العقوبات المصري نصت المادة (260) على أنه “كل من أسقط عمدا امرأة حبلي بضرب ونحوه من أنواع الإيذاء يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة” أما المادة (261) فقد نصت على “كل من أسقط عمداً امرأة حبلى بإعطائها أدوية أو باستعمال وسائل مؤدية إلى ذلك أو بدلا لتها عليها سواء كان برضائها أم لا يعاقب بالحبس” ونصت المادة 262 “المرأة التي رضيت بتعاطي الأدوية مع علمها بها أو رضيت باستعمال الوسائل السالف ذكرها أو مكنت غيرها من استعمال تلك الوسائل لها وتسبب لإسقاط عن ذلك حقيقة تعاقب بالعقوبة السابق ذكرها”, ونصت المادة (263) “إذا كان المسقط طبيباً أو جراحاً أو صيدلياً أو قابلة يحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤقتة”.
كما نهج المشرع الأردني نفس النهج حيث خصص لجريمة الإجهاض المواد من (321 – 325) من قانون العقوبات الأردني. فنصت المادة (321) على ما يلي: “كل امرأة أجهضت نفسها بما استعملته من الوسائل أو رضيت بأن يستعمل لها غيرها هذه الوسائل تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات” . أما المادة (322) فقد نصت على “من أقدم بأية وسيلة كانت على الإجهاض امرأة برضاها عوقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات” وتنص الفقرة الأولى من المادة (323) على أن “من تسبب عن قصد بإجهاض امرأة دون رضاها عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تزيد على عشر سنوات” , وتنص الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أنه “ولا تنقص العقوبة عن عشر سنوات إذا أفضى الإجهاض أو الوسائل المستعملة إلى موت المرأة” . وتنص المادة (324) على أن “تستفيد من عذر مخفف المرأة التي تجهض نفسها محافظة على شرفها ويستفيد كذلك من العذر نفسه من أرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين (322 ، 323) للمحافظة على شرف إحدى فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثالثة”, وتنص المادة (325) على أنه “إذا كان مرتكب الجرائم المنصوص عليها في هذا الفصل طبيباً أو جراحاً أو صيدلياً أو قابلة ، يزيد على العقوبات المعنية مقدار ثلثها”, وبذلك يحمي القانون الجنين من أجراء عمليات الإجهاض التي تقوم بها المرأة الحامل للتخلص من الجنين الذي في أحشائها .
لذا ومن خلال النصوص السابقة التي تجرم الإجهاض نجد أن تلك النصوص تكفل حماية النفس البشرية في مرحلة الحمل ، حيث أن المشرع يجرم كل فعل يؤدي إلى إجهاض المرأة الحامل مع عملية بأنها حامل . ولا يهم نوع الفعل الذي أستخدمه الجاني فأي نشاط تجاه الحامل يؤدي إلى إجهاضها ، سواء كان ذلك باستخدام القوة الجنائية خيرها أو إعطائها مادة ضارة أدى أضافتها ، كما يتصور أن يكون الإجهاض بالقول وليس فعلا ، فالنبأ المزعج الذي قد ينفل إلى المرأة الحامل يهزها نفسيا مما يؤدي إلى أضاعفها ثم مرضها مما يترتب عليه الإجهاض(2), والشارع في جريمة الإجهاض لا يحمي حقا واحداً فحسب وإنما حقوقاً متعددة أحدهما رئيسي وسائرها ثانوي وهذا الحق الرئيسي المقصود بالحماية أصلاً هو حق الجنين في الحياة المستقبلية ، أي حقه في النمو الطبيعي داخل الرحم حتى ميلاده , ومن ثمة تأمين الحياة السليمة له من رفاهية وصحة وتعليم وأن أي إفناء للجنين هو جريمة يعاقب عليه القانون.
كما يتبين لنا بوضوح عناية المشرع بحماية الأم وجنينها من إخطار الإجهاض كما أنه لا يريد المساس بسلامة الأم ولا يرغب في النتيجة السيئة المترتبة على الاعتداء عليها لذلك فإن المشرع وضع مثل تلك النصوص لتفادي مثل تلك النتيجة .
ويتضح لنا مما سبق أن الإجهاض مجرم ومعاقب عليه باعتبار أن الطفل هو امتداد طبيعي للجنين والجنين هو المقدمة الضرورية لإنسان معين ، والاعتداء عليه سيعد الإجهاض جريمة توجب على المشرع التدخل من خلال النصوص القانونية التي تجرم الإجهاض وتفرض على مرتكبه عقوبة رادعة ، حيث أن الإجهاض هو إفناء متعمد للجنين الإنساني ؛ والذي هو مرحلة من حياة إنسان معين وضع خطوته على أبواب الحياة , ومن هنا يجب العمل والحرص على أن يستكمل الجنين نموه ، ويتم مولده وخروجه إلى الحياة , وهكذا تبين لنا توافر الركن الشرعي في وجهة الإيجابي لجريمة الإجهاض فهل يتوافر الوجه السلبي كذلك ؛ هذا ما سيدرسه الباحث فيما يلي :
ثانياً : الوجه السلبي
زوال خضوع الفعل لنص التجريم طبقا لأسباب الإباحة .
أن نصوص التجريم أو نصوص قانون العقوبات ليست مطلقة بل أن هناك بعض القيود التي تحد من نطاقها تتمثل في مجموعة من المصالح المعتبرة قانوناُ بحيث تقلب هذه المصالح الأفعال المجرمة إلى أفعال مباحة , وأما سبب الإباحة , فيقصد به : رفع صفة الجريمة عن الفعل بحيث يصبح فعلاً مباحاً ومشروعاً إذا أرتكب في ظروف تنتفي فيها العلة من تجريمه ، ومن هنا ترتبط أسباب الإباحة بالركن الشرعي للجريمة إذ تعد في جوهرها نفيا لهذا الركن .
وبالنظر إلى القوانين المعاصرة نجد أنه كانت في البداية تجرم الإجهاض وتعاقب على إتيانه بنصوص جنائية واضحة بحيث تكون رادعة لمن يرتكب الإجهاض ، ثم بدأت القوانين بعد ذلك تتخفف من الغلو في التجريم ، إلى الإباحة التدريجية الأسباب طبية بحتة لإنقاذ حياة الأم أو صحتها من خطر الموت أو الأمراض النسائية المختلفة وقد نهج المشرع الأردني نهج تلك القوانين .
حيث نصت المادة “89” من قانون العقوبات الأردني على أنه “لا يعاقب الفاعل على فعل ألجأته الضرورة إلى أن يدفع به في الحال عن نفسه أو غيره أو عن ملكة أو ملك غيره خطراً جسيماً محدقاً لم يتسبب هو فيه قصداً شرط أن يكون الفعل متناسباً والخطر” كما أعتبر المشرع الأردني العمليات الجراحية والعلاجات الطبية سبب إباحة , حيث نص قانون العقوبات الأردني في الفقرة الثانية من البند الثاني من المادة 62 على أن “العمليات الجراحية والعلاجية الطبية المنطبقة على أصول الفن شرط أن تجرى برضى العليل أو رضى ممثليه أو في حالة الضرورة الماسة”.
كما حرص قانون الصحة العامة رقم 21 لسنة 1971 في المادة 62 منه والدستور الطبي الصادر بموجب المادة 16/ أ من قانون نقابة الأطباء المؤقت رقم 3 لسنة 1970 بموجب المادتين (43 و 44) على تنظيم وضع إباحة الإجهاض العلاجي ، والمأخوذة عن قانون الإجهاض الإنجليزي الصادر سنة 1967 والخاص بإباحة الإجهاض ، والمادة 43 من الدستور الطبي وردت على النحو التالي:
“الإجهاض العلاجي هو الذي يتم بوضع حد للحمل عندما تكون حياة الأم معرضة للخطر ولا سبيل لإنقاذها إلا بإجرائه ويراعي في ذلك.
أ?- أن يتم برأي طبيبين أحدهما يجري العملية ويسجل بهذا محضر.
ب?- إذا كانت الحامل قاصراً ، يجب الحصول على موافقة زوجها أو المسئول عنها.
ج- إذا رفت الحامل إجراء العملية ، رغم توضيح الطبيب لها خطورة وضعها فعليه الامتثال لأرادتها.
د- عندما لا يناسب الطبيب إجراء الإجهاض بسبب معتقداته الشخصية.
فعلية أن ينسحب مسلما لزميل آخر , ويستثنى من ذلك الحالات المستعجلات الداعية للتدخل السريع”.
ونصت المادة 44 على أنه ” إزاء ولادة متعسرة يكون الطبيب هو الحكم الوحيد فيما يختص بالحفاظ على حياة الأم والجنين دون التأثر باعتبارات عائلية.
في حين ورد نص المادة 62 من قانون الصحة العامة رقم 20 لسنة 1971 على ما يلي:
أ?) يحظر على أي طبيب وصف أي شئ بقصد إجهاض امرأة حامل أو إجراء عملية إجهاض لأي حامل ، وإنما يجوز إجهاض الحامل في مستشفى مرخص أو في دار للتوليد مرخصة إذا كانت عملية الإجهاض ضرورية لتلافي تعريض حياة الحامل للموت أو للمحافظة على صحتها شريطة:
1- أن يسبق ذلك موافقة خطيه من الحامل بإجراء العملية. وفي حالة عدم مقدرتها على الكتابة أو عجزها عن النطق فتؤخذ هذه الوثيقة من زوجها أو المسئول عنها.
2- أن يشهد طبيبان مرخصان على أن العملية ضرورية للمحافظة على حياة الحامل أو صحتها.
ب?) على المسئول عن المستشفى أو دار التوليد أن يسجل في قيود أسم الحامل وتاريخ إجراء العملية ونوعها وأن يحتفظ لمدة عشرة سنوات بالموافقة الخطية وبشهادة الطبيبين.
ج) تزويد الحامل بشهادة مصدقة من المدير أو المسئول عن المستشفى أو دار التوليد تضمن المعلومات المعنية في الفقرة السابقة, وعلية لا تلاحق الحامل ولا يعتبر الشخص أو الأشخاص الذين أجروا أو اشتركوا في إجراء عملية الإجهاض وفقا لما تقدم أنهم اقترفوا جريمة إجهاض.
أما بالنسبة للتشريع المصري فلا يوجد نص صريح يبيح الإجهاض ألا أن الفقه , ذهب إلى امتناع مسئولية الفاعل في الإجهاض إذا توافرت شروط حالة الضرورة كما وردت بنص المادة 61 عقوبات والتي جاء بها, ” لا عقاب على من أرتكب جريمة ألجأته إلى ارتكابها ضرورة وقاية نفسه أو غيره من خطر جسيم على النفس على وشك الوقوع به أو بغيره ولم يكن لإرادته دخل في حلوله ولا في قدرته منعه بطريقة أخرى”.
ويتبين للباحث ؛ أن إباحة الفعل تجد أساسها في حالة الضرورة بتوافر شروطها وليس ثمة خلاف حولها حينئذ ، ولكن قد تثور مسائل أخرى تشتبه بحالة الضرورة ويدق أمرها على الفقهاء مما يجعلهم يختلفون حولها ، ونسبة لأهمية هذه المسائل فأن الباحث أثر أن يوردها في مبحث مستقل ، على أن يقتصر في هذا المقام على دراسة حالة الضرورة المتفق حولها تلك المتعلقة بالإجهاض لإنقاذ حياة الأم ، والإجهاض العلاجي .
المطلب الثاني
أثر رضاء الحامل بالإجهاض
قد لا يخفّي أنه من المستحيل البحث في رضاه المجني عليه ، في مثل هذه الجريمة ذلك أن المجني عليه فيها هو الجنين ، والجنين ليست له إرادة يمكن أن تصدر رضا يرتب أثاراً قانونية وبالتالي تمتنع إمكانية الكلام عن رضاء المجني عليه وأثره في الإجهاض المتعلق بإجهاض المرأة الحامل لنفسها ، لذلك فسيقتصر الباحث ؛ على دراسة رضاء الأم الحبلى .
عرض المشرع المصري لهذه الصورة من الإجهاض في نص المادة (262) من قانون العقوبات المصري التي جاء بها “المرأة التي رضيت بتعاطي الأدوية مع علمها بها أو رضيت باستعمال الوسائل السالف ذكرها “يقصد الوسائل المؤدية للإسقاط”، أو مكنت غيرها من استعمال تلك الوسائل لها وتسبب الإسقاط عن ذلك حقيقة تعاقب بالعقوبة السابق ذكرها” “أي الحبس”.
كما أشار إلى تلك الصورة المشرع الأردني في المادة (321) من قانون العقوبات الأردني “كل امرأة أجهضت نفسها ، بما استعملته من الوسائل ، أو رضيت بأن يستعمل لها غيرها هذه الوسائل ، تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات”
وقد أراد الشارع من خلال تلك النصوص أن يؤكد التزام الحامل بالمحافظة على حملها وهذا الالتزام يستمد قوته من الرسالة الطبيعية الاجتماعية للمرأة ، بحيث منع الحامل من أن تجهض نفسها ، وألزمها أيضا بمنع الغير من إجهاضها أو تعريض حملها للخطر ، فرضا الحامل لا يعتبر سبباً لإباحة الفعل إذ يتعلق الاعتداء بحق الجنين في الحياة حيث أن الحق موضوع الحماية ليس للأم حتى يكون لرضائها بالاعتداء عليها ما يبيحه ، وإنما هو للجنين فهي غير ذات صفة للتصرف فيه ، والجنين وأن لم يولد ، ألا أنه يكون مجنياً عليه متى وجه إليه فعل جنائي يتضمن خرقا للحماية القانونية التي وفرها له القانون ، لذا يتضح أن فكرة رضاء المجني عليه لا يمكن أثارتها لأن المرأة الحامل ليست هي الشخص المجني عليه إنما هي ذاتها الجاني ، لذا فأن صفة المجني عليه تخلص للجنين وحدة.
ولكي تكون المرأة مسئولة جنائياً وفقا للمواد السابقة يجب أن يكون رضاؤها صحيحاً غير مشوب بأكراة أو غلط أو تدليس ، لأن الرضاء المعيب على هذا النحو يساوي انعدام الرضاء وسواء كانت هي مرتكبة الفعل أو كان غيرها ، وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة في الإجهاض سواء أكان نشاطها إيجابياً أو سلبياً فأن المرأة الحامل التي رضيت بالإجهاض تسأل عن هذه الجريمة بشرط أن تترتب النتيجة بالفعل , والشارع يؤكد التزاماً عليها بالحفاظ على حملها حتى مولده ميلاداً طبيعياً ، وذلك لأن للحمل قيمة اجتماعية لا تملك المرأة الحامل التصرف فيها، لذا لم يعتد المشرع المصري برضاء الحامل كسبب من أسباب إباحة الإجهاض بل عاقب المرأة الحامل إذا أسقطت نفسها أو رضيت بتعاطي أدوية أو رضيت للغير بإسقاطها كما هو واضح من نص المادة (262) من قانون العقوبات المصري , ذلك أن حق المرأة الحامل في سلامة جسمها .
واختيار الإبقاء أو عدم الإبقاء على الحمل ليس هو الحق الذي يحميه القانون بل أن القانون يحمي حق الجنين وليس لها الرضاء أو عدم الرضاء عن الإسقاط ، وبالتالي فليس من حقها أن تتصرف في حملها ، لذلك عاقب القانون على الإجهاض ولو وقع من الحامل على نفسها ، وعاقبها إذا رضيت بتعاطي الأدوية أو استعمال وسائل المؤدية إلى الإجهاض أو مكنت غيرها من استعمال تلك الوسائل لها, وهو ما أكدته محكمة النقض المصرية “أن رضا الحامل بالإسقاط لا يؤثر على قيام الجريمة وذلك أن للنفس البشرية حرمه ولا تستباح بالإباحة” ، ومن ثم فان ذهاب المجني عليها برضاها إلى المحكوم عليه الأول ليجري لها عملية الإسقاط ووفاتها بسبب ذلك لا ينفي خطأ المحكوم عليه المذكور وليس في مسلك المجني عليها ما يقطع علاقة السببية بين فعل الإسقاط وبين وفاة المجني عليها.
ونهج المشرع الأردني نهج المشرع المصري بحيث لم يعتبر الرضاء مبرر لإباحة الإجهاض بل نص على ضرورة إبقاء الإجهاض مجرماً ، كون الإجهاض تحطيم كائن بشري قد بدأت الحياة تدب فيه فعلاً ، فضلاً عن أن الإجهاض يثير مشكلات دقيقة ليس من الناحية الأخلاقية والصحية فحسب ، وإنما من الجهة الاجتماعية والقانونية أيضاً، ولا أهمية لنوع الوسيلة التي استخدمتها الحامل في إجهاض نفسها ، فقد يأتي سلوكها في صورة استعمال وسائل الإجهاض بمحض أرادتها ودون تدخل من شخص آخر ، أو في صورة الرضاء الصادر من المرأة الحامل ، أي بأن ترضي أن يستعمل غيرها وسائل الإجهاض عليها وكل ذلك يدخل ضمن دائرة الأفعال المحققة لنموذج التجريم المنصوص عليه في المادة 321 من قانون العقوبات الأردني.
لذا فلا أثر لرضاء الحامل في جريمة الإجهاض بأي حال من الأحوال لأن الإجهاض فيه مجازفة خطيرة على حياة الأم والجنين , وحق الحياة من الحقوق التي لا يجوز التصرف فيها أو التنازل عنها بالرضاء ، ويكون الرضاء الصادر من الأم الحامل مجرداً من كل أثر قانوني كما أن في الإجهاض قتل للجنين وتهديد له بالفناء رغم أن تلك الأجنة هي أساس الأسرة وأساس المجتمع ، وتتفق التشريعات الجنائية العربية على أن رضاء الحامل بالإجهاض ليس سبباً لأباحته سواء قامت بإجهاض نفسها أو لجأت للغير لإجهاضها، فالأصل أن للإنسان الحق في التصرف فيما يملك والجنين ليس ملكاً للأم الحامل حتى تتصرف به كيفما تشاء بل أن له حرمة منذ لحظة استقراره في الرحم ولا يجوز الاعتداء عليه وتعريض حياته للخطر.
أذن لا أثر قانوني أو قيمة قانونية يحدثها الرضاء في إباحة الإجهاض لأن الحق في الحياة يلغي كل أثر مادي لهذا الرضاء ويعتبر كأن لم يكن ، لذا اعتبرت المرأة الحامل التي أقدمت على إجهاض نفسها بنفسها أو رضيت للغير أن يقوم بإجهاضها فهي تعتبر فاعله أصلية في جريمة الإجهاض، وتعاقب بموجب نص المادة (262) من قانون العقوبات المصري والمادة (321) من قانون العقوبات الأردني.
أما بالنسبة للتشريعات الأجنبية فقد ذهب جانب من الفقه الأمريكي إلى القول بوجوب إباحة الإجهاض إذا ما طلبت المرأة الحامل ذلك بمجرد إعلانها عن عدم رغبتها باستمرار الحمل دون حاجة لتسبيب الإجهاض على أن يتم ذلك بمعرفة طبيب متخصص في أمراض النساء والولادة ، وأن تكون مدة الحمل قد تجاوزت ثلاثة أشهر ، ويستند أصحاب هذه الرأي إلى احترام حرية المرأة الحامل ورغبتها في عدم استمرار حمل لا ترغب به.
كما أن قانون الإجهاض في إنجلترا الصادر سنة 1967 يجيز الإجهاض بشروط معينة كان تجري عملية الإجهاض في مستشفى وبتخويل من جهات خاصة ، وهذا ما ذهب إليه المشرع الفرنسي في قانون الإجهاض الإرادي سنة 1975 والذي أفصح عن احترام رغبة الحامل بالإجهاض ، فهي لا تعاقب على الإجهاض المقترن برضاء الحامل ما دام ينفذ طبقاً للشروط والإجراءات التي نص عليها القانون. كما أكد المشرع الفرنسي حق المرأة الحامل في إجهاض نفسها , بل وعاقب من يحاول أو يعارض في هذا الحق بموجب الفقرة 15 من المادة (162) من قانون الصحة العامة في فرنسا.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث و دراسة مقارنة حول موقف التشريع و القضاء المغربي و المقارن من الخبرة الطبية

الخبرة الطبية في ضوء التشريع و القضاء المغربي و المقارن

ذ. زريويل محمد
أستاذ بكلية الحقوق بمكناس

بعد تطرقنا في موضوع اخر للبصمة الوراثية كوسيلة للاثبات نتابع في موضوعنا هذا موقف المشرع المغربي من هذه الخبرة

من ضمن التوصيات التي صدرت عن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية إبان ندوتها الحادية عشرة التي عقدت في دولة الكويت في 13 أكتوبر 1998 في موضوع “الوراثة والهندسة الوراثية والجنيوم البشري والعلاج الحبيني” أثناء تدارسها للبصمة الوراثية :
– أن كل إنسان ينفرد بنمط خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده لا يشاركه فيه أي شخص آخر ويطلق على هذا النمط إسم “البصمة الوراثية”. والبصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الولادة البيولوجية, والتحقق من الشخصية ولا سيما في مجال الطب الشرعي, وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء, في غير قضايا الحدود الشرعية, وتمثل تطورا عصريا عظيما في مجال القيافة الذي يذهب إليها جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه ولذلك ترى الندوة أن تأخذ بها الدول الإسلامية في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولي.
– كما دعت الندوة الدول الإسلامية إلى الأخذ بالبصمة الوراثية في حال تنازع أكثر من واحد في أبوة مجهول النسب إذا انتفت الأدلة أو تساوت1.
فنظرا للآراء التي تنادي باعتماد الخبرة الطبية في مجال إثبات النسب ونظرا أيضا لخطورة النسب وما يترتب عليه من آثار فقد حدد المشرع كيفية إثباته ونفيه حماية للأعراض ودفعا لاختلاط الأنساب. كما أن القضاء من جانبه حاول المحافظة على هذا الحق من أن يعترض للضياع, لهذا سنحاول في أول وهلة معرفة موقف التشريع المغربي والمقارن من إثبات ونفي النسب بواسطة الخبرة الطبية قبل التعرف على موقف القضاء المغربي والمقارن من هذا الموضوع .

أولا: موقف التشريع المغربي والمقارن من الخبرة الطبية.

إذا كان للنسب شأن عظيم في الإسلام فإن المشرع المغربي كان دائما حريصا على حماية والحفاظ عليه من كل اختلاط وريبة. كما أن التشريعات المقارنة حاولت هي الأخرى الحفاظ على هذا الحق وحمايته ولهذا سنتطرق لموقف التشريع المغربي من إثبات النسب ونفيه بواسطة الخبرة الطبية قبل الحديث عن موقف التشريعات المقارنة من هذه التقنية الحديثة في هذا الموضوع.

I- موقف التشريع المغربي

في مدونة الأحوال الشخصية السابقة تم تحديد وسائل إثبات النسب إلا أنه كان ذلك على سبيل الحصر في الفصل 89، حيث جاء فيه “يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب أو شهادة عدلين أو بينة السماع بأنه ولد على فراش من زوجته”.
هذا بالنسبة لإثبات النسب أما بالنسبة لنفيه فإن المشرع المغربي لم يسلك نفس المضمون حيث جاء في الفصل 91 على أن “القاضي يعتمد في حكمه على جميع الوسائل المقررة شرعا في نفي النسب”.
المشكل الذي كان يطرحه الفصل 91 يتعلق بالوسائل المقررة شرعا، هل هي المرتبطة بأحكام الشريعة الإسلامية أم تلك القواعد القانونية المرتبطة بموضوع الإثبات بصفة عامة، وبعبارة أخرى هل المشرع المغربي أعطى للقاضي في مجال نفي النسب سلطة تقديرية في اعتماد أية وسيلة إثبات يراها مناسبة ومحققة للعدل والإنصاف وبالتالي الاعتماد على الخبرة الطبية في نفي النسب وإثباته؟2.
إذا اعتبرنا الوسائل المقررة شرعا تفيد فقط الوسائل المقررة التي جاء بها الفقه الإسلامي فلا يمكن الاعتماد على الخبرة الطبية.

أما في الحالة المعاكسة أي إذا اعتبرنا الوسائل شرعا تمثل كل الوسائل المتاحة فإن المحاكم تكون ملزمة بالأخذ بالخبرة الطبية، وإلا فإنها لن تطبق القانون. حسب الأستاذ محمد الكشبور فإن “للفقه الإسلامي عذره للمحافظة علي هذا المبدأ إذ عند نزول القرآن الكريم وتكوين السنة النبوية وحتى في العهد الذي بدأ فيه تدوين هذا الفقه لم تكن للطب مكانة ذات شأن في المجال الذي تبحث فيه بالخصوص3.
إلا أنه ولسبب عدم وضوح النص من مدونة الأحوال الشخصية حدث خلاف في هذه المسألة التي ما كان يجب أن يقع فيها اختلاف، لأن الفهم الحقيقي للنصوص الشرعية يوجب الأخذ بالوسائل العلمية الحديثة لأنها من مقاصد الشريعة الإسلامية.

لهذا السبب ثم توضيح مالا يتطلب التوضيح في ظل مدونة الأسرة وتم النص صراحة على الأخذ بالخبرة الطبية كوسيلة لإثبات ونفي النسب وذلك في المادة 153 التي ورد فيها : “يثبث الفراش بما يثبتا به الزوجية” ويعتبر الفراش بشروطه حجة على ‘ثبوت النسب لا يمكن الطعن فيه إلا من الزوج من طريق اللعان أو بواسطة خبرة تفيد القطع بشرطين :
– إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه.
– صدور أمر قضائي بهذه الخبرة.
وبهذا يلاحظ أن المادة 153 بينت مدى حجية الفراش على ثبوت النسب واعتبرتها حجة قاطعة لا يمكن الطعن فيها إلا بإحدى الوسيلتين التاليتين:
– اللعان الذي يتم وفق الأحكام والمقتضيات المقررة في الفقه.

– الخبرة التي تفيد القطع مع توافر بعض الشروط المنصوص عليها في نفس المادة.
وفي معرض الجواب عن التساؤل حول أساس وشروط اعتبار الخبرة وسيلة لنفي النسب وفقا للمادة 153 رغم وجود الفراش أوضح السيد وزير العدل أن اعتماد الخبرة في هذا الباب كوسيلة للطعن في حجية الفراش يشترط في ذلك أن يصدر أمر بها من طرف المحكمة التي يرجع إليها في الأخير تقدير قيمتها الإثباتية حسب الحالات وأن تتوفر كذلك باقي الشروط الواردة في المادة المذكورة4.
فالمشرع المغربي في مسألة الخبرة سار على شاكلة المشرع الفرنسي الذي اعتمد بشكل رسمي على أن تجرى الخبرة على البصمة الوراثية للإنسان من طرف اللجنة الأخلاقية للقوميات في فرنسا, مع حصره فقط في المعامل المختصة و المعتمدة رسميا, ولا يتم الأخذ به إلا بناءا على أمر قضائي.

II- موقف التشريعات المقارنة.

بالنسبة للمشرع المصري إذا كان قد أخذ بالخبرة الطبية لتحديد أقصى أمد الحمل سنة 1929 إلا أنه لم يؤخذ بها في مجال النسب، هاديا على نهج معظم التشريعات العربية إلا أنه وبالرغم من إنشاء معمل للطب الشرعي والبيولوجي لإجراء اختبارات الحامض النووي في الجرائم المختلفة، وذلك سنة 1995، فإن مشروع قانون الأحوال الشخصية رقم 1 في سنة 2000 لم يقر صراحة بنجاعة الخبرة الطبية في إثبات النسب ونفيه، ذلك أن المادة 3 من مشروع القانون المذكور تنص على أنه “تصدر الأحكام طبقا لقوانين الأحوال الشخصية والفقه المعمول به ويعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبو حنيفة”.
أما عن التشريع الكويتي فقد أقر الأخذ بالخبرة الطبية لكن بصورة ضمنية في المادة 168 من قانون الأحوال الشخصية التي تنص على أنه “لا يثبت النسب من الرجل إذا أثبت أنه غير خصب أو لا يمكن أنه يأتي منه الولد لمانع خلقي أو مرضي”.

وفيما يخص المشرع الجزائري فإذا كان لم ينص صراحة على هذه الوسيلة المتمثلة في البصمات الوراثية لنفي النسب لكن يمكن أن يفهم من عموم عبارة “بالطرق المشروعة” الواردة في المادة 41 من قانون الأسرة ذلك أن المشرع لم يعترض على هذه الوسائل الحديثة لنفي النسب إذ أن استعمال الجمع في هذه العبارة يقتضي أن المشرع لم يقتصر في نفي نسب الطفل على اللعان فقط، بل أخذ بجميع الوسائل الأخرى والتي يمكن من خلالها للقاضي إبراز الحقيقة.

ويرى الأستاذ تشوار جيلا لي أنه “إذا أثبت الزوج بمقتضى إحدى هذه الوسائل الحديثة أن الطفل لا يمكن أن ينسب إليه لاختلاف البصمات محل الفحص فإنه بإمكانه أن يطلب الطلاق ويكون طلبه هذا مؤسسا ذلك ما يبرهن بصفة مطلقة أن الاكتشافات الحديثة للعلوم البيولوجية يمكن أن تعود في بعض الحالات بالمنفعة على المجتمع بأكمله إذ تسمح بصدد هذه المسألة التفرقة بين الطفل الشرعي والطفل غير الشرعي”5.
أما بالنسبة لتونس فإنها تعتبر من أولى الدول الإسلامية التي اعتمدت تقنية الهندسة الوراثية، وذلك من خلال استحداثها لقانون إثبات الهوية سنة 1998 حيث ركزت بموجبه على مبدأ إثبات النسب بكل الوسائل العلمية المتاحة ومن طريق البصمات الوراثية أو التحليل الجيني على الخصوص6.

هذا وأخذا بالوسائل الحديثة نجد القانون الفرنسي في مادته 11 من قانون المسطرة المدنية أقر اللجوء إلى الفحوصات الطبية وإذا رفض المعني بالأمر لا يكون أمام المحكمة سوى استخلاص النتائج وتقدير الموقف وبقاء عبء الإثبات على الطرف الرافض لإجراء الفحص الطبي.
وبالنسبة لألمانيا فالملاحظ أن الفقرة الأولى من الفصل 372 من قانونها الإجرائي العام لم تقف عند حد الأخذ بالوسائل العلمية في الإثبات وإنما تجاوزت ذلك لإقرارها إجبارية الأخذ بالوسائل الحديثة عن طريق الفحص الطبي البيولوجي وخاصة تحليل الحامض النوويADN لكل شخص مثبت فيه تحت طائلة جزاءات صارمة تتمثل في السجن والغرامة كما أتاحت المادة 390 من هذا القانون للمحكمة أن تأمر بهذا الإجراء تلقائيا أو بناءا على طلب أحد الأطراف7.

ثانيا: موقف القضاء المغربي والمقارن من الخبرة الطبية

إن النصوص القانونية إذا لم تطبق لا قيمة لها لهذا يبرز لنا دور القاضي في تفعيل النص القانوني وذلك بتطبيقه السليم لهذه النصوص. وفي هذا الصدد حاول القضاء المغربي والمقارن إ عطاء الحقوق لأصحابها في ميدان النسب. علما أن القضاء المغربي كان له مواقف سلبية قبل صدور مدونة الأسرة فيما يخص دور الخبرة الطبية في إثبات ونفي النسب.
وعليه سوف نقوم بمعالجة موقف القضاء المغربي ثم موقف القضاء المقارن من إثبات النسب ونفيه بواسطة الخبرة الطبية.

I- موقف القضاء المغربي

يختص القاضي بتحقيق العدالة بين الناس وليس من المفروض فيه أن يكون متخصصا في غير علوم القانون التي لا تمس بتخصصه بأي صلة كما هو الشأن بالنسبة للهندسة والميكانيكية والطب… فإذا عرض عليه نزاع يتطلب الفصل فيه إجراء خبرة خاصة جاز له أن يستعين بأهل المهنة المتخصصين للإدلاء برأيهم في صورة تقرير يقدمونه إلى المحكمة8.
إلا أن موضوع إثبات النسب ونفيه بالخبرة الطبية أرق القضاء المغربي كثيرا وسنحاول ترصد بعض الأحكام والقرارات القضائية قبل صدور مدونة الأسرة (1) ثم بعد صدورها (2).

1 – قبل صدور مدونة الأسرة.
لقد استقر العمل القضائي على عدم الأخذ بالخبرة الطبية في مجال إثبات النسب ونفيه في ظل مدونة الأحوال الشخصية ومن أهم القضايا في الموضوع قضية عرضت على أنظار محكمة الاستئناف بأكادير حيث طالب فيها الأب بعدم إلحاق الولد بنسبه لأنه عقيم لا يلد مؤكدا إدعاءه بشهادة طبية، غير أن محكمة الموضوع رفضت الطلب بعلة أن التحليلات الطبية التي تفيد وتثبت العقم لا يمكن الإعتماد عليها من الناحية الشرعية في إثبات النسب.
وطعن المدعي بالنقض منتقدا القرار المطعون لأنه لا يرتكز على أساس عدم التعليل، لكن المجلس الأعلى رفض الطعن بناء على أن “ما قضى من الحكم المطعون فيه يجد أساسه في الفصل 91 من مدونة الأحوال الشخصية الذي ينص على أن “القاضي يعتمد في حكمه على جميع الوسائل المقررة شرعا في نفي النسب وليس من بين هاته الوسائل وسيلة التحليل الطبي”9.
وفي قرار بتاريخ 9 فبراير 1982 ورد فيه “حيث أن قاعدة الولد للفراش لا يجوز دحضها إلا بالوسائل المقررة شرعا لنفي النسب وأنه إذا كان الشرع والقانون يعتمدان برأي الخبرة من الأطباء في عدة مسائل فإنهما لم يعتدا برأيهم فيما يرجع لنفي النسب استنادا إلى عدم قابلية الزوج للإخصاب مادام في وسع ذلك الزوج نفي النسب عن طريق اللعان…”.

ومن القرارات التي استبعدت أيضا الخبرة الطبية, القرارالصادر عن المجلس الأعلى رقم 38 بتاريخ 20 يناير 2000 م ش عدد 571/96 حيث جاء فيه “…. فيما يتعلق بالوسيلة الثانية, حيث يعيب الطاعن على القرار المطعون فيه عدم الإرتكاز على أساس. ذلك أنه إلتمس إجراء خبرة على الفصيلة الدموية للنسب إلا أن المحكمة لم تستجب. لكن حيث أن إجراء بحث أو تحقيق من شأن السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع التي لها الحق في صرف النظر عن إجراءه إذا لم تر له مبررا, والمحكمة لما عرضت عن الملتمس المذكور تكون قد إستعملت سلطتها في ذلك ما دام أن التحليلات الطبية ليست من وسائل إثبات النسب أو نفيه فتكون الوسيلة غير وجيهة”10.

كما جاء في قرار آخر أن العارض طلق المطلوبة في النقض بمجرد ضرر…إن العبرة بموافقة الحكم للنص الفقهي الذي اعتمد الحكم الابتدائي نقلا عن الزرقاني في باب اللعان حيث قال : لا يعتد الفقه حتى يلاعن كما ان الخبرة … التي تراجعت عنها المحكمة ردها على ما أشار للطاعن، الأمر الذي يجعل مانعا لا أثر له”11.
إضافة إلى هذه المواقف القضائية التي لا تعتد بالخبرة الطبية في مجال إثبات النسب هناك قرار صادر بتاريخ 13/10/2002 والذي لم يعتبر الخبرة الطبية من الوسائل المقررة شرعا لإثبات أو نفي النسب12.

وفي نفس الاتجاه ذهب المجلس الأعلى بغرفه الست مجتمعة إلى عدم الأخذ بالخبرة الطبية عن طريق تحاليل الدم في إثبات نسب البنت التي ولدت داخل أجل سنة من تاريخ طلاق الأم رغم إدلاء الطالب بحكم نهائي صادر عن محكمة المنازعات الكبرى بتولوز بفرنسا، والذي أقر بأن البنت ليست من صلبه اعتمادا على ما جاء في الخبرة الطبية وذلك اعتمادا على الفصل 76 من مدونة الأحوال الشخصية وذلك لكون أنه كان في وسع الزوج الطاعن نفي النسب عن طريق اللعان، واعتبر هذا القرار أنه رغم وجود اتفاقية بشان التعاون القضائي بين المملكة المغربية و الجمهورية الفرنسية، فإن تطبيق هذه الاتفاقية رهين بعدم مخالفة قانون إحدى الدول لقواعد النظام العام في الدول الأخرى، فالفصل الرابع من هذه الاتفاقية ينص على أنه : “لا يمكن العدول عن تطبيق قانون إحدى الدولتين المحدد بمقتضى هذه الإتفاقية من طرف محاكم الدولة الأخرى إلا إذا كان منافيا بصورة واضحة للنظام العام”13. إلا أن المجلس الأعلى تدارك هذا الأمر وأصدر قرار بتاريخ 9/3/2005 صرح فيه بأنه يتعين الأخذ بالخبرة الطبية فيما يخص نفي النسب وذلك لما اعتبرت على أنه “كان على المحكمة أن تبحث في وسائل الإثبات المعتمدة شرعا ومن بينها الخبرة التي لا يوجد نص قانوني صريح يمنع المحكمة من الاستعانة بها، والمحكمة لما اكتفت بالقول ردا على ملتمس إجراء الخبرة بان ما تمسك به الطالب يخالف أصول الفقه والحديث الشريف دون اعتماد نص قاطع في الموضوع، فإنها لم تضع لما قالت به أساسا وعرضت قرارها بذلك للنقض.

فباستثناء القرار الأخير فإن مجموع الأحكام والقرارات السابقة تستبعد الخبرة الطبية في مجال إثبات النسب ونفيه وبالتالي يشكل هذا الاتجاه تناقضا صارخا بين قواعد القانون والعلم الحديث37.
إن هذا القرار لا يشكل تحولا في مسار المجلس الأعلى وهو اتجاه سليم كان على المجلس أن يأخذ به في السابق، ونعتقد أن التعديلات التي عرفتها مدونة الأحوال الشخصية هي التي ساهمت في هذا التوجه الجديد.

2 – بعد صدور مدونة الأسرة
إن وضوح المادة 153 من مدونة الأسرة رفعت الغموض الذي كان يشوب المادة 19 من مدونة الأحوال الشخصية وبهذا نجد القضاء المغربي بعد صدور مدونة الأسرة يأخذ بالخبرة الطبية في إثبات ونفي النسب وهكذا أصدرت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ( قسم قضاء الأسرة ) بتاريخ 24/10/2005 حكما قضى بأنه : “وحيث أن من القرائن التي يمكن اعتمادها كذلك لوجود العلاقة الزوجية الخبرة المثبتة لعلاقة البنوة إلى المدعى عليه بالإضافة إلى الاستماع إلى الشهود.
وحيث أنه تبعا لذلك فقد أمرت المحكمة بإجراء خبرة طبية حول وجود علاقة بيولوجية بين المدعي عليه والبنت المزدادة 13/06/1989، مع استعمال جميع الوسائل العلمية والطبية التي من شأنها إثبات ما هو وارد أعلاه.
وحيث أنجز تقرير طبي من طرف المختبر الوطني للشرطة العلمية مؤرخ في 21/02/2005 الذي جاء فيه أنه أخذ عينة لعاب السيدة (ج) والسيد (و) المدعي عليه والطفلة (ة) لإجراء خبرة جينية لتحديد العلاقة البيولوجية ما بين الطفلة (ة) بنت (و).
وبناء عليه يتبين من خلال نتائج الخبرة الجينية بثبوت بنوة الطفلة (ة) للمسمى (و) بنسبة تفوق 99,99% …..14.
كما أصدرت نفس المحكمة ( قسم قضاء الأسرة ) بتاريخ 6 يونيو 2005 حكما جاء في حيثياته ما يلي “وحيث انتهى المختبر الوطني للشرطة العلمية في تقريره على أنه من خلال نتائج الخبرة الجينية تثبت بنوة الأخوة (م) و(و) و(ن) للمسمى (ع).

وحيث بناء على ما ذكر أعلاه، وبناء على ما جاء في تقرير الخبرة يبقى دفع المدعي عليه كون كل من (ن) و(و) و(و) ليسوا من صلبه مردودا، ويتعين بالتالي الحكم بثبوت نسب هؤلاء الآخرين لوالدهم (ع) على اعتبار ما جاء في تقرير الخبرة المذكورة أعلاه وعلى اعتبارات نسب الولد يثبت بفراش الزوجة إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال سواء أكان العقد صحيحا أو فاسدا…”.15
وفي الحكم السابق الإشارة إليه حيث امتنع المدعى عليه من الامتثال للخبرة الطبية حيث أصدرت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، قسم قضاء الأسرة بأنه “وقد أكد الخبير المذكور كون السيدة (ح) حضرت رفقة الطفلة (ع) الموعد المحدد بينما أدلى السيد (م) بمذكرة جوابية مؤرخة بتاريخ 12/07/2004 يتعرض فيها على إجراء الخبرة الطبية ويتمسك بمسطرة اللعان لنفي النسب مما تعذر معه إنجاز المهمة الموكولة إليه.

وحيث أن امتناع المدعي عليه من الامتثال للخبرة الطبية المأمور بها بمقتضى الحكم التمهيدي وكذا بناء على ما جاء في مضمون الشواهد الطبية المشار لها أعلاه والتي يتبين من خلالها أن بداية حمل المدعى عليها ترجع لتاريخ 29/08/2003 في حين أقر المدعي كونه ظل على اتصال بزوجته ويعاشرها معاشرة الزواج إلى غاية 31 غشت 2003، مما يتبين معه كون اعتزال المدعي لزوجته المدعي عليها لم يتم إلا بعد وقوع الحمل، وبالتالي تبقى دعوى اللعان هاته مفتقرة لأهم شروطها المتمثلة في استبراء الزوجة واعتزال الزوج لها مباشرة بعد طهرها من الحيض مما يجعل طلب المدعي لكل ذلك غير مؤسس قانونا ويتعين بالتالي رفضه”16.
ومن بين المحاكم الابتدائية التي اعتمدت على الخبرة الطبيبة ADN في إثبات النسب المحكمة الابتدائية بالرباط التي قضت بثبوت الزوجية وثبوت نسب الابن لأبيه المدعى عليه17.

إن التساؤل الذي يطرحه العديد من المهتمين في هذا المجال هل القاضي ملزم بتقرير الخبرة المنجزة ؟
إن الحكم النهائي بثبوت النسب يصدر في نهاية المطاف عن القاضي وليس عن الخبير فالخبرة تساعد القاضي في فهم أمور تقنية أو علمية أو غيرها لا تدخل في نطاق إختصاصه و بالتالي تبقى خاضعة للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع الذي بإمكانه مناقشتها وكذا استبعادها إذا رأى ذلك وذلك وفق ما جاء في الفصل 66 من قانون المسطرة المدنية :” لا يلزم القاضي برأي الخبير المعين ….” رغم أن البعض يرى بأنها ذات طابع خاص يصعب على القاضي استبعادها18
لكن السؤال الذي يطرح بشدة هوما الحكم في حالة امتناع المطلوب بالخبرة الخضوع لها؟ يؤكد جانب من الفقه وعلى رأسهم زهور الحر19 على ضرورة اعتبار هذا الرفض بمثابة إقرار بأبوة المدعى عليه مسايرة لما هو معتمد من طرف المحاكم الفرنسية20.

II – موقف القضاء المقارن

بالنسبة للقضاء السوري نجده سلك نفس الموقف الذي كان عليه القضاء المغربي قبل صدور مدونة الأسرة حيث جاء في قرار صادر عن محكمة التمييز السوري بأن “السفاح لا ينتج نسبا لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر والخبرة على النمر الدموي لطرفي الدعوى والولد لا يصلح دليلا لإثبات النسب ولا نفيه مهما كانت النتيجة التي انتهت إليها ولو جاءت بصيغة الجزم”21 .
أما القضاء التونسي فقد أخذ بالخبرة الطبية ويتضح ذلك من خلال نص الفصل 75 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية الذي جاء فيه “إذا نفى الزوج حمل زوجته أو الولد اللازم له فلا ينتفي عنه إلا بحكم الحاكم وتقبل في هاته الحالة جميع وسائل الإثبات الشرعية” وهكذا فقد رفض قضاة الموضوع سواء على مستوى الدرجة الأولى، والثانية سماع دعوى نفي النسب بناءا على التحليلات الطبية تغليبا للفراش واعتمادا على أن التحليلات الطبية لا تعتبر وسائل شرعية لنفي النسب وهو ما تقتضيه محكمة التعقيب بناء على ما يلي : “حيث اتضح من مراجعة القرار المطعون فيه أنه أسس قضاءه بإقرار حكم البداية القاضي برفض الدعوى على اعتبار أن إثبات عدم التلاقي بين الطرفين قبل الحمل نفي نسب الطفل وليد لا يمكن أن يكون مركزا أساسا على طريقة تحليل الدم التي لا تعد وسيلة إثبات شرعية”.

وحيث أن التعليل الذي انتهجته محكمة القرار غير مستساغ قانونا ولا يتماشى مع مظروفات الملف ومعارضا لما أقره الفصل 75 من مجلة الأحوال الشخصية الذي اقتضى أنه إذا نفي الزوج حمل زوجته أو الوليد اللازم له فلا ينتفي عنه إلا حكم الحاكم وتقبل في هاته الصورة جميع وسائل الإثبات الشرعية وأن مدلول صبغة هذا النص بغير ما أورده المشرع بالفصل 68 من نفس المجلة الذي عين لثبوت النسب طرفا مخصوصة وصورا معينة جاءت بالحصر والذكر أن نفي النسب في هذه الحالة يكون مع توافر الفراش والزواج الصحيح ولكن الولادة أو الحمل الذي جاءت به الزوجة هو موضوع الطعن والنفي بحسب ما يقدمه الزوج من وسائل الإثبات الشرعية والقانونية والتي لا تعد شهادة الشهود فيه كافية بل يجب الاعتماد على الأبحاث والاختبارات الطبية التي يكون لها تأثير سواء سلبي أو إيجابي ومن ذلك وسيلة تحليل دم كل من الزوجة والمولود المطالب بنفي نسبه وأنه لا شيء يمنع من اعتماد تلك الوسيلة التي حقق علماء الطب الشرعي صحتها والتي تعد طريقا علمية قاطعة وهو ما درج عليه فقه وفضاء هذه المحكمة وأن عدم استجابة محكمة الموضوع لهذا الدفع يعتبر إفراطا في السلطة وإهدار لحق الدفاع مع سوء تأويل القانون…22.

وبالنسبة للقضاء المصري فقد سبق لمحكمة النقض المصرية أن قضت بأنه “متى كانت الحقائق العلمية المسلم بها في الطب الشرعي الحديث تفيد أن تحليل فصائل الدماء قد تقطع نتيجة في نفي نسب الطفل عند المنازعة فيه وإن كان من غير اللازم أن تقطع في ثبوته واتخاذ الفصائل أو اختلافها بين الأصول والفروع أيا كان الرأي العلمي فيه هو اعتبار عام لا ينهض في وجه ما تمسك به الطاعن في خصوص دعواه من أن الطفل لا يمكن نسبته إليه ولو بدليل محتمل، محتكما على الخبرة الطبية والفنية البحتة التي لا تستطيع المحكمة أن تشق طريقها فيها إلا بمعونة ذويها لما كان ذلك، وكان لا يعرف حاصل ما كان ينتهي إليه رأي المحكمة لو ثبت لها بيقين من نتيجة تحليل الفصائل أن الطفل لا يمكن أن يعزى إلى المتهم، وكان رد الدفاع يحدث في وجدان القاضي ما يحدثه دليل الثبوت، لما كان ما تقدم فقد كان متعينا على المحكمة أن تحقق هذا الدفاع الجوهري عن طريق المختص فنيا وهو الطبيب الشرعي. أما وهي لم تفعل اكتفاء بما قالت من أنه ليس من اللازم أن تتخذ فصائل دماء الأصول والفروع فإنها بذلك تكون قد أحلت نفسها محل الخبير الفني في مسألة فنية ومن ثم يكون حكمها معيبا بالإخلال بحق للدفاع مما يتعين معه نقضه والإحالة دون حاجة إلى التعرض لسائر الطعن23.

أما عن القضاء الليبي فقد أكدت المحكمة العليا على ضرورة الاستعانة بالخبرة الطبية الشرعية لتحري الأبوة والأمومة وذلك في الحكم الشرعي الذي ورد فيه : “…. وعرض الطاعن وزوجته والطفلة المتنازع عليها على الطبيب المختص لفحص دمائهم، فانتهى في تقديره إلى أن فصيلة الطفلة مغايرة لفصيلة دم الطاعن وزوجته، وبالتالي لا يمكن أن تكون بنت الطاعن من زوجته المذكورة24.

وبالنسبة للقضاء الفرنسي ففي قرار لمحكمة تولوز بتاريخ 10/7/2000 غرفة الأسرة رقم 04010/1997 جاء فيه “حيث أنه نتج من خبرة النسب أن دراسة مجموعات HLA وتحاليل ADN مكنت من استبعاد أبوة المدعي للطفلة وينبغي نتيجة لذلك الاستجابة للطالب والقول أن الطفلة تحمل من الآن فصاعدا الاسم العائلي للأم وحملت المدعي عليها الصائر مع الإشارة إلى منطوق هذا الحكم في عقد ولادة هذه الطفلة26.

خاتمـة
إن مدونة الأسرة قد جاءت بمستجدات جد هامة في موضوع إثبات ونفي النسب تعد ثورة حقيقية وهادئة ومنسجمة مع روح فلسفة المشرع، لأنها سايرت التطورات العامة وجاءت منسجمة مع متطلبات العصر وذلك بأخذها بالوسائل الشرعية والعلمية لإثبات ونفي النسب. فإذا كان التشريع المغربي قد خطا خطوة محمودة في هذا الصدد، فقد حان دور القضاء لتفعيل هذه المقتضيات على أرض الواقع والخروج من ذلك الطابع السلبي والجامد في إصدار قراراته إلى الوضع المتشبث بثقافة حقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل خاصة وروح الابتكار والاجتهاد والتأويل تحت إطار المسؤولية الملقاة عليه لذلك فإن تفعيلها يظل رهبنا بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال.

ومن الإشكالات العملية التي قد تطرحها الخبرة في ميدان النسب هو قلة المختبرات التي تقوم بها خصوصا إذا علمنا أن هناك مختبرين رسميين فقط بالنسبة للمغرب(مختبر الدرك الملكي بالرباط ومختبر الشرطة بالدار البيضاء) هذا دون إغفال تكاليف الفحوصات الباهظة التي تكلفها.

هذا فضلا عن بعض التساؤلات و المقترحات التي نوردها كالآتي :
= ما الحكم في حالة تعارض اللعان مع الخبرة ؟ إذا كانت الخبرة تقدم على اللعان فما الهدف من
الإبقاء على اللعان في مدونة الأسرة ؟
= المشرع المغربي نص على أن الولد الناجم عن الاغتصاب ينسب لأمه فلماذا لم يلحق بهذه الحالة
حالة هتك العرض؟
= لماذا هناك خلط بين وسائل لحوق النسب ووسائل إثباته؟
= يجب تعميم العمل بالبصمة الوراثية في جميع المحاكم المغربية.
= يجب الأخذ بعين الاعتبار المقتضيات القانونية المتعلقة بالنسب ومحاولة ملاءمتها مع اتفاقيات
حقوق الطفل.
= يجب إقرار نص قانوني صريح يعتبر امتناع الأب عن إجراء اختبار الحمض النووي بمثابة اعتراف
منه بالنسب.

إننا نعيش ألفية التحدي العلمي حيث أصبحت تنضاف إشكالات جديدة ومتشعبة نذكر منها مسألة التلقيح الإصطناعي و هي عمليات تجرى لعلاج العقم وكذا ما يسمي ببنوك المني التي تحتفظ بعينات من مني الزوج مما أدى مؤخرا إلى اتارة مشكل إثبات النسب لشخص متوفى أمام القضاء الفرنسي حيث تم تلقيح امرأة بعد وفاة زوجها بسنتين. بل هناك بعض الزوجات من تقمن بكراء أرحامهن من أجل الحمل والوضع لمصلحة امرأة أخرى فلمن سينسب هؤلاء الأولاد؟ وكيف سيتعامل القضاء مع هذه المستجدات علما أننا نتوفر على جالية مهمة بالديار الأوربية مندمجة ببلدان الإقامة أو منصهرة بواسطة الزواج المختلط؟

——–

1- أحمد ميدة ومحمد رافع : “إثبات النسب بين الوسائل الشرعية و التطور العلمي”. بحث نهاية التمرين,المعهد العالي للقضاء, فوج 33 -2003/2005, ص 81. إبراهيم بن طارق الجندي ” البصمة الوراثية كدليل فني أمام المحاكم “. مجلة البحوث المجلد 10 عدد 19 نونبر 2001 ص 15 و 16.

2- ادريس الفاخوري مرجع سابق ص 61.

3- محمد الكشبور مرجع سابق ص 418.

4- المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة من خلال أجوبة السيد وزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عن الأسئلة والإستفسارات المثارة أثناء مناقشة مشروع المدونة أمام مجلس البرلمان، منشورات جمعية نشر المعلومات للقانونية والقضائية الطبعة 1-2004.

5- اورده خالد برجاوي “قواعد إثبات النسب في المغرب بين تطور العلم وجمود القانون”. المجلة المغربية للإدارة والتنمية 2003 العدد 50 .

6- ورد في الفصل 1 من قانون 28-10-1998 أنه “يسند لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار وبشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل”. إبراهيم بن طارق الجندي ” البصمة الوراثية كدليل فني أمام المحاكم “. مجلة البحوث المجلد 10 عدد 19 نونبر 2001 ص 15 و 16.

7- أحمد ميدة ومحمد رافع م.س ص 74. سعد العنزي ” البصمة الوراثية ومدى حجيتها في إثبات النسب”. 1997ص14 و 15.

8- محمد الكشبور حكم وتعليق، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد الرابع سنة 1983 ص 76 اورده أيضا محمد اسبول وغيره في عرض فني على طلبة وحدة البحث والتكوين في قانون العقود والعقار السنة الثانية بعنوان مدى اعتماد القضاء بالوسائل الحديثة في الإثبات. السنة الجامعية 2003/2004 ص 4.

9- قرار المجلس الأعلى عدد 527 بتاريخ 15/9/1981 مجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 30 ص 95.

10- قرار المجلس الأعلى عدد 38 بتاريخ 20/01/2000 ملف شرعي عدد 571/96 غير منشور.

11- قرار المجلس الأعلى رقم 16 بتاريخ 25/1/1994 أورده خالد بنيس، الملحق القضائي رضوان بن علال “إثبات النسب بين الفقه الإسلامي ومدونة الأسرة” الفوج 33 المعهد العالي للقضاء 2003-2005 ص 65.

12- قرار المجلس الأعلى رقم 780 مؤرخ في 13/11/2002 ملف شرعي عدد 132ـ 2/1/2002 مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد مزدوج 60-59 سنة 2002 ص 223 إلى 225.

13- قرارا المجلس الأعلى عدد 658 بتاريخ 30/12/2004 ملف جنائي عدد 556/2/1/2003 بمجلة الملف، أكتوبر 2005 ص 232 إلى 236.

14- قرار المجلس الأعلى عدد 156 بتاريخ 09/03/2005 ملف شرعي عدد 615/2/1/2003 مجلة قضاء الأسرة العدد الأول يوليوز 2005 ص 21.

15- حكم رقم 7198 مؤرخ في 24/10/2005 ملف رقم 619/03، غير منشور.أورده رشيد حمداوي “إثبات ونفي النسب بالتحاليل الطبية” المعهد العالي للقضاء 2003-,2005 ص 34.

16- حكم رقم 4239 مؤرخ في 06/06/2005، ملف رقم 387/04 غير منشور.

17- حكم رقم 1581 بتاريخ 10/03/2005 ملف رقم 767/03 غير منشور مرجع سابق ص 35.

18- حكم رقم 555 من المحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 13/04/2006 ملف عدد 10/129/03 منشور بمجلة قضاء الأسرة العدد الثالث دجنبر 2006 ص 72 إلى 73.

19- زهور الحر ” دور القضاء في تفعيل مدونة الأسرة” المجلة المغربية للقانون و الإقتصاد العدد50,السنة 2004.

20- رئيسة قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الإبتدائية بالدار البيضاء.

21- زهور الحر “امتناع الأب عن إجراء تحليل الحمض النووي يثبت النسب”. جريدة الأحداث المغربية عدد 2618 2 أبريل 2006 ص 4.

22- قرار محكمة التمييز السوري في قضية رقم 687 لعام 1986 امر رقم 294 تاريخ 14/04/1980 المجلة العربية للفقه والقضاء العدد 8 أكتوبر 1988، ص 135.أنظر أيضا ذ. ادريس الفاخوري المرجع السابق ص 56. طه حسين ” الإبن لمن “. مجلة الوعي الإسلامي عدد 435 السنة 39 يناير/فبراير 2002 ص 18 و 19.

23- قرار مدني عدد 27777 الصادر في 26 يناير 1993 منشور بالمجلة القانونية التونسية السنة 34/ 1998 . ماجدة بنجعفر ” تطور وسائل الإثبات في مادة النسب”. مجلة القضاء و التشريع التونسية العدد 1 .1999 ص 98.

24- نقض جنائي طعن رقم 1217 لسنة 38 ق صادر في 21 أكتوبر 1968 أورده الدكتور محمد الكشبور المرجع السابق ص 307.

25- الطعن الشرعي رقم 1/23 في مارس 1976، مجلة المحكمة العليا العدد الأول السنة الثالثة عشر 1976، ص 17 اورده ادريس الفاخوري المرجع السابق ص 68.

26- قرارا محكمة المنازعات الكبرى بتولوز غرفة الأسرة صدر في 10 يوليوز 2000 رقم 04010 1997 بمجلة الملف العدد 7 أكتوبر 2005 ص 237.

27- تنص المادة7 من إتفاقية حقوق الطفل على أنه : “يسجل الطفل بعد ولادته فورا, ويكون له الحقمنذ ولادته في الإسم……. والحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما”. أنظر أيضا المادة 8 من ميثاق حقوق الطفل العربي والمادة 7 من إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام.

28- اللعب بالجينات, كارثة والهندسة الثوارثية ذو حدين- مجلة صحتك.العدد 4 أكتوبر/دجنبر 1997 ص 32.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث و دراسة قانونية حول انحراف الأحداث

انحراف الأحداث

المقدمة
الجريمة في المجتمع ليست ظاهرة حديثة العهد، بل عانت منها المجتمعات القديمة وعرفتها التشريعات في مختلف العصور عن طريق منع ارتكاب بعض الأفعال التي تشكل اضطرابا وخطورة على المجتمع والعلاقات السائدة فيه، وذلك منذ أن شرع الإنسان يعيش في نطاق العشيرة أو القبيلة رغم عدم وجود سلطان رسمية في بادئ الأمر كالبوليس والمحاكم والسجون، فالمجتمعات لم تخل تماما من الجريمة فهي نتيجة لازمة لحياة الناس وما يثور بينهم من تنازع في المصالح وتنافس على إشباع الحاجات.

ورغم عملية التغيير الاجتماعي المتلاحق التي شملت المجتمعات قديمها حديثها فان ظاهرة الإجرام في المجتمع مازالت موضع اهتمام علماء القانون والاجتماع وعلم النفس لما تثيره من اضطراب في العلاقات الإنسانية وإهدار للقيم والعادات السائدة وتهديد لسلطة الدولة والقانون، وقد اتخذ هذا التطور أشكالا مختلفة وخاصة بالنسبة للصغار والشبان المذنبين حيث حل العلاج والتأهيل محل المعاملة العقابية، لان الدراسات والبحوث والاختبارات العلمية قد دلت على ان الجريمة أكثر ما تكون شيوعا بين الصغار، وان معظم المجرمين البالغين قد بدءوا حياتهم الإجرامية منذ سن الحداثة.
التعريف الاجتماعي للحدث المنحرف
يرى علماء الاجتماع أن الانحراف ينشا من البيئة دون أي تدخل للعمليات النفسية المعقدة التي تلعب دورها على مسرح اللاشعور. وهم بذلك يصفون الأحداث المنحرفين، على أنهم ضحايا ظروف خاصة اتسمت بعدم الاطمئنان والاضطراب الاجتماعي لأسباب متعلقة بالانخفاض الكبير لمستوى المعيشة الذين يعيشون في ظله أو هم ضحايا مزيج من هذا أو ذاك.
وقد عرّف الدكتور منير العصره انحراف الأحداث بأنه ” موقف اجتماعي يخضع فيه صغير السن لعامل أو أكثر من العوامل ذات القوّة السببية مما يؤدي به إلى السلوك غير المتوافق أو يحتمل أن يؤدي إليه”. ووصف الانحراف بأنه موقف اجتماعي من شأنـه أن يستجمع حالات الانحراف الإيجابي والسلبي ، وفيما يتعلق بمظاهر السلوك اكتفى التعريف بوصف السلوك الذي يصدر عن الحدث المنحرف بأنه ” سلوك غير متوافق، أو يحتمل أن يؤدي إلى عدم التوافق” ، وهذا الوصف ذو مدلول واسع ينبسط على كافة المظاهر السلوكية المضادة للمجتمع سواء كانت جريمة من الجرائم أو عملا إيجابيا أو سلبيا يتعارض مع القواعد المألوفة للجماعة.
وإذا كان التشريع يهدف من تعريف الحدث إلى تحديد فترة زمنية معينة يطبق بشأنها نظاما مـخففا للمسؤولية الجنائية على الأحداث ، فان علماء الاجتماع ينظرون إلى الأمر من ناحية تعلقه بفترة من حياة الإنسان لها طابعها وخواصها ونوازعها. وتمتد فترة الحداثة بنظر علماء النفس والاجتماع حتى يتم النضوج العقلي والاجتماعي لدى الأحداث، فالحداثة لا تتقيد وفقا لنظرتهم بحد أدنى للسن، أو بحد أقصى له، فمناط تحديدهم لسن الحداثة ليس ركن التمييز الذي تترتب عليه المسؤولية الجزائية، بل تلك الفترة من حياة الإنسان منذ ولادته وحتى يكتمل لديه النضج الاجتماعي الصحيح والرشد الكامل.
والواقع أن التعريفات الاجتماعية في مجال الجريمة والانحراف لم تضع معيارا للضرر الاجتماعي، وهي حينما تصف السلوك بأنه غير متوافق مع المجتمع فكأنها لم تصف شيئا طالما أن هذه العبارة غير محددة تحديدا دقيقا، ذلك أن هذا التحديد لازم و بالضرورة الملحة حينما يعاقب المرء على سلوكه المنحرف، أو حتى إذا عومل معاملة جنائية خاصة تحد ولو بقدر ضئيل من حريته. وهذا ما دعى تافت taft ان يقرر أن على علم الإجرام أن يعتمد على ا لتعريف القانوني من اجل الاعتبارات العملية.
الوضع الراهن لمشكلة جناح الأحداث
أسفرت الحرب العالمية الأخيرة عن زيادة خطيرة في عدد الأحداث الجانحين، في كل البلاد المحاربة وكل من عانى منها احتلال العدو أراضيه. فلقد تفككت اسر لا عداد لها من جراء الأسر والنفي خارج البلد لأسباب سياسية أو لأغراض العمل الإجباري ، كما أدى سوء التغذية من ناحية أخرى إلى زيادة عدد الجرائم الاقتصادية من قبيل السرقات والتبديد والصفقات غير المشروعة بكافة أنواعها. كما اضر بنمو الحدث الفسيولوجي فبعث فيه استجابات تتسم بعدم الاستقرار وتدفعه إلى التخلف عن المدرسة، والهروب من الأسرة، والتشرد في عصابات من أترابه، وزادت خطورة عدم استقرار الحدث بدوره بتأثير الاضطرابات العصبية الغالبة على الأسرة من جراء ضروب القلق الناجمة عن الانفصال ، والتوجس من الغارات والاعتقالات وهموم توفير الغذاء التي تنوء بها أمهات الأسر، واضطرارهن إلى الانتظار أمام الحوانيت ساعات حتى يتداعين إعياء في بعض الأحيان كيما يحصلن على المواد التموينية اللازمة للأسرة.
وأخيرا كان لا بد أن تتفاقم خطورة الموقف الناجم عن الحرب بتأثير مراس السوق السوداء، ومشاهد الموت والخراب والبؤس التي كثيرا ما أثارت لدى الحدث صدمات وجدانية خطيرة ولم يكن في الإمكان إلا أن تزعزع إيمانه بأعمق القيم الإنسانية الجوهرية، وما أتاحته المعسكرات الحربية من فرص السلب والصورة الخيالية الباهرة التي يحملها الأحداث عن المحارب في فرق المقاومة الشعبية، وهي صورة دفعت الصبية إلى الهروب من عائلاتهم، والفتيات إلى احتراف الدعارة في بعض الأحيان.
الأهمية الاجتماعية لظاهرة إجرام الأحداث
لا شك أن إجرام الأحداث ظاهرة اجتماعية عاشت في كل مجتمع واختلفت نظرة التاريخ الاجتماعي إلى هذه المشكلة، فقديما اعتبر الحدث المنحرف مجرما وانه يستحق العقاب ولا سبيل إلى إصلاحه إلا بالبتر حتى لا يصاب المجتمع باختلال توازنه.
أما المجتمعات الحديثة فقد أدركت بما لا يدعو للشك أن الأحداث غالبا هم ضحية ظروف اجتماعية أدت بهم إلى الانحراف وسوء التكيف، وان تهيئة الظروف الاجتماعية وتدعيمها بالمقومات الصالحة لتنشئتهم في عطف وحنان هي الحفاظ الحقيقي لقواهم وانطلاقهم نحو غايات اجتماعية صالحة.
ولقد ازدادت هذه المشكلة خطورة في هذا العصر نتيجة للتقدم الحضاري والصناعي الحديث وخاصة في المجتمعات النامية مما كان له أثره على كيان الأسرة وتماسكها، وعلى ازدياد مطالب الفرد وتعرضه لمغريات البيئة مع غلاء المعيشة، فضلا عن المشكلات التي نتجت عن هذه الأوضاع كمشكلات العمل والبطالة والهجرة والإسكان وغيرها والتي هيأت فرصا جديدة لانحراف الصغار وارتفاع نسبة إجرامهم.
فالأحداث هم نواة المجتمع البشري، ومرحلة الحداثة يتوقف عليها الى حد بعيد بناء شخصياتهم وتحديد سلوكهم في المستقبل وأي جهد يوجه لرعايتهم وحمايتهم هو في نفس الوقت تامين لمستقبل الأمة وتدعيم لسلامتها. لذلك تعتبر رعاية الأسرة والطفولة العملية البناءة الأساسية في أي مجتمع يسعى إلى تحقيق التطور المتوازن البعيد عن الانحرافات والعلل الاجتماعية، والقادر على الابتكار والتجدد والمتمسك بالقيم والأخلاق الفاضلة.
فظاهرة إجرام الأحداث تكمن أهميتها لكونها تتناول بالدرس والتحليل طاقات بشرية في المجتمع انحرفت في مرحلة مبكرة وباتت تهدد كيانه بالتفكك وتعرض حياة أفراده وسلامتهم وأعرافهم وأموالهم للخطر، وهي من ناحية أخرى تجعل من هذه الفئة قوى معطلة وغير منتجة بحيث تصبح عالة على عاتق المجتمع وبالنتيجة فان الخسارة تتمثل في النتائج الضارة للإجرام من جهة ومن تعطل وفقد هذه الطاقات البناءة من جهة أخرى. فهم يعيشون عالة على ذويهم وعلى المجتمع وقد يكونون في مستقبل حياتهم عامل هدم وإعاقة لعملية الإنتاج حيث أن الأسلوب السائد في حياتهم يقوم على العدوان واللامبالاة.
هذه الظاهرة تعني أيضا أن هنالك قصورا من قبل الأسرة والمجتمع في توجيه ورقابة جيل ينمو. وهي تعني من ناحية أخرى أن عملية التطور الثقافي والحضاري قد صادفت عائقا ما في وجهها. ولقد دلت الإحصاءات انه رغم نقص نسبة معدل المواليد فان هنالك زيادة ملحوظة في نسبة الإجرام عند الأحداث، وهذا يعني بشكل أو بآخر أن هذه المشكلة لا تنفصل عن سياسة الأسرة والجماعة وتبدو انعكاسا للحياة العصرية وما يشوبها من سوء التنظيم الاقتصادي والاجتماعي وتفكك بناء الأسرة المادي والمعنوي وما يتبعه من انحلال في القيم الدينية والأخلاقية.
تعدد العوامل المؤدية للسلوك المنحرف
لا يمكن فهم إجرام الأحداث إلا على ضوء تلك الخبرة التي تشكل جزءا من عملية ديناميكية مستمرة، فالصغير يتمتع عادة بتكوين بيولوجي ونفسي خاص، ويتمتع عادة بتكوين بيولوجي ونفسي خاص، ويتمتع بقدرات وميول واتجاهات مختلفة، ولكنه يعيش أيضا في عالم اجتماعي تسوده العلاقات الفردية والاجتماعية والثقافة المتنوعة التي تؤثر في تكوين شخصيته، وهناك أمر مؤكد وهو أن سلوك الحدث المنحرف يرجع لأكثر من سبب يساهم بشكل أو بآخر في تكوين ذلك السلوك.
ففكرة البحث عن سبب واحد لتفسير أية ظاهرة غير صالح على الإطلاق بالنسبة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، فبناء نظرية عامة لأسباب السلوك الإجرامي يستحيل أن يؤسس على سبب واحد أو مجموعة أسباب ذات طابع واحد(بيولوجي أو اجتماعي)، وإنما يجب أن تؤخذ بالاعتبار العوامل المختلفة التي تسهم في إخراج السلوك الإجرامي ذاته الذي لا يختلف في ذلك عن السلوك العادي إلا بقدر اختلاف العوامل ذاتها داخلية كانت أم خارجية.
ورغم تعدد العوامل الدافعة إلى الجريمة وتشعبها فإنها ليست على درجة واحدة من الأهمية، فقد يكون بعض هذه العوامل سببا رئيسيا للانحراف وقد يكون البعض الآخر من الأسباب الثانوية أو المساعدة له.
هذا لناحية تعدد العوامل التي قد ترجع أو تتصل بالتكوين الشخصي للحدث ، أو تكوينه العقلي أو النفسي أو العضوي وهذا ما نطلق عليه العوامل الداخلية لإجرام الأحداث، والتي قد ترجع أيضا إلى البيئة التي يعيش فيها الحدث سواء في الأسرة أو المدرسة أو العمل أو الوسط الاجتماعي الفاسد، وهذا ما نطلق عليه بالعوامل الخارجية أو عوامل البيئة لإجرام الأحداث
العوامل الداخلية لإجرام الأحداث
المقصود بالعوامل الداخلية، مجموع الظروف أو الشروط المتصلة بشخص المجرم، وهي قد تكون أصلية تلازم الفرد منذ ولادته ويدخل فيها التكوين الطبيعي للمجرم والوراثة والنوع والجنس والضعف والخلل العقلي والأمراض العصبية والنفسية وظروف الحمل والولادة. وقد تكون مكتسبة أي يكتسبها الشخص بعد ولادته من الأمراض العقلية والعضوية التي قد تصيب الفرد أثناء حياته.
وهذه العوامل تتمثل في إمكانيات واتجاهات قد تتحول في مراحل لاحقة إلى صفات حقيقية وأسلوب معين للتصرف والسلوك إزاء إحداث العالم الخارجي كما أن هذه العوامل تنمو وتنضج خاضعة في ذلك لمؤشرات وظروف البيئة، وهي من ناحية أخرى تؤثر في تكوين الشخصية وتتجلى من خلال تصرفات الإنسان في العالم الخارجي.
وكون هذه العوامل تتصل بذات الحدث وتكوينه فان سبل علاجها ليست بالأمر اليسير ويقتضي نتيجة لذلك إتباع طرق خاصة في الوقاية والعلاج والتعليم
الـــــوراثــــــــة
الوراثة هي انتقال خصائص معينة من الأصول إلى الفروع في اللحظة التي يتكون فيها الجنين، حيث يتم الإخصاب عن طريق اتحاد خلية منوية للذكر ببويضة الأنثى فينشأ من هذا الاتحاد ناتج يجمع بين خصائص الرجل صاحب تلك الخلية وخصائص الرجل صاحب تلك الخلية وخصائص المرأة صاحبة تلك البويضة، سواء كانت هذه الخصائص جسمية ام نفسية، وهي باختصار انتقال للصفات العضوية من السلف إلى الخلف، وبالتالي انتقال بعض الأمراض العضوية والعقلية عن طريق الوراثة إلى الأحداث والمساهمة في تكوين سلوكهم المنحرف، فالوراثة هي قوة أولية ومحدودة في نمو الفرد الأساسي، حيث انه من الواضح أن سلوك الإنسان لا يتغير فقط بالظروف ولكن بالخصائص الفيزيولوجية أيضا.وقد يرث الفرع من الأصل الصفة التي لدى هذا الأخير، كان يكون الأصل لصا فيصبح الفرع لصا، كذلك ق لا يرث الفرع ذات الصفات التي لدى الأصل بل يرث عنه صفات مشابهة أخرى، كان يكون الأصل مدمنا على الخمور والمخدرات فينشا الفرع لصا او سيئ السلوك والسيرة
# التكوين العقـــلــي والعــضوي
يقصد بالتكوين العضوي مجموع الصفات التي تتعلق بالحدث منذ ولادته بالنسبة لشكله الخارجي وتركيبه الحيوي والعضوي.. ومن مظاهره التي قد تؤثر على تصرفات الحدث وتدفعه إلى تصرفات شاذة أحيانا النقص في التكوين الجسدي والأمراض والعاهات الدائمة أو المؤقتة والنمو الغير الطبيعي. فاختلال أعضاء الجسم قد يجر معه اختلالا في السلوك، والعاهات التي تصيب الحدث قد تدفعه الى الإحساس بالنقص المتزايد ومن ثم إلى التحول السلبي والإتيان بتصرفات ينبذها المجتمع.
أما التكوين العقلي فيقصد به الأمراض المتنوعة والرضوض المختلفة التي قد تصيب دماغ الإنسان فتحدث اضطرابا في جهازه العقلي واختلالا في قواه الذهنية تدفعه أحيانا إلى الإتيان بتصرفات شاذة و أفعال إجرامية. فالنقص العقلي هو الخلل في القدرة العقلية والضعف العقلي هو نقص في درجة الذكاء وغالبا ما يكون موروثا ويؤدي إلى عدم القدرة على التكيف الاجتماعي. أما مظاهر النقص العقلي فقد ترجع إلى عوامل سابقة على الولادة أو أثناء الولادة أو إلى عوامل تالية للولادة، فقد يرث الحدث بعض الصفات كالضعف العقلي وانخفاض مستوى الذكاء بشكل غير طبيعي. وقد تكون الحالة العقلية ترجع إلى الرضوض الشديدة التي قد تحدث في الرأس خلال فترة الطفولة الأولى، كذلك يؤثر في التكوين العقلي سوء التغذية والتسمم والعوامل الانفعالية والولادة غير الطبيعية، فكل هذه العوامل يمكن أن تؤثر على التكوين العقلي عند الحدث وقد تدفعه إلى تصرفات غير متوافقة في المستقبل.
# التكويــن النفســـــي للحـــــــــدث
لم تكن الدوافع لنفسية موضع اهتمام علماء الإجرام قبل هذا القرن ، فكان المجرم حدثا كان ام بالغا يعاقب دون النظر إلى الجوانب النفسية التي قد تكون إحدى العوامل الدافعة لارتكاب الجريمة. وفي سنة 1909 انشأ الباحث الأميركي هيلي(healy) أول مركز للملاحظة في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة، وقد تبع ذلك انتشار هذه المراكز في أوروبا والولايات الأميركية الأخرى لدراسة حالة الأحداث الصحية والنفسية والاجتماعية وكانت مهمة الطبيب النفسي في المركز إيجاد العلة لدى الأحداث وإعطاء العلاج الملائم. وكان لمدرسة التحليل النفي التي أسسها سيجمند فرويد الفضل الكبير في إظهار مدى أهمية سن الحداثة في بناء الخطوط والأسس التي ترتكز عليها شخصية الفرد في المستقبل، ورغم ظهور النظريات المختلفة التي تبين دور التحليل النفسي في كشف الشخصية المنحرفة وعوامل انحرافها، غير ان هذه النظريات والاتجاهات ما زالت بعيدة عن دائرة الحقائق العلمية الراسخة، ومازال أكثرها يقبل المناقشة والجدل.
عـــــوامــــــل البيـــــئــــة
عوامل البيئة هي مجموعة الظروف والعوامل التي تحيط بالحدث في بيئة معينة وتؤثر في سلوكه وتصرفاته كعلاقاته بأسرته وأصدقائه وجيرانه، وهي لا تقتصر فقط على الظروف المادية الملموسة بل تشمل أيضا الجانب المعنوي للبيئة كالثقافة والتعليم والأفكار السائدة، ويبدو اثر البيئة أكثر فاعلية ووضوحا في السن المبكرة للفرد حيث يقل مدى تأثيره للبيئة واختياره لها والتي تعمل على المساهمة في تكوين الشخصية وفي غرس وتنمية الميول والاستعدادات لدى الفرد والتي يكون لها تأثير جسيم على مستقبل حياته وخاصة على تصرفاته الإجرامية.
فالبيئة تعمل على نقل الأفكار والمعاني المختلفة لظواهر الحياة والتي تؤثر في طريقة تفكير الفرد وفهمه لأمور الحياة والعلاقات بين الناس وتفسيره للظواهر المتعددة. كما ان هذه البيئة تنقل للفرد المبادئ والقيم والمثل التي يتبعها وتقوده في حياته وتحدد علاقته بالآخرين، والإنسان في نزاع مستمر مع القوى النابعة منه والمحيطة به يحاول ان يجد توازنه في تحديد المركز الذي يرضى عنه ضمن هذه القوى، وتحقيق الشخصية الإنسانية يتطلب تجاوبا ايجابيا بين الإنسان ومحيطه وذلك منذ حداثة سنه.
فالشخصية المرفوضة من محيطها الاجتماعي تنمو بشكل عدواني حاملة لعقد الظلم والتخلي والجفاف العاطفي والرفض والاضطهاد. وفي هذا المحيط بالذات تحاول بسلوكها التعويضي السلبي ان تؤكد انتقامها لظلمها واضطهادها من خلال العنف والانحراف.
فالجماعات المختلفة كجماعات اللعب والأسرة والعمل التي يتصل بها الفرد وينتمي إليها يكتسب من اختلاطه وتفاعله معها قيمه واتجاهاته الايجابية والسلبية حسب القيم السائدة فيها، فإذا سادت هذه الجماعات القيم السلوكية الخارجة على القانون وانعزل عن الجماعات التي تحبذ السلوك السوي تغلبت لدى الفرد الاتجاهات المحبذة للخروج على القانون واتجه إلى السلوك الإجرامي.
فالجرائم عند الصغار هي غالبا ما تكون نتاج البيئة السيئة التي يعيشون في ظلها والصغير المنحرف غالبا ما يكون ضحية الوسط الاجتماعي الفاسد الذي ينشا في ظله ، فالقدوة السيئة للأسرة وترك الصغار بدون توجيه، وبيئة العمل والمدرسة وأجهزة السينما والإعلام والدعايات المغرية والقصص البوليسية كلها أمور قد تؤدي إلى إفساد الأحداث ودفعهم إلى الانحراف
البيئة الخاصة بالحدث
معظم حالات الانحراف ترجع إلى البيئة التي ينشا فيها الطفل، وتعتبر الأسرة هي الخلية الأولى المسؤولة عما يصيب الطفل من انحراف لأنه عن طريقها يتلقى القيم والعادات والنظرة إلى الحياة والمجتمع، فهي الصلة التي تربطه بالمجتمع الكبير فيما بعد. أما البيئة الثانية التي يتعرف عليها الحدث فهي المدرسة وتتميز بكونها غير منضبطة وغير محددة كالأسرة ولا يستطيع التهرب منها، وفي ظل هذه البيئة يتعرف الحدث على رفاق آخرين وهذا يتطلب مستوى معين من السلوك الذي يكون قد اكتسبه في أسرته ، وهو يحاول أن يتهرب من متطلبات المجتمع الخارجي إذا رأى أنها أصبحت عبئا عليه، وقد ينتقل الحدث إلى بيئة التدريب المهني التي يواجه فيها مجتمعا جديدا أيضا بعلاقاته واتصالاته، وقد تبرز بعض الصعوبات التي قد تؤدي به إلى السلوك المنحرف. فعدم تكيف الحدث داخل الأسرة سيقوده بالأرجح على عدم التكيف خارج الأسرة، والحياة اليومية في البيئة المدرسية أو بيئة العمل قد تولد لديه بعض المشاكل حيث تظهر فرص الاحتكاك بالآخرين.[
تأثير العوامل الاجتماعية العامة إلى إجرام الاحداث
من الملاحظ انه حيث توجد نسبة عالية من الإجرام فانه بالتالي توجد نسبة كبيرة من الأحداث المنحرفين،والسبب الرئيسي في ذلك هو تأثير الصغار بفساد الكبار، لان الحدث المنحرف كالمجرم البالغ يرجع إجرامه لعوامل شخصية واجتماعية واقتصادية مختلفة والعوامل الاجتماعية التي تدفع بالأحداث إلى الانحراف متنوعة ومتشعبة. وهي تظهر العيش أكثر إلحاحا وضراوة ، وحيث أن هنالك أناسا بلا مأوى وحيث تصبح العلاقات واهية إلى ابعد حد. وقد وجد الأستاذ كليفورد شو وغيره من دارسي انحراف الأحداث أن عددهم يتزايد وسط المدينة حيث يزداد عدد السكان ولا سيما في فترة النهار حيث تكثف حركة المرور، وتضمحل روح الجوار فيفقد السكان وخاصة الأطفال الشعور بالانتماء والمسؤولية ووحدة المصالح.
# أسباب تعدد العوامل الاجتماعية العامة
التطور السريع في هذا العصر شمل مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية وغيرها، وهذا التطور كان له تأثير على سلوك الإنسان حدثا كان أم بالغا، فسرعة الاتصالات بين أنحاء العالم المختلفة جعلت أي تطور أو تغيير يحصل في ناحية ما، ينتقل تأثيره إلى كافة أجزاء العالم القريبة والبعيدة. هذا الترابط الوثيق الذي خلقته أجهزة الاتصال كان له انعكاساته السلبية والايجابية أيضا على أعضاء الجماعة وأصبحت مشكلة إجرام الأحداث مشكلة اجتماعية تقع تبعتها على المجتمع ككل بحيث أصبح من الواجب النظر إليها من زواياها المختلفة وعواملها المتعددة كي نستطيع الإلمام بجوهرها وخطورتها.
فانتشار أماكن اللهو والخمور، والأفلام المثيرة، والصحافة غير الواعية وتجارة التهريب والدعارة السرية، والهجرة وقصور التشريعات الوضعية عن وضع حل لمشاكل الأحداث كل هذه الأمور انتشرت بشكل واسع نتيجة لتطور أساليب الاتصال وأثرت على ظاهرة الإجرام عندهم. ويؤكد كل من ولنسكي ولبوكس أهمية الدور الاجتماعي والمادي للمدنية ودور الصناعة الحديثة أيضا ومدى تأثيرها على انحراف الأحداث باعتبارها من الأسباب الرئيسية التي تدفع بهم إلى الإجرام.
الشخصية المرضية والدوافع النفسية
في الوقت الذي يبذل فيه الكثيرون جهودهم في سبيل سعادة البشرية، يبذل الكثيرون في الطرف الآخر، الجهود نفسها ، بل لعلها أضخم حجما منها، من اجل شقاء الإنسانية وتحطيمها.
فان كل الظواهر السلوكية الخاطئة المتفشية في الواقع المتحضر، هي ثمرة تلك الجهود المبذولة لتحطيم الإنسان وسلب عقله وفكره ، وجعله دمية رخيصة يتلاعبون بها حيث شاءوا، للسيطرة على إنسانيته، بل ومحاولة إرجاعه طفلا رضيعا يرجع إلى أحضان أمه (الغرب) كلما شعر بالجوع والخوف!!
فالتخطيط المسبق لكسب الساحة بكاملها لصالح المستغل، جعل هذه الحقيقة واضحة للعيان أمام دور المستغل، وذلك في مواقفه الانهزامية أمام المنعطفات التي تواجهه، والتراجع عن مواجهة الأحداث، والدور الهامشي والضعيف، حتى فيما يتعلق بمستقبله وتقرير مصيره.
فالمجتمع الإسلامي اليوم بدأ يفقد هويته، وموقعه الطبيعي في معالجة المواقف، باتخاذ الحلول التخديرية لمعالجة مجمل الأوضاع الراهنة ضمن النظرة المتذبذبة بين آراء اليمين واليسار، جعله فريسة لمشاكل لا تنتهي، بل وفتح أمامه كما هائلا من المشاكل التي لم تكن في حسبانه ذات يوم.
فالغزو السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري للساحة الإسلامية، وآثار هذا الغزو الذي ارجع الأمة إلى الوراء عشرات السنين، جعل الشارع الإسلامي رافضا للوضع المتأزم، الذي بدأ يلمس آثاره عن طريق الظواهر السلوكية المناقضة للعادات والتقاليد الاجتماعية المتجذرة العمق في صلب تاريخه الأصيل، وانعكاساتها على واقع الفرد والمجتمع.
كل هذا جعل الشارع الإسلامي يطالب بإلحاح بالغ تطبيع المنهج الإسلامي، وإعادته إلى الحياة من جديد وإبراز هويته القادرة على تخليص الأمة من كل هذه الأخطار والويلات.
ولكن!
هل نرجع مجمل هذه الظواهر الإنحرافية وأسبابها الرئيسية إلى هذا الغزو الشامل للساحة الإسلامية؟
أم أن هذا الغزو كان بمثابة الرياح العاتية التي حولت الجو الصحو إلى جو عاصف؟ أي أن هناك أسبابا رئيسية للانحراف. و إنما كان دور الغزو الأجنبي المقصود للبلاد الإسلامية بمثابة المنشط والمحرك والدافع لإبرازها على سطح الواقع؟
إن الغزو لم يكن إلا عاملا مساعدا لعوامل رئيسية للانحراف، وقبل ان نتناول هذه الأسباب نعرف الجريمة أولا.
الجريمة: هي ظاهرة اجتماعية تصدر عن إنسان له جسم ونفس، وتختلف في التركيب والتكوين من شخص لآخر، وبالتالي فتأثيرها على تصرفاته، وتأثره بالعوامل الخارجية يختلف من إنسان لآخر، فلا يمكن القول بان الجريمة سبب بذاتها ، لازم لوقوعها، والثابت أن هناك عوامل مجتمعة سواء أكانت : وراثية متأصلة في تكوين الشخصية، أم عضوية مرضية، أم اجتماعية تدفع إلى السلوك الإجرامي.
والفارق بين الإجرام والانحراف ، هو أن كلا منها فعل مذموم ولكن الإجرام سلوك يعاقب صاحبه معاقبة جزائية، بينما الانحراف فلا يلقى صاحبه سوى اللوم والسخط باعتباره شذوذا عن القوانين العامة، والأخلاق الضابطة للاجتماع، ونمطا سلوكيا مغايرا لما عليه العرف، دون ان تصل به إلى العقاب الجزائي ما لم يتحول إلى جريمة.
الجريمة واقعة اجتماعية
إن الشذوذ الفكري، والذي يعقبه عادة انحراف ظاهر على مستوى السلوك، لا تتعدى آثار كل منهما حدود الشخصية فقط، وإنما تخترق بذلك قوّة الجماعة وتتسبب في الاضطراب الاجتماعي، ولذلك شدد الإسلام على خطورة الجرائم والانحرافات أيضا، لما تسببه من انعدام للأمن، وإخلال بالنظام، وتعد صارخ على القانون الذي يجر آلامه وويلاته على المجتمع فيؤذيه إيذاءا بالغا.
الأسرة وشـــــذوذ الشخصية
إن الحاجة البيولوجية للشخصية تستدعي وجود حالة من الالتحام والانسجام بين الشخصية وبين بيئة الأسرة، كما لا بد من وجود حالة التكامل العاطفي والارتباط الوجداني معها أيضا.
أما في حالة انعدام التكامل العاطفي، وحرمان الشخصية من الدفء والرعاية والحب، فذلك كفيل لبناء جدار منيع يحجب عنها الراحة النفسية، وقد يكون مدعاة لانحراف الشخصية وهروبها من بيئة الأسرة إلى خارجها، رغبة في إشباع حاجاتها الغريزية في بيئة أخرى.
ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نطمس الدور الكبير الذي تلعبه الأسرة على مسرح الحياة الاجتماعية، وبخاصة فيما يتعلق بالانحرافات الأخلاقية، ذلك لان الأسرة أحد الأسباب الرئيسية المؤدية للانحراف.
فالأسرة مسئولة إلى حد كبير عن ارتفاع مستوى الاضطرابات السلوكية بين أفرادها والميل الى الانحراف، وقد ينشا 1لك عن عدم استقامة العائلة في الخطوط الأساسية للتربية التي تنتهجها. فقد تبالغ في تعاملها بأسلوب العطف والرعاية والحماية، وقد تستخدم الأسلوب الآخر المناقض تماما.
فالإفراط والتفريط في تربية الأبناء، تؤدي إلى مالا تحمد عقباه من نتائج مضادة لمطالب الأبوين والمربّين، ورغبتهما في إصلاح الأبناء وسلامتهم. فالتدليل فوق الحد الطبيعي، والتحقير للسلوك والتصرفات ، أمام الأقران والضيوف بالذات، أو جعل الأبناء يختلطون بأفراد مشبوهين، او عزلهم وإبعادهم لفترات طويلة عن الاجتماع المألوف لديهم لسنوات، يجعلهم عرضة للانحراف بالخمول والكسل أو بامتثال السلوك الخاطئ والنشاط المحرم.
قد يعبّر هذا الأسلوب الذي تنتهجه العائلة عن لون من ألوان الانحراف، وهناك لون آخر يتمثل في التضارب الفكري بين الوالدين، ومشاجراتهما المستمرة بشان حاضر ابنهما ومستقبله.
وقد يزداد الأمر سوءا إذ يتطور التضاد والتضارب في كل ما يتعلق في كليات شؤونه وجزئياتها، فيؤدي هذا التناقض والازدواجية إلى انفصام في شخصيته، وقد يصبح فيما بعد مريضا بالعقد النفسية التي تفقده الثقة بنفسه، وتفقده الأصدقاء والأقران من حوله، وذلك بسبب أفكاره المريضة ، ونزعاته العدوانية البارزة على سلوكه وتصرفاته.
المجتـــمع وشــــذوذ الشخصيـــــــة
إن المطلب الأساسي لنمو الشخصية نموا طبيعيا هو العلاقة الطبية والسليمة التي تربطها مع بقية أفراد المجتمع، ويتحدد مضمون هذا المطلب في الحديث القائل:”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.
فلفظ الأخ هنا مطلق غير مقيد، والمقصود به أما الأخ في الدين ، أو النظير في الخلق، كما قال الإمام علي عليه السلام. فنظرة الإنسان إلى الآخرين هي ما ينظره الإنسان لنفسه على وجه الخصوص، وقرن الحديث حب الإنسان لنفسه بحبه لإخوانه المؤمنين، إذ لا يوجد شيء اعز على المرء لنفسه، وجب أن يتمناه لإخوانه في المجتمع سواء بسواء.
ويتدرج النمو الاجتماعي لدى الشخصية ، بنمو الثقة بالذات والشعور الواضح بكيان الشخصية وإمكاناتها وقدراتها، لتتحمل مسؤولياتها الاجتماعية وتتقبلها، ليمتد اهتمامها إلى خارج ذاتها، من خلال الوعي الكافي بالأوضاع والاتجاهات والقيم والتقاليد التي تسود بيئة المجتمع.
كما أن الشخصية السوية تنسج نظرة إيجابية سليمة عن بيئة المجتمع. وتكون نظرتها إلى المجتمع نظرة تقبل وانسجام والتحام، امتدادا لنظرتها الإيجابية حول نفسها أسرتها. ويتأثر سلوك الشخصية الاجتماعي بالاتجاهات الفكرية التي تؤمن بها وتعشقها، والاتجاهات السائدة في محيط الأسرة، فالأجواء الديمقراطية والانبساطية في الأسرة تساعد على نمو الثقة بالذات، واكتساب الأصدقاء، وامتثال السلوك الاجتماعي السويّ، أما الأجواء المحكومة بالتسلط والسيطرة فإنها لا تخرج إلا الانطوائيين أو المعقدين السذّج.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني رائع حول إلتزام البائع بالتسليم

إلتزام البائع بالتسليم

المبحث الأول : مفهوم التسليم :

المطلب الأول : أهمية التسليم :

تبدو أهمية التسليم كالتزام يقع على عائق البائع في الأمور الآتية :

– أولا : أن المشتري يصبح منذ إتمام عملية التسليم قادرا على الانتفاع الكامل بالشيء المبيع ومن ثم يكون المشتري قد حقق الغاية من الشراء .

– ثانيا : إن التسليم يقوم بدور كبير وخطير في نفس الوقت بالنسبة لاستقرار ملكية الأشياء المعينة بذاتها للمشتري الذي تم تسليمها له ومن ثم يصبح محصنا من قاعدة الحيازة في المنقول سند الحائز وعلى وجه الخصوص إذا تصرف البائع بالشيء نفسه إلى مشتر آخر حسن النية فالتسليم يضع المشتري الثاني من المطالبة بالشيء المبيع وإن كان له أن يرجع على البائع بالتعويض على أساس إخلال البائع بالتزامه تجاهه .

– ثالثا : من المعروف في الأشياء المعينة بنوعها أن ملكيتها لا تنتقل إلا بفرزها وفرز المبيع يتم عادة عند التسليم في هذه الحالة تمتزج عملية التسليم بنقل الملكية للحق حتى تبدوا أنها السبب لانتقال الملكية .

– رابعا : التسليم في القانون الروماني والقانون المدني الفرنسي القديم كان يعتبر شرطا لانتقال الملكية فيهما , فإذا لم يتم التسليم للشيء المبيع إلى المشتري فإن الملكية لم تكن تنتقل إليه بينما التسليم في القوانين الحديثة فقد أصبح التسليم مجرد أثر يترتب على عقد البيع ولا دور له في انتقال الملكية .

المطلب الثاني : تعريف التسليم وتحديد عناصره :

تنص المادة 367 /1 من القانون المدني الجزائري بأنه: ( يتم التسليم بوضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق ولو لم يتسلمه تسلما ماديا ما دام البائع قد أخبره بأنه مستعد لتسليمه بذلك …) .

ومن هذه الفقرة التي وردت في المادة 367 مدني جزائري يتضح لنا أن التسليم عبارة عن وضع الشيء المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يستطيع حيازته والانتفاع به دون أن يعرقل ذلك أي عائق حتى ولو لم يتم تسليمه تسليما ماديا .

ويتضح من هذا النص أن تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم يقتضي توافر عنصرين :

– الأول : وضع المبيع تحت تصرف المشتري , بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق , فإذا وجد عائق يحول بين المشتري وحيازة المبيع والانتفاع به فإن البائع لا يكون قد نفذ التزامه بالتسليم , سواء كان العائق راجعا إلى فعل البائع أو إلى فعل الغير , مع ملاحظة أن وجود مستأجر في العين المبيعة لا يعتبر عائق متى كان عقد الإيجار نافذا في حق المشتري , وكان البائع قد أعلمه به إذ يصبح المستأجر حائزا لحساب المشتري لا لحساب البائع , ويسري مثل هذا الحكم في حالة ما إذا كانت العين المبيعة محملة بحق انتفاع واقتصر البائع على بيع ملكية الرقبة .

– الثاني : إعلام البائع للمشتري بأن المبيع قد وضع تحت تصرفه ولا يلزم لهذا الإعلام شكل خاص ولا يلزم فيه إعلان رسمي بل هو يتم بكافة الطرق لكن لا يكفي مجرد علم المشتري بأن المبيع قد أصبح تحت تصرفه بل يجب أن يكون هذا العلم ناتجا عن إخطار البائع له .

وإذا توفر هذان العنصران فإن البائع يكون قد نفذ التزامه بالتسليم ولو لم يكن المشتري قد حاز المبيع حيازة مادية أو فعلية , فتنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم يتم بالتسليم القانوني .

المطلب الثالث : كيفية التسليم :

والتسليم إما أن يكون تسليما قانونيا , وأما أن يكون تسليما حكميا :

1- الفرع الأول : – التسليم القانوني :
وقد نصت عليه المادة 367 مدني جزائري , ويقع بتوافر عناصر التسليم التي سبق وحددناها , ويتحقق العنصر الأول للتسليم القانوني بوضع المبيع تحت تصرف المشتري بالطريقة التي تتفق مع طبيعته , فإذا كان المبيع عبارة عن عقار (أرض أو دار) فإن تسليمه يقتضي تخلية البائع للأرض أو الدار بحيث يصبح في مقدور المشتري وضع يده عليه , وقد يتطلب الأمر في هذه الحالة , أن يقوم البائع بتسليم مفاتيح الدار والمستندات التي تثبت ملكيته للمبيع .

أما إذا كان المبيع منقولا ماديا , فان تسليمه للمشتري يتم عادة بالمناولة , أي بالتسليم المادي أو الى نائب المشتري , أو بتحويل سند الشحن أو الايداع أو التخزين للمشتري في حالة ما يكون المنقول مشحونا أو مودعا أو مخزونا في جهة ما .

وإذا كان المنقول غير معين بالذات فان تسليمه يتم عن طريق إفراز المبيع بحضور المشتري ودعوته لتسلمه .

وإذا كان المبيع عبارة عن حق مالي , كحق مرور , أو كحق انتفاع فيقع التسليم بقيام البائع بتسليم المشتري سندات الحق المنشئ له , وان لم يوجد , فيكون بترخيص البائع للمشتري في استعمال الحق مع تمكينه من ذلك , وإزالة ما قد يحول بينه وبين استعمال حقه , والأمر كذلك إذا كان الحق المبيع حقا ذهنيا كحق المؤلف .

وإذا كان المبيع عبارة عن حق شخصي , كما في حوالة الحق فان تسليمه للمشتري (المحال إليه) يتم بوضع الحق تحت تصرفه عن طريق تسليمه سند الحق لتمكينه من استعماله في مواجهة المحال عليه .

ويتوفر العنصر الثاني , بإعلام البائع نفسه المشتري بوضع المبيع تحت تصرفه , ولذلك لا يكتفي في هذا الشأن بمجرد علم المشتري , بل يجب أن يكون هذا العلم مستمدا من البائع نفسه , وذلك منعا لكل لبس حول حقيقة علم المشتري بوضع المبيع تحت تصرفه , وهذا الإعلام لا يتطلب شكلا محددا , فيجوز أن يتم بإنذار رسمي أو بجواب موصى عليه أو بطريقة شفهية .

2- الفرع الثاني : – التسليم الحكمي :
وقد يتم التسليم بمجرد تراضي المتعاقدين على البيع , وهذا تسليم حكمي , ويكون ذلك بالاتفاق على تغيير صفة الحيازة , ويقوم التسليم الحكمي مقام التسليم القانوني وقد نصت عليه المادة 367 / 2 من القانون المدني الجزائري بقولها: (وقد يتم التسليم بمجرد تراضي الطرفين على البيع إذا كان المبيع موجودا تحت يد المشتري قبل البيع أو كان البائع قد استبقى المبيع في حيازته بعد البيع لسبب آخر لا علاقة له بالملكية ) .

يتبين لنا من هذه الفقرة أن التسليم الحكمي يتميز عن التسليم القانوني في أنه يتم بتراضي الطرفين (البائع والمشتري) باعتباره اتفاق أو تصرف قانوني ( وليس بعمل مادي) , ويقع هذا النوع من التسليم بالاتفاق على أن المبيع قد تم تسليمه من البائع إلى المشتري .

كما يتضح كذلك أن التسليم الحكمي له صورتان :

* الصورة الأولى : إذا كان المشتري يحوز المبيع قبل البيع حيازة عرضية باعتباره مستأجرا أو مستعيرا أو مودعا لديه أو مرتهنا رهن حيازة , فبمجرد الاتفاق على البيع تتغير صفة حيازته فيصير حائزا بصفته مالكا عن طريق الشراء .

* الصورة الثانية : وهي الصورة العكسية , صورة البائع الذي يظل حائزا للمبيع بعد البيع على سبيل الإيجار أو العارية أو الانتفاع أو الرهن أو الوديعة , فتتغير صفة حيازته من حائز لحساب نفسه الى حائز لحساب المشتري .

وفي الحالتين يعتبر التسليم قد تم للمشتري بمجرد العقد .

المبحث الثاني : محل الالتزام بالتسليم :

محل الالتزام بالتسليم، هو المبيع المتفق عليه في عقد البيع، وبالتالي يجب أن يتم تسليمه من قبل البائع بالحالة التي كان عليها المبيع وقت إبرام عقد البيع، وبالمقدار الذي حدد في العقد وكذا ملحقاته التي تتبعه، ولأهمية دراسة هذه المسائل ، سنتكلم عن كل واحد منها بشيء من التفصيل :

المطلب الأول : حالة المبيع :

تنص المادة 364 من القانون المدني الجزائري، على أنه : (يلزم البائع بتسليم الشيء المبيع للمشتري في الحالة التي كان عليها وقت البيع) .
من المادة السابقة يتبين أن البائع يلتزم بتسليم المبيع المتفق بالحالة التي كان عليها المبيع وقت إبرام عقد البيع وهذه الحالة قد يتفق عليها، فإذا وجد اتفاق بينهما فالعقد شريعة المتعاقدين، وإن لم يوجد وجب على البائع تسليم المبيع إذا كان منقولا معنيا بذاته , وفقا لصفاته وحالته التي كان عليها وقت إبرام العقد… مثال:_ أرض: (.. الحدود والمساحة, مالها من حقوق, وما عليها من تكاليف ,…) , أما إذا كان المبيع منقولا معينا بنوعه فقط , فإن البائع يلتزم بتسليم شيء من درجة جودة الشيء المتفق عليه , وان لم يكن هناك اتفاق على البائع تسليم شيء من صنف متوسط .
قد يطرأ على المبيع تغير ما , قد يكون ضارا بالمشتري , و قد يكون نافعا , في هذه الحالة يختلف الحكم في الحالتين :

1- الفرع الأول : – التغيير الضار بالمبيع :
عند قيام الدليل على مثل هذا ها التغير فإنه يعتبر ضارا بالمشتري في نفس الوقت , والبائع هو المسؤول سواء رجع التغيير لفعله الشخصي , أو فعل غيره , ذلك أن البائع يلتزم بتحقيق غاية , ووجود هذا التغير يعنى إخلاله بتنفيذ التزامه وفقا لما تقضيه المادة 364 من القانون المدني الجزائري , هنا يكون البائع أمام أمرين :

1- تنفيذ التزامه عنيا في حدود استطاعته بإزالة التغير الضار.

2- تعرضه لحق المشتري في الرجوع عليه بالتعويض أو مطالبته لفسخ العقد مع التعويض والبائع مسؤول عن التغيير , حتى ولو كان بفعل القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ على أساس أن إلزامه التزام بتحقيق نتيجة.

2- الفرع الثاني :- التغيير المفيد للمبيع :
إذا كان سبب التغير أجنبي , فالزيادة من نصيب المشتري دون مقابل , كزيادة العقار عند كونه بجانب نهر , أما في حالة كون سبب التغير بفعل البائع (كالتحسينات), فتعتبر تحسينات البائع تحسينات في ملك الغير مع علمه بذلك , هنا للمشتري المطالبة بإزالة التحسينات على نفقته , والتعويض إن كان له وجه , أو استبقاء التحسينات مقابل دفع قيمتها مستحقه الإزالة , أو دفع مبلغ يساوي ما زاد في ثمن المبيع نتيجة هذه الأعمال .

المطلب الثاني : مقدار المبيع :

تنص المادة 365/1 من القانون المدني الجزائري أنه : (إذا عين في عقد البيع مقدار المبيع كان البائع مسؤولا عما نقص منه بحسب ما يقضي به العرف , غير أنه لا يجوز للمشتري أن يطلب فسخ العقد لنقص في المبيع إلا إذا ثبت أن النقص يبلغ من الأهمية درجة لو كان يعلمها المشتري لما أتم البيع) .
يتبين من النص السابق , أنه إذا كان قد حدد مقدار المبيع في العقد (كالمساحة, أو العدد, أو الكمية) , فإن البائع يلتزم في مواجهة المشتري وفقا للمقدار الذي حدد في العقد , فإذا نفذ البائع بما التزم به , فليس للمشتري أن يرجع عليه بشيء .

لكن قد يقع أن يكون المقدار المبيع المسلم للمشتري أقل مما حدد , أو أكثر مما أتفق عليه , فيكون لكليهما , حينئذ , الحق في الرجوع على بعضيهما .

1- الفرع الأول :- حالة نقص المبيع :
في حالة اكتشاف المشتري نقصا في المبيع وفقا للمقدار المتفق عليه في العقد , يكون البائع مسؤولا عما نقص من المبيع , إلا إذا أوجد اتفاق على التسامح فيما إذا وجد نقص في حالة المبيع , أو أن يكون العرف قد جرى بالتسامح بهذا النقص , عندئذ تنتفي مسؤولية البائع , وتنتفي معها أحقية المشتري في الرجوع على البائع .
يكون مضمون حق المشتري في حالة اكتشاف النقص على الخيار بين إنقاص الثمن وفسخ العقد , إلا أن فسخ العقد لا يكون إلا إذا كان النقص في مقدار المبيع جسيما , حيث لو كان يعلمه المشتري لما تعاقد , وذلك كله بناء على حكم الفقرة الأولى من المادة 365 من القانون الجزائري .

2- الفرع الثاني :- حالة زيادة المبيع :
تنص الفقرة الثانية من المادة 365 من القانون الجزائري : (وبالعكس إذا تبين أن قدر الشيء المبيع يزيد على ما ذكر بالعقد , وكان الثمن مقدرا بحسب الوحدة , وجب على المشتري إذا كان المبيع غير قابل للتقسيم أن يدفع ثمنا زائدا إلا إذا كانت الزيادة فاحشة , ففي هذه الحالة يجوز له أن يطلب فسخ العقد كل هذا كالم يوجد اتفاق يخالفه) .
يتبين من حكم الفقرة السابقة ، أنه قد يكون هناك زيادة عن المقدار المتفق عليه بين البائع والمشتري ، هنا يتوجب علينا أعمال الاتفاق القائم بينها في تسوية هذا الأمر، وفي حالة انعدام مثل هذا الاتفاق ، نفرق بين أمرين :

أولا : إذا كان الشيء المبيع غير قابل للتقسيم (التبعيض) ، أو كان تقسيمه يترتب عليه ضرر بالبائع فعلى المشتري أن يدفع ثمنا تناسب مع الزيادة ، إلا إذا تبين أن الزيادة في المبيع بلغت حدا من الجسامة بحيث لو كان يعلمها المشتري وقت العقد ما أبرم العقد ، ومن ثم يجوز له أن يفسخ العقد .

ثانيا : إذا كان المبيع قابلا للتقسيم (التبعيض) فإن المشتري لا يلتزم إلا بالمقدار المتفق عليه في العقد إذا كان الثمن مقدر على أساس الوحدة (المتر، أو الطن، أو القنطار…الخ) ولا يجوز للمشتري أن يجبر البائع على تسليمه المقدار الباقي في مقابل زيادة الثمن , و لا يجوز للبائع من جهة أخرى إلزام المشتري بأن يأخذ المقدر الزائد مقابل ثمن يدفعه المشتري يتناسب مع المقدار الزائد .
لكن ما حكم ما إذا كان الثمن مقدر في عقد البيع جملة واحدة وليس بسعر الوحدة ثم تبين أن في المبيع زيادة في مقداره ؟ يذهب الفقه إلى أن الزيادة من نصيب المشتري دون أن يدفع مقابلا لزيادة أي شيء وذالك بسبب أن المقدار ورد على سبيل الوصف، ثم لتقصير البائع في تحديد الثمن جملة دون تحديد .

3- الفرع الثالث : – تقادم الدعاوى الناشئة عن نقص المبيع أو زيادته :
تنص المادة 366 من القانون المدني الجزائري على أنه : (إذا وجد في قدر المبيع نقص أو زيادة , فان حق المشتري طلب إنقاص الثمن أو فسخ العقد , وحق البائع في طلب تكملة الثمن يسقطان بالتقادم بعد مضي سنة من وقت تسليم المبيع تسليها فعليا) .
يتبين من نص المادة السالفة الذكر خضوع هذا النوع من الدعاوى للتقادم قصير المدة , حيث حددت المدة من طرف المشروع بسنة كاملة , وحكمة ذلك في رغبة المشرع في استقرار المعاملات القانونية .
ومدة التقادم القصير يبدأ منذ إتمام عملية التسليم الفعلي للمبيع إلى المشتري , وليس التسلم الحكمي ، حيث أن اكتشاف النقص أو الزيادة من المشتري أو البائع لا يتحقق إلا بإتمام عملية التسليم الفعلي للمبيع .

والدعاوى التي أخضعها المشرع الجزائري لأحكام المادة 366 هي كالتالي :

أولا : دعوى إنقاص الثمن :
وهي تثبيت المشتري في حالة ما تبين وجود نقص في المبيع .

ثانيا : دعوى فسخ عقد البيع :
وهي دعوى تثبت للمشتري أيضا في حالتين :

1- حالة وجود نقص جسيم في المبيع ، وهو النقص الذي لو كان يعلم به المشتري لما أبرم العقد .

2- حالة وجود زيادة في المبيع ، وإذا كان لا يقبل التجزئة (التبعيض) وثمنه قدر بحساب الوحدة .

ثالثا : دعوى تكملة الثمن :
وهي دعوى تثبت للبائع إذا تبين وجود زيادة في المبيع , وكان لا يقبل التجزئة , وثمنه قد قدر بحساب الوحدة .

المطلب الثالث :- ملحقات المبيع :

لم ينظم المشرع الجزائري حكم ملحقات المبيع كما فعل المشرع المصري, وعلى الرغم من هذا النقص التشريعي فإننا نستطيع أن نتلمس من القواعد العامة في القانون , حكم ما يعتبر من ملحقات المبيع .

نصت الفقرة الثانية من المادة 107 من القانون المدني الجزائري بأنه : (لا يقتصر العقد على التزام المتعاقد بما ورد فيه فحسب , بل يتناول أيضا ما هو من مستلزماته وفقا للقانون , والعرف والعدالة , بحسب طبيعة الالتزام ) , وعليه فان نقل ملكية أحد الأشياء , يؤدي إلى انتقال ما يعتبر من الملحقات الضرورية للشيء المبيع وكل ما أخذ بصفة دائمة لاستعماله , وهذا يعنى أن تسليم المبيع من قبل البائع يجب أن يشمل كل ما يعتبر من الملحقات الضرورية للمبيع , و إلا كان التسليم ناقصا وليس تاما .

إضافة إلى ما سبق فإننا نستطيع أن نتلمس حكم ملحقات المبيع من قواعد انتقال الحقوق من شخص إلى آخر, والتي تتمثل في :

1- قاعدة أن الشخص إلى غيره بأكثر مما يملك وهي التي تعني , أن الشخص إذا نقل حقا من حقوقه , فإنه ينقله للمتلقي بما لهذا الحق وما عليه , لأن فاقد الشيء لا يعطيه .

2- قاعدة الفرع يتبع الأصل وهي التي تعنى , أن كل ما يعتبر تابعا لحق من الحقوق يأخذ حكم الأصل في وجود و عدمه في بطلانه وصحته , فإن ما انتقل هذا الحق من شخص لآخر انتقل إلى الشخص المنقول إليه متبوعا بملحقاته .

إن ملحقات المبيع هي مجموعة الحقوق والالتزامات شخصية كانت أم عينية , والتي أعدت بصفة دائمة لتكون تابعة للأصل وملحقة به ليتمكن صاحب الحق بمجموع هذه الحقوق وهذه الالتزامات من أن يستعمل حقه وفقا للغرض المقصود من وجود الحق في حيازته, وبعبارة أخرى هي مجموعة الحقوق والالتزامات التي تتبع الحق وتنزل منزل الفرع , بحيث لا يمكنها الإفتكاك منه أو تقوم منفصلة عنه .

من التعريف تعتبر كل الحقوق العينية والتكاليف المرتبط بالمبيع والتي من شأنها أن تضيق أو توسع من نطاق الحق الذي نشأ للمشتري على المبيع وهو حق الملكية , وذلك لما لهذه الحقوق و التكاليف من ميزة التتبع , فإذا كان المبيع عبارة عن أرض زراعية , اعتبر من ملحقات المبيع حقوق الارتفاق والمزروعات غير الناضجة دون المزروعات الناضجة .

وكذلك تعتبر من ملحقات المبيع, كل ما أعد لخدمة العقار من مواشي أو آلات زراعية, وكذلك المخازن وبيوت الفلاحين إذا وجدت.

و تعتبر دعاوى الضمان( دعوى منع التعرض ودعوى الاستحقاق, ودعوى العيوب الخفية ) من قبيل الملحقات للشيء المبيع, وتعتبر كذلك من ملحقات الحق الشخصي الدفوع المتعلقة بسند انتقاله.

المطلب الرابع : مكان التسليم وزمانه ونفقاته :

1- الفرع الأول :- مكان التسليم :
طبقا للقواعد العامة , مكان التسليم هو المكان الذي يوجد فيه المبيع وقت العقد إذا كان المبيع معينا بذاته , أما إذا كان المبيع معينا بنوعه فيتم التسليم في موطن البائع إلا إذا وجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك , إذا تنص المادة 282 من القانون المدني الجزائري على أنه : ( إذا كان محل الالتزام شيئا معنيا بالذات وجب تسليمه في المكان الذي كان موجود فيه وقت نشوء الالتزام ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك. أما في الالتزامات الأخرى فيكون الوفاء في المكان الذي يوجد فيه موطن المدين وقت الوفاء أو في المكان الذي يوجد فيه مركز مؤسستة إذا كان الالتزام متعلقا بهذه المؤسسة.) .

وبناءا على أحكام المادة 368 من القانون المدني الجزائري, والتي تقرر انه( إذا وجب تصدير المبيع إلى المشتري فلا يتم التسليم إلا إذا وصل إليه ما لم يوجد اتفاق يخالف ذلك) , فان مكان التسليم في حالة الاتفاق على أن يقوم البائع بتصدير المبيع إلى المشتري إنما هو المكان الذي اتفق على إرسال المبيع إليه , فإذا اتفق المشتري مع البائع على أن يقوم هذا الأخير بتصدير الشيء المبيع إلى وهران فتكون وهران هي مكان التسليم .

2- الفرع الثاني :- زمان التسليم :
إذا لم يتفق على تأجيل التسليم , فالأصل أن على البائع تنفيذ التزامه فور نشوئه , وهذا ما أكده نص المادة 281/1 من القانون المدني الجزائري بأنه : ( يجب أن يتم الوفاء فور ترتيب الالتزام في ذمة المدين ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك) .

أي يجب أن يكون فور انعقاد البيع ولو كان هناك اتفاق على تأجيل التزام المشتري بدفع الثمن . ويلاحظ ما قد يقضي به العرف بمنح البائع مهلة للتسليم بعد انعقاد العقد .

3- الفرع الثالث :- نفقات التسليم :
تقضي القواعد العامة بأن نفقات تنفيذ الالتزام تقع على عاتق المدين به إلا إذا اتفق على غير ذلك , حيث تنص المادة 283 من القانون المدني الجزائري على أن : (تكون نفقات الوفاء على المدين , ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك) , وتشمل هذه النفقات كل ما يلزم لوضع المبيع تحت تصرف المشتري وإعلامه بذلك .

من نص المادة 283 السابقة يتبين أن نفقات التسليم تقع على عائق المدين, و المدين بالتسليم, ويدخل ضمن هذه النفقات, مصروفات الوزن, والمقاس, والكيل, والعق إذا كان المبيع شيئا معينا بنوعه و لا بفرز إلا بأحد الطرق السالفة الذكر,وكذلك مصروفات حزم المبيع ونقله إلى مكان التسليم, كذلك تدخل ضمن النفقات الرسوم الجمركية وخاصة في الأشياء المصدرة, هذا الأصل, ولكن إذا وجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك, وجب عمل الاتفاق قبل أعمال نص المادة 283 .

أما نفقات تسلم المبيع فهي على عاتق المشتري , المادة 395 مدني جزائري , والتي تنص على أن نفقات تسلم المبيع تكون على المشتري ما لم يوجد عرف أو اتفاق يقضي بغير ذلك) , ومن ثم فلا يلزم البائع بالمصاريف اللازمة لنقل المبيع من مكان التسليم إلى أي مكان آخر , ومع ملاحظة حكم المادة 368 مدني جزائري , والتي تنص على أنه : (إذا وجب تصدير المبيع إلى المشتري فلا يتم التسليم إلا إذا وصل إليه ما لم يوجد اتفاق يخالف ذلك ) , فبالنسبة للمنقول واجب التصدير , التسليم في هذه الحالة لا يتم إلا بوصول المبيع إلى المشتري , ومعنى ذلك أن نفقات الشحن على البائع إذ أنها من نفقات التسليم .

المبحث الثالث : جزاء الإخلال بالتزام التسليم :

المطلب الأول : تحديد نطاق مسألة تبعة الهلاك :

البحث في تبعة الهلاك يفترض أن الهلاك قد حدث بعد انعقاد البيع أما إذا كان الهلاك سابقا عن البيع فان البيع يكون باطلا بطلانا مطلقا لاستحالة محل الالتزام .

كذلك فان البحث في تبعة الهلاك لا يثور إلا حيث يكون المبيع معينا بالذات , سواء كان قد عين بذاته عند انعقاد البيع أو كان معينا بنوعه , ثم حصل إفرازه وعينت بذلك ذاته , أما إذا كان المبيع معينا بنوعه فحسب ولم يحصل إفرازه فلا تثور مسألة تبعة الهلاك إذ أن ذاتيته لم تتحدد حتى يقال بأنه قد هلك .

وأخيرا لا يثور بحث تبعة الهلاك إلا إذا كان الهلاك لسبب أجنبي لا يد للبائع أو المشتري فيه , لأنه إذا هلك المبيع بفعل البائع بقي البائع مسؤولا عن إخلاله بالتزامه ويكون للمشتري أن يسترد الثمن , وفوق ذلك يلتزم البائع بالتعويض , وإذا هلك المبيع بفعل المشتري بقي المشتري ملتزم بالثمن , وإذا هلك بفعل شخص أجنبي كان هذا الغير مسؤولا بطبيعة الحال .

فينحصر إذن البحث في تبعة الهلاك في حالة ما إذا كان المبيع معينا بالذات ثم هلك بعد البيع بقوة قاهرة .

المطلب الثاني: تبعة الهلاك الكلي قبل التسليم :

تنص المادة 369 من القانون المدني الجزائري أنه : ( إذا هلك المبيع قبل تسليمه بسبب لا يد للبائع فيه , سقط البيع واسترد المشتري الثمن إلا إذا وقع الهلاك بعد اعذار المشتري بتسليم المبيع) .
يتبين من المادة 369 , أن المشرع الجزائري قد اتبع أحكام القواعد العامة فجعل الهلاك يقع على البائع قبل التسليم , وذلك وفقا للقاعدة التي تقول انه في العقود الملزمة لجانبين يتحمل المدين تبعة الهلاك حتى ولو كان ذلك راجعا لسبب لا يد للبائع فيه , وهذا خلافا لما عليه الحال في الفانون المدني الفرنسي والتي جاءت فيه (المادة 1138) محملة تبعة الهلاك على المشتري , وذلك بمجرد انعقاد العقد وبالتالي إذا هلك المبيع وهو في حيازة البائع وقبل تسليمه للمشتري هلاكا كليا ترتب على ذلك انفساخ عقد البيع بقوة القانون , ودون حاجة إلى حكم القاضي بل وبغير حاجة إلى اعذار , لكن إذا كان الهلاك الكلي راجعا إلى فعل البائع فان البائع يظل مسؤولا عن الهلاك ويظل مسؤولا في مواجهة المشتري بالتعويض عما أصابه من الضرر , وكذلك رد الثمن إليه , أما إذا كان الهلاك يرجع إلى فعل المشتري فان تبعة الهلاك يتحملها المشتري باعتباره المتسبب بذلك , وعليه أن يدفع الثمن كاملا للبائع , ولا يجوز استرداد الثمن إذا كان المشتري قد دفعه ولكن إذا اعذر البائع المشتري بتسليم المبيع وتعنت المشتري دون مبرر أن يتسلم المبيع من البائع ثم هلك المبيع هلاكا كليا فان تبعة الهلاك في هذه الحالة تقع على المشتري .

وتقع تبعة الهلاك على المشتري في الحالة التي يكون فيها البائع حاميا للمبيع على المشتري لتخلفه عن دفع الثمن , لان عدم التسليم في هذه الحالة ترجع إلى خطأ المشتري حيث لم يدفع الثمن , وهو السبب الذي جعل البائع يحبس المبيع .

وبهذا تقرر المادة 391 من القانون المدني الجزائري أنه : ( إذا تلف المبيع في يد البائع وهو ماسك له كان تلفه على المشتري ما لم يكن التلف قد وقع من فعل البائع) .

المطلب الثالث: تبعة الهلاك الجزئي,وحالة نقص قيمة المبيع بسبب التلف

تنص المادة 370 من القانون المدني الجزائري أنه : (إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه جاز للمشتري إما أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيما بحيث لو طرأ قبل العقد لما أتم البيع وإما أن يبقى البيع مع إنقاص الثمن) .

يتبين من هذه المادة انه إذا هلك المبيع هلاكا جزئيا وهو في حيازة البائع فان الهلاك يقع على البائع ويكون للمشتري في هذه الحالة إما أن يطالب بإنقاص الثمن , بحيث يتعادل التزام المشتري بالثمن بما تبقى من المبيع , وإما أن يطلب فسخ العقد من القضاء إذا كان الهلاك الجزئي جسيما بحيث لو كان هذا الهلاك موجودا قبل إبرام العقد ما تم البيع .

يلاحظ أن الأحكام السابقة تتعلق بالمنقول المعين بالذات , أما في المنقول المعين بالنوع , ففي حالة هلاك المبيع بقوة قاهرة يلتزم البائع بتسليم شيء مثله .

إن وضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يستطيع حيازته والتصرف فيه دون أي مانع أو عائق هو فحوى عملية التسليم , ويستوي بعدها سواء كان هذا التسليم قانونيا أو حكميا , وكما نصت المادة 364 مدني جزائري فان البائع ملزم بتسليم المبيع المتفق عليه بالحالة التي كان عليها وقت البيع , ولكون التزام البائع بتحقيق غاية , فوحده هو من يتحمل التغيير الضار بالمبيع , أما التغيير النافع للمبيع فهو من نصيب المشتري إذا كان بسبب أجنبي , ولأهمية حالة المبيع هذه , فلا مجال أمام البائع لاستبدال هذا المبيع , ولو كان هذا البديل خيرا منه , فالواجب تسليم نفس الشيء .
أما مقدار المبيع فلاحتمال نقصانه أو زيادته , فقد جعل أمام كل من البائع والمشتري مجالا واسعا لرفع دعاوى أمام المحاكم ( دعوى إنقاص الثمن , ودعوى فسخ عقد البيع , ودعوى تكملة الثمن) .
وأثناء عملية التسليم فلا مجال لتجاهل ملحقات المبيع , وذلك لارتباطها الوثيق بالمبيع نفسه , ويلعب كل من مكان وزمان التسليم دورا فاعلا لإتمام وإكمال التسليم .
ومن نص المادة : (369 م ج) القاضية بأن هلاك المبيع قبل تسليمه بسبب لا يد للبائع فيه تسقط البيع , وعلى إثرها يسترد المشتري الثمن , حيث قضت المادة ( 369 م ج) بان تبعة الهلاك الكلي قبل التسليم تقع على عاتق البائع , إلا في حالة ما إذا وقع الهلاك بعد اعذار المشتري بتسليم المبيع , أما تبعة الهلاك الجزئي فمن نص المادة : (370 م ج) فان أي هلاك جزئي للمبيع وهو في حيازة البائع فانه يقع عليه أي البائع , وعليه يكون أمام المشتري إما الطلب بإنقاص الثمن , أو طلب فسخ العقد .

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني هام حول شركات المساهمة

شركات المساهمة

تعتبر المساهمة نموذج شركات الأموال إذ تتضمن كافة العناصر والخصائص التي تكون عليها شركة الأموال وحين يتناول المشرع تنظيم شركة المساهمة إنما يتناول في الحقيقة النظرية العامة لشركات الأموال والخروج على أحكام هذا النوع من الشركات يسلمنا إلى نوع أخر منها لا يشمل على كل عناصر شركات الأموال وإنما يشتمل على بعض الخصائص الأخرى التي لا تمت إلى شركات الأموال بأي صله إنما هي تقترب أو في بعض الأحيان تتطابق وأحكام شركات الأشخاص ومع ذلك فإن المشرع أدرج جميع هذه الأنواع في قانون واحد لينظمها جميعاً وهي شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وقد اعتبر المشرع هذه الأنواع الثلاثة من شركات الأموال وإن كان هذا لا يمنع من بقاء كل نوع منها بسماته وخصائصه متميزاً عن غيرة فشركات المساهمة هي كما سبق القول نموذج شركات الأموال ثم أفرد المشرع نصوصاً خاصة منظمه لشركات التوصية بالأسهم ثم أفرد أيضاً نصوصاً متميزاً للشركات ذات المسئولية المحدودة.
التطور التشريعي القانوني للشركات المساهمة:
سبق القول بأن الذي يحكم شركات الأموال حالياً في مصر هو القانون رقم 159 لسنة 1981 وما يصاحبه من لائحة تنفيذية ونماذج لهذا النوع من الشركات خصص المشرع لكل نوع منها نموذجاً خاصاً به ونص المشرع في المادة الأولى من ديباجه هذا القانون على أن تسري أحكامه على «الشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وألغى المشرع بموجب هذا القانون القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن بعض الأحكام الخاصة بشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وهو القانون الذي كان يحكم هذه الشركات قبل القانون رقم 159 لسنة 1981 وكان المشرع قد أصدر عدة مراسيم إلحاقاً للقانون رقم 26 لسنة 1954 والخاصة بتعيين البيانات التي تشمل عليها النشرة الخاصة بدعوة الجمهور للاكتتاب العام في أسهم أو سندات شركات المساهمة والملحق الخاص به() والمرسوم الخاص بنموذج العقد الإبتدائي بشركات المساهمة ونظامها() كما كان يوجد نموذج خاص بعض الشركة ذات المسئولية المحدودة() وقد ألغيت جميعاً بمجرد صدور القانون رقم 159 لسنة 1981 لإشتماله على نصوص منظمه لهذه الموضوعات.
وكان يحكم شركات المساهمة قبل القانون رقم 26 لسنة 1954 النصوص الواردة في قانون التجارة الصادر في عام 1883 وهي المواد أرقام من 32 إلى 45 والمادة رقم 57 ومن المواد أرقام 32 إلى 45 كانت توجد المادتان 42 و43 الخاصتان بشركات التوصية بالأسهم وأصبح تنظيم شركات المساهمة في مجموعة القانون التجاري قاصراً نظر للتطورات الاقتصادية التي لحقت بالمجتمع الذي لجأ المشرع إلى تدارك النقض التشريعي الحاصل آنذاك في مجموعة القانون التجاري بإصدار مجموعة من القرارات من مجلس الوزراء() وتضمنت هذه القرارات نموذج العقد الابتدائي والنظام الأساسي لشركة المساهمة() ثم صدر القانون رقم 138 لسنة 1947 الذي عدل بالقانون رقم 19 لسنة 1949 والمرسوم بقانون رقم 120 لسنة 1952().
وقد كان القانون السابق رقم 26 لسنة 1954 الخاص بشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة ليكون من 116 مادة موزعة على ثلاثة أبواب على النحو التالي: الباب الأول في شركات المساهمة ويشمل المواد من 1 إلى 54 مكرر وقسمه المشرع إلى أربعة فصول تناول في الفصل الأول تأسيس الشركة وفي الفصل الثاني زيادة رأس المال وتداوله وإصدار السندات وفي الفصل الثالث إدارة الشركة وفي الفصل الرابع مراقب الحسابات والباب الثاني في شركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة ويشمل المواد من 55 إلى 86 وقسمه المشرع إلى فصلين الأول لشركات التوصية بالأسهم والفصل الثاني الشركات ذات المسئولية المحدودة والباب الثالث خصصه المشرع لأحكام عامة ووقتيه ويشمل المواد من 87 إلى 106 وقسمه إلى ثلاث فصول الأول خصصه لأحكام تنظيميه والثاني خصصه للتفتيش والجزاءات والفصل الثالث خصصه لأحكام وقتيه.
يضاف إلى هذا المواد عدد ثمان مواد وهي التي اشتمل عليها القانون رقم 244 لسنة 1960 الخاص بالإندماج في شركات المساهمة وعدد المواد الخاصة بالعقد الإبتدائي والنظام الأساسي لشركة المساهمة ويشتمل العقد الإبتدائي على 11 مادة ويشتمل النظام الأساسي على 47 مادة أي أن عدد المواد التي كانت تحكم شركات المساهمة وغيرها من الشركات في ظل أحكام القانون رقم 26 لسنة 1954 بطريقة مباشرة هو 172 مادة تقريباً.
أما القانون الحالي أي القانون رقم 159 لسنة 1981 فإنه يتكون من 184 مادة بالإضافة إلى اللائحة التنفيذية للقانون وتتكون 324 مادة هو لا شك أن التنظيم الحالي اشتمل وروعي فيه اعتبارات كثيرة تتفق وأحكام الشركات بإعتبار أن صاحب رأس المال فيها هم الأفراد وليس الدولة على عكس ذلك بالنسبة لشركات القطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام.

تعريف شركة المساهمة
تعريف الشركة بصفة عامة:
عرف المشرع المدني في المادة رقم 505 من القانون المدني الشركة بأنها «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل لإقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة» فيتصدى المشرع في القانون المدني لتعريف أي نوع من أنواع الشركات فهو يصف العلاقة القانونية بين الشركاء أيا كان نوع هذه الشركة ولا يرى المشرع المصري حتى الآن الشركة سوى أنها عقد ولم ينزل المشرع بأخذ بفكرة العقد كأساس لقيام الشركة إستناداً إلى مبدأ وحدة الذمة المالية كأصل عام ولم يجز المشرع في أطار الأحكام القانونية في القانون المصري أن يقطع شخص جزء من ذمته المالية ويفرد له كياناً قانونياً مستقلاً بذاته عن ذمته الأصلية ولا تستطيع الذمة الواحدة أن تتعاقد مع نفسها بصفة واحدة فلا يتصور أن يشتري شخص من نفسه أو بيع إلى نفسه وهو مالك للشيء المبيع أو يستأجر من نفسه أو يؤجر لها وهو مالك للمال المؤجر أو يرهن نفسه أو يرتهن وهو مالك محل أرهن فهذه علاقات قانونية لا تقوم إلا إذا توافر فيها إرادتين كل واحدة منها تعبير عن ذمة متميزة عن الأخرى كذلك الشركة لم تزل تستند في وجودها القانوني في إطار أحكام القانون المصري إلى العقد أي تتطلب وجود إرادتين كل واحدة منهما تعبر عن ذمة متميزة عن الأخرى حتى لو كانت الإرادة التي تتعاقد إرادة أصلية تعبر عن نفسها وإرادة نائبة تعبر عن إرادة أخرى فوضتها في التعاقد مثابة عنها أو إرادة نائبه تعبر عن إرادتين مختلفتين وهذه حالات تعاقد الشخص مع نفسه وهي التي يقصد بها اختلاف صفة الشخص في التعاقد كمتعاقد أصلي ونائب عن إرادة أخرى يعبر هو نفسه عنها أو إرادة نائبه تعبر عن إرادتين مختلفتين.
لذلك تجد المشرع قد أحاط هذا النوع من التعاقدات بضمانات، بل حرص على أن ينص على المبدأ الأصلي في مثل هذه الحالات وهو عدم جوازها. فنص في المادة رقم 108 مدني على أن «لا يجوز لشخص أن يتعاقد مع نفسه باسم من ينوب عنه سواء أكان التعاقد لحسابه هو أم لحساب شخص آخر دون ترخيص من الأصيل على أنه يجوز للأصيل أن يجيز التعاقد فالأصل عدم جواز تعاقد الشخص مع نفسه إلا بإجازة الأصيل سواء كانت الإجازة سابقة أم لاحقه على التصرف وكما هو ظاهر من النصفان المشرع أطلق الحظر بحيث يشمل الحالة التي يقف فيها شخص معبراً عن إرادته هو وإرادة الغير والحالة التي يقف فيها الشخص معبراً عن إرادة جواز زيادة عدد الإرادات المكونة العقدين اثنين:
ولم يقصر المشرع عقد الشركة على توافر إرادتين كما فعل في معظم العقود، وإنما أجاز أن تزيد الإرادات عن اثنين لذلك نص في المادة رقم 505 مدني على أن الشركة «عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر ………» فقصر الإرادات في عقد الشركة على اثنين يعتبر أمراً لازماً وإن كان تعدد الإرادات لأكثر من اثنين لا يعتبر أمر لازماً فتعدد الإرادات أمر جائز بشرط توافر الركن الصحيح في العقد وهو وجود إرادتين على الأقل لوجود العقد.
ويلاحظ أن تعدد الأشخاص في عقد الشركة يتحقق بمجرد تعدد الإرادات وذلك بالمخالفة لغيرة من العقود ففي عقد البيع قد تتعدد الأشخاص ولكنهم في النهاية يمثلون إرادتين هما إرادة البائع وإرادة المشتري مثال ذلك حالة تعدد البائعين أمام مشتر واحد أو تعدد المشترين أمام بائع واحد أو تعدد البائعين والمشترين فتعدد الأشخاص في هذه الحالة لا يعني تعدد الإرادات وإنما هم جميعاً يمثلون في النهاية إرادتين وهي إرادة البائع وإرادة المشتري وكذلك الحال بالنسبة لعقد الإيجار أو الرهن أو الفرض أو التأمين.
أما في عقد الشركة فكل شخص بإرادة فاصله فمجرد وجود الشخص في العقد يعني تعدد الشركاء بتعدد الإرادات الموجودة فلا يتصور في عقد الشركة أن يكون هناك عدة أشخاص يمثلون إرادة واحدة فيكونون جميعاً طرفاً واحد ولكن في الحقيقة فإن كلا منهم يكون طرفاً في عقد الشركة بنسبه مساهمته في رأس المال حتى لو اشترك أكثر من شخص في ملكيه حصة واحده.
المساهمة في مشروع مالي:
واشترط المشرع في المادة رقم 505 مدني مساهمة كل شريك في مشروع مالي ولم يعرف المشرع المقصود بالمشروع ويمكن القول بأنه النشاط المنظم والذي يعتمد في قيامه على عنصري الإرادة ورأس المال ويرجع اشتراط وجود رأس المال إلى أن المشرع وصف المشروع بأنه مشروع مالي حتى لو كانت الشركة مدينه فلا يمنع ذلك من نظرة المشرع لها بأنها مشروع مالي لأنه يتوافر فيها العنصر الذي تطلب اعتمادها على الأموال.
تعريف الشركة المساهمة في الفقه:
واشترط المشرع في المادة رقم 505 مدني مساهمة كل شريك في مشروع مالي ولم يعرف المشرع المقصود بالمشروع ويمكن القول بأنه النشاط المنظم والذي يعتمد في قيامه على عنصري الإرادة ورأس المال ويرجع اشتراط وجود رأس المال إلى أن المشرع وصف المشروع بأنه مشروع مالي حتى لو كانت الشركة مدينة فلا يمنع ذلك من نظرة المشروع لها بأنها مشروع مالي لأنه يتوافر فيها العنصر الذي تطلب اعتمادها على الأموال.
تعريف شركه المساهمة في الفقه:
ما تقدم تعريف الشركة بصفة عامة كما هي وارده في أحكام القانون المدني أما بالنسبة لشركه المساهمة فقد ذهب اتجاه في الفقه إلى تعريف شركة بالنسبة لشركه المساهمة فقد ذهب اتجاه في الفقه إلى تعريف شركه المساهمة بأنها «شركه يقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول ولإرسال الشريك فيها عن التزامات الشركة إلا بمقدار حصته فيها ولا يكون لها عنوان يستمد من أسماء الشركاء وإنما تتخذ لها أسماً يشتق من الغرض الذي تكونت من أجله() ويذهب اتجاه آخر إلى تعريف شركه المساهمة بأنها التي «تؤسس بلا عنوان. وتتكون من شركاء مسئوليتهم محدودة بمقدار حصة معينة ويتجزأ رأس مالها إلى أسهم() ويذهب اتجاه إلى القول بأن شركه المساهمة «شركه لا يجوز إنشاؤها إلا بترخيص من الحكومة ………..» وتتكون من رأس مال مشترك مقسم إلى أجزاء في الغالب متساوية وقابلة للتداول تسمي اسمها ويجمع بطريق الاكتتاب بواسطة قوسيها أو من الجهود بغض النظر عن النفقة الشخصية بين المكتتبين الذين يسمون بعد تأسيس الشركة بالمساهمين ولا يتحملون ديونها أكثر من قيمة الأسهم التي يملكونها ويشركون في تأسيسها وإدارتها مجتمعين في جمعيات عمومية بإختلاف الغرض منها مع مجلس الإدارة المنتخب من بينهم أو من الأجانب عنهم والمراقبين().
تعريف شركه المساهمة في القانون:
وعرف المشرع شركه المساهمة في قانون الشركات بأنها: «شركه ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة يمكن تداولها على الوجه المبين في القانون.
وتقتصر مسئولية المساهم على أداء قيمة الأسهم التي أكتتب فيها لا يسأل عن ديون الشركة إلا في حدود ما اكتتب فيه من أسهم.
ويكون الشركة اسم تجاري يشتق من الغرض من إنشائها ولا يجوز للشركة أن تتخذ من أسماء الشركاء أو اسم أحدهم عنواناً لها».
ومقتضى هذا التعريف أن المشرع ينظر إلى شركة المساهمة من ثلاثة اتجاهات الاتجاه الأول رأس المال والثاني مسئوليه المساهم والثالث اسم الشركة.
فبالنسبة لرأس المال ربط المشرع بين مفهوم شركه المساهمة وبين شكل رأس المال فعرضها المشرع بأنها الشركة التي ينقسم رأس مالها إلى أسهم.
وبالنسبة لمسئوليته المساهم فقد حصرها المشرع في نطاق الأسهم التي يجوزها فنص على أن تقتصر مسئوليه المساهم على أداء قيمة الأسهم التي اكتتب فيها ولا يسأل عن ديون الشركة إلا في حدود ما اكتتب فيه من أسهم.
وأما بالنسبة لأسم الشركة فقد رأى المشرع أن اسم الشركة أو أسم أحدهم عنوانها.

خصائص شركة المساهمة
يمكن أن نستخلص من تعريف المشروع لشركه المساهمة خصائص الشركة فهي شركة ينقسم رأس مالها إلى أسهم ولا يسأل المساهم إلا في حدود حصته واسمها يشقق من غرضها وتتناول كل واحدة من هذه الخصائص.
أولاً: شركه المساهمة هي شركه:
نص المشرع في المادة الثانية من القانون على أن «شركه المساهمة هي شركه ………» ويعني ذلك أن المشرع ينظر إلى شركه المساهمة على أنها عقد كما قضى بأن «يتصرف معنى تأسيس شركة المساهمة إلى اجتماع المؤسسين لتوقيع عقد يحدد أسس الشركة وشروط عملها() فالشركة في أطار القانون المصري هي عقد بمقتضاه يلتزم شخصاً أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي ومتى كان الأمر كذلك فيشترط في عقد شركه المساهمة كافة الشروط الموضوعية المتطلبة في العقود كالرضاء المحل والسبب والأهلية.
ويتمثل شرط الرضا أن يكون المساهم على علم تام بكل تفاصيل المشروع المقدم على المساهمة فيه حتى يمكن الاحتجاج في مواجهته بصحة الرضا وإن رضاه لم يشوبه أي نوع من الغش أو التدليس ونجد صدق ذلك في المسئولية الفعلية التي ألقاها المشروع على عاتق المؤسس فالمشروع يريد أن يتأكد من أرضاء المساهم عند الدخول في عقد شركة المساهمة إنما كان رضاء صحيحاً وعلى ذلك إذ احتج المساهم بأن دول في المساهمة في الشركة إنما كان نتيجة المعلومات التي قدمت إليه عند تأسيسها وتبين له عدم صحة هذه المعلومات وأثبت ذلك فإنه يستطيع أن يتواصل إلى إبطال العقد بل وينشأ له الحق في التعويض في مواجهه المؤسسين.
ويجب التفرقة بين رضاء المساهم عند تأسيس الشركة ورضاء المساهم عند شراء أسهم الشركة بعد تأسيسها فيعد بالرضاء عند التأسيس هي فترة تكوين عقد الشركة ومن ثم فيشترط توافر الإدارة الصحيحة عند تكوينه.
أي رضاء المساهم شراء الأسهم في الشركة القائمة فلا يعتبر به الآخر عقد بيع الأسهم فيما بين طرفيه ولكن لا يمس ذلك عقد الشركة ولا يؤثر عليه والأساس في ذلك أن المساهم حين يقدم على شراء أسهم شركة قائمة فإنه يفترض فيه إستيفاء المعلومات في كل ما يتعلق بهذه الشركة سواء من حيث مصلحة الشركات أو السجل التجاري أو بورصة الأوراق المالية أو بورصة الأوراق المالية أو عن طريق سماسرة البورصة والبنوك التي للشركة تعامل معها أو من أي مصدر أخر محتاج له وهو في جمعه لهذه المعلومات لا يقصد عقد الشركة في ذاته وإنما يقصد عقد تملك الأسهم المقدم على إبرامه.
ومحل عقد الشركة هو الغرض الذي تكونت من أجله ويشترط أن يكون مشروعاً وممكناً وكذلك السبب يشترط أن يكون مشروعاً ويلاحظ التفرقة هنا أيضاً بين توافر هذه الشروط عند إبرام عقد الشركة وعند شراء أسهم الشركة فعند إبرام عقد شركة المساهمة المسألة لازمه وتؤثر على كيان العقد أما بالنسبة لشراء أو بيع أسهم الشركة فيعتبر أن كل ما يتعلق بالشركة يكون واضحاً ويمكن الحصول على معلومات وافية عنه من كافة المصادر التي إلزم المشرع الشركة بالقيد فيها وأتاح لكل ذي مصلحة الإطلاع عليها وينظر إلى محل وسبب عقد شراء أو بيع الأسهم مستقلاً عن المحل والسبب في عقد الشركة فقد يكون عقد شراء الأسهم باطلاً وعقد الشركة صحيحاً أو العكس أو أن يكون العقدان باطلان.
أما بالنسبة للأهلية فيشترط أن يكون الشريك كامل الأهلية فلا يجوز لناقص الأهلية أن يكون مساهمة في شركه وإنما يشترط في هذه الحالة أن ينوب عنه من له الصفة القانونية التصرف نيابة عنه بل أنه لا يجوز للقاصر الحاصل على أذن من المحكمة أن يكون مساهماً لأن الأذن الصادر هو أذن له بالإدارة وليس بالتصرف والمساهمة في شركة هي من التصرفات لذلك يشترط أن يسير حلها شخص أما كامل الأهلية أو شخص له صفة قانونية كالولي والوصي في التصرف نيابة عن القاصر.
واشترط المشرع في القواعد العامة أن يكون عقد الشركة بين طرفين على الأقل إذ نص في المادة رقم 505 من القانون المدني على أن الشركة هي عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر فأقل عدد من الشركاء مأهلين المشرع لقيام الشركة أيا كان نوعها هو شخصان أي إرادتان العقد لا ينشأ إلا بإتفاق إرادتين لا أن المشرع في قانون الشركات اشترط بالنسبة لشركات المساهمة إلا يقل عدد الشركاء المؤسسين عن ثلاثة أشخاص ويعني ذلك أن المشرع اشترط لقيام شركة المساهمة توافر ثلاث إرادات أو بمعنى آخر اشترط لصحة عقد شركة المساهمة توافر ثلاث إرادات.
ونستخلص من ذلك أن من الخصائص الجوهرية لشركة المساهمة في إطار أحكام القانون المصري إنها لم تزل تعتمد على نظريه العقد في قيامها وهذا يستخلص من العبارة التي استخدمها المشرع في صدر المادة الثانية من قانون الشركات وهو تعرف شركة المساهمة حين قرر بأن شركة المساهمة هي شركة لأن اصطلاح الشركة في إطار النصوص التشريعية له معنى قانون محدد وعلى ما سبق إيضاحه وألا يقل عدد الشركاء المؤسسين فيها عن ثلاثة.
ثانياً: انقسام رأس المال إلى أسهم:
عن الخصائص المميزة لشركة المساهمة انقسام رأس المال إلى أسهم وقد عبر المشرع عن هذه الخصية حين نص في المادة الثانية من القانون على أن شركه المساهمة هي شركه «ينقسم رأس مالها إلى أسهم» والسهم الواحد هو حصة المساهم في رأس مال الشركة ويعني ذلك أن المساهم شريك في الشركة كأي شريك أخر في أي نوع الشركات والأساس في ذلك أن المشرع حين نص في المادة رقم 505 من القانون المدني على تعريف الشركة نص على أنها العقد الذي يلتزم فيه (شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي يتقدم حصة من مال أو عمل) فالمساهمة تكون بتقديم حصة من الأموال أو من العمل فالحصة التي يعنيها المشرع هي مقدار مساهمة الشريك في الشركة والسهم هو مقدار مساهمة الشركة وندق التفرقة في أنواع الشركات الأخرى، كحصة التضامن وحصة المساهمة في شركات التوصية بالأسهم والحصص في الشركات ذات المسئولية المحدودة ونتناول التفرقة بين الأسهم والحصة عند الكلام عن الأسهم.
ويمكن القول بأن الحصة في شركات الأموال عموماً دائماً أموال نقدية أو عقود بنقود كالأسهم في شركات المساهمة وحصة الأسهم في شركات التوصية بالأسهم والحصص في الشركات ذات المسئولية المحدودة وفي جميع هذه الأنواع من الشركات لا يطلق على الحصة تسميه السهم.
واشترط المشرع أن يكون أسهم شركة المساهمة متساوية القيمة ويتصرف هذا المفهوم إلى جميع الجوانب التي يحتويها اللفظ من حقوق وإلتزامات وإن كان المشرع يقصد في هذا الصدد أن يتساوى السهم الواحد في قيمة النقدية مع غيره من الأسهم فإذا كانت قيمة السهم الواحد عشرة جنيهات فيشترط أن تكون هذه القيمة هي قيمة كل سهم من جميع الأسهم التي تصدرها الشركة.
والسمة الجوهرية التي تكسب شركة المساهمة تميزها عن غيرها من أنواع الشركات هي أن أسهم شركة المساهمة قابلة للتداول وقد نص المشرع في المادة الثانية من القانون على هذه الخاصية حيث قرر أن أسهم الشركة «يمكن تداولها …….» والتداول لفظ عام يشمل كافة أنواع التصرفات فقد يكون التداول بسبب تصرف ناقل للملكية في أي صورة من الصور كالبيع وقد يكون بسبب تصرف ناقل للحيازة كالرهن.
وتداول الأسهم هو أحد مميزات شركة المساهمة لذلك حرص المشروع على النص على هذه الخصية صراحة واعتماد المشرع مبدأ تداول الأسهم إنما يستند إلى فترة أولية وهي أن شخصية المساهم في شركة المساهمة ليست محل اعتبار كما هو الوضع في شركات الأشخاص فمثلاً خروج الشريك من شركة الأشخاص أو ما يصيبه من نقص أهليه أو إفلاس أو وفاه يؤثر على عقد الشركة ذاته ويظل الشريك مرتبطاً بعقد الشركة إلى أن يتفق مع غيرة من الشركاء على إنهاء علاقته بالشركة أما شركة المساهمة وهي شركة أموال فالعبرة فيها برأس المال وتتراجع أمام هذا الاعتبار شخصية المساهم لذلك اتاح المشرع للمساهم أن يرتبط بالشركة حتى ولو لم يكن من ضمن المؤسسيين لها دون أن يتأثر عقد الشركة في ذاته بهذه التصرفات فإجازة المشرع تداول الأسهم أي مكان انتقالها من ذمة مالية إلى ذمة مالية أخرى إنما هو في الواقع ترجمة دقيقة لتميز شركه المساهمة عن غيرها من الشركات.
والسهم ورقة مالية وليس ورقة تجارة ومع ذلك أجاز المشرع انتقال ملكيه الأسهم بذات الطريقة التي يتم بها تداول الأوراق التجارية فيجوز أن يكون السهم لحامله وفي هذه الحالة تختلط قيمته بالمستند الذي يحتويها فيتم تداوله بطريقة المداولة أو التسليم الماوي غير المصحوب بأي إجراء سواء كان هذا الإجراء وارد على مستند السهم التظهير حالة الأسهم الأذنية أو وارد على عمليه التداول ذاتها كقيد العمل هي في دفاتر الشركه كما هو الوضع في حالة الأسهم الأسميه.
ويجوز أيضاً تداول السهم بطريقة التظهير يعني حوالة قيمة السهم من ذمه المساهم إلى ذمه المتعامل معه وفي هذه الحالة يشترط لصحة عمليه التظهير أن تتوافر السهم ذاته الشروط الواجبة لإتمام عمليه التظهير وأهم هذه الشروط أن يكون السند أوفى للأمر فإذا توافر هذه الشروط في السهم أمكن نقل ملكيه الحق الذي يحتويه من مساهم إلى آخر بطريق الكتابة على ورقة السهم ذاتها ولا يشترط أن ترد هذه الكتابة على ظهر ورقة السهم وإنما يجوز أن تكون في أي مكان في الورقة وإذ لم يوجد مكان بالورقة لكتابة التظهير ورقة بها يرد عليها التظهير وإن كان يشترط في هذه الحالة إلا تكون هذه الورقة منفصلة عن الورقة الأصلية للسهم ويجوز تداول الأسهم كذلك بطريق نقل قيدها إلى المالك الجديد في دفاتر الشركة وهذه حالة الأسهم الأسميه ويعني أسهم الأسمى أن قيمته مقيده بدفاتر الشركة باسم المساهم المالك لهذه الأسهم ولذلك فإن أي تصرف يرد على السهم يجب أن يقيد في دفاتر الشركة لإثبات انتقال ملكيته إلى الشخص الجديد.

ثالثاً: تجديد مسئوليه المساهم في حدود الأسهم:
وتجرى التفرقة بين حدود مسئوليه الشركة وحدود مسئوليه المساهم فمسئوليه الشركة في حدود رأس المال أما مسئوليه المساهم ففي حدود حصته هو في رأس مال الشركة أي في حدود الأسهم التي يملكها ويعني ذلك أن المساهم لا يسأل عن ذمته الشخصية عن ديون الشركة إذ لم تكف أموالها الإلتزامات الواقعة على عاتقها وهذا عكس الوضع بالنسبة لحصة التضامن في شركات الأشخاص وشركات التوصية إذ في هذه الحالات يسأل الشريك في ذمته الشخصية عن ديون الشركة إذ لم تكف أموالها الديون الواجبة عليها.
فالمساهم لا يكون مديناً للمتعامل مع الشركة وإنما هو مدين للشركة بقيمه ما يكون في ذمته من أسهم لم يوف بقيمتها فلا مسئوليه على المساهم أمام الغير عن تصرفات الشركة فما يصيب الشركة من خسارة لا يترتب عليه نشأة الإلتزام بالضمان في ذمه المساهم (!) وهذا من تطبيقات إنحصار مسئوليه المساهم في شركة المساهمة في حدود الأسهم التي يملكها في رأس مال الشركة.
ولا يكتسب ثم صفة التاجر بإنضمامه إلى الشركه كما لا تسقط عنه هذه الصفة لو كان تاجراً أو اكتتب أو اشترى أسهماً في شركة مساهمه إذ صفة التاجر لا تكتسب بالإكتتاب في رأس مال شركة المساهمة أو شراء أسهماً إذ الإكتتاب في رأس المال أو شراء الأسهم إنما هو وسيله من وسائل استثمار الأموال يتساوى فيها التاجر وغير التاجر إذ استثمار المال ليس مهنه وإنما هو تصرف من التصرفات الواردة على المال سواء كان المال نقدياً أو عينياً مع مراعاة معيار احتراف الآمال التجارية لكي بغير الشخص تاجراً وتحديد مسئوليه المساهم في نطاق ما يملكه من أسهم وإن كان أمدى الخصائص المميزة لشركه المساهمة إلا أن المشرع في قانون الشركات خرج على هذا الأصل العام في بعض الحالات ويبدأ وإن المشرع يقيم مبدأ تحديد مسئوليه المساهم على أساس مبدأ حسن النية فالأصل أن يحكم مبدأ حسن النية المساهم في مساهمته في الشركة فإذا كان هناك خروج على هذا المبدأ فإن المشرع لا يعمل مبدأ تحديد المسئولية وبوقف أثره في مواجه المساهم من تطبيقات ذلك في إطار أحكام قانون الشركات ما نص عليه المشرع في المادة رقم 8/2 من اعتبار «الشركة منحله إذ قل عدد الشركاء عن ثلاثة ولم ينادى إلى استكمال هذا النصاب خلال ستة أشهر ويكون من يبقى من الشركاء مسئولاً في جميع أمواله عن التزامات الشركة خلال هذه المدة فأقام للمشرع الشريك أو الشركاء للباقين في الشركة بعد انتهاء هذه المدة ضامنين لإلتزامات الشركة في أموالهم الخاصة.
وما نص عليه أيضاً في المادة رقم 10 من القانون من أن «يكون المؤسسون مسئولين بالتضامن من عما التزموا به فالمؤسس هو أحد المساهمين في الشركة والمفروض أن مسئوليته لا تخرج عن نطاق حصته المتقدم بها في الأسهم ولكن المشرع حدد نطاق مسئوليه المؤسس إلى غيره من المؤسسين أقام التضامن فيما بينهم عما يكونوا قد إلتزموا به»
وهناك تطبيق آخر لخروج المشرع على مبدأ تحديد مسئوليه المساهم في حدود أسهمه الاكتتاب فيها في رأس مال الشركة وهو ما نص عليه في المادة رقم 52 من القانون وهي المادة التي تناولت الحصة العينية المقدمة من المساهم في رأس مال الشركة. إذ نص المشرع في المادة المذكورة على أن يطلب المؤسسون أو مجلس إدارة الشركة حسب الأموال من مصلحة الشركات التحقق مما إذا كانت الحصة العينية المقدم من قدر تقدير صحيحاً ولا يكون تقدير يترك الحصص نهائياً إلا بعد إقراره من جماعه للمكتتبين أو الشركاء أما إذا كانت الحصة العينية كان هؤلاء مسئولين بالتضامن في مواجهة للغير عن الفرق بين القيمتين «فالمشرع هنا يقيم التضامن بين المساهمين بحصة عينيه أمام الغير وهو ما يمثل خروجاً على المبدأ العام وهو تحديد مسئوليه المساهم في حدود حصته في الأسهم فطبقاً للمبدأ العام يكون كل مساهم مسئولاً في حدود حصته المقدرة عن الحصة العينية وليس مسئولاً عنها عن بقيه المساهمين بطريق التضامن فالتضامن هنا ليس من طبيعة عقد شركة المساهمة أو النظام القانوني الخاص بها وإنما هو تضامن مقروض بنص القانون حماية لمصالح الغير المتعاملين مع الشركة من التقدير الخاطئ لقيمه الحصة العينية ومن ثم لقيمه رأس المال.
كما نص المشرع في المادة رقم 43 من القانون على أن لا يجوز توزيع الأرباح إذ ترتب على ذلك منع الشركة من أداء التزاماتها النقدية في مواعيدها ويكون لدائني الشركة أن يطلبوا من المحكمة المختصة أبطال أي قرار صادر بالمخالفة لأحكام الفقرة السابقة ويكون أعضاء مجلس الإدارة الذين وافقوا على توزيع الأرباح وأعضاء مجلس الإدارة هم أصلاً مساهمون في الشركة ومن ثم يخضعوا للأصل العام وهو تحاصر مسئوليه كل منهم في حدود حصته في الأسهم ومع ذلك أقام المشرع التضامن فيما بين أعضاء مجلس الإدارة في هذا النوع من التصرفات خروجاً على الأصل العام.
وما نص عليه المشرع في المادة رقم 161 من القانون من أن «يقع باطلاً كل تصرف أو تعامل أو قرار يصدر على خلاف القواعد المقررة في هذا القانون أو يصدر من مجالس إدارة شركات المساهمة أو جمعيتها العامة المشكلة على خلاف أحكامه وذلك دون أخلال بحق الغير حسن النية وفي حالة تعدد من يعزي إليهم سبب البطلان تكون مسئوليتهم عن التعويض بالتضامن فيما بينهم فالمشرع في هذا النص يقيم التضامن بين المكتتبين في بطلان التصرف من أعضاء مجلس الإدارة أو الجمعية العامة وبطبيعة الحال جميع هؤلاء من المساهمين في الشركة والمفروض أن تنحصر مسئولية أي منهم في حدود حصته في الأسهم وكان من الواجب على المشرع أن ينص على البطلان وإلتزام الشركة بالتعويض لأن التعويض تتحمل به الشركة وليس الشركاء متضامنين إذ فرض التضامن بهذه الصورة يمثل خروجاً عن المبدأ العام لشركات المساهمة وهو تحديد مسئولية المساهم في حدود حصته في الأسهم.
رابعاً: اسم شركه المساهمة:
شركه المساهمة هي شركة أموال وليست شركه أشخاص ويظهر أثر هذا الفرق في قيمه الشركة فقد خشي المشرع إذ ما تم تسميه الشركة بأسماء أشخاص محددين أن ينصرف الائتمان إلى هذه الأسماء وليس إلى الشركة في ذاتها وهو الأمر الذي يترتب على ارتباط الشركة بهذا الاسم فتبقى ببقائه وتتأثر بما قد يطرأ على هذا تغيرات كما هو الحال في شركات الأشخاص مما يؤثر على أموال باقي المساهمين فإن المشرع أن ينأى بشركه المساهمة عن ذلك فاشترط أن يرتبط اسمها بالغرض الذي قامت من أجله والسائد في تفسير ذلك أن المقصد من شركة المساهمة هو فوضها بمشروعات ذات طابع خاص ومؤثر في الحياة الاقتصادية وإن كان الواقع إن المال هي سمه من سمات شركات المساهمة فهناك شركات مساهمة لا يزيد عدد العاملين فيها على خمسه أشخاص.
ومع ذلك فهي شركة مساهمة وهناك شركات مساهمه تنتهي بأعمال تجاريه من ذات الأعمال التي يقوم بها التجار الأفراد ومع ذلك فهي شركة مساهمة يرتبط وجودها بوجود رأس المال.
ولذلك رأى المشرع إلا يرتبط اسم الشركة باسم أحد الأشخاص سواء كان من المؤسسين أو غيرهم فنص المشرع في المادة رقم 2 من القانون على أن «يكون للشركة اسم تجاري يشتق من الغرض من إنشائها ولا يجوز للشركة أن تتخذ من أسماء الشركات أو اسم شركه المساهمة وعنوانها.
فالأصل أن يشتق الاسم من الغرض الذي قامت الشركة من أجله فإذا كان غرض الشركة التجارة فإنها تلتزم بأن يتركب اسمها من هذا النشاط فالشركة التجارية أو شركة التجارة أو شركة التصدير أو الاستيراد أو شركه التجارة الحرة أو شركه التسويق والمبادلات التجارية أو غير ذلك من الأسماء وإذ كانت شركه صناعية فيشتق أسمها من المجال الذي تحمل فيه كشركه سبك المعادن أو شركه الحديد والصلب أو شركه البترول أو شركه الفوسفات أو الشركة الصناعة أو شركه النشا والخميرة أو شركه السكر والعطور أو شركه الكبريت إلى غير ذلك من الأسماء.
ويؤخذ على المشرع هنا أنه اشترط أن يكون الشركة «اسم تجاري» وهذا التناقض والمبدأ العام الذي يقوم عليه القانون إذ نص المشرع في المادة الأولى من الديباجة على سريان أحكام القانون على شركات المساهمة بصرف النظر عن الغرض من تكوينها فقد يكون غرض شركة المساهمة مديناً وليس تجارياً ومع ذلك تخضع للقانون رقم 159 لسنة 1981 فهل لو كانت الشركة مدينه تلتزم بأن تكون اسمها تجارياً؟ نفسها تقوم شركة مساهمه لأعمال الاستشارات والمحاسبة فهل يلزم أن تطلق على نفسها اسم تجاري؟ إذا فعلت ذلك فإن الاسم غير مطابق لحقيقة الغرض لذلك كان من الأفضل أن يتحر في المشرع وهو يورد هذا اللفظ لإمكان أن تترتب عليه مشكلات كبيرة في نطاق العمل ولعل الصحيح أن يكتفي بالقول بإلتزام شركه المساهمة أن تختار اسمها من الغرض من إنشائها سواء كان غرضها مديناً أو تجارياً وبطبيعة الحال إذ كان غرض الشركة تجارياً فسيكون الاسم تجارياً وإذا كان مدنياً فيكون الاسم مديناً كشركه المباني وشركه المحاجر وشركه الإستشارات.
ما تقدم هو الأصل وهو أن تتخذ الشركة أسمها من الغرض من إنشائها ولكن المشرع نص على نطاق الحظر إذ قرر في المادة الثانية من القانون بأن «لا يجوز للشركة أن تتخذ من أسماء الشركاء أو اسم أحدهم عنوان لها والنص بالصورة الحالية يوحي بأن الجملة الثانية إيضاح للجملة الأولى ولكن هذا الأمر غير مقبول، لأن المشرع لو كان يعني أن الجملة تكون إيضاحاً لترك ذلك اللائحة التنفيذية للقانون ولكن نص المادة رقم 5/1 من اللائحة التنفيذية مطابق تماماً للنص الوارد في التشريع مما يعني أن المشرع يقصد معنى محدداً بخلاف مفهوم الإيضاح لأن الجملة وارده في معنى للمنع والخطر إذ نص المشرع على أن «لا يجوز للشركة أن تتخذ من أسماء الشركاء أو اسم أحدهم عنواناً لها».
فالحظر الذي يعينه المشرع هو اختيار اسم أحد الشركاء أو أسمائهم جميعاً اسماً للشركة وعلى ذلك فيجوز أن يكون اسم الشركة مكان معين أو بلده معينه أو اسم حي أو شارع أو اسم مجرد أو اسم تاريخي مثال ذلك شركه مصر للتجارة الخارجية وشركه الجيزة للتجارة والتوزيع وشركه بني سويف للطباعة والنشر وشركه الروضة للزجاج وشركات مصر الجديدة للإسكان والتعمير، وشركة بورسعيد للنقل بالسيارات ومثال للاسم المجرد وشركه النصر لصناع السيارات البنك الوطني للتنمية الشركة الوطنية للإسكان والمقاولات وشركه التحرير للأسمدة ففي كل هذه الحالات وغيرها يجوز للشركة أن تتخذ اسمها من أحد الأماكن أو الأسماء المجردة أو غير ذلك من الأسماء كشركه الإيمان أو شركه السلام أو شركه المحبة ولكنها لا تستطيع أن تستخدم اسم أحد الشركاء أو جميع الشركاء ليكون أسماً لها.
إذا اندمجت شركه تضامن أو شركه توصيه في شركه مساهمه فلا يستطيع الشركاء إسباغ اسم أحد الشركاء في شركه الأشخاص ضمن اسم شركه المساهمة وإنما يطلق عليها اسم طبقاً للقواعد السابقة لعدم وجود نص يجيز لذلك بخلاف الحاصل بعض التشريعات مثل القانون اللبناني.
وكانت المادة 113 من مشروع قانون الشركات القديم تنص على أن «إذا تملكت الشركة المساهمة اسم مؤسسة تجاريه أخرى واحتفظت به واتخذته تسميه لها وجب أن تضيف إلى هذا الاسم لفظ «شركه مساهمه» ولم ينص المشرع على مثل هذا النص في قانون الشركات السابق أو القانون الحالي كما لم يصرح المشرع في قانون الشركات عندما تناول أحكام إندماج الشركات في الأخذ بمثل هذا النص وعلى ذلك فإنه حتى في ماله إندماج الشركات في الأخذ بمثل هذا النص وعلى ذلك فإنه حتى في ماله إندماج الشركات لا تستطيع شركه المساهمة الاستفادة من اسم الشريك في شركه الأشخاص حتى ولو كان هذا الاسم يمثل علامة تجاريه هامه مثل عمر أفندي وداود عدس وصينداوي وبنزايون والطرابشي وجروبي.
ولا يمكن التفرقة هنا بين الاسم والعنوان والصراحة النص إذ المادة رقم 2/3 يجري على أن يكون لشركه المساهمة «اسم تجاري يشتق من الغرض من إنشائها ولا يجوز للشركة أن تتخذ من أسماء الشركاء أو اسم أحدهم عنواناً لها «فالحظر وارد على استخدام اسم الشركاء أو اسم أحدهم عنواناً للشركة فاسم شركه المساهمة المعتمد من غرضها هو عنوانها.

اعادة نشر بواسطة محاماة نت

بحث قانوني متميز حول النظام القانوني لشركة الشخص الواحد

النظام القانوني لشركة الشخص الواحد

لتحديد النظام القانوني لشركة الشخص الواحد لا بد من تعريف هذه الشركة، إذ تعد هذه الشركة استثناءً على الأصل وهو تعدد الشركاء، كما لا بد من بيان طرق تأسيس هذا النوع من الشركات فقد تؤسس بطريقة مباشرة منذ تسجيلها وقد تؤسس بطريقة غير مباشرة بعد انشاء شركة مكونة من شريكين او اكثر وبقاء شريك واحد بسبب وفاة احد الشركاء او اكثر او انسحابهم من الشركة، كما لا بد من الحديث عن مبررات تأسيس هذه الشركة ندرس كل ذلك في ثلاثة مطالب على التوالي.
المطلب الأول: تعريف شركة الشخص الواحد
إن شركة الشخص الوحد هي الشركة المؤلفة من شريك واحد طبيعياً كان أو معنوياً ويكون لهذه الشركة ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للشريك، وقد تؤسس هذه الشركة ابتداء من شريك واحد وقد تؤول الى شركة من شريك واحد جراء بقاء شريك واحد فيها.
ولذلك فإن شركة الشخص الواحد تعد استثناءً على الأصل الذي يقضي بوجود شريكين على الأقل لقيام أي شركة، ولايضاح تعريف شركة الشخص الواحد لا بد أن ندرس أولاً الأصل وهو تعدد الشركاء فيما ندرس ثانيا الاستثناء على هذا الأصل وهو شركة الشخص الواحد وذلك في فرعين متتاليين.
الفرع الأول: الأصل تعدد الشركاء
إن فكرة الشركة تفترض وجود أكثر من شريك فيها يجمع بينهم هدف مشترك وهو تحقيق الأرباح، فمصالح الشركاء في أي شركة يفترض أن تكون متجانسة وليست متعارضة. والحد الأدنى لعدد الشركاء لأي شركة شريكين اثنين(15)، وهذا مستفاد من نص المادة (582) من القانون المدني الأردني التي تعّرف الشركة على أنها: “عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو من عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة”.
كما أن هذا الأصل (تعدد الشركاء ) تدعمه النصوص القانونية الخاصة بكل شكل من أشكال الشركات التجارية، (16) إذ تنص المادة التاسعة من قانون الشركات الأردني على أن:- “تتألف شركة التضامن من عدد من الأشخاص الطبيعيين لا يقل عن اثنين…”، كما تنص المادة (53/ب) من ذات القانون على أن:- “تتألف الشركة ذات المسئولية المحدودة من شخصين أو أكثر…”. وبخصوص الشركة المساهمة العامة المحدودة تنص المادة (90/أ) من ذات القانون بأن :- “تتألف الشركة المساهمة العامة من عدد من المؤسسين لا يقل عن اثنين…”، كما أن المادة (65/أ مكرر) من القانون المعدل لقانون الشركات تنص على أن “تتألف الشركة المساهمة الخاصة من شخصين أو أكثر..”.
من خلال هذه النصوص القانونية نلاحظ أن قانون الشركات الأردني يضع حداً أدنى لعدد الشركاء في أي شركة وهو الحد الذي يمكن أن نؤسس به شركة تجارية وهو شريكين اثنين، إلا أن قانون الشركات الأردني استثنى شركة التوصية بالأسهم فجعل الحد الأدنى لعدد الشركاء فيها خمسة، إذ تنص المادة (77) من قانون الشركات على أن “تتألف شركة التوصية بالأسهم من فئتين من الشركاء هما:
شركاء متضامنون:- لا يقل عددهم عن اثنين يسألون في أموالهم الخاصة عن ديون الشركة والالتزامات المترتبة عليها.
شركاء مساهمون: لا يقل عددهم عن ثلاثة، ويسأل كل شريك منهم بمقدار مساهمته عن ديون الشركة والتزاماتها”.
الفرع الثاني: الاستثناء: شركة الشخص الواحد
ومع أن الأصل هو وجود شريكين اثنين على الأقل في أي شركة، إلا أن قانون الشركات الأردني لسنة 1997 والقوانين المعدلة له لسنة 2002 قد استحدثت شركة الشخص الواحد في إطار الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة والشركة المساهمة العامة، إذ تنص المادة (53/ب) من هذا القانون على أنه: “يجوز للمراقب الموافقة على تسجيل شركة ذات مسؤولية محدودة تتألف من شخص واحد أو أن تصبح مملوكة لشخص واحد”. كما تنص المادة (65/أ) مكرر على أن “تتألف الشركة المساهمة الخاصة بين شخصين أو أكثر ويجوز للوزير بناء على تنسيب مبرر من المراقب الموافقة على تسجيل شركة مساهمة خاصة مؤلفة من شخص واحد أو أن يصبح عدد مساهميها شخصا واحدا”. كذلك تنص الماده ( 90/ب ) على أنه : ” مع مراعاة أحكام الفقرة ( ب ) من الماده (99) من هذا القانون يجوز للوزير بناءً على تنسيب مبرر من المراقب الموافقه على أن يكون مؤسس الشركة المساهمة العامة المحدودة شخصاً واحداً أو أن تؤول ملكية الشركة إلى مساهم واحد في حال شرائه كامل أسهمها “.
وما زال قانون الشركات الأردني يستلزم بموجب المادتين ( 65/أ مكرر و90/ب) تنسيب مبرر من قبل مراقب الشركات وموافقة وزير الصناعة والتجارة لإنشاء شركة مساهمة خاصة مؤلفة من شخص واحد أو في حالة أن يكون مؤسس الشركة المساهمة العامة شخصاً واحداً أو في حالة أن قام مساهم واحد بشراء كامل أسهم الشركة المساهمة العامة. إلا أن هذا القيد الذي اشترطه قانون الشركات الأردني لا يقوم على أسس وضوابط محددة، فما هي الأسس أو المعايير التي سيستند إليها مراقب الشركات للتنسيب لوزير الصناعة والتجارة للموافقة على تسجيل هذه الشركة؟ لذلك اقترح البعض(17) إيجاد أسس وضوابط واضحة وصريحة يستعين بها مراقب الشركات بهدف ايجاد تنسيب مبرر لموافقة وزير الصناعة والتجارة على تسجيل هذه الشركة. وهذه الاسس -كما أرى- قد تتعلق بالمؤسس ومدى ملائته المالية ومدى الحاجة له لتشجيع الاستثمار أو غرض الشركة بأنه يتناول موضوعاً جديدا مبتكراً نسعى لتشجيعه أو إيجاد بعض القيود على تأسيس هذه الشركة حماية للاقتصاد الوطني والمتعاملين معها كدفع رأس مال الشركة بالكامل ووجود ضمانات كافية عند التعامل معها.
ولم تحدد المـواد (53/ب و65/أ مكرر و90/ب) صفة الشخص الواحد في هذه الشركة مما يعني شمول هذه المادة للشخص الطبيعي والشخص الاعتباري معاً. وبناءً عليه يمكن لشخص واحد طبيعياً كان أو معنوياً أن يؤسس شركة ذات مسؤولية محدودة في الأردن، برأسمال حده الأدنى ثلاثين ألف دينار أردني(18)، او ان يؤسس شركة مساهمة خاصة برأسمال حده الأدنى خمسين الف دينار (19)، أو أن يتملك مساهم واحد كامل أسهم شركة مساهمة عامة.
وبإستعراض أحكام كل من الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة العامة و الشركة المساهمة الخاصة نجد أن مسؤولية الشريك او المساهم فيها عن ديونها والالتزامات المترتبة عليها وخسائرها تكون بمقدار حصته في رأسمالها(20)، مما يعني أن الشريك او المساهم غير مسؤول إلا بالقدر الذي يشارك فيه في هذه الشركة، وأن الحد الأقصى للخسارة التي يمكن أن تلحق به هو ذلك الجزء الذي خصصه للتجارة في هذه الشركة، وبالتالي فإن الذمة المالية للشريك تكون غير مسؤولة عن ديون الشركة. وهذا الأمر يؤدي إلى الاعتراف بمبدأ جواز تعدد الذمم المالية للشخص، فتكون له ذمة مالية مخصصة للتجارة وهي الذمة المالية للشركة وذمة مالية أخرى مدنية، وهذا ما يطلق عليه بنظرية التخصيص لتفسير الذمة المالية والتي ترى أن الذمة المالية هي عبارة عن مجموعة اموال مخصصة لعمل ما دون ربطها بالشخص القانوني، اذ تقوم نظرية التخصيص للذمة المالية على عدم ارتباط الذمة المالية بشخص معين فهي توجد حتى ولو لم تستند الى شخص ما ما دامت تستند الى غرض تخصص له(21). ويترتب على هذه النظرية جواز تجزئة أو تعدد الذمة المالية للشخص بحيث يخصص جانياً من أمواله لغرض معين وجانياً آخر لغرض ثان، اذ تتعدد الذمم للشخص بتعدد تلك الأغراض. وتضمن كل ذمة مالية ديونها فقط دون الديون الأخرى للذمم المالية الأخرى، فلا يستطيع دائن لذمة مالية ما التنفيذ على الأموال الداخلة في ذمه مالية أخرى وانما يقتصر تنفيذه على الأموال الداخلة في الذمة المالية المدنية (22). وتعتبر هذه النظرية الأساس القانوني الذي تقوم عليه شركة الشخص الواحد إذ انها تتيح للشخص أن تكون له ذمة مالية تجارية تخصص لغرض معين هو شركة الشخص الواحد على أن تظل حقوق والتزامات الشركة محدودة بقيمة المبلغ المخصص لها كذمة مالية تجارية مستقلة عن الذمة المالية لصاحبها(23).
ومثل هذا التفسير للذمة المالية يوفر المناخ لتعدد الذمم المالية للشخص الواحد، وهذا على خلاف النظرية الشخصية التي تربط بين الذمة المالية والشخصية القانونية بحيث توجد وتنتهي معه(24). اذ تتكون الذمة المالية بموجب النظرية التقليدية من مجموع ما للشخص من حقوق وما عليه من التزامات مالية، بمعنى انها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخصية تدور وجوداً وعدماً معها، ويترتب على هذه النظرية عدم قابلية الذمة المالية الانفصال عن صاحبها واندماجها في شخصه كما أن لكل شخص ذمة مالية واحدة لا تتجزأ ولا تتعدد(25). وهذه النتيجة لدمج الذمة المالية بالشخصية تقف عائقاً أمام الاعتراف بشركة الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة ، فلا يتصور أن يكون للشخص ذمتان ماليتان في نفس الوقت، فلا تكون له ذمة مالية تجارية يمارس من خلالها شركة الشخص الواحد ذات المسؤولية المحدودة منفصلة عند ذمته المالية المدنية العامة بكافة حقوقها وديونها(26)
إلا أن نظرية التخصيص لتفسير الذمة المالية تتعارض مع مبدأ وحدة الذمة المالية الذي يقضي بأن جميع أموال المدين ضامنة للوفاء بديونه والذي أكدته المادة (365) من القانون المدني الأردني بقولها: “مع مراعاة أحكام القانون، أموال المدين جميعها ضامنة للوفاء بديونه وجميع الدائنين متساوون في هذا الضمان”. ورغم هذا التعارض ما بين شركة الشخص الواحد ومبدأ وحدة الذمة المالية ، الا اننا لا نرى ما يحول دون تبني شركة الشخص الواحد بسبب تعارضها فقط مع هذا المبدأ اذ ان الحياة التجارية لها طبيعتها الخاصة والتي ادت الى استقلال قواعدها عن احكام القانون المدني .
كما أن شركة الشخص الواحد لا تتفق مع مبررات تأسيس الشركات، إذ يقدم الأفراد على تأسيس شركات لمباشرة أعمالهم التجارية بدلاً من مباشرتها في إطار مشروع تجاري فردي إلى عدة أسباب من أهمها: أسباب مالية، أسباب تتعلق بالخبرة، إستمرارية العمل التجاري والمسؤولية المحدودة للشريك خاصة في شركات الأموال (27).
ففيما يتعلق بالسبب المالي قد لا يتوافر لدى الفرد رأس المال الكافي لمباشرة أعماله التجارية فيحتاج إلى ممولين آخرين يساهموا معه في تقديم رأس المال اللازم لذلك العمل التجاري مما يدفعه إلى تأسيس شركة تجارية وخاصة في الشركات المساهمة العامة التي تتكون من رأس مال ضخم يعجز عن توفيره الفرد بمفرده(28). إلا أن رأس المال اللازم لمباشرة عمل تجاري معين قد يتوافر لدى ممول واحد ومع ذلك فإنه يفضل أن يكون شركة تجارية على أن يباشر العمل التجاري منفرداً، ويعود ذلك أحياناً إلى الحاجة إلى تجميع خبرات عدد من الأفراد مع بعضهم البعض وذلك في المشاريع التجارية والصناعية المعقدة التي تحتاج إلى تكاتف مجموعة من الخبرات لإنجازها. هذا بالإضافة إلى أن القيام بتأسيس شركة تجارية يضمن إستمرارية
العمل التجاري الذي أنشأت الشركة من أجله حتى مع وفاة أو إنسحاب أحد أو مجموعة من الشركاء من الشركة ما دام الحد الأدنى لعدد الشركاء في تلك الشركة متوافراً(29). كما أن تأسيس شركة تجارية يوفر للشريك فيها إمكانية المشاركة مع تحديد مسؤوليته عن ديونها وإلتزاماتها بمقدار مساهمته في رأسمال هذه الشركة مهما بلغت خسائرها(30) ما لم تظهر مسؤوليته بسبب إهماله أو تقصيره أو قصده الإضرار بهذه الشركة.
وبخصوص مبرر الحاجة إلى تجميع خبرات متعددة وخاصة تلك الشركات المعقدة والمتعددة الأعمال، فقد يقال بأن الشريك أو المساهم الوحيد في الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة العامة والشركة المساهمة الخاصة قادر على الاستفادة من خبرات أفراد من خارج الشركة من خلال تعيين مدراء مختصين يساعدوه على إدارة شؤون الشركة، ولكن مثل هذا الاجراء سوف يؤدي الى انفصال بين ملكية الشركة وادارتها، فيكون مدير الشركة شخصاً لا يملك أي شيء في رأسمال الشركة وهذا مما قد يساعد على سوء ادارة الشركة وتحملها للخسائر والديون. (31)
المطلب الثاني : طرق تأسيس شركة الشخص الواحد
لقد كانت فكرة شركة الشخص الواحد مرفوضة حيث كان قانون التجارة الفرنسي لسنة 1807 ينص على حل الشركة اذا اجتمعت كافة حصص أو اسهم الشركة في يد شريك واحد، وذلك لتعارض هذه الشركة مع مبدأ وحدة الذمة المالية(32)، وقد تبنى القضاء الفرنسي هذا الاتجاه في العديد من أحكامه(33)، الا أن قانون الشركات الفرنسي لسنة 1966 الغى الحل التلقائي للشركة التي تقتصر على شريك واحد وأوجد محله الحل المؤجل والقضائي خلال سنة من تاريخ اقتصار الشركة على شريك واحد (م 9)، وقد دعى الفقه الفرنسي (34) الى تحديد مسؤولية المستثمر الفردي على أساس ذمة التخصيص من خلال شركة الشخص الواحد.
كما كان لمطالبة أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة في فرنسا بايجاد تنظيم قانوني يوفر لهم الحماية القانونية ضد المسؤولية الشخصية وقصر هذه المسؤولية بمقدار رأسمال مشروعهم التجاري الأثر الأكبر في ايجاد المشروع الفردي ذو المسؤولية المحدودة، هذا بالاضافة الى مطالبة كل من الفقه والقضاء الفرنسيين، فعلى المستوى الفقهىطالب واقترح كل من الاستاذ (Paul Durand) من جامعة (Nancy) سنة 1947 والاستاذ (Sola Canizares) سنة 1948 تنظيماً قانونياً للمشروع الفردي ذي المسؤولية المحدودة(35).
ونظراً لكون ألمانيا دولة صناعية فقد احتاجت الى ايجاد نوع من الشركات يناسب المشروعات المتوسطة والصغيرة من حيث البساطة في التكوين والادارة مع تحديد مسؤولية الشركاء عن ديون الشركة بمقدار مساهمتهم في رأسمالها، وتم ذلك من خلال ايجاد الشركة ذات المسؤولية المحدودة بموجب القانون لسنة 1892.
إن تأسيس شركة من شخص واحد قد يتم بطريق مباشر كما قد يتم بطريق غير مباشر، ندرس هاتين الطريقتين ثم نستعرض موقف قانون الشركات الأردني وذلك في ثلاثة فروع متتالية.
الفرع الأول:- الطريق المباشر لتأسيس شركة الشخص الواحد
ان الطريق المباشر لتأسيس شركة الشخص الواحد هو ذلك العمل الإرادي الذي ينشئ الشركة لأول مرة من شخص واحد، أي أن الشركة تنشأ ابتداءً من شخص واحد، وقد أخذ بهذه الطريقة كل من قانون الشركات الألماني لعام 1980وقانون الشركات الفرنسي لعام 1985 وقانون الشركات الإنجليزي لعام 1992. إذ نصت المادة الأولى من القانون الألماني على أن ” الشركة ذات المسؤولية المحدودة يمكن أن تؤسس من شخص واحد أو عدة أشخاص لتحقيق أي غرض مشروع طبقا لنصوص هذا القانون”، كما نصت المادة (2/1) من القانون الفرنسي على أن: “الشركة ذات المسؤولية المحدودة تنشأ من شخص واحد أو عدة أشخاص لا يتحملون من خسائر الشركة إلا بنسبة حصصهم في رأس المال”، كما تبنى القانون الإنجليزي هذه الحالة كذلك بالنص في المادة (2/1) على أنه: “بالرغم من أي تشريع أو قاعدة قانونية تنص على المخالفة، فإن الشركة المساهمة الخصوصية يمكن أن تؤسس من شخص واحد كما يمكن أن تصبح فردية لا تتضمن سوى عضو واحد”.
ان الطريق غير المباشر لتأسيس شركة الشخص الواحد قد يحدث نتيجة اجتماع حصص الشركة ذات المسؤولية المحدودة في يد شريك واحد، وقد أخذ بهذا كل من المشرع الفرنسي والألماني والانجليزي، إذ تنص المادة (36/1) من قانون الشركات الفرنسي على أنه: “في حالة اجتماع كل حصص الشركة ذات المسؤولية المحدودة في يد شريك واحد لا تطبق نصوص المادة (1844/5) (من القانون المدني والخاصة بالحل القضائي)”، وهذا يعني استمرار الشركة ذات المسؤولية المحدودة رغم اقتصارها على شريك واحد.
كما تبنى القانون الألماني هذه الحالة اعتمادا على نص المادة (19/4) من قانون الشركات والتي تنص على أنه: “… في خلال ثلاث سنوات من تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة إذا تجمعت كل الحصص في يد شريك واحد يشترط على الشريك الوحيد تقديم كل رأسمال الشركة”، وبالتالي لم تنقض الشركة لبقاء شريك واحد قادر على تقديم كل رأسمال الشركة وفي هذا اعتراف من المشرع الالماني بالتكوين غير المباشر لشركة الشخص الواحد .
كما نصت المادة (2/3/أ) من القانون الإنجليزي على انطباق القواعد المنظمة للشركة المساهمة المحدودة على الشركة التي تؤسس بشريك واحد أو تلك التي تصبح فردية نتيجة انخفاض عدد الشركاء فيها إلى واحد بحيث تصبح مكونة من شريك واحد، وفي هذا اعتراف ايضا من قبل القانون الانجليزي بالتكوين غير المباشر لشركة الشخص الواحد. (36)
كما يمكن لشركة الشخص الواحد أن تؤسس بطريق غير مباشر عن طريق اجتماع أسهم الشركة المساهمة العامـة بيد شريك واحد كمـا فعل القانون الفرنسي ( المادة 9 من قانون 24 تموز لسنة 1966 ) الذي أجاز استمرار الشركة المساهمة العامة رغم اجتماع كامل أسهمها بيد شريك واحد . فهذه المادة لم تقض بحل الشركة قانونا باجتماع كل حصص الشركة في يد شريك واحد بل أنها منحت الشركة مدة عام لتصويب أوضاعها وحتى بعد فوات المهلة دون تصويب الأوضاع فلا تنقضي الشركة حكما بل لا بد من تقديم طلب من صاحب المصلحة مطالباً بفسخ الشركة، وصاحب المصلحة في طلب حل الشركة هم الدائنون الذين يسعون لتصفية الشركة والشريك الوحيد الذي لا يرغب في استمرار الشركة، (37) ويجوز منح مهلة إضافية مدتها ستة أشهر للشريك المنفرد لتصويب أوضاع الشركة ( م 1844 /5 من القانون المدني الفرنسي ) .
الفرع الثالث : موقف قانون الشركات الاردني
بالرجـوع لقـانون الشـركات الأردني نجد أنه قد تبنى كل من الطـريق المـباشـر والطريق غير المباشـر لتـأسيس شركة الشـخص الواحد وذلك في إطار الشركة ذات المسؤولية المحدودة في المادة (53/ب) التي أجازت تسجيل شركة ذات مسـؤولية محدودة ابتداءً من شخص واحد أو أن تصبح مملوكة لشخص واحد وذلك وفقـاً للقانون المعدل لقانون الشـركات رقم (40) لسنة 2002 . كمـا تبنـى قـانون الشركات الأردني كل من الطريق المباشر و الطريق غير المباشر لتأسيس شركة الشـخص الواحد في اطـار الشركة المساهمة الخاصة وذلك بموجب المادة (65/أ مكرر) من القانون المعدل لقـانون الشركات رقم (4) لسنة 2002 التي اجـازت تسجيل شركة مساهمة خاصة ابتداء من شخص واحد او ان يصبح عدد مساهميها شخصاً واحداً بعد ان تكون قد سـجلت من شخص واحد او اكثر. إلا أنـه تبنـى الطريق غير المباشر لتأسيس شـركة الشـخص الواحد في إطار الشركة المسـاهمة العامة وذلك بوجب المادة (36) من القـانون المعدل لقانون الشـركات رقـم (40) لسنة 2002 والتي أدخـلت تعديلاً على نص المـادة (90/ب) بأن جعلت بالإمكان أن يتملك مساهم واحد عن طريق الشراء كامل أسـهم الشركة المساهمة العامة وبالتالي تستمر الشركة بمساهم واحد.
وقد يُعتقد بجواز إنشاء شركة مساهمة عامة إبتداء من مساهم واحد إذا أن المادة (90/أ) من قانون الشركات قد إشترطت أن لا يقل عدد المؤسسين في الشركة المساهمة العامة عن اثنين يكتتبون بأسهم الشركة، إلا أن الفقرة (ب) من ذات المادة أجازت لوزير الصناعة والتجارة بتنسيب مبرر من مراقب الشركات الموافقة على أن يكون مؤسس الشركة المساهمة المحدودة شخصاً واحداً أو أن تؤول ملكية الشركة إلى مساهم واحد في حال شرائه كامل أسهمها. إلا أن الموافقة على أن يكون مؤسس الشركة المساهمة العامة شخصاً واحداً لا يعني أنه يمكن تأسيس شركة مساهمة عامة من شخص واحد، إذ أن هذه الشركة تمر في ثلاث مراحل لأجل استكمال إجراءات تأسيسها وهي: مرحلة التسجيل في وزارة الصناعة والتجارة (م 92و93)، مرحلة الاكتتاب العام (م 99 وما بعدها)، ومرحلة اجتماع الهيئة العامة الأول (م106)، فأجاز المشرع أن يقوم مؤسس واحد بإجراءات التسجيل بمبررات يقتنع بها مراقب الشركات، إلا أن مرحلتي الاكتتاب العام واجتماع الهيئة العامة الأول تفترضان وتتطلبان وجود مساهمين يكتتبون بأسهم هذه الشركة ويختارون مجلس إدارة الشركة الأول في اجتماع الهيئة العامة الأول. هذا بالاضافة الى ادارة الشركة المساهمة العامة يتولاها مجلس ادارة لا يقل عدد اعضائه عن ثلاثة اشخاص ولا يزيد على ثلاثة عشر شخص (م132/جـ)، كما يشترط ان يكون عضو مجلس الادارة مساهماً في الشركة (م133/أ)، وهذا مما يؤكد انه لا يمكن بأي حال ان يقل عدد المساهمين إبتداءً في الشركة المساهمة العامة عن ثلاثة شركاء.
ويرى بعض الفقه(38) أن تحديد شركة الشخص الواحد في شركات محددة كالشركة ذات المسؤولية المحددة والشركة المساهمة الخاصة دون الأشكال الأخرى من الشركات يعكس رغبة المشرع في قصر الإستفادة من تحديد المسؤولية على صغار المستثمرين دون كبار المستثمرين الذين يمكن أن يتخذوا أشكالاً أخرى وخاصة الشركة المساهمة العامة. الا أن هذا الرأي لا ينسجم مع موقف المشرع الأردني الذي أجاز إستمرار الشركة المساهمة العامة بمساهم واحد يتملك جميع أسهم هذه الشركة عن طريق الشراء. ومن ناحيه أخرى نجد أن هذا التوجه من قبل المشرع الأردني يتناقض مع مضمون قانون المنافسة رقم (49) لسنة 2002 والذي يمنع فيه المشرع التركيز الإقتصادي محاربةً منه للإحتكار. فكيف يمكن التوفيق ما بين محاربة الإحتكار والسماح بتملك شركة مساهمة عامة من قبل مساهم واحد علماً بأن الشركات المساهمة العامة هي الشركات التي يناط بها المشاريع الإقتصادية الكبيرة والتي تمس إقتصاديات الدول. لذلك فإننا لا نرى مبرراً مقنعاً لموقف المشرع الأردني بالسماح بتملك شركة مساهمة عامة من مساهم واحد.
وفي هذا السياق يجدر التنويه الى أن المادة (8/أ) من قانون الشركات الأردني قد أجازت تحويل أي مؤسسة أو سلطة أو هيئة رسمية عامة أو مرفق عام أو أي جزء منه إلى شركة مساهمة عامة أو خاصة أو شركة ذات مسؤولية محددة مملوكة بالكامل للحكومة وتعمل وفقا للأسس التجارية وذلك بقرار من مجلس الوزراء بعد تنسيب وزير الصناعة والتجارة ووزير المالية والوزير المتخص. وفي هذا اعتراف من المشرع الاردني بالتأسيس المباشر لشركة الشخص الواحد في اطار الشركة المساهمة العامة ولكن ضمن اطار المؤسسات والسلطات والهيئات الرسمية العامة القائمة اصلا، ومثل هذه الاجراءات تدخل ضمن سياسة ما تسمى بالخصخصة او التخاصية (39).
وكان يجدر بالمشرع الأردني تبني الطريق غير المباشر لتأسيس شركة الشخص الواحد في إطار شركة التضامن، إذ أن انسحاب أحد الشركاء في شركة التضامن المكونة من شريكين يرتب على الشريك الباقي إدخال شريك جديد أو أكثر إلى الشركة بدلا من الشريك المنسحب وذلك في مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ الانسحاب، أما أن لم يقم الشريك المتبقي بذلك خلال المدة المقررة انحل عقد الشركة حكما(40)، وهذا يفيد عدم تبني المشرع الأردني للطريق غير المباشر لهذا النوع من الشركات. ولا نرى أن هناك ما يحول دون إجازة المشرع الأردني لتأسيس شركة الشخص الواحد بطريقٍ غير مباشر في إطار شركة التضامن وذلك إذا ما اجتمعت حصص هذه الشركة في يد شريك واحد وذلك على غرار ما أخذ به كل من القانون الفرنسي (م 36/1) والقانون الألماني (م19/4) خاصة بعد صدور القانون المعدل لقانون الشركات الأردني رقم (4) لعام 2002 والذي اجاز استمرار الشركة المساهمة الخاصة في اعمالها على الرغم من انخفاض عدد مساهميها الى مساهم واحد ( م65/أ مكرر ) و صدور القانون المعدل لقانون الشركات رقم (40) لعام 2002 والذي أجاز استمرار الشركة ذات المسؤولية المحدودة رغم إقتصارها على شريك واحد.
المطلب الثالث:- مبررات تأسيس شركة الشخص الواحد
لقد برر الفقه القانوني(41) تأسيس شركة الشخص الواحد من خلال المزايا التي تحققها هذه الشركة، وهذه المبررات منها ما يعود لمسؤولية الشريك المحدودة، ومنها ما يعود إلى الحد من تأسيس شركات وهمية، ومنها ما يتعلق بتفعيل إدارة الشركة ومنها ما يخص إستمرار العمل التجاري وسهولة نقله، ندرس هذه المبررات في فروع أربعة لنرى مدى فاعلية هذه المبررات لتبني شركة الشخص الواحد.
الفرع الأول: المسؤولية المحدودة للشريك أو المساهم
إن مسؤولية الشريك أو المساهم في شركة الشخص الواحد عن ديون وإلتزامات وخسائر الشركة تكون محددة بمقدار رأس مالها المقدم منه شخصياً، ولا تجاوز ذلك إلى أمواله الخاصة ( المواد 53/أ و 65/ب مكرر و90/ب). وهي بهذه الصفة تتشابة مع شركات الأموال كالشركة المساهمة العامة التي يكون فيها المساهم مسؤولاً عن ديون الشركة وإلتزاماتها بمقدار مساهمته فيها(المادة 91).
والمسؤولية المحدودة للشريك أو المساهم في شركة الشخص الواحد هي من أهم أسباب تأسيس هذه النوع من الشركات، فالشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة من شريك واحد أو أكثر والشركة المساهمة العامة المؤلفة من مساهم واحد أو أكثر والشركة المساهمة الخاصة المؤلفة من شخص واحد أو أكثر تعطي الفرصة للشركاء أو للشريك الوحيد بأن يقصر مسؤوليته عن خسائر وديون هذه الشركة في حدود مساهمته في رأسمال هذه الشركة دون أن تتعدى ذلك إلى أمواله الخاصة، وهذه الخاصية هي من أهم أسباب الإقدام على إنتشار الشركات التجارية وخاصة شركات الأموال.
فشركة الشخص الواحد تمكن الشريك الوحيد أن يخصص جزءً من ذمته المالية لمباشرة التجارة، وهذه الذمة المخصصة للتجارة هي المسؤولة فقط عن ديون وإلتزامات الشريك الوحيد مما يعني تعدد الذمم المالية للشخص. وتحديد مسؤولية الشريك في شركة الشخص الواحد تشجع المستثمر على إستثمار جزء من أمواله في إطار هذه الشركة وتجنبه مخاطر تعرض كامل ذمته المالية للمسؤولية في تعامله مع دائني الشركة. ومما يزيد من تشجيع الإستثمار في هذا النوع من الشركات تدني رأس المال المطلوب لتأسيس شركة الشخص الواحد إبتداء وهو ثلاثون ألف دينار على الأقل في حالة الشركة ذات المسؤولية المحدودة وخمسون ألف دينار في حالة الشركة المساهمة الخاصة.
ولكن هذا المبرر(المسؤولية المحدودة للشريك أو المساهم) موجود أيضاً في حالة الشركة ذات المسؤولية المحدودة المكونة من شريكين على الأقل والشركة المساهمة الخاصة المؤلفة من شخصين أو أكثر والشركة المساهمة العامة المملوكة من أكثر من مساهم، وبالتالي لا نستطيع إعتبار هذا المبرر لوحده ميزة لشركة الشخص الواحد، كما يعزز من المسؤولية المحدودة للشريك أو المساهم في شركة الشخص الواحد أن أسم الشركة يستمد في كل من الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة العامة والشركة المساهمة الخاصة من الغرض من إنشائها على إن تضاف لها عبارة (ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة عامة أو شركة مساهمة خاصة)،(42) ويتطلب المشرع مثل هذه التفاصيل حماية للغير الذي يتعامل مع الشركة من خلال إطلاعه على طبيعة الشركة ومدى ملاءتها ومسؤولية الشريك فيها(43)، ولا مانع من أن يضاف إلى أسم لشركة ما يدل على أنها شركة من شخص واحد.
كما أن الواقع العملي يظهر قصور مثل هذا المبرر (المسؤولية المحدودة)، إذ أن الغير عندما يتعامل مع شركة الشخص الواحد كدائن لها يتطلب ضماناً على أموال الشريك الشخصية بالإضافة لأموال الشركة مما ينفي فكرة تجزئة الذمة المالية للشريك الوحيد وتصبح جميع أمواله عملياً ضامنة للوفاء بديونه.
هذا بالإضافة إلى أن مبدأ وحدة الذمة المالية ( المسؤولية الشخصية) ترد عليه أصلاً مجموعة من الإستثناءات أضعفت هذا المبدأ، ويمكن التدليل على ذلك بإستعراض قانون الشركات الأردني إذ نجد أن الشريك الموصي في شركة التوصية البسيطة لا يسأل إلا في حدود مساهمته في رأسمال الشركة(44)، كما أن الشريك في الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا يسأل إلا في حدود مساهمته في رأسمال الشركة(45) ، كذلك الحال بالنسبة للمساهم في الشركة المساهمة العامة،(46) وكذلك الوضع بالنسبة للمساهم في شركة التوصية بالأسهم(47) والمساهم في الشركة المساهمة الخاصة(48) مما يعني الإعتراف بتعدد الذمم المالية للشخص ووجود ذمة مالية تجارية مخصصة للشركة لا تكون مسؤولة إلا في حدود مساهمتها في هذه الشركة، ولا تضمن الذمة المالية العامة ديون الذمة المالية المخصصة للشركة. ونفس الحكم بخصوص الصغير المأذون له بالإتجار إذ لا يسأل إلا في حدود الجزء المقتطع من أمواله لمباشرة التجارة فتقتصر حقوق الدائنين التجاريين في الحجز على أموال القاصر المخصصة للتجارة دون غيرها(49) . ومثل هذه الإستثناءات على مبدأ وحدة الذمة المالية تضعف من مبدأ المسؤولية المحدودة كمبرر لإنشاء شركة الشخص الواحد اذ أنه يمكن إضافة شركة الشخص الواحد كأستثناء آخر على هذا المبدأ ليلبي إحتياجات البيئة التجارية(50) .
الفرع الثاني: الحد من تأسيس شركات وهمية
إن الواقع العملي لتأسيس شركات تجارية يثبت بأن هناك شركات تؤسس بين شريكين أو أكثر في حين أن الشركة مؤلفة فعلياً من شخص واحد وذلك إنسجاماً مع متطلبات قانون الشركات الذي يستلزم توافر شريكين على الأقل لتأسيس شركات تجارية، لذلك فإن تأسيس شركة من شخص واحد سوف يضع حداً لمثل هذه الشركات الوهمية(51) . ويمكن لنا أن نعتبر مثل هذا المبرر وهو الحد من تكون شركات وهمية يمكن التوصل إليه حتى في ظل المبادئ التقليدية للشركات دون اللجوء إلى تأسيس شركة من شخص واحد وذلك من خلال فرض الجزاءات التي يمكن تطبيقها وذلك بتحويل مسؤولية الشريك المحدودة إلى مسؤولية شخصية، كما يمكن إثبات صورية الشركة بكافة طرق لإثبات حتى بين الشركاء.
الفرع الثالث: تفعيل إدارة الشركة
إن وجود شريك وحيد في شركة الشخص الواحد يعطيه الفرصة لإدارة الشركة بشكل مرن ودون التقيد بإجراءات دعوة باقي الشركاء للإجتماع والحاجة للحصول على الأغلبية لإتخاذ القرارات، وتؤثر بالنتيجة على نشاط الشركة مما يؤثر سلبياً على إقتصاد الدولة إذا ما تم تصفية الشركة. كما أن الإنفراد بالإدارة يحول دون وجود إشكالات بين الأعضاء تحد من عملية إتخاذ القرارات.
ومثل هذا المبرر يعتبر أيضاً، وبحق، من مزايا تأسيس مثل هذا النوع من الشركات، إلا أن هذا المبرر قد يصلح في ظل وجود شركة شخص واحد بسيطة ولكنه قد لا يصلح في حالة وجود شركات كبرى تقوم بأعمال معقدة وتحتاج إلى إدارات متخصصة مما سيضطر الشريك الوحيد إلى تعيين مدير أو أكثر لإدارة أمور الشركة، وقد يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بالشريك الوحيد إذا ما ألحق مدير الشركة ضرراً بها جراء تصرفاته، كما أن تصرفات المدير ستكون ملزمة للشركة في مواجهة الغير حسن النية. وإذا ما قام الشريك الوحيد بإدارة الشركة فإن تصرفاته قد تلحق ضرراً بدائنيه وتعطيه مجالاً واسعاً للتحايل وإبرام عقود صورية.
الفرع الرابع: إستمرار العمل التجاري وسهولة نقله
بما أن شركة الشخص الواحد تعطي الفرصة للفرد لأن يخصص جزءً من ذمته المالية لأغراض مباشرة عمل تجاري في إطار الشركة، فإن وفاة الشريك لا تعني إنتهاء أعمال الشركة إذ تنتقل الشركة إلى الورثة وهذا يتطلب تغيير نظام الشركة والعقد التأسيسي لها دون حاجة لتغيير شكل الشركة وتحويلها ودون حاجة لإتباع الإجراءات القانونية التي نصت عليها المواد(215-221) من قانون الشركات الأردني، إذ يتم بسهولة الإنتقال من شركة الشخص الواحد ذو المسؤولية المحدودة إلى نفس الشركة متعددة الشركاء وقد يتم تحول شركة الشخص الواحد محدودة المسؤولية إلى شكل آخر من أشكال الشركات كالشركة المساهمة العامة أو التضامن أو التوصية(52). كما لا توجد هناك قيود لتنازل الشريك عن الشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة منه شخصياً لصالح الغير على خلاف الشركة ذات المسؤولية المحدودة المكونة من شريكين(53) .
وبعد إستعراض مبررات تأسيس شركة الشخص الواحد نجد أن تشجيع الإستثمار وتفعيل إدارة الشركة قد يصلحان كسببين لتبني هذا النوع من الشركات. إلا إننا نرى أنه لا بد من رفع الحد الأدنى لرأسمال هذه الشركة سواء أكانت في إطار شركة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة خاصة لكي تنعكس ثمار الإستثمار على الإقتصاد الوطني. إلا أنه ورغم هذه المبررات لإنشاء شركة الشخص الواحد إلا أن هذه الشركة تواجه صعوبات قانونية مما يقتضي بيانها ومناقشتها في المبحث الثاني من هذا البحث.
المبحث الثاني
الصعوبات القانونية التي تواجه شركة الشخص الواحد
إن تبني شركة الشخص الواحد يصطدم بمجموعة من العقبات من أهمها ان الشركة عقد، والعقد يفترض وجود طرفين على الاقل بينما تؤسس شركة الشخص الواحد بشريك وحيد، وهذا يتنافى مع تعريف كل من القانون المدني الاردني وقانون الشركات للشركة.
كما ان الأركان الموضوعية والشكلية الواجب توافرها لتأسيس شركة الشخص الواحد تختلف لكي تتلائم مع وجود شريك واحد في هذه الشركة، هذا بالإضافة الى ان هناك خصوصية في إدارة هذه الشركة وتقديم راسمالها وذمتها المالية. وبالنتيجة هناك صعوبة تتمثل في عدم وجود تنظيم قانوني يعالج كافة المسائل المتعلقة بهذه الشركة، إذ ان الأحكام القانونية التي تنظم الشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة من شريكين او اكثر كما ان الاحكام القانونية التي تنظم الشركة المساهمة الخاصة لا تستطيع ان تعالج كافة المسائل الخاصة بالشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة المؤلفة من شريك او مساهم وحيد، وسوف نعالج هذه الصعوبات في مطالب مستقلة.
المطلب الأول: تعريف الشركة
تَعّرف المادة (582) من القانون المدني الأردني الشركة على أنها: “عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع مالي بتقديم حصته من مال أو من عمل لاستثمار ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة(54 ). وبموجب هذا التعريف فإن الشركة عقد(55) يستلزم وجود شريكين على الأقل في حين أن شركة الشخص الواحد تنشأ بإرادة منفردة هي إرادة الشريك الوحيد في الشركة وتعد إستثناء على الفكرة العقديه للشركة وتطبيقا للفكرة التنظيمية لها. ولهذا ينبغي تعديل هذا النص بحيث لا تَُعّرف الشركة على أنها عقد بل يشار إلى أن الشركة قد تنشأ بموجب عقد أو إرادة منفردة لا أن الشركة عقد وذلك على غرار ما نصت عليه المادة (1832) من القانون المدني الفرنسي الجديد الصادر عام 1985 عندما عرفت الشركة على انها:
1- “تنشأ الشركة من شخصين أو أكثر يتفقون بعقد فيما بينهم بتخصص لمشروع مشترك أموال أو عمل بغرض تقسيم الأرباح أو تحقيق وفر اقتصادي ينتج عنه.
2- يجوز إنشاؤها في الحالات الواردة في القانون بعمل إرادي من شخص واحد يتعهد الشركاء بالمساهمة في الخسارة”.
وفي حال تعديل تعريف الشركة الوارد في المادة (582) من القانون المدني الأردني فإننا نحتاج إلى تعديل تعريف الشركة ذات المسؤولية المحدودة بما يتفق مع تعديل تعريف الشركة بشكل عام. وفي هذا السياق يمكن الاسترشاد بتعريف الشركة ذات المسؤولية المحدودة الوارد في المادة الثانية من قانون الشركات الفرنسي الصادر عام 1985 إذ تعرفها كما يلي: “تنشأ الشركة ذات المسؤولية المحدودة من شخص واحد أو عدة أشخاص يتحملون الخسائر بنسبة حصصهم في رأس المال”. كما اننا نحتاج الى تعديل تعريف الشركة المساهمة الخاصة الوارد في المادة (65 مكرر) من قانون الشركات بحيث تصبح على النحو التالي :- تنشأ الشركة المساهمة الخاصة من شخص واحد او عدة اشخاص …” .
المطلب الثاني: تأسيس شركة الشخص الواحد
إن شركة الشخص الواحد تصرف قانوني من جانب واحد أي جانب الشريك الوحيد في هذه الشركة، وبما أن هذه الشركة تنشأ بموجب هذا التصرف فإنها (أي الشركة) تستلزم توافر الأركان الموضوعية العامة والخاصة بالإضافة إلى الأركان الشكلية التي يجب توافرها لتكوين اي شركة أخرى مع مراعاة الطبيعة الخاصة لشركة الشخص الواحد. ولذلك يجب توافر الأهلية التجارية(56) لدى الشريك الوحيد وان يكون محل الشركة مشروعاً غير مخالف للنظام العام والآداب العامة(57)، كما لابد ان يكون للشركة سبب مشروع وهو الغرض والهدف الذي قصد الشريك الوحيد تحقيقه .
وفيما يتعلق بركن تعدد الشركاء فإن هذا الركن مفتقد في شركة الشخص الواحد لأنها قائمة اساساً على وجود شريك واحد، ويمكن لهذا الشريك الوحيد ان يكون شخصاً طبيعياً او معنوياً ما دام لم يورد المشرع أي قيد بهذا الخصوص(58) .
ورغم ان القانون الألماني ( المادة 4) والقانون الفرنسي ( المادة 5) قد خليا من اشتراط ان يكون الشريك الوحيد شخصاً طبيعياً او معنوياً مما يفيد انطباق نصوصهما على كافة الأشخاص الطبيعيين والمعنويين على حد سواء، الا ان القانون الفرنسي لا يجيز للشخص الطبيعي تأسيس اكثر من شخص واحد كما لا يجيز لشركة الشخص الواحد تأسيس شركة اخرى ذات مسؤولية محدودة بشخص واحد (59). فيما منع القانون البلجيكي (المادة 7/2) ان يكون مؤسس شركة الشخص الواحد شخصاً معنوياً اذ يجب ان يكون شخصاً طبيعياً .
وحسب المادتين ( 53/ب و 65 /أ مكرر ) من قانون الشركات الأردني فإنه لا يوجد ما يمنع قيام شخص واحد طبيعياً كان او معنوياً بتأسيس اكثر من شركة شخص واحد ما دام لم يورد المشرع أي قيد يتعلق بتعدد الشركات التي يستطيع الشريك الوحيد تأسيسها، وكذلك الحال بالنسبة للمساهم الوحيد الذي يتملك كامل أسهم الشركة المساهمة العامة وبشرط ضمان عدم الخلط بين الذمم المالية لهذه الشركات . وكذلك فعل القانون الألماني ، الا ان القانون الفرنسي حضر على الشخص الطبيعي تأسيس اكثر من شركة فردية ذات مسؤولية محدودة(60).
وبخصوص تقديم الحصص، فالأصل ان يقدم الشركاء عند تأسيس الشركة حصص سواء أكانت حصص نقدية او عينية منقولة او غير منقولة من اجل المساهمة في رأس مال الشركة لأغراض اقتسام الأرباح والخسائر. وفي شركة الشخص الواحد حيث لا يوجد الا شريك واحد فإن بامكانه تقديم حصص نقدية وحصص عينية لتأسيس الشركة ويتم تقدير الحصص العينية لاحتسابها في رأس مال الشركة، على ان يعتبر الشريك مسؤولاً عن أية مبالغة في تقدير الحصص العينية في شركة الشخص الواحد اذا زادت قيمة الحصة العينية في أمواله الخاصة حماية للغير الذين يتعاملون معه(61). وقد ألزمت المادة (4/3) من قانون الشركات الفرنسي الشريك الوحيد تعيين خبير مختص لأغراض تقييم الحصص العينية شركة الشخص الواحد إذا زادت قيمة الحصة العينية عن (50) ألف فرنك أو اذا زادت قيمتها عن نصف رأس مال الشركة، ولكن لا يجوز له تقديم حصة عمل كجزء من رأسمال الشركة ( م38/2 ) من القانون الفرنسي .
ولا يتصور وجود ركن نية المشاركة في شركة الشخص الواحد اذ ان الركن يفترض وجود اكثر من شريك في الشركة وهذا غير متوافر في هذا النوع من الشركات. الا ان المقصود بهذا الركن – كما يرى البعض(62)– هنا هي المصلحة العامة التي تعود على الشركة كشخص اعتباري، ولكن مثل هذا التفسير لركن نية المشاركة غير واضح وغير محدد اذ ان المنفعة التي تعود على الشركة في حالة شركة الشخص الواحد هي ذاتها مصلحة الشريك الوحيد .
وبخلاف الصعوبات المتعلقة بالاركان الموضوعية لشركة الشخص الواحد السبق ذكرها, فانه لا توجد صعوبات فيما يخص الأركان الشكلية وهي الاجراءات التي يجب اتباعها لتأسيس هذه الشركة.(63) وتخضع اجراءات تأسيس شركة الشخص الواحد للأحكام التي تطبق على الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة نفسها مع مراعاة طبيعة هذه الشركة.
أما بخصوص انقضاء شركة الشخص الواحد, فتنقضي بالاسباب العامة التي تخضع لها الشركات عادة وهي: انتهاء مدة الشركة اذا كانت الشركة محدودة المدة (64) ، تحقيق الغاية التي اسست الشركة من أجلها(65) أو استحالتها(66)، افلاس الشركة (67)، هلاك رأسمال الشركة وقيام الشريك الوحيد بحل الشركة بارادته المنفردة(68).
إلا أن هناك اسباباً خاصة تبرر انقضاء شركة الشخص الواحد كوفاة الشريك الوحيدة (69) تعطل سير العمل في الشركة كاختفاء الشريك وبقاء الشركة بدون شريك(70)، وهناك حالتان لانقضاء شركة الشخص الواحد في القانون الفرنسي لسنة 1985 وهما: لا يجوز للشخص الطبيعي انشاء أكثر من شركة شخص واحد كما لا يجوز لشركة الشخص الواحد انشاء شركة أخرى بشخص واحد(71).
المطلب الثالث : ادارة الشركة
يتولى ادارة شركة الشخص الواحد مدير قد يكون هو الشريك الوحيد وقد يكون المدير من خارج الشركة مع مراعاة أن إدارة الشركة المساهمة العامة مناطه بأكثر من جهة، إذ يتولاها مجلس الإدارة والمدير العام، ومن شروط عضوية مجلس الإدارة أن يكون العضو مساهماً في الشركة (م133)، أما المديرالعام فيعينه مجلس الإدارة من ذوي الكفاءة وتحدد صـلاحياته من قبـل مجـلس الإدارة (م 153/أ). ولا بد من ان يكون المدير شخصاً طبيعياً على الرغم من عدم ذكر ذلك صراحةً بموجب المادتين (60/أ و 72/ب مكرر) من قانون الشركات الأردني وذلك على خلاف المادة السادسة من القانون الألماني التي نصت صراحة على ان يتولى ادارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة سواء أكانت فردية ام متعددة الشركاء مديراً واحداً او عدة مديرين من الأشخاص الطبيعيين، وكذلك المادة (49) من قانون 1966 الفرنسي التي اشترطت في مدير شركة الشخص الواحد ان يكون شخصاً او عدة أشخاص طبيعيين وكذلك المادة (282) من قانون الشركات الإنجليزي عام 1985 التي تشـترط في مدير الشـركة المسـاهمة الخصوصية ( شركة ذات مسؤولية محدودة ) ان يكون شخصاً طبيعياً .
ويعين مدير الشركة لمدة اربع سنوات (م 60/أ و 72/أ مكرر ) سواء أكان المدير هو الشريك الوحيد للشركة ام غير ذلك، ويمكن للشريك الوحيد تحديد مدة المدير لانه يمثل الهيئة العامة للشركة ويمكن له ان يقيله كذلك مع ملاحظة انه يمكن للمدير المقال من عمله من قبل الشريك الوحيد ان يطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحق به جراء عزله في وقت غير مناسب او دون مبرر مقبول (م864 مدني اردني ). كما يمكن لمدير الشركة ايضاً ان يستقيل من موقعه على ان تكون استقالته مبررة وفي وقت مناسب والا اعتبر متعسفاً لحقه ويلزم بتعويض الشركة عما لحقها من عطل وضرر (م866/1 مدني اردني ).
ويكون لمدير الشركة الصلاحيات الكاملة في ادارة الشركة في الحدود التي يبين نظامها الأساسي(72)، وتُلزم الشركة بأعمال وتصرفات المدير في مواجهة الغير حسن النية على الرغم من أي قيد يرد في نظام الشركة اوعقد تأسيسها(م60/ب).
وقد اكدت المادة (37) من القانون لألماني والمادة (49/6) من قانون 1966 الفرنسي والمادة (35/أ/1) من قانون الشركات الانجليزي على حماية الغير حسن النية بحيث لا يجوز التمسك في مواجهة الغير حسن النية بأية قيود ترد على سلطات المدير. وقد افترض المشرع الأردني حسن النية فيمن يتعامل مع الشركة من الغير ما لم يثبت عكس ذلك مع التأكيد على ان الغير غير ملزم بالتحقق من وجود أي قيد على صلاحيات المدير (م 60/ج) . لذلك يقع لزاماً على عاتق مدير الشركة ان يعد الموازنة السنوية للشركة وحساباتها الختامية بما في ذلك حساب الأرباح والخسائر والايضاحات المرفقة، مدققة جميعها من مدققي حسابات قانونيين. كما يجب عليه اعداد التقرير السنوي عن اعمال الشركة وانجازاتها ومشاريعها وتقديمها لمراقب الشركات مرفقة بالتوصيات المناسبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة المالية الجديدة للشركة ( م62و75 مكرر).
ولا مجال لتطبيق الحظر الوارد في المادتين (63/أ و 74/ب مكرر ) على مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة اذا كان المدير هو الشريك الوحيد والخاص بتولي وظيفة في شركة اخرى ذات غايات مماثلة او منافسة لأعمال الشركة او ممارسة عمل مماثل لأعمال الشركة سواء لحسابه او لحساب الغير بأجر او بدونه او الاشتراك في ادارة شركة اخرى ذات غايات مماثلة او منافسة لأعمال الشركة وذلك لأن هذا الحظر يمكن تجنبه بموافقة الهيئة العامة بأغلبية 75% من الحصص المكونة لرأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة وبموافقة مجلس الادارة في الشركة المساهمة الخاصة، وبما ان مدير الشركة في هذا الحالة يملك 100% من رأسمال الشركة فالأغلبية متوافرة وبما ان مجلس الادارة في الشركة المساهمة الخاصة يتمثل في شخص المساهم الوحيد في الشركة فالموافقة حاصلة، كما ان العلة من الحظر وهي منع منافسة الشركة لا وجود لها مع شركة الشخص الواحد. اما اذا كان مدير الشركة الشخص الواحد غير الشريك الوحيد فإنه يمنع عليه مباشرة الأعمال السابقة الا اذا حصل على موافقة الشريك الوحيد .
واذا ما قام مدير الشركة (على فرض بأنه غير الشريك) بالأعمال السابقة دون الحصول على موافقة الشريك الوحيد يمهله مراقب الشركات مدة ثلاثين يوماً من تاريخ عمله بذلك لتوفيق اعماله، فإن لم يصوب اوضاعه يعاقب بغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد عن عشرة آلاف دينار مع الزامه بالضرر الذي لحق بالشركة ، ويعتبر المدير فاقداً لوظيفته اذا ما استمرت المخالفة في حالة الشركة ذات المسؤولية المحدودة وبغرامة لا تزيد على الف دينار في حالة الشركة المساهمة الخاصة (م63/ب و74/ج مكرر). وتقوم مسؤولية مدير الشركة تجاه الغير اذا كان الشريك الوحيد هو مدير الشركة وتجاه الشريك والغير اذا كان المدير هو غير الشريك لارتكابه أي مخالفة لأحكام قانون الشركات والأنظمة الصادرة بموجبه ولعقد تأسيس الشركة ونظامها (م61 و 73 مكرر) .
المطلب الرابع : رأس مال شركة الشخص الواحد
إن الحد الأدنى لرأسمال شركة الشخص الواحد في إطار الشركة ذات المسؤولية المحدودة هو ثلاثون الف دينار اردني (م54/أ ). ويمكن للشريك الوحيد ان يقدم جزءً من رأسمال الشركة على شكل حصة عينية ولكن لا يجوز له ان يقدم كل رأس مال الشركة على شكل حصة عينية لأنه يحتاج الى سيولة لمباشرة اعمال الشركة. الا ان المادة (58) تلزم الشريك الوحيد اذا ما اراد ان يقدم جزءً من رأسمال الشركة حصة عينية
ان يحافظ عليها الى حين تسجيلها بإسم الشركة ونقل ملكيتها اليها، واذا لم يقم بهذا الالتزام يبقى مديناً بدفع قيمتها نقداً وفق السعر المعتمد عند تحرير نظام الشركة. ولمراقب الشركات ان يطلب ما يثبت صحة تقدير قيمة الحصص العينية، وتعتبر حقوق الاختراع والمعرفة الفنية وغيرها من الحقوق المعنوية من المقدمات العينية .
ويجب على الشريك الوحيد في الشركة ذات المسؤولية المحدودة ان يقدم ما يثبت انه قد دفع ما لا يقل عن 50% من راسمال الشركة خلال السنتين التاليتين لتسجيلها (م59/ب). وهذا المبلغ هو الضمان لمجموع الدائنين نظراً لمسؤولية الشريك المحدودة عن ديونها والتزاماتها .
وقد استلزم القانون الألماني حداً ادنى لرأسمال شركة الشخص الواحد قيمته (50.000) مارك الماني يكتتب فيها الشريك الوحيد بكاملها وقت التأسيس (م5)، كما اشترط القانون الفرنسي ان لا يقل رأسمال هذه الشركة عن (50.000) فرنك فرنسي الا انه لم يشترط الاكتتاب بكامل الحصة مباشرة وقت التأسيس(م35)، في حين لم يشترط القانون الانجليزي حداً ادنى لرأسمال هذه الشركة. ونرى انه من الضروري وضع حد ادنى لرأسمال هذه الشركة على اعتبار انه الضمان الوحيد للدائنين وفي ظل المسؤولية المحدودة للشريك عن ديون هذه الشركة والتزاماتها وزيادة رأسمالها الى خمسين الف دينار اردني، كما انه من الأفضل دفع هذا المبلغ الكامل عند تأسيس هذه الشركة وذلك لضمان جدية هذه الشركة. اما الحد الأدنى لرأسمال الشركة المساهمة الخاصة فهو مجموع القيم الاسمية لأسهم الشركة والذي يجب ان لا يقل عن خمسين الف دينار اردني (م 69 مكرر) ولا يمكن تسجيل هذه الشركة ما لم يقدم المساهم الوحيد ما يثبت انه قد دفع بالفعل ما لا يقل عن خمسين الف دينار (م 69/ب مكرر).
ولذلك يقترح البعض(73) – وبحق – من انصار شركة الشخص الواحد وضع حد ادنى لرأسمال هذه الشركة يفوق الحد الأدنى لرأسمال الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة المكونة من اكثر من شريك وذلك لأن رأسمال شركة الشخص الواحد هو الضمان الوحيد لهذه الشركة في ظل غياب رقابة باقي الشركاء على بعضهم البعض كونها مكونة من شريك وحيد. كما لا بد من ضمان الوجود الفعلي لرأسمال هذه الشركة من خلال اشتراط دفع كامل رأسمال هذه الشركة المسجل فوراً عند تسجيلها، وهذا ما فعله المشرع الأردني بخصوص الشركة المساهمة الخاصة ( م 69/ب). ولا بد من مراقبة تقييم الحصص العينية التي قد يقدمها الشريك الوحيد بهدف حماية دائني الشركة، هذا الى جانب تقدير مسؤولية الشريك الوحيد عن الفرق بين التقدير الحقيقي والتقدير المبالغ فيه للحصة العينية. كما لابد من تقديم كفالة مصرفية بقيمة الحصة العينية وهذا من شأنه أن يؤدي إلى إطمئنان الغير عند الوجود الحقيقي لرأسمالي الشركة(74)
ويجب ان تخضع شركة الشخص الواحد الى رقابة مالية يتولاها مراقب حسابات يعين من خلال مراقب الشركات وذلك لضمان عدم الخلط بين اموال الشريك الشخصية واموال الشركة وذلك من خلال تدقيق حسابات الشركة. ولا بد من الافصاح عن الصفة الفردية والمحدودة للشركة سواء من خلال عقد التأسيس او من خلال العقود والمستندات والفواتير والاعلانات الصادرة عنها. وتتحول مسؤولية الشريك المنفرد من مسؤولية محدودة الى مسؤولية شخصية في كل أمواله وذمته المالية اذا ما ثبت غشه وتحايله ومحاولته الخلط بين الذمة المالية للشركة وذمته المالية الخاصة.
المطلب الخامس : الذمة المالية للشركة
تتمتع شركة الشخص الواحد بشخصية معنوية مستقلة عن شخصية الشركاء ، ويعود الاعتراف بالشخصية المعنوية المستقلة للشركة بشكل عام الى القرون الوسطى مع ظهور شركات التوصية البسيطة وشيوعها في التجارة البرية، كما تعمقت هذه الفكرة بانشاء شركات الاسهم في بداية العصر الحديث مع وجود حركات الاستكشاف البحري ورحلات التجار التي قادتها الدول البحرية(75).
وتعتبر الشخصية المعنوية الأساس القانوني لشركة الشخص الواحد، إذ بعد أن كان ينظر للشخصية المعنوية للشركة على أنها مرتبطة بتعدد الشركاء لقيامها أصبح ينظر لها على عدم ارتباطها بفكرة تعدد الشركاء واصبح بإمكان شخص واحد أن ينشيء شركة بمفرده دون حاجة الى شركاء آخرين بسبب الضرورات العملية، وذلك بعد تعديل المفاهيم التقليدية في كل من قانون الشركات والقانون المدني وضمان حماية الغير(76) .
ان تبني نظام تجزئة الذمة المالية للمستثمر من خلال مباشرة شركة من شخص واحد يخالف مبدأ وحدة الذمة المالية الذي يقوم اساساً على ان جميع اموال المدين ضامنة للوفاء بديونه (م 365 من القانون المدني الأردني). إذ بموجب شركة الشخص الواحد يمكن لتاجر أن يخصص جزءً من أمواله لأغراض التجارة في إطار شركته وتكون هذه الأموال هي فقط الضامنة لديون هذه الشركة ولن تكون أمواله الأخرى ضامنة لديونه الخاصة بالشركة.
إن هناك خطر الإختلاط بين الذمة المالية لشركة الشخص الواحد والذمة المالية للشريك الوحيد من حيث الأموال أو الإلتزامات، ويزداد هذا الخطر في حالة وجود أكثر من ذمة مالية للشريك الوحيد. ويعود هذا الخطر إلى صعوبة وضع حدود فاصلة بين أموال الشريك الوحيد الخاصة وأمواله التي خصصها للإستثمار في شركة الشخص الواحد، لذلك يجب وضع نصوص قانونية تمنع مثل هذا الإختلاط. كما يمكن أن يحدث الإختلاط في الإلتزامات الخاصة بالشريك الوحيد وإلتزامات شركة الشخص الواحد(77). ومثل هذه المخاطر تدفع البنوك إلى طلب كفالات شخصية من قبل الشريك الوحيد إذا ما اراد الحصول على قرض لمصلحة الشركة وهذا مما يؤدي إلى إهدار الفائدة المرجوة من تحديد مسؤولية الشريك الوحيد (78). ولذلك إقترح البعض(79) تعطيل مبدأ تحديد المسؤولية إذا ثبت أن هناك خلطاً بين الذمة المالية الشخصية للشريك الوحيد وذمة الشركة وقصر أنشاء شركة الشخص الواحد على المشروعات الصغيرة وتحديد حد أدنى لرأسمال هذه المشروعات.
لكل ما سبق، فإننا نرى أنه يجب تحديد مكونات وقيمة الأموال التي تدخل في ذمة التخصيص ( الذمة المالية لشركة الشخص الواحد)، ووضع حد أدنى لرأسمال هذه الذمة المالية، وفرض رقابة على حقيقة هذه الأموال وقيمتها، ويمكن لصاحب الشركة إدارة هذه الذمة المالية كما قد يسمح للغير بإدارتها شريطة تحديد سلطات وحقوق هذا الغير، على أن يراعى في هذا الشأن إجراءات النشر والشهر لدى السجل التجاري بهدف حماية دائني الشركة بخصوص مشروعه التجاري.
المطلب السادس:- عدم وجود تنظيم قانوني مستقل للشركة
أشارت المادتان (53/ب و 65 /أ مكرر) من قانون الشركات الأردني إلى إمكانية تسجيل شركة ذات مسؤولية محدودة مؤلفة من شريك واحد وشركة مساهمة خاصة مؤلفة من شخص واحد، كما أشارت المادة (90/ب) من ذات القانون بعد التعديل إلى إمكانية أن تؤول ملكية شركة مساهمة عامه إلى مساهم واحد دون إيجاد أحكام قانونية خاصة بتنظيم هذه الأنواع من الشركات. ويستفاد من ذلك إتجاه نية المشرع نحو تطبيق الأحكام القانونية المتعلقة بالشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة من شركيين أو أكثر على الشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة من شريك واحد وتطبيق أحكام الشركة المساهمة الخاصة المؤلفة من شريكين على الشركة المساهمة الخاصة المؤلفة من شخص واحد وبتطبيق أحكام الشركة المساهمة العامة المملوكه من أكثر من مساهم على الشركة المملوكه من مساهم واحد ما عدا تلك الأحكام التي تتنافى مع فكرة وجود شريك وحيد في الشركة.
إلا أن الأحكام القانونية التي تنظم كل من الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة والشركة المساهمة العامه لا تسعفنا في الإجابة على كثير من التساؤلات المتعلقة بشركة الشخص الواحد ومنها: مدى قدرة الشخص الواحد على إنشاء شركات شخص واحد أخرى بشكل واضح؟ وهل يفهم من عدم وجود نص خاص يعالج هذه المسألة أن الأصل في الأمور الإباحة، وبالتالي يجوز للشريك الوحيد إنشاء شركات شخص واحد أخرى أم يمنع عليه ذلك؟ وإذا منعنا الشريك الوحيد من إنشاء شركات شخص واحد أخرى فإن هذا قد يدفعه إلى إنشاء شركات وهمية يكون هو المالك الفعلي لها وهي من المبررات الهامة لإنشاء شركة الشخص الواحد كما أشرنا سابقاً. وإذا ما سمحنا للشريك الوحيد إنشاء شركات شخص واحد أخرى أدى ذلك إلى تقسيم ذمته المالية إلى ذمم مالية صغيرة مما يلحق ضرر بالدائنيين الذين تشكل الذمة المالية للشركة ضمانهم الوحيد.
كما لم ينظم المشرع الأردني مدى مسؤولية الشريك الوحيد عن الخلط بين ذمته المالية الخاصة والذمة المالية للشركة فكل من الذمتين مستقلتين ولا يجوز الخلط بينهما، كأن يظهر الشريك الوحيد للغير بأنه يتعامل لحساب الشركة في حين أنه يتعامل لحسابه الخاص، ولذلك فإن إخفائه لإيراد أعماله في الشركة في ذمته المالية العامة سوف يضر بدائني الشركة حتى لا يكون بمقدورهم الحجز عليها لأن مسؤولية الشريك الوحيد محدودة في نطاق الأموال التي خصصها لمباشرة أعمال الشركة. ولم يوفر القانون حماية للغير إذ لم يفرض التدخل الإجباري لمراقب الحسابات، ولم يعالج الإتفاقات التي تتم بين الشريك الوحيد والشركة خاصة إذا لم يحافظ الشريك الوحيد على الفصل الواجب بين ذمته الشخصية وذمة الشركة(80).
وإذا كان المشرع الأردني قد نظم بقاء الشركة ذات المسؤولية المحدودة المؤلفة من أكثر من شريك وإقتصارها على شخص واحد، وهي الطريقة غير المباشرة لتأسيس شركة الشخص الواحد نتيجة إجتماع حصص الشركة في يد شريك واحد، كما اٍعترف بالطريقة غير المباشرة لتكوين الشركة المساهمة الخاصة وذلك عندما أجاز أن يصبح عدد مساهمي هذه الشركة شخصاً واحداً بعد أن تكون قد سجلت من شريكين أو أكثر (65/أ مكرر). فقد كان الأجدر به أن يجيز إستمرار شركة التضامن رغم إقتصارها على شريك واحد نتيجة وفاة أو إنسحاب باقي الشركاء لا أن يجعلها محلولة حكما بعد إعطاء الشريك الوحيد مهلة ثلاثة أشهر لتصويب أوضاع الشركة (م 28/د)، خاصة إذا ما علمنا أن مسؤولية الشريك الوحيد مسؤولية شخصية غير محدودة في شركة التضامن وهذا من شانه أن يزيد من ضمانات الدائنيين في الحصول على ديونهم أكثر من الشركة ذات المسؤولية المحدودة.
الخــاتمة
مما سبق يمكن القول بأن هناك ضرورة لتبني شركة الشخص الواحد كفكرة تبناها المشرع الأردني في إطار الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة الخاصة وذلك لأغراض الإنفراد في الإدارة وتشجيع الإستثمار، الا أن هذه المبررات لا تجد لها مكاناً بخصوص الشركة المساهمة العامة التي يجب أن تبقى بعيده عن إمكانية أن يتملكها مساهم واحد. وفي كل الأحوال لا بد من إيجاد نصوص قانونية تعالج كافة المسائل المتعلقة بشركة الشخص الواحد ، وفي هذا السياق فإننا نقترح ما يلي:-

لا بد من إيجاد أسس وضوابط واضحة وصريحة تساعد مراقب الشركات في تنسيبه لوزير الصناعة والتجارة بالموافقة على تسجيل شركة شخص واحد في إطارالشركة المساهمة الخاصة وكذلك في حالة الشركة المساهمه العامه التي تؤول ملكيتها لمساهم واحد، مع التأكيد على تحفظنا السابق بخصوص عدم جواز إنشاء شركة شخص واحد في إطار الشركة المساهمة العامة. إذا اقتصرت المادتان (65/أ مكرر و90/ب) من قانون الشركات الأردني على ذكر “تنسب مبررً دون توضيح معيار وضابط هذا التنسب. وهذا التعديل سوف يساعد على التقليل من تحكم جهة الإدارة في الموافقة على تسجيل هذا النوع من الشركات، وهذا ما فعله قانون الشركات الأردني بخصوص الشركة ذات المسؤولية المحدودة (م53/ب).

تعديل نص المادة (28/د) بحيث تسمح بإستمرار شركة التضامن بشريك واحد إذا ما آلت إليه جميع حصص الشركاء الأخرين نتيجة الوفاة آو الانسحاب وعدم اعتبار الشركة منحلة حكماً إذا لم يتمكن الشريك الوحيد من إيجاد شريك أو شركاء آخرين خلال ثلاثة اشهر ، خاصة مع وجود المسؤولية الشخصية للشريك المتبقي عن خسائر وديون الشركة.

تعديل نص المادة ( 582) من القانون المدني الأردني والتي تعرف الشركة بأنها عقد وذلك بإضافة أن الشركة قد تنشأ بعقد او إرادة منفردة لكي يستوعب النص الجديد تأسيس شركة من شخص واحد، وفي حال تعديل المادة (582) من القانون المدني الأردني لا بد من تعديل المواد (53/ب، 65/مكرر و90/ب) من قانون الشركات.

لا بد من إضافة نصوص قانونية جديدة تعالج النقاط التي تخص شركة الشخص الواحد منها:-
الإشارة صراحة إلى إمكان الشخص الاعتباري تكوين شركة شخص واحد.
بيان مدى إمكانية الشخص الواحد تكوين اكثر من شركة شخص واحد.
وضع ضمانات إضافية لشركة الشخص الواحد كرفع الحد الأدنى لرأسمال هذه الشركة والتأكد من دفع رأس المال بالكامل عند تأسيس الشركة وعدم السماح بتقسيطه .
وضع جزاءات في حالة الخلط بين الذمة المالية الخاصة للشريك والذمة المالية لشركة الشخص الواحد.
هـ- وضع نصوص قانونية خاصة بتنظيم الرقابة المالية على أعمال شركة الشخص الواحد من خلال تعيين مدقق حسابات من قبل مراقب الشركات.
إلغاء المادة (36) من القانون المعدل لقانون الشركات رقم (40) لسنة 2002 والتي سمحت بموجبها تملك مساهم واحد لشركة مساهمة عامة وإبقاء الوضع على ما كان عليه قبل التعديل

اعادة نشر بواسطة محاماة نت